مجلس السلام - محاولة جديدة لترسيخ الهيمنة الأمريكية
مشعل يسار
الحوار المتمدن
-
العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 18:13
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
لن يُمثّل هذا الكيان الجديد للحوكمة العالمية (حكم العالم) مصالح الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات، بل سيُمثّل مصالح الشركات الصغيرة غير التقليدية (الكاوبوي) ويُنفّذها.
بقلم إيغور شيشكين
ترجمة م.ي.
في أعقاب مبادرة ترامب لإنشاء "مجلس السلام"، انتشرت موجة من المنشورات حول الأمم المتحدة الحالية: فمن جهة، كُتب وتُحُدِث عن عدم جدواها وعدم فعاليتها، ومن جهة أخرى، عن كونها أداة في أيدي العولميين.
وهذا صحيح:
- لقد أُنشئت الأمم المتحدة بالفعل كهيئة للحوكمة العالمية، وهياكلها مُلائمة تمامًا لأهداف العولميين والحكومة العالمية.
- الأمم المتحدة غير فعالة حقاً، كما أثبتت ذلك مرارًا وتكرارًا.
لكن هذه ليست الحقيقة كاملة.
- كانت العضوية الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ذات أهمية بالغة لحماية المصالح الحيوية للاتحاد السوفيتي.
- لعبت الأمم المتحدة دورًا محوريًا ليس فقط في إنهاء الاستعمار في العالم (أي قمع الدول الاستعمارية الأوروبية بما يشبه "قمع الكولاك"، أغنياء الفلاحين، في الاتحاد السوفياتي،)، بل أيضًا في ضمان عدم وقوع جزء كبير من المستعمرات الأوروبية السابقة في تبعية استعمارية جديدة للولايات المتحدة (ويرجع معظم الفضل في ذلك إلى الاتحاد السوفيتي وعضويته الدائمة في مجلس الأمن(.
- خضعت هياكل الأمم المتحدة لسيطرة العولميين بنتيجةً استسلام غورباتشوف ويلتسين للغرب، وسعيهما للاندماج في اليوتوبيا العالمية.
ويُعزى عدم فعالية الأمم المتحدة بشكل مباشر إلى عدم رغبة أمريكا في حل القضايا عبر حلول وسط مقبولة للطرفين، من جهة، وإلى حق النقض الذي تمارسه الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن (وخاصةً روسيا والصين؛ إذ غابت فرنسا وبريطانيا عن المشهد منذ زمن طويل)، من جهة أخرى.
لذا، فالمشكلة ليست في الأمم المتحدة. تكمن المشكلة في أن استسلام الاتحاد السوفيتي في عهد غورباتشوف والاتحاد الروسي في عهد يلتسين أدى إلى ظهور عالم أحادي القطب. وقد فشلت الأمم المتحدة في التكيف مع هذا العالم الأحادي القطب بفضل ستالين، ومن هنا جاء عجزها المعروف، ومن هنا جاء البحث عن شكل جديد للحوكمة العالمية، والذي لم يكن ترامب من أوائل من بدأوه.
دعوني أذكركم بأن المحاولة الأولى لإنشاء أداة للحوكمة العالمية جرت عقب الحرب العالمية الأولى، ألا وهي عصبة الأمم. فقد قرر الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، مستندًا إلى القوة الاقتصادية الهائلة للولايات المتحدة وحقيقة أن حلفاء الوفاق كانوا غارقين في الديون للمصرفيين الأمريكيين، إنشاء ما يُسمى اليوم بالعالم الأحادي القطب، وجعلَ عصبة الأمم أداةً لحوكمة.
مع ذلك، في نهاية المطاف، تفوقت بريطانيا تمامًا على الولايات المتحدة في مؤتمر فرساي للسلام. فاضطر الأمريكيون إلى التظاهر بأنهم لم يخسروا الشوط، وأنهم فقط انعزاليون ولم يكونوا يرغبون حقًا في الانخراط في عصبة الأمم.
ونتيجةً لذلك، أصبحت عصبة الأمم هيكلاً غير فعال، إذ لم تعد الإمبراطورية البريطانية قادرة على بناء وقيادة عالم أحادي القطب وتحويل الانتصار الدبلوماسي إلى انتصار سياسي.
ثم جاءت محاولة روزفلت كمحاولة ثانية لإنشاء عالم أحادي القطب تكون هيئته الحاكمة هي الأمم المتحدة. في البداية، سعى روزفلت إلى ترسيخ الهيمنة العالمية بطريقة مباشرة للغاية: إنشاء مجلس أمن من أربعة أعضاء (تم توسيعه لاحقًا إلى خمسة) ضمن الأمم المتحدة، وتكون قراراته ملزمة للعالم أجمع، وتُتخذ بالأغلبية. وقد افترض هذا بوضوح إمكانية إجبار الاتحاد السوفيتي على الامتثال لإرادة القوة المهيمنة.
عارض ستالين هذا بشدة، وطالب بحق النقض (الفيتو) كشرط لموافقة الاتحاد السوفيتي على إنشاء الأمم المتحدة. قال أندريه غروميكو آنذاك:
"ليس لدينا مجال للتراجع عن هذا الموقف، تمامًا كما لم يكن لدى قواتنا مجال للتراجع عندما قاتلت في ستالينغراد" .
اضطر روزفلت إلى قبول الموقف السوفيتي، معتقدًا أن ذلك لن يؤدي إلا إلى إبطاء ترسيخ نظام عالمي أحادي القطب وتحويل الأمم المتحدة إلى أداة لحكمه، بالنظر إلى القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة.
لكنه كان مخطئًا.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتسارع وتيرة العولمة (بناء عالم جديد مبهر)، تم بشكل مكثف في عهد بوش الابن بحث فكرة استبدال الأمم المتحدة، التي لم تكن صالحة لإقامة نظام عالمي أحادي القطب نظرًا لحق النقض الذي يتمتع به أعضاؤها الدائمون، بـ"رابطة الديمقراطيات"، على أن يكون حلف شمال الأطلسي (الناتو) بمثابة الهيئة المسؤولة عن إعادة التنظيم الديمقراطي للعالم.
قال السيناتور ماكين McCain: "للأسف، يعجز مجلس الأمن الدولي عن فرض عقوبات فعّالة (على إيران) بسبب معارضة روسيا والصين. لطالما اقترحتُ (إنشاء) "رابطة الديمقراطيات" التي ستلتئم معاً وتتخذ إجراءات ليس فقط بشأن هذه القضية، بل أيضًا بشأن قضايا أخرى للرد على مواقف مثل امتلاك إيران أسلحة نووية."
لكن الولايات المتحدة افتقرت إلى القوة اللازمة لذلك آنذاك.
والآن، نواجه محاولة جديدة من ترامب لإنشاء آلية حوكمة عالمية في صورة "مجلس السلام".
نعم، ترامب عدوٌّ للعولمة الليبرالية. لذا، لن يُمثّل هذا المجلس العالمي الجديد مصالح الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات، بل سيُمثّل مصالح الشركات الصغيرة غير التقليدية (الكاوبوي) ويُنفّذها.
بالنسبة للعولمة الليبرالية، يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية، ومن هنا جاءت ردة الفعل الهستيرية لقادة الاتحاد الأوروبي، حصن العولمة في العالم الحديث.
نعم، هذا الأمر مهمٌّ لترامب أيضاً، إذ يجري إنشاء منظمة، حسبما ورد في التقارير الإعلامية، لا يملك فيها أحد سوى الولايات المتحدة حقّ النقض (الفيتو)، وفي الوقت نفسه، تُهدم الأمم المتحدة، التي ترسّخت فيها مواقع خصومها - العولميين الليبراليين- خلال العقود الأخيرة.
ماذا يعني هذا بالنسبة لبقية العالم، وبالأخص بالنسبة لروسيا؟
لطالما استرشدت روسيا، على مرّ القرون، بمبدأ "المساواة في الريادة".
في مؤتمر صحافي عُقد مؤخراً، أكّد سيرغي لافروف مجدداً على حرمة مبدأ المساواة في السياسة الخارجية الروسية.
"سنتعاون مع شركائنا، ومع جميع الشركاء من الأغلبية العالمية، ومن عداد الدول الغربية مع الراغبين في الحوار مع روسيا ومناقشة مشاريع محددة ذات منفعة متبادلة. وسنتحاور، بالطبع، على أساس مبادئ المساواة."
إن الانضمام إلى منظمة قراراتها ملزمة لأعضائها، في سياق من الواضح فيه أن روسيا ستجد نفسها في موقف الأقلية في العديد من القضايا، سيحد حتماً من سيادة روسيا ويجعل مصالحها رهينة "حسن نية" ترامب. لذا، فإن قصة مجلس السلام تشبه إلى حد كبير قصة الأمم المتحدة الأصلية. ففي ذلك الوقت، حلت قيادة الاتحاد السوفيتي هذه المسألة دون صراع مع الرئيس روزفلت. فلنأمل أن تُحل هذه المسألة الآن أيضاً، دون الإضرار بالعلاقات الروسية الأمريكية أو المساس بسيادة روسيا.