الجيلاني الهمامي رئيس المؤتمر الوطني لحزب العمال الشيوعِي التونسي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: إن عالما آخر أفضل ممكن ...عالم خال من استغلال الانسان للانسان


الجيلاني الهمامي
الحوار المتمدن - العدد: 3538 - 2011 / 11 / 6 - 16:18
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا - 66 - سيكون مع الاستاذ الجيلاني الهمامي رئيس المؤتمر الوطني لحزب العمال الشيوعِي التونسي حول: إن عالما آخر أفضل ممكن ...عالم خال من استغلال الانسان للانسان.
 
إن عالما آخر أفضل ممكن ...
عالم خال من استغلال الانسان للانسان


يمثل العرب استثناء العصر. وهو استثناء بكل المعاني، إيجابا وسلبا. كنا، كعرب، منذ مدة نعيش خارج وقع النسق العام الذي دخلته البشرية من عقود. كنا استثناء في الاقتصاد وفي مظاهر الحياة الاجتماعية العامة وفي الثقافة والعلم وفي الرياضة والفن. في كل شيء تقريبا. كان العالم من حولنا يسير بنسق تطور متفوق عن النسق الذي انحشرنا فيه. حتى إفريقيا – ما بعد الصحراء – التي جاءت لتوها للحضارة بالمعنى المتداول للكلمة، دخلت وتيرة تطور جديدة مدخلها ثورات سياسية وندوات وطنية وتغييرات مهمة في نظم حكم بلدانها. وظللنا نحن نراوح في ذات المكان. بل قل تقهقرنا إلى ما قبل حرب 67 .
وقد تتالت التقارير الدولية، وخاصة تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة لنفيق في كل مرة على فاجعة جديدة وأرقام حقائق تفقأ العين. العرب في مؤخرة العالم في جميع المجالات والميادين. تأحر اقتصادي وتخلف اجتماعي وثقافي وعلمي. كنا على حافة الامنهيار الحضاري. اقتصادياتنا متخلفة، مفككة، تابعة، غير منتجة، نورد ما نقتات ونفوت في ما تزخر به جوف أراضينا من خيرات. نكاد لا نصنع ولا نحوّل شيء منها إلى ما تحتاجه حياتنا العصرية. فلاحتنا بدائية وتقليدية لا تفي بحاجتنا المعيشية رغم أنها قادرة على ما يزيد عن حاجاتنا. كنا اكبر سوق للعطالة والتهميش تعليمنا مأزوم وإنتاجنا العلمي والثقافي لا يرقى لما تنتجه إسبانيا أو اليونان لوحدها.
وبهذا المعنى كنا استثناء العصر.
ومن جانب آخر كانت أراضينا مسرحا لأشنع الحروب، إما مهجوم علينا أو نحن لقمة سائغة لاقتتال داخلي عرقي او طائفي. بين ظهرانينا يعيش ويتوسع كيان بغيض لا يزال يحتل فلسطين وأجزاء من التراب السوري واللبناني. وما تزال القوات العسكرية الأمريكية ترابط على التراب العراقي. وبين الفينة والأخرى تشعل آلة الحرب الصهيونية حروبا مدمرة في غزة وفي جنوب لبنان. وما تنفك القوى الاستعمارية تذكي لهيب الاقتتال في أكثر من مكان، في الصحراء الغربية إلى السودان، بعد ان أشعلت فتائل حروبا اهلية في لبنان واليمن والجزائر...
كان هذا حالنا ولا يزال حتى بات كل مواطن في كل شبر من الوطن العربي يشعر اننا الضحية المفضلة لجميع أنواع المهانة والتدمير.
والحقيقة ان ما أنعمت به علينا الطبيعة من موقع استراتيجي رابط بين نواحي أنشط مناطق الدنيا، بحيرة المتوسط ونقطة التقاء أكثر من قارة، وما حبتنا به من خيرات جوفية، بترول وذهب، تحوّل إلى أكبر مجلبة للأطماع والغزوات والقهر.
خرجت بلداننا من عصر الاستعمارات المباشرة التي تم خلالها اقتسام بلداننا بين كبريات الأمبرياليات الرأسمالية، فرنسا وبريطانيا وإيطاليا لنبتلي بأنظمة تابعة وفاسدة، انظمة استبدادية متخلفة ومنغلقة. خرجنا من حصار لندخل في حصار أشد، ومن استعمار قديم لندخل تحت طائلة استعمار جديد.
لعقود وعقود ونحن على هذه الحال. جربنا النظم التي ادعت الاشتراكية والقومية والرأسمالية العصرانية. جربنا النظم الملكية والجمهوريات والنظم العسكرية ولم تتبدل حالتنا بل لقينا على أيديها جميعها نفس المصير. الجوع والفقر والأمية والبطالة والاستغلال والقهر ولا شيء غير ذلك.
هكذا كنا استثناء العصر بامتياز.
كان كل شيء يوحي بأن حتمية التاريخ تهيء لتغيير ما. فعناصر الأزمة التي تنخر مجتمعاتنا وأنظمتنا كانت تتفاقم وتعتمل بأشد درجات الحدة والتعقيد حتى ما عاد من المحتمل السكوت عنها فاندلعت الاحتجاجات هنا وهناك، إضرابات عمالية في مصر والأردن وانفجارات شعبية جهوية في الحوض المنجمي في تونس وبسيدي إفني بالمغرب أغرقت كلها في الدم وتم طمسها قبل أوان انتصارها.
ولكن ديناميك الغضب الخامد تحت رماد الصمت بدأ يبدد قيود خوف الجماهير المغلوبة وتملق وانتهازية الجزء الأكبر من النخب. لقد بات واضحا أن لا حل عدى " إسقاط النظام " هذا الشعار الذي اقتادت به الثورة في تونس ومنها انتشر الحريق إلى كل مكان تقريبا. انفجرت الثورة في تونس فجاة، رغم أنها لم تفاجئ أحدا، ولم تهدأ – ولو لحين – إلا بعد ان اجبرت الطاغية بن علي على الهرب إلى منفاه في السعودية. وفي الحين دوى صداها في مصر والجزائر والبحرين والمغرب واليمن وليبيا والعراق وسوريا وحتى في موريطانيا والسودان والكويت. طالت عدوى الثورة كل بقعة من بقاع الوطن العربي الفسيح. فالظروف الموضوعية المتشابهة حد التماهي كانت مهيّأة لذلك تماما. وبدأت رؤوس الطغاة تسقط الواحد تلو الآخر والبقية تأتي.
انبلج باب واسع أمام شعوب منطقتنا يفتح على عالم جديد ومختلف تماما عما عهدناه منذ عقود طويلة بل قل لم يسبق لنا أن عرفنا منه سوى صورا في الخيال أو الحلم. صار الحلم اليوم حقيقة. ولكن الحقيقة لم تتحقق بعد فالصورة ما تزال على درجة كبيرة من الضبابية وملتبسة بكثير من الاحتمالات.
لكن ومهما كان من امر انتقلنا من استثناء الأمس إلى استثناء اليوم. انتقلنا من استثناء التخلف والخنوع إلى استثناء الثورة. فالثورة العربية تمتد إلى ما وراء بحار المتوسط لتهز أركان اسبانيا حيث دعا الاسبان لاحتلال " ساحة الشمس " وإلى ما وراء بحر المانش ليعصف بهدوء ساحات لندن ومانشستير وأخيرا إلى ما وراء الأطلسي، إلى قلب الرأسمالية العالمية نيويورك وواشنطن.
" الشعب يريد إسقاط النظام " و" الشعب يريد إسقاط وول ستريت " ذاك هو الشعار الذي ابتدعه الشباب التونسي وتجوّل من " ساحة القصبة " إلى " ميدان التحرير " بالقاهرة فـ"ساحة الشهداء " بطرابلس الغرب ومنها إلى " ساحة الشمس " بمدريد وها هو اليوم يدوي في سماء المدن الأمريكية بلسان عربي ممتزجا بلكنة امريكية خالصة.
صار العرب استثناء من نوع جديد، استثناء مفعم هذه المرّة بالحرية والأمل.
نشأت الثورة في تونس نصفها احتجاج وغضب ونصفها الآخر صورة للمستقبل. دعت لاسقاط الاستبداد والحيف مطالبة في الآن بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. وحيثما مرّت أضفت عليها الشعوب الثائرة هنا وهناك داخل الوطن العربي وخارجه مسحة أخرى من وضوح المطامح حتى بات الهدف اليوم إسقاط النظام الرأسمالي الذي لم تجن منه الانسانية غير أبشع أشكال استغلال الانسان للإنسان. لذلك علّق الشباب الأمريكي على لافتات احتجاجاتهم " لقد كان ماركس على حق "
فعلا لقد كان ماركس على حق حين قال ان لا خلاص للانسانية إلا بالقضاء على العبدوية الجديدة عبودية الأجرة. وفعلا كان لينين على حق حين قال " الامبريالية عشية الثورة الاشتراكية ".
وها هي الأوضاع تسير باتجاه تصديق هذه النبوءات. وإن غدا لناظره قريب.