الإخصاء ورفضه


رجاء بن سلامة
الحوار المتمدن - العدد: 2089 - 2007 / 11 / 4 - 11:46
المحور: العلاقات الجنسية والاسرية     

لا توجد لفظة يحيط بها الالتباس وتكاد تكون "من الأضداد" الجديدة مثل لفظة "الإخصاء". فهذه الكلمة تحفّها الكثير من المعاني السّلبيّة في الاستعمال الرّائج، لأنّها ترتبط في الأذهان بهول الإخصاء الواقعيّ، أي بقطع خصيتي الرّجل أو قطع جزء من الجهاز التّناسليّ لدى الرّجل أو المرأة. ثمّ إنّ لها استعمالات مجازيّة ترتبط بمعاني العنف والسّيطرة التي تشلّ إحدى الذّوات في العلاقة العدائيّة القائمة على الغلبة. ولكن ليس للإخصاء في التّحليل النّفسيّ هذا الوقع السّلبيّ، أو لنقل إنّ الإخصاء عندما يكون بـ"حرف" اللّغة لا بحدّ السّكّين، هو مظهر من مظاهر "السّلبيّ" الضّروريّ لبناء الذّوات البشريّة، ولنهوضها بعبء بشريّتها، نهوضا يبتدئ بقذف الأرحام بمن فيها ولا ينتهي إلاّ بالموت.
فالإخصاء الرّمزيّ غير الإخصاء الواقعيّ. الإخصاء الرّمزيّ مسار مركّب لا يحتاج إلى القطع بالسّكّين، بل يحتاج إلى الفصل باللّغة، و بتمايز المواقع، ووجود ثالث هو القانون الذي يحدّ من المتعة ويحيل إلى "الآخر". فالقطع بالسّكّين يذكّر بالقطع الرّمزيّ تذكيرا فيه شيء من الإفراط، وقد يؤدّي أحيانا إلى صدمات أليمة ليست الذّات البشريّة في حاجة إليها، وكثيرا ما يؤدّي لدى النّساء إلى إعاقة جنسيّة دائمة وإلى معاناة طويلة. وقد اعتبر فرويد هذا النّوع من الإخصاء بدائيّا، ورغم انّه يهوديّ بالولادة، فإنّه رفض ختان أولاده.
فالذّات البشريّة تعيش ما فيه الكفاية من الصّدمات "البنيويّة" المساهمة في هيكلتها : الخروج من الرّحم الدّافئ الانصهاريّ، واكتشاف غياب الثّدي الرّحيم وكونه غير متاح باستمرار، والفطام، وانفصال فضلات الجسم عن الجسم، وغياب الأمّ، والمفارقة التي يعيشها الطّفل عندما يرى صورته في المرآة لأوّل مرّة، وتكون صورته منفصلة عنه في الوقت نفسه، وغياب الحبيب في الكبر وكونه غير متاح، إلى غير ذلك من آلام الفقد والافتراق الذي منه قدّت الحياة، ممّا جعل العرب القدامى يقولون عن البين إنّه "أخو الموت"، أي أنّه جزء من تعريف الإنسان النّاطق المائت.
في التّحليل النّفسيّ، ليس الإخصاء الواقعي ضروريّا، إذ يكفي أن يوجد "هوام الإخصاء"، وأن تعيش الذّات خياليّا تهديد السّكّين حتّى يتمّ الإخصاء على نحو من الأنحاء. وليس الإخصاء الرّمزيّ مشكلا، بل إنّ المشكل هو رفض الإخصاء الرّمزيّ بشتّى الأساليب أو عدم حصوله إطلاقا، ممّا يؤدّي بالذّات إلى أشكال من مسرحة الإخصاء، تصل إلى حدّ الانتحار. فغياب الإخصاء الرّمزيّ في حالات الذّهان، وهو الاعتلال النّفسيّ الحقيقيّ المكبّل للعقل والإرادة، والمانع من الحبّ ومن السّعي في الأرض، يؤدّي إلى عودة الإخصاء في الواقع وعدم عيشه باعتباره أمرا رمزيّا. ولنا في أسطورة وتراجيديا الملك أوديب أفضل مثال على ذلك، وإن كان مثالا أدبيّا أكثر إشكالا من أمثلة الواقع. فالذي تزوّج أمّه مجسّدا مصير رفض الإخصاء، عن غفلة منه، آل به الأمر إلى سمل عينيه، لما نعرفه من وجود علاقة كنائيّة بين العين والعضو الجنسيّ. وتوجد أسطورة أخرى لم يذكرها فرويد، ولكنّها تجسّد على نحو واضح مصير رفض الإخصاء الرّمزيّ وتعويضه بالإخصاء الواقعيّ. ففي بعض الرّوايات الفريجيّة لأسطورة الإلهة سيبال المسمّاة بـ" الأمّ الكبرى" اتّخذت الأمّ ابنها عشيقا، وآل الأمر بالابن العشيق، أتيس، إلى إخصاء نفسه إخصاء واقعيّا، لأنّ عدم انفصاله عن الأمّ الرّهقيّة (نسبة إلى الرّهق، وهو إتيان المحارم) كان غيابا للإخصاء الرّمزيّ. وكرّر عبدة سيبال هذا الفعل فيما بعد، فكانوا يقطعون خصيهم في حفلات يمارسون فيها طقوس العربدة وطقوس الإخصاء الواقعيّ الذّاتيّ.
الإخصاء الرّمزيّ في التّحليل النّفسيّ هو مكوّن أساسيّ من مكوّنات عقدة الأوديب. إنّه المسار الذي يجعل الطّفل يدرك شيئا فشيئا أنّه ليس مركز العالم، وليس "حضرة الرّضيع" his ،majesty the baby حسب عبارة فرويد، وليس شيء الأمّ النّفيس، أو ليس "قضيب الأمّ" بلغة التّحليل النّفسيّ اللاّكانيّ، لأنّ الذي يشغل هذا الدّور في نهاية الأمر هو الأب أو من يحلّ محلّه. هذا الإخصاء هو ما يجعل الطّفل يتخلّى عن رغباته الرّهقيّة إزاء الأمّ أو الأب، ويستبطن قانون منع الرّهق، ويشعر بأنّ للمتعة حدودا، وأنّه يمكن أن يؤجّل تحقيق رغباته، وأنّ عليه أن يعبّر باللّغة، فهي موطنه وغربته. وهو في الوقت نفسه المسار الذي يجعل الطّفل يدرك اختلافين جوهريّيين مهيكلين للذّوات هما الاختلاف الجنسيّ والاختلاف بين الأجيال. الاختلاف الجنسيّ يجعله إمّا رجلا أو امرأة، بحيث أنّه ليس "أندروجينا" يجمع بين الجنسين في دائرة مكتملة غير متاحة إلاّ للآلهة أو العمالقة التّيتان كما في أسطورة أرستوفان، والاختلاف الجنسيّ يجعله يدرك أنّه ليس في مقام الأب أو الأمّ، فعليه أن يؤجّل تحقيق رغباته للظّفر بشريك آخر، أي بـ"المرأة الأخرى" أو الرّجل الآخر".
ولنقل إنّ الإخصاء الرّمزيّ هو ما يجعل الذّات البشريّة تشعر بنقصانها البنيويّ، وبشوقها إلى ما ليس لها بعد، وما ليست عليه بعد، لأنّ الرّجل لا يمتلك القضيب إلاّ من حيث أنّه لا يمتلكه مطلقا، والمرأة ليست القضيب إلاّ من حيث أنّها لا يمكن أن تكون القضيب المطلق، حسب فرضيّة جاك لاكان في علاقة المراة والرّجل بالإخصاء على نحو متغاير.
ولكنّ التّحليل النّفسيّ، خلافا لعلم النّفس، وخلافا لكلّ المعارف التي تسطّح الكائن البشريّ، يدرك تعقّد المسارات وطابعها المفارقيّ، ويدرك عدم خضوع الذّات إلى تطوّريّة تنقله من مرحلة إلى أخرى بسلام وأمان. فالرّغبات الأولى وإن تجاوزها الطّفل في أحسن الأحوال، تظلّ تلاحقه بدرجات متفاوتة، والذّوات تختلف في مدى قبولها الإخصاء الرّمزيّ أو مدى رفضها له. ولهذا الرّفض تجلّيات مرضيّة كثيرة تختلف باختلاف البنى النّفسيّة الثّلاث، وهي العصاب والشذوذ والذّهان، وتصل إلى الأوج في حالات الذّهان وهي بالأساس الانفصام والبرانويا والماليخوليا.
وليس هذا مجال الخوض في الجانب العياديّ من رفض الإخصاء، فهذ الجانب مبسوط ومستفاض فيه في كتب التّحليل النّفسيّ، وهو عرضة إلى امتحان مستمرّ، لأنّ التّحليل النّفسيّ معرفة بالخاصّ عن طريق الخاصّ، بحيث لا يمكن أن نجيز لأنفسنا أيّ تلخيص أو تبسيط أو ابتسار. إنّما نقدّم هذا التّعريف لنجيب أوّلا عن تساؤلات بعض القرّاء بخصوص الإخصاء، ولنشير ثانيا إلى مدى خصوبة هذا المفهوم في الكثير من مجالات الحياة الفرديّة والاجتماعيّة.
فما المتعة المطلقة بالسّلطة، إن لم تكن رفضا لوجود "الثّالث" الذي يحدّ من هذه المتعة كما هو الشّأن في العلاقة الأوديبيّة؟ وما الدّيمقراطيّة، إن لم تكن التّنظيم الذي يوفّر التّمايزات، ويوفّر السّلطة الأخرى التي تحدّ من الميل التّلقائيّ إلى المتعة بالسّلطة، وتجعل الحاكم لا يتصرّف وكأنّه "القضيب" المطلق؟ وما القانون، إن لم يكن الثّالث الذي يفرض على المتسلّط عدم رفض الإخصاء؟ وما الذّكوريّة إن لم تكن رفض الرّجل الإخصاء الرّمزيّ واعتباره نفسه "مالكا" للقضيب أو قضيبا مطلقا، واعتباره المرأة وحدها معنيّة بالإخصاء، وحدها "ناقصة عقلا ودينا" كما هو الشّأن في ثقافتنا؟ وما التّضحية المدوّية المؤدّية إلى الهلاك، إن لم تكن تداركا واقعيّا لما فرط من الإخصاء الرّمزيّ؟ وما العجز عن الحبّ، إن لم يكن عجزا عن الانفصال عن صورة الحبيب الأصليّ العتيق؟
في الكثير من الحالات الفرديّة والجماعيّة، ليس الجريح من تعرّض إلى هذا الإخصاء المهيكل المؤنسن، بل الجريح من يروم تدارك ما فات من غياب النّقصان التّكوينيّ، ليقيم مراسم الإخصاء الواقعيّ اللاّفت للانتباه والجالب لأمجاد البطولة والتّضحية والشّهادة.