مصداقية الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المحك من جديد ! ( 3-3 )
كاظم المقدادي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 12:06
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
من جديد لعبت الوكالة الدولية ومديرها العام غروسي دورهما المشبوه ضد إيران، إذ أعلن غروسي في تقرير سري أُرسله الى أعضاء الوكالة، في27/1/2026:"إن بعضاً من اليورانيوم الإيراني الأعلى تخصيبا، والقريب من الدرجة اللازمة لصنع الأسلحة، كان مخزنا في منطقة تحت الأرض داخل المنشأة النووية في أصفهان".وأبدى قلقه بشأن عدم قدرة وكالته على التحقق من مخزون طهران من اليورانيوم المخصب، موضحاً:"أن الوكالة تجهل موقع منشأة تخصيب اليورانيوم التي أعلنت إيران عنها في أصفهان. وأنها لا تعلم إيضاً إذا ما كانت المنشأة في أصفهان تحتوي على مواد نووية أو قيد التشغيل".
وذكر تقريره:" أن إيران لم تمنح فرق الوكالة إذن الوصول إلى المنشآت النووية منذ الهجمات الأمريكية والإسرائيلية . لذلك، لا يمكن تقديم أي معلومات حول ما إذا كانت إيران قد علّقت أنشطة تخصيب اليورانيوم، أو بشأن الحجم الحالي لمخزون اليورانيوم المخصب، وتركيبته وموقعه"، مع ان التقرير أكد بأن إيران سمحت لفرق الوكالة بالوصول إلى المنشآت النووية التي لم تتعرض للهجوم.
على أثر التقرير الجديد شنت إسرائيل وأمريكا صباح السبت 28/2/2026، هجوماً جديداً مدمراً على إيران. وكررت إدارة الرئيس الأرعن ترامب ألاعيبها المفضوحة،حيث كانت تتفاوض مع إيران في فيينا، وتسربت معلومات للإعلام بان المفاوضات إيجابية وتحقق تقدماً نحو إتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني يرضي الطرفين، فأوقفت المفاوضات،وهاجمت مع ربيبتها إسرائيل إيران،وقتلت قادة سياسيين وعسكريين بارزين، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى خامنئي،مع زوجته وأولاده وأصهاره وأحفاده، بذريعة ورود معلومات لترامب "تؤكد" ان إيران ستضرب الولايات المتحدة، وستقتله.. كذبها العديد من القادة العسكريين والسياسيين والإعلاميين الأمريكيين.
على أثر العدوان الجديد طلبت إيران وروسيا عقد إجتماع إستثنائي لمجلس محافظي الوكالة الدولية.
وفي يوم الأثنين 2/3/2026 فتحت الوكالة الدولية أبوابها لاجتماع استثنائي رفيع المستوى، لبحث تداعيات الهجوم على إيران، الذ أشعل فتيله للمرة الثانية المدير العام للوكالة، التي تتولى مراقبة البرنامج النووي الإيراني. وأعربت الوكالة عن قلقها البالغ إزاء التطورات المتسارعة. وأكدت في بيان لها أنها "تراقب الموقف عن كثب"، داعيةً "جميع الأطراف المخرطة في النزاع إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس لتفادي أي سيناريو قد يؤدي إلى كارثة نووية تصيب سكان الشرق الأوسط".
وأعلن المدير العام للوكالة في كلمته خلال افتتاح الأجتماع الإستثنائي:"لم يحصل قصف جديد للمنشاَت النووية الأيرانية"، لكن سفير أيران لدى الوكالة الدولية رضا نجفي كذبه قائلآ:" أخبرت المدير العام للوكالة بتعرض موقع نطنز النووي السلمي لهجمات جديدة خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية والأميركية الأخيرة على إيران".
وشوهدت مقاطع فيديو منتشرة على وسائل التواصل الأجتماعي، تظهر فيها سحب ضخمة تشبه شكل "مشروم"(Mushroom Cloud)علامة شبه مؤكدة على إنفجار نووي.فيما نفى غروسي " رصد ارتفاع في مستويات الإشعاع فوق المعدلات الطبيعية في الدول المجاورة لإيران".مع انه حذر: " من أن تصاعد الاشتباك العسكري بين إسرائيل وإيران يُسبب خسائر بشرية، ويزيد من خطر تسرب إشعاع نووي ذي عواقب وخيمة".
حول مخاطر التسرب الاشعاعي على شعوب المنطقة
تعيش شعوب المنطقة الخوف والقلق الشديد من إحتمال انزلاق المنطقة بأسرها إلى حالة من الفوضى الشاملة، التي ستكون لها تداعيات كارثية، إقتصادية وإجتماعية وبيئية وصحية، وتهديد للاستقرار وللسلم والأمن الإقليمي والدولي، وإحتمال أن تؤدي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على أيران الى قصف مفاعلاتها النووية، مرة أخرى وعلى نحو أشد، وإحتمال ان يؤدي القصف الإيراني العشوائي الى إصابة المفاعلات الذرية في دول الخليج، وقد تفلح في ضرب مفاعل ديمونا الإسرائيلي،الأمر الذي سيسبب كارثة بيئية وتلوث اشعاعي خطير يطول المنطقة بأكملها.وهو ما يستوجب التوعية الفورية بما يتطلب معرفته من قبل عامة المواطنين للوقاية من الإشعاع وللسلامة النووية.وأعتقد ان الجهات المختصة المعنية في عدد من دول الخليج باشرت بذلك إستعداداً للطوارئ.
الغريب ان يستبعد مستشار رئيس الوزراء، د. حامد الباهلي، وجود أيِّ تأثيرٍ مباشرٍ في العراق في حال استهداف المفاعلات النوويَّة الإيرانيَّة، مؤكّداً أنَّ إيران اتخذتْ جميع الاحتياطات اللازمة لحماية المنشآت النوويَّة، وللحدِّ من أيِّ تأثيرٍ محتملٍ على الدول المجاورة. وقال الباهلي:" إنَّ العراق يمتلك الخبرات الكافية للتعامل مع أيِّ مخاطر إشعاعيَّةٍ قد تنتج عن أيِّ حادثٍ"، مطمئناً العراقيين:" بعدم وجود أيِّ قلقٍ من القصف على المنشآت النوويَّة الإيرانيَّة" .
وجاءت تصريحاته بعد أن أكّدت الوكالة الدوليَّة للطاقة الذريَّة يوم الاثنين الماضي عدم وجود أيِّ مؤشّرٍ على تعرّض المنشآت النوويَّة الإيرانيَّة للتدمير أو الإصابة، إلّا أنها أشارتْ إلى أنَّ الوكالة "لا تستبعد احتمال حدوث تسرّبٍ إشعاعيٍّ قد يُؤدّي إلى عواقب وخيمةٍ" في إشارةٍ إلى المخاطر المحتملة في حال حصول أيِّ حادثٍ غير متوقع. وأكّد الباهلي أنَّ الإجراءات الإيرانيَّة واحتياطات العراق تجعلان أيَّ تأثيرٍ محتملٍ على البلاد ضئيلاً جدّاً، مشدِّداً على جاهزيَّة الفرق العراقيَّة المتخصِّصة للتعامل مع أيِّ طارئٍ في أسرع وقتٍ ممكن. وأوضح أنَّ "العمل الوقائيَّ يشمل متابعة مستويات الإشعاع ورصد أيِّ تغييراتٍ محتملة، مع وضع خطط طوارئ متكاملةٍ لضمان سلامة المواطنين" ( -"الصباح"،3/3/2026)
الاستاذ الدكتور حامد الباهلي خبير نووي مخضرم.وهو اول من حذر في عام 2003 من خطورة التلوث الاشعاعي الناجم عن قصف موقع هيئة الطاقة الذرية العراقية في التويثة جنوب العراق بذخائر اليورانيوم، ونهب حاويات ومعدات ملوثة بالاشعاع والسموم الأخرى من الموقع ونقلها الى مناطق أخرى.
لكن تطميناته للعراقيين في هذه الأيام والحرب دائرة لم تكن موفقة،خصوصا وان العراقيين قد فقدوا الثقة بالجهات المتخصصة المعنية العراقية واجراءاتها الوقائية " للتعامل مع اي طارىء في أسرع وقت ممكن". فقد شهدوا طيلة عقدين ونيف من الزمن "اجراءاتها" في مكافحة التلوث الاشعاعي الذي إنتشر في ارجاء العراق، والذي سبب ان لا تسلم ولا عائلة عراقية تقريبا من تداعياته الخطيرة: السرطان والأورام الخبيثة والولادات الميتة والتشوهات الخلقية وغيرها من العلل العضال غير القابلة للشفاء.
ونسأل حضرته ماخي الإجراءات التي اتخذتها ايران " لحماية منشاتها النووية"، وقد تعرضت جميعها للقصف من قبل اسراءيل وامريكا.وأمس أعلن الجيش الإسرائيل أنه بدأ ضربات واسعة النطاق على إيران. وهذا يعني ان خطر التسرب قائم،والوكالة الدولية للطاقة الذرية نفسها " لا تستبعد احتمال حدوث تسرب إشعاعي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة" في حالة قصفها..
ولم استوعب كيف فات خبيرنا النووي الكبير انه ستحصل كارثة بيئية وصحية تهدد دول المنطقة إذا حصل تسرب إشعاعي في حال إنفجار إحدى المنشاَت النووية الإيرانية،كمفاعل بوشهر النووي،مثلآ، الذي يهدد تعرضه لأي إستهداف عسكري الإمارات والسعودية والكويت وبقية دول الخليج،بالأضافة للعراق، بكارثة بيئية غير مسبوقة، فموقعه الجغرافي الحساس، القريب من شواطئ الخليج، يجعله قنبلة موقوتة تهدد المنطقة برمّتها،لاسيما وهو يقع على بعد مئات الكيلومترات فقط من العواصم الخليجية. ومن أبرز المدن والعواصم المهددة حسب المسافة من المفاعل: البصرة 277 كم، الكويت 350 كم،الدوحة 510 كم، أبو ظبي 600 كم،الرياض 650 كم،مسقط 1200 كم.
كل هذه المدن،وغيرها، معرضة لمستويات خطيرة من التلوث النووي في حال حدوث تسرب إشعاعي. وسينتشر التسرب الإشعاعي الناتج عن استهداف المفاعل أو انهياره عبر الرياح والتيارات البحرية بسرعة، مسببًا تلوثًا بيئيًا خطيرًا.فهو لا تصده حدود ولا قوات الحدود، ولا يفرق بين دولة وأخرى ولا بين القوميات والطوائف والأديان.ولن يتوقف التسرب النووي عند التلوث اللحظي، بل يمتد أثره لعقود عبر تلويث المياه الجوفية والهواء والتربة، ما يؤثر على الزراعة، وصحة السكان، ويزيد من معدلات الإصابة بالسرطان والتشوهات الجينية. كما يؤدي إلى تدمير البيئة البحرية في الخليج العربي، وهي بيئة حيوية تعتمد عليها الدول الساحلية في الصيد والاقتصاد.
لكل هذا، لابد ان تباشر الجهات المتخصصة الحكومية،ووسائل الإعلام،ومنظمات المجتمع المدني، عبر المتخصصين، بنشر التوعية في المجتمع بكيفية وقاية الموطنين جميعاً من التلوث الإشعاعي المتسرب.
* الأستاذ الدكتور كاظم المقدادي أكاديمي عراقي متخصص بالصحة والبيئة