مصداقية الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المحك من جديد ! ( 2-3 )
كاظم المقدادي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 15:37
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
للوكالة الدولية للطاقة الذرية دور محرض مخزي في إشعال فتيل الحرب على إيران مرتين خلال 7 أشهر. فقد نشبت حرب حزيران 2025 على إيران بتحريض منها، وقد كُشف النقاب عن فضيحة شنيعة عرتها أمام الرأي العام العالمي وأمام أعضاءها.
الفضيحة حصلت حينما أبلغتها هيئة الطاقة الذرية الإيرانية ، ضمن المراسلات الدورية بينهما، بأنها وصلت في تخصيب اليورانيوم لنسبة 60 %،مع التأكيد لها مجدداً بان إيران ليست لديها نية لإنتاج أسلحة نووية. فقام مديرها العام رافائيل غروسي بنشر السر، أولآ، ومن ثم أعلن بان: " إيران تخصب يورانيوم بكميات قريبة من انتاج قنبلة نووية ".
وإستكمالآ لبيانه المذكور، قدم تقريراً الى مجلس محافظي الوكالة. وأثناء مناقشته قدِمَت لندن وباريس وبرلين وواشنطن، مشروع قرار للمجلس مُعد مُسبقاً: " يُدينُ عدم امتثال إيران لالتزاماتها النووية". ومع أنه جوبه بانتقادات شديدة، ورفضه العديد من أعضاء المجلس، إلا أنه مُررَ بتأييد 19 دولة من أصل 35 دولة.صوتت ضده الصين وروسيا وبوركينا فاسو، فيما امتنعت 11 دولة عن التصويت.ولم تتمكن باراغواي وفنزويلا من المشاركة في التصويت لعدم تسديدهما ما عليهما مالياً..
أثار القرار ردود فعل غاضبة من عدة دول، وإعتبرته طهران بانه "قرار معادي ومعد سلفاً" ويشكل "موقفاً سياسياً ". ووصفه فريدون عباسي، الرئيس الأسبق لهيئة الطاقة الذرية الإيرانية، بأنه " موقف سياسي منحاز للأجندة الغربية ". وقال بيان مشترك لوزارة الخارجية وهيئة الطاقة الذرية الأيرانية: " القرار يكشف الطبيعة المسيسة للوكالة ، ويشي بان سياسة التعاون المفتوح لأيران مع الوكالة الدولية أتت بنتائج عكسية، بسبب النهج السياسي المتبع"..
وأعطى القرار المُتخذ ،الذي يتهم إيران بالتنصل عن التزاماتها بمعاهدة حظر الأسلحة النووية "الحجة الدامغة" للعدوان الإسرائيلي والأمريكي على المنشاَت النووية السلمية الإيرانية ، في وقت كانت الولايات المتحدة تخوض فيه مفاوضات مع إيران، بوساطة عُمان، بشأن البرنامج النووي الإيراني، للتوصل لأتفاق يُرضي الطرفين.
فشنت إسرائيل في 13/6/2025، دون سابق إنذار، وفيما بعد أمريكا،هجوماً مدمراً واسعاً على إيران، كانتا قد أعدتا له مسبقاً. وشمل قصف منشآت نووية، وقواعد صواريخ، ومؤسسات حكومية مدنية، ومراكز قيادة. وإغتالت إسرائيل في ساعاته الأولى قادة عسكريين، وعلماء نوويين إيرانيين.وقُتل بالقصف العشوائي المئات من المواطنين الأبرياء، مقترفتين جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بذريعة "حق" إسرائيل" في الدفاع عن النفس" و "حقها في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، لكونه يهدد إسرائيل"، وهو البرنامج، الذي أكدت الوكالة الدولية، قبل ذلك، وأكثر من مرة، بأنه للأغراض السلمية. وعدا هذا، يوجد خبراؤها في منشاَته، وتعمل فيها كاميرات المراقبة وأجهزة الرصد ليل نهار..
وبذلك أساءت الوكالة الدولية الى سمعتها وإستقلاليتها وحياديتها وخدمتها للسلم والأمن الدوليين،وأثبتت أنها تتعامل بإزدواجية في تنفيذ مهماتها، وجعلت من نفسها وكالة مشكوك في معلوماتها وتصريحاتها، بل ومتواطئة بشكل لا لبس فيه في التزييف والتحريض ضد عضو من أعضائها تحت ضغط الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني.
للتغطية على تقريره المشين وتداعياته، ورداً على الإتهامات التي وجهت إليه، أقر غروسي في 20/6/2025: " إن الأدلة التي جمعتها الوكالة بشأن البرنامج النووي الإيراني يصعب أن تُشكّل أساساً لأي عمل عسكري".وأضاف: "العمل العسكري، أياً كان مصدره، هو قرار سياسي لا علاقة له بما نقوله نحن." ..
لكن إسرائيل كذبته،عقب شن أولى ضرباتها على إيران، بأنها" إستندت الى تقرير حديث للوكالة الدولية يذكر أن إيران تقوم بتخصيب اليورانيوم بمستوى أعلى من الدول الأخرى التي لا تمتلك برامج أسلحة نووية، وذلك في انتهاك لالتزاماتها في إطار معاهدة عدم الانتشار النووي"..
ورد غروسي : " ليس ثمة ما يشير إلى وجود برنامج ممنهج في إيران لإنتاج سلاح نووي". ولم ينتقد، ناهيكم عن إدانة، الهجوم الإسرائيلي الأمريكي، ولم يتطرق لقتل العلماء النوويين والمدنيين الأبرياء.
ولم يكتف بذلك، فعندما سارعت فيه كل من واشنطن وتل أبيب إلى إعلان "النصر الستراتيجي" بعد تنفيذ ضربات مكثفة على منشآت البرنامج النووي السلمي الإيراني، جاءت تصريحات غروسي، لتقلب الطاولة وتعيد ترتيب أوراق المشهد النووي.ففي تقييم حذر وصريح، أكد غروسي:"أن البرنامج النووي الإيراني لا يزال حيًا، وأن لدى طهران القدرة على استئناف تخصيب اليورانيوم خلال أشهر"، مما طرح تساؤلات كبرى بشأن فعالية الضربات، وأضعف السردية الأميركية الإسرائيلية حول "القضاء التام" على هذا الملف الحرج .
وعندما إعلان الرئيس الأميركي ترامبÄ تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل"، أعلن غروسي: "إن المرافق النووية الإيرانية لم تدمر تماما"، مشيرًا إلى بقاء بعض أجهزة الطرد المركزي في حالة صالحة للعمل. ونقلت صحيفة Financial Times عنه قوله:" إن على إيران أن تحسن بشكل جدي تعاونها مع مفتشي الأمم المتحدة لتجنب زيادة التوتر مع الغرب"، مؤكداً "أن إيران لا تزال تحتفظ بكل اليورانيوم المخصب تقريباً بعد الضربات الإسرائيلية والأميركية"..
الى هذا، غضت الوكالة الدولية ومديرها العام الطرف عن قيام الكيان المارق(إسرائيل) بدور "ا لشرطي الدولي"، وشنه الحروب على الدول الأخرى في الشرق الأوسط، للقضاء على برامجها النووية السلمية، بذريعة "الدفاع عن النفس".وتعاملا بإزدواجية مفضوحة مع إسرائيل،التي تمتلك ما بين 80 و 120 رأساً حربياً نووياً، دون موافقة دولية، ولا أية ضمانات، ولم تسمح بالرصد والتحقق، ولم تعترف بالمعاهدة الدولية لحظر إنتشار الأسلحة النووية.
والمهزلة ان أحداً، حتى الإدارة الأمريكية، لم يتجرأ إيقاف الحكومة الصهيونية الفاشية عند حدها، ناهيكم عن محاسبتها .وما ترتكبه من إبادة جماعية يومية، في غزة، وجرائم حرب دولية، وجرائم ضد الإنسانية، حضيت وتحضى بدعم غير محدود، وبكل الوسائل، من قبل أمريكا وحلف الناتو والإتحاد الأوربي وحكوماته " الديمقراطية" و" الإنسانية للكشر" !!
وإستطراداً فان الوكالة الدولية ومديرها العام متورطين بتصفية العلماء النوويين الإيرانيين مع أسرهم. فضحتهما إيران، ونشرت وسائل الإعلام معلومات وافية عن الفضيحة بالإستناد لتقرير نشره موقع "سوهو الصيني"، الذي كشف تنفيذ إسرائيل،على مدى سنوات، سلسلة من العمليات السرية لاغتيال علماء نوويين إيرانيين بارزين، مما شكل عائقا كبيرا أمام تقدم طهران في مجال التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية. بدأت موجة الاغتيالات بأُغتيل البرفسور أردشير حسين بور، أحد أبرز علماء إيران النوويين. وبعده أُغتيل الخبير البارز في الفيزياء الجزيئية البرفسور مسعود علي محمدي.وبعده تعرض الفيزيائي النووي البروفسور فريدن عباسي، لمحاولة إغتيال في طهران. وفي نفس اليوم تم إغتيال المهندس النووي مجيد شهرياري. وبعد تم إغتيال مصطفى أحمدي روشن، المسؤول عن الإشراف على منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، هو وأسرته. وبعده أُغتيل البرفسور محسن فخري زاده- نائب وزير الدفاع، ورئيس العلماء النوويين.
وفجر 13/6/2025 وجهت إسرائيل ضربة مباغتة لأيران، إغتالت خلالها عدد كبير من أبرز العلماء النوويين والقادة العسكريين والسياسيين. وقد كشفت الوثائق،التي توصلت إليها المخابرات الإيرانية سراً صادماً وهو إنخراط بعض مفتشي الوكالة الدولية بأنشطة تجسس لصالح إسرائيل، أثناء فترة وجودهم في إيران كمفتشين، أو كزائرون للمنشاَت النووية الأيرانية، تحت ستار الرقابة النووية والتعاون الدولي، وتحركهم بحرية تامة فيها، والإلتقاء بعلمائها، ناقلين الى أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية، سراً، مراسلات طهران الحكومية، الموجهة للوكالة الدولية، ومعلومات حساسة، تشمل مواقع وهياكل المنشاَت النووية، وهويات العلماء النوويين، ومناصبهم، وعناوين إقامتهم، وجداول تحركاتهم اليومية، فسهلت تصفيتهم من قبل الموساد الإسرائيلي..فكانت صدمة كبرى لأيران،التي لم تتخيل ان مفتشي وكالة دولية كبيرة، تابعة للأمم المتحدة، تثق بها، وتحترم قراراتها،وتستقبل فرقها وأعضاءها، بحفاوة وكرم وحسن نية، وتتعاون معهم، الخ، ان يكونوا إداة لخدمة إسرائيل ومشاريعها الإجرامية.
كان ينبغي ان يهز مثل هذا الحدث الرهيب أركان منظمة الأمم المتحدة، وان يعقد مجلس الأمن جلسة خاصة لإدانة هذا الفعل الشنيع، وتُحاسب الوكالة الدولية عليه..إلا أن ذلك لم يحصل، ولن يحصل بتأثير الإدارة الأمريكية المستهترة ، التي تواصل دعمها المطلق، وتشارك بجرائم حكومة الصهيوني الفاشي نتنياهو،إنتهاكاً صلفاً للقانون الدولي ولحقوق الإنسان وللسلم والأمن الدوليين.
الأستاذ الدكتور كاظم المقدادي أكاديمي عراقي متقاعد، متخصص بالصحة والبيئة