فشل، فأزمة، فسكرات الموت: العدوان على إيران وما الذي يحدث؟
مشعل يسار
الحوار المتمدن
-
العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 01:24
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
كما كان متوقعًا، لعب العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران الدور الجيوسياسي نفسه الذي لعبته محاولة بريطانيا وفرنسا، بدعم إسرائيلي، احتلال قناة السويس عام ١٩٥٦. فقد أغلقت تلك المغامرةُ في نهاية المطاف الدورة النظامية البريطانية القرنية (الممتدة قرناً من الزمن) لتراكم رأس المال (1) والنظام الاقتصادي العالمي الاستعماري المرتبط بها. وبعد أن أُجبِرت هذه القوى الاستعمارية العظمى سابقاً على الانسحاب من مصر تحت ضغط الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، بات واضحًا للجميع أنه قد تم تأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد، تتوسطه هاتان القوتان العظميان.
إن فشل العدوان الأمريكي الإسرائيلي ورفض الدول التابعة لحلف الناتو المشاركة فيه يجعلان من تفكك "السلام الأمريكي Pax Americana"، الذي كتبنا عنه سابقًا، أمرًا جليًا. وسيتبع ذلك تصاعد الأزمة المالية العالمية، التي أشعل فتيلها الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز. سيؤدي ذلك إلى موجة عارمة من حالات التخلف عن سداد العقود والإفلاس، مما سيفضي إلى انهيار فقاعات مالية ضخمة، بدءًا من التضخم الهائل في القيمة السوقية لشركات الذكاء الاصطناعي وصولًا إلى هرم (مخطط بونزي Ponzi scheme) المشتقات المالية بقيمة 2.4 كوادريليون دولار. وبالنظر إلى أن شركة بلاك روك BlackRock وبعض الشركات المالية العالمية الكبرى الأخرى تعاني من حالة تعثر فني، فإن هذه الأزمة قد بدأت بالفعل. وستقضي على النظام النقدي والمالي العالمي القائم على الدولار.
ومع إدراك الجماهير لعجز الإدارة الأمريكية الحالية عن "إعادة عظمة أميركا"، فإن هذه ستزداد عدوانيتها. وأمام خطر فقدانها السلطة، قد تُصعّد واشنطن الحربَ الهجينة العالمية التي أطلقتها بعد الأزمة المالية عام 2008، بما في ذلك استخدام الأسلحة النووية. وقد يلجأ قادة الولايات المتحدة وإسرائيل الحاليون إلى هذا الخيار كملاذ أخير للتشبث بالسلطة، إن لم يكن على الصعيد العالمي، فعلى الأقل على الصعيد الوطني. مع أنهم قد يكونون يعتقدون أن توحيد صفوفهم في الحرب ضد إيران سيعزز هيمنتهم العالمية. هذا العامل الذاتي، نظرًا لخطورته العالمية، يستدعي دراسة متأنية.
... لقد تمّ توصيف استراتيجية واشنطن في الحرب الهجينة العالمية التي أشعلتها مرارًا وتكرارًا أعلاه. وهي تستند إلى خطة بريجنسكي ذات المراحل الخمس: تحويل أوكرانيا إلى قوة معادية لروسيا؛ فصل أوروبا عن روسيا؛ إشعال ثورة ملونة في روسيا وتنصيب عملاء المخابرات الأمريكية في السلطة؛ تدمير إيران؛ وعزل الصين وتجويعها. وقد تجلّت الطبيعة غير الواقعية لهذه الاستراتيجية المجنونة وعواقبها الكارثية على الولايات المتحدة نفسها في كتابي "الحرب العالمية الأخيرة: الولايات المتحدة تبدأها وتخسرها" (2). والتوقعات التي وردت فيه قبل عقد من الزمن تتحقق بدقة مذهلة. فكما كان متوقعًا، انهار السلام الأمريكيPax Americana ، وازدادت الصين قوة نتيجة لهذه الحرب، وانتقل مركز الاقتصاد العالمي إلى شرق وجنوب آسيا. لقد بدأت سكرات احتضار الهيمنة العالمية للنخبة الحاكمة الأمريكية، وهي فترة قد تصبح كارثية. وهناك سيناريوهان لنهاية الدورة النظامية القرنية الأمريكية لتراكم رأس المال. يفترض السيناريو الأول، وهو السيناريو العقلاني، أن تدرك النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة واقع ظهور نظام اقتصادي عالمي جديد، وطبيعة هيكله المؤسسي المتكاملة، واعترافها بتحول مركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو شرق وجنوب آسيا نتيجةً قيام نظام أكثر فعالية في إدارة تنمية الاقتصادين الصيني والهندي، وأن تتكيف الولايات المتحدة مع هذه التغيرات مع حفاظها على ريادتها في المجالات العلمية والتكنولوجية والمالية، فضلاً عن المنظمات الدولية.
لكن لسوء الحظ، انزلقت النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة إلى سيناريو مختلف، سيناريو المواجهة، حيث صعّدت باستمرار من حدة الحرب الهجينة العالمية التي أشعلتها. وحتى بدء الهجومِ على إيران، كانت الولايات المتحدة تشن هذه الحرب في أوروبا، على حساب الاتحاد الأوروبي وروسيا بشكل أساسي، روسيا التي صودرت احتياطياتها من العملات الأجنبية لتمويل هذه الحرب. وكما كان الحال سابقاً، تُشن الحرب في أوروبا لصالح الولايات المتحدة، التي شهدت نهضة إثر الحربين العالميتين الأولى والثانية بفضل تصدير رؤوس الأموال والكفاءات من أوروبا. وبعد أن حققت الإدارة الأمريكية النجاح السريع باختطاف الزعيم الفنزويلي وفرض سيطرتها على صادرات فنزويلا النفطية، وثقت بقدرتها المطلقة وبدأت بتنفيذ المرحلة الرابعة من خطة بريجنسكي، رغم فشل المرحلة الثالثة (أي الثورة الملونة في روسيا). كيف سيتطور هذا السيناريو، وهل ستتمكن النخبة الحاكمة الأمريكية من الغلبة فيه والخروج منه؟
لا يمكن للتحالف الأمريكي الإسرائيلي كسب الحرب ضد إيران، المدعومة من مركزَي القوة الاقتصادية العالمية الجديدة - الصين بشكل مباشر، والهند بشكل غير مباشر، وروسيا. في الوقت نفسه، يسود الارتباك وعدم الاستقرار في أوساط حلفاء الناتو، فضلاً عن الانقسام داخل النخبة الحاكمة الأمريكية نفسها. فقد رفضت إسبانيا منحها أجواءها، ويخسر الحزب الجمهوري أغلبيته في مجلسَي الكونغرس في انتخابات الخريف المقبلة، ويلوح في الأفق خطر عزل ترامب. يواجه ترامب خيارًا صعبًا: إما تصعيد الحرب ضد إيران أو الاستقالة حتما. ونظرًا لطبيعته وخصائصه النفسية، من المرجح أن يختار التصعيد. لكن التحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يملك أي أفضلية في هذا المسا أية آفاق من دون استخدام الأسلحة النووية. ولن يردعه عن استخدامها إلا استعراضٌ إيران لأسلحتها النووية. فإذا لم تكن تمتلكها فعلاً، فإن الابتهاج بصدّ العدوان سابقٌ لأوانه. لهذا كان تاكر كارلسون، صاحب الحدس السليم، محقاً في دق ناقوس الخطر بشأن احتمال وجود نية لدى ترامب لإلقاء قنبلة نووية على إيران.
إن تصعيد الحرب إلى حرب نووية سيُغرق الشرق الأوسط بأكمله، بما فيه إسرائيل، في كارثة بيئية واجتماعية. في هذه الحالة، سيزداد ازديادا كبيرا احتمال تفعيل استراتيجية إعادة توطين الإسرائيليين على نطاق واسع في أوكرانيا، التي سبق ذكرها في هذه السلسلة من المقالات. ولتنفيذ ذلك، كل ما يتبقى هو إجبار حليفهم، زيلينسكي، على إنهاء الحرب وإنشاء منطقة حكم ذاتي من أربع مقاطعات تمتد من أوديسا إلى دنيبروبيتروفسك، استولت عليها القوات المسلحة الأوكرانية أو أجبرت على مغادرتها غالبية السكان الذكور المحليين.
سيُحدث استخدام الأسلحة النووية صدمةً في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في الوعي العام للدول الغربية. ولتجنب العزل، لن يكون أمام ترامب خيار سوى الاستيلاء بالقوة على السلطة في الولايات المتحدة. في هذه الحالة، قد تُعلن الولايات التي يسيطر عليها الديمقراطيون عصيانها، مما يُهدد بتفكك الولايات المتحدة. أما رد فعل النخب السياسية الأوروبية فغير واضح. فمن جهة، قد يُطيح الجزء المسلم والمسالم من الناخبين بالسياسيين الحاليين ذوي النزعة الانتقامية والمعادية لروسيا. ومن جهة أخرى، قد تُثبت سياستهم في ترهيب السكان بـ"تهديد روسي" وهمي نجاحها عبر دفعهم إلى الخوف. في الحالة الأخيرة، ينتظرنا خطر تصعيد المعاداة لروسيا، مما قد يُؤدي إلى مواجهة مسلحة مباشرة معها عبر جرّ حلف الناتو إلى الصراع، وهو ما يتوقعه الصقور الأوروبيون بنهاية العقد. ورغم أن هذا السيناريو يبدو غير واقعي، إلا أن العديد من السياسيين والمسؤولين الأوروبيين يُروجون له علنًا، بل ويُحددون السنوات التي قد يبدأ فيها. فلنأمل ألا يكون هذا إلا محاولة لحشد ما تبقى من الناخبين، ولكن للكلمات تأثيرها. وتستحق دعوات الانتقاميين لتزويد القوات المسلحة للدول الأوروبية بالأسلحة النووية كل اهتمام هنا.
على أي حال، ونظرًا لتزايد احتمالية تصاعد الحرب الهجينة العالمية، فإن روسيا والصين والهند، بوصفها الدول الأقوى في أوراسيا، بحاجة ماسة إلى وضع خطة لمنع تصعيدها إلى حرب نووية حرارية، وذلك من خلال تشكيل تحالف قوي مناهض للحرب. وقد وردت المبادئ الأساسية لتشكيل هذا التحالف في الكتاب المذكور آنفًا، "الحرب العالمية الأخيرة: الولايات المتحدة تبدأها وتخسرها". وتشمل هذه المبادئ إنشاء نظام نقدي ومالي مستقل عن الغرب، بالإضافة إلى فرض حظر على استخدام تكنولوجيا المعلومات الأمريكية. واليوم، يجب استكمال هذه المبادئ بتدابير تكامل أمني مناسبة في المجالين العسكري والسياسي أيضًا.
أمر واحد واضح لا لبس فيه: إن التغاضي عن الأمور أكثر مما حصل حتى الآن على أمل انهيار حلف الناتو وغرق الولايات المتحدة في فوضى داخلية أمر بالغ الخطورة في الوضع الراهن. وحتى الآن، أدت الحرب الهجينة العالمية التي شنتها واشنطن إلى تعزيز قوة الصين بشكل ملموس. إنّ الاحتضار الحالي للإدارة الأمريكية يُنذر بخطر سلسلة من ردود الفعل الخارجة عن السيطرة، والتي قد تُغرق العالم في كارثة نووية. داخل الولايات المتحدة، لا توجد قوة سياسية قادرة على تقديم بديل متماسك للترامبية - اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. حتى لو نجحت المعارضة في الإطاحة به، فقد تبقى السياسة الأمريكية على حالها. فوراء عدوانية الإدارة الأمريكية قوى نافذة، من جماعات الضغط العسكرية القديمة إلى أقطاب تكنولوجيا المعلومات الأوليغارشيين الجدد، الذين ينوون البقاء. إلى جانب الاحتكار المالي، الأوليغارشيا المالية، وليس أمامهم خيار سوى الحرب للحفاظ على هيمنتهم العالمية.
هذا هو المسار الذي سلكته بريطانيا، التي لم تعد بريطانيا العظمى، لكنها احتفظت بنفوذها الكبير، مما أدى إلى حصولها على مكاسب اقتصادية هائلة.
بقلم سرغي غلازييف* - ترجمة م. ي.
* سرغي غلازييف خبير اقتصادي وسياسي روسي معروف، ومنذ 17 أبريل 2025، يشغل منصب سكرتير دولة الاتحاد الروسي البيلاروسي.
المصدر: https://zavtra.ru/blogs/agoniya_i_krizis
ملاحظات:
(1)- يرتبط مصطلح "الدورة النظامية القرنية البريطانية لتراكم رأس المال" بنظرية الدورات النظامية لتراكم رأس المال التي وضعها الاقتصادي الإيطالي جيوفاني أريغي، وطوّرها لاحقًا عدد من الباحثين الروس، بمن فيهم الأكاديمي سيرجي غلازييف. ماذا يعني هذا المصطلح؟
الدورة النظامية لتراكم رأس المال هي فترة هيمنة دولة أو مجموعة دول في النظام الاقتصادي العالمي، مرتبطة ببنية تكنولوجية وترتيب مؤسسي محددين. تتكون كل دورة من مرحلتين:
التوسع المادي: وهي فترة نمو في مجال الإنتاج المادي، حيث يتشكل مركز جديد لتراكم رأس المال قائم على تقنيات جديدة.
التوسع المالي: وهي المرحلة التي ينتقل فيها توسع رأس المال إلى المجال المالي، ويتراجع المجال المادي.
تشير الدورة النظامية القرنية البريطانية لتراكم رأس المال إلى فترة هيمنة بريطانيا العظمى على الاقتصاد العالمي. فبحسب تقديرات مختلفة، حدث ذلك بين القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين. خلال هذه الفترة، أصبحت بريطانيا، بالاعتماد على الثورة الصناعية والنظام الاستعماري، رائدة الاقتصاد العالمي. وبلغ اقتصادها ذروته في الفترة ما بين خمسينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر (العصر الفيكتوري)، حين أنتجت صناعتها ما يقارب نصف الإنتاج الصناعي العالمي لتصبح بريطانيا العظمى.
النظام الاقتصادي العالمي المرتبط بالدورة البريطانية هو نظام استعماري. كان قائماً على مؤسسات احتكار التجارة واستغلال المستعمرات، مما مكّن بريطانيا العظمى من تركيز رأس المال وضمان استمرار الإنتاج على نطاق واسع.
كلمة "قرني" في هذا السياق تعني أن الدورة تدوم قرابة قرن (حوالي 100 عام). ففي نظرية أريغي وغلازيف، تستغرق كل دورة نظامية لتراكم رأس المال هذه المدة تقريباً.
الصلة بالنظام الاقتصادي العالمي الاستعماري
ترتبط الدورة القرنية البريطانية ارتباطًا وثيقًا بالنظام الاقتصادي العالمي الاستعماري، إذ استندت هيمنة بريطانيا على:
- استغلال الموارد الاستعمارية؛
- احتكار التجارة؛
- تصدير رأس المال والتكنولوجيا إلى الأقاليم التابعة؛
- نظام مؤسسي يضمن تدفق الموارد ورأس المال إلى المركز.
ويرى بعض الباحثين أن نهاية هذه الدورة ارتبطت بنضوب فرص التنمية القائمة على النظام الاستعماري، وتراكم رأس المال في الصناعات المتقادمة، أي بأزمة هيكلية. وتُعتبر أزمة السويس عام 1956، من الأحداث التي عجّلت بتراجع النفوذ البريطاني والانتقال إلى نظام اقتصادي عالمي جديد.
وبالتالي، فإن "الدورة النظامية القرنية البريطانية لتراكم رأس المال" هي فترة الهيمنة البريطانية على الاقتصاد العالمي التي استمرت قرابة قرن من الزمان، واستندت إلى النظام الاستعماري والتفوق الصناعي.
(2)- الحرب العالمية الأخيرة: الولايات المتحدة الأمريكية تبدأها وتخسرها
/ سرغي غلازييف — دار "كنيجني مير" ("عالم الكتاب")، عام ٢٠١٦ — (مجموعة
نادي إيزبورسك)