أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيمة عبد الجوَّاد - تأريخ أحداث العصر المملوكي شعْرًا: -أبو الحسين بن الجزَّار المصري-















المزيد.....

تأريخ أحداث العصر المملوكي شعْرًا: -أبو الحسين بن الجزَّار المصري-


نعيمة عبد الجوَّاد

الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 03:43
المحور: الادب والفن
    


طرائف الظرفاء لطالما كانت جاذبة لما يتخللها من فكاهة تجلي الهموم عن الصدور. وبالنظر للشعب المصري، نجده يخالف التوقعات؛ فعندما يشتدّ به الألم يبدع في الضحك والطرائف، والتندُّر حتى بما يثقل صدره من هموم، بل ويحيل أهوال الحياة إلى دُعابة. وفيما يبدو أن محاولة الإلتفاف حول الهموم تفجِّر ينابيع من الموهبة الأدبية بين أبناء هذا الشعب.
وأمَّا الطرافة الأكثر إضحاكًا فهي تدفُّق الموهبة الأدبية على أشخاص يخالفون كل التوقُّعات؛ فدائمًا ما نسمع ونلمس أن الأديب مرهف الحسّ ورقيق المشاعر ويتدفق من خاطره شلالات من الإبداع. لكن أبناء ذاك الشعب الموهبة لا تقترن بالميول أو بالمظهر الخارجي أو حتى بالسيرة الذاتية؛ فجميع المواهب الشعبية ذات الآثار الباقية حتى يومنا هذا خرجت من ربوع أدنى طبقات الشعب المرتبطة بتراب الأرض والبعيدة عن طبقات العلماء والأدباء شديدي الثقافة؛ فالموهبة وليدة البيئة، وأعمالهم الأدبية خلاصة تجارب أبناء الشعب. فلقد أدرك المصري منذ القدم أن أفضل وسيلة لإبعاد شبح الاكتئاب والبعد عن الأمراض النفسية هي البوح والكتابة والانخراط بالبشر؛ وتلك هي نفس قواعد الشفاء التي يوصي بها علماء النفس بدءًا من أبو الطب النفسي "سيجموند فرويد"، لكن المصري بفطرته توصَّل إلى هذا، وخرج منه الإبداع في صورة تنَدُّر أو أشعار، والتي غالبًا ما تصدر من أشخاص لا يمكن توقُّع أن الموهبة قد تصيبهم يومًا.
وأحد الأمثلة على هؤلاء الشاعر المصري الوَرِع "ابن عروس" الذي لا تزال أشعاره التي وضعت قواعد "فن الواو" ملئ السمع والأبصار وتتوارثها الأجيال وكأنها أقوال مأثورة، لم يكن سوى قاطع طريق اشتهر بالشدَّة وكان مخيفًا لجميع أبناء الصعيد المشهورين بالجَلَد والشدَّة، فكان يهابهم أكثر الحُكَّام بطشًا، ولا يسيطر عليهم غازي. لكن دون سابق إنذار، أصبح قاطع الطريق شاعرًا وواعظًا يجوب البلاد، والأغرب أن استمع له الجميع وبجَّلوه لأن الحكمة الدَّافقة من أشعاره أثرتهم، وكذلك تركه لحياة الشقاوة وارتداءه الأسمال أجبرت الجميع على الصفح عنه.
و"ابن عروس" ليس بالموهبة الفريدة بين أبناء القوَّة والشَّراسة، فسيرة الشاعر "جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم الجزَّار المصري" (1205-1281م) المشهور باسم "أبو الحسين ابن الجزار" هي الأكثر طرافة لما يسودها من قمم وقيعان. فلقب "الجزَّار" (بمعنى "القصَّاب" باللهجة العامية المصرية) الملصق باسمه هو اسم ومهنة؛ فالشاعر رقيق المشاعر قد خرج من بين اللحم والعظم لينسج شعرًا حكيمًا يلامس القلوب. ولو كان الشاعر العبَّاسي "ابن الرومي" (836-896م) كان أوَّل من رسم الكاركاتير بقصائده، فإن "أبا الحسين بن الجزَّار" أوَّل من أرَّخ لعصره شعرًا، وحتى يسهل على أبناء الشعب فهمه، آثر الشعر السَّاخر الذي استخدم المفردات السائدة في عصره، وامتازت أشعاره بالصدق الفنِّي والغوص في المعاني، على عكس شعراء عصره المتكالبين على التصنُّع في الألفاظ فظهرت أشعارهم متهالكة ولم يُقدَّر لها أن تذكر في صفحات التاريخ. أمَّا "أبو الحسين ابن الجزَّار" كان بديع النظم، فصيح الألفاظ، عذب التراكيب، جاذب النوادر، إلى جانب وضع مسحة لافتة من المجون واللَّطافة.
ولقد ولد "أبو الحسين ابن الجزَّار" في القرن السَّابع الهجري في مدينة الفسطاط وشهد صغيرًا العصر الأيوبي وعاصر شابًا الحقبة المملوكية. وكان أوَّل من اكتشف موهبته والده، الذي شهده صغيرًا ينظم القليل من الأبيات، فتوجَّه به إلى الشَّاعر "ابن أبي الأصبع" وكان شهيرًا في عصره. فألقى الصبي عليه الأبيات، فعلَّق الشَّاعر: "أحسنت، والله إنك عوَّام مليح". وقصد بذلك أنه يخرج من بحر للآخر بسهولة. ومنذ ذلك الحين تعلَّق قلبه بالآداب، ونشد التقرُّب من أرباب السلطة لكي يجزلون له العطاء وينقلونه من طبقة أبناء الحرف لطبقة الأدباء. فامتلك زمام المُعارضات الشعرية، والتناص ما بين "إمرؤ القيس" و"أبو الطيِّب المُتنبي". ومن أقواله معارضًا للمتنبي:
فاللحم والعظم والسكين تعرفني... والخلع والقطع والساطور والوضم
ولآماله الكبرى نبذ مهنة عائلته، وامتهن الشعر. لكن في عصر المماليك ساءت أحوال الأدباء وندرت العطايا السخيَّة لهم وللشعراء؛ وذلك بسبب تفضيل العلماء وحركة التعليم، وإيمان المماليك الرَّاسخ بوجوب ضمّ أهل العلم حتَّى يصيروا الأقرب لذوي السُّلطة. فحاول "ابن الجزَّار" مدحهم ووقف على بابهم، لكن لم يصب شيئًا إلَّا الفقر والجوع. فعاد للجزارة مرة أخرى، وقال ساخرًا:
اد الشاعر #الجزّار إلى ملحمته وهجر الآداب بعد أن اشتهى مضغ اللحم على أبواب الممدوحين، ودوّن تجربته المدحيّة في أبيات شعر يقول فيها:
لا تلمني يا سيّدي شرف الدِّين .... إذا ما رأيتني قصّابا
كيف لا أشكر الجزارة ماع ... شت حفاظاً وأرفض الآدابا
وبها صارت الكلاب ترجيـ ... ني وبالشعر كنت أرجو الكلابا
وبذلك يذم أهل اليسر الذين ضنُّوا عليه بعطاياهم فنعتهم بالكلاب، لكنه يفتخر أن الكلاب حاليًا ترجوا عطاياه بعد أن رجع لمهنة الجزارة. بل، وعلم قيمة حرفة أهله الجزَّارين، فافتخر بهم بأبيات تجمع بين الجد والهزل والدعابة، قائلاً:
ألا قل للذي يسأل... عن قومي وعن أهلي
قد تسأل عن قوم... كرام الفرع والأصل
يُرجِّيهم بنو كلب... ويخشاهم بنو عجل
ومع أنه عاد لمهنة الجزارة، لكنه لم ينبذ الشعر، بل كان يتذكَّر أيام الصَّعلقة بأشعار أقرب للرُّوح الشعبية لما يتخللها من فكاهة ومرارة، كما في قوله:
سقى الله أكناف الكنافة بالقطر... وجاد عليها سُكَّرٌ دائم الدَّرِّ
وتباً لأوقات المخلل إنها... تمر بلا نفعٍ وتحسب من عمري
كان "أبو الحسين الجزَّار المصري" أحد روَّاد الأدب الشعبي الذي كان موجهًا إلى عموم النَّاس وينطلق من أفواه أبناء الشعب بغرض العودة إليهم ليكون بمثابة الوثيقة التي يقدِّم بها أبناء الشعب أنفسهم وصوت الشعب الجهور الذي يحكي أفراحهم وأتراحهم وتطلُّعاتهم. ومن ثمَّ، كان متداولًا في الأفراح والسَّاحات الشعبية والأسواق، وأيضًا الحفلات الشعبية مثل الأفراح والتجمُّعات أثناء المواسم.
لقد كانت درر الشعر الشعبي التي تركها "أبو الحسين الجزَّار" هي أحد نماذج الشعر المتأثر بالظروف الاجتماعية والروحية في عصره، ولهذا كانت بمثابة سجلًا تاريخيًا للعصر بأسلوب ساخر. وأشعاره التي عكست الجو العام للعصر الملوكي كانت كلوحات كاريكاتورية صارخة الألوان تمتاز بطابع فكري وعاطفي قريب لأذهان العامة ويدغدغ أفكار ومشاعر النخبة في العصور اللاحقة.
الموهبة ليست حكرًا على طائفة، فكل من امتلك زمامها عليه أن يفيض بها، والبقاء دائمًا للأصلح. أمَّا الظرفاء الموهوبين، فمكانتهم في التاريخ بارزة؛ لأنهم من يستبدلون الهموم بابتسامة، تمامًا كما فعل "أبو الحسين الجزَّار المصري".






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- بعد نجاح فيلم -برشامة-.. رسالة من المخرج خالد دياب لهشام ماج ...
- هيئة علماء بيروت تدين بشدة قرار وزير الخارجية بشأن التمثيل ا ...
- رحيل المخرج أحمد عاطف درة.. مسيرة عنيدة توقفت فجأة
- انفجارات وشظايا في جبل لبنان تثير الهلع: تضارب الروايات حول ...
- تضارب الروايات بين الصيانة والهجمات بعد وقف الغاز الإيراني ل ...
- -العلم الزائف-.. كيف يُختطف الدين باسم المختبر؟
- نوفل تصدر -أشواك حديقة تورينغ-.. أولى روايات اللبنانية رنا ح ...
- المثقف العربي بين حصار النظرية وميادين الفعل الغائبة
- عبير سطوحي.. مصممة أزياء تدمج الثقافة اللبنانية بالموضة العا ...
- حمار على ظهره بردعة


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيمة عبد الجوَّاد - تأريخ أحداث العصر المملوكي شعْرًا: -أبو الحسين بن الجزَّار المصري-