مناجاة فاوستوس الأخيرة( عذرا غوتيه- عذرا مارلو-عذرا توماس مان )


محمد عبد الكريم يوسف
الحوار المتمدن - العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 00:47
المحور: قضايا ثقافية     

عند دقات الساعة الثانية عشرة – لحظة الاستحقاق النهائي

(المعمل يغرق في ظلالٍ متحرّكة، عقارب الساعة تزحف كأنياب ذئب جائع. فاوستوس واقدٌ وحدَه، وجهه شاحبٌ كقمرٍ خَرجَ من مداره، يداه ترتجفان فوق صدرٍ يكاد ينشقّ من الخفقان)

فاوستوس (بصوتٍ مبحوح، كمن يبصق آخر أنفاسه):
توقفي... أيتها العقارب! كُفّي عن الزحف يا ظِلَّ الزمن الجائر!
أليس كفىً ما أهدرتُ من عُمرٍ في لهوِ المعرفة؟
لقد وقعتُ العقد بدمي، وشربتُ الوعدَ خمراً،
فإذا بالخمرِ يتحوّلُ سمّاً، وإذا بالغدِ الذي هتفْتُ له... يَكمشُ وجهَه خلفَ جدارٍ من لهيب.
أين أنتِ الآن يا روحي؟ تلك التي بعتُها بثمنِ أوهامٍ..
بعتها لأعرفَ أسرارَ الأفلاك، فما كشفتْ لي إلا غبارَ غروري.
بعتها لألمسَ جسدَ الزمنِ العاري، فإذا به جثّةٌ متعفّنةٌ تحت عباءةِ الأبد.
لقد رقصتُ مع الشياطين على سطحِ المعبد،
ظننتُني إلهاً... فإذا بي طفلٌ يلعبُ بكُرةٍ من نار، أحرقتْ كفّيه قبل أن يرميها.

(يقترب من المرآة، فيرى وجهه يتشظّى كزجاجٍ مكسور)
ها هو وجهي... ذلك الوجه الذي خططتُ عليه خريطةَ الخلود،
صار مرآةً للعهرِ الروحي.
عينايَ اللتانِ وعدتاهما برؤيةِ ما وراءَ الحُجُب،
لم ترَيا غيرَ انعكاسِ خوفِهما في ظلمةِ القبو.
أين حكمتي؟ تبدّدت كدخانٍ في مهبّ الندم.
أين قوّتي؟ تلك التي سخرتُ بها من قيودِ الجسد،
إذا بي الآن أتعلّقُ بكلِّ خيطٍ في ثوبِ هذه الغرفة،
أخافُ أن تنزلقَ قدمايَ في دمي المتجمّد... نعم،
ذلك الدمُ الذي تخثّرَ يومَ العقد، والآن يغلي في عروقي كحِممٍ لا تطفأ.

(يدقّ الجرسُ الأول. يرتجف فاوستوس كغصنٍ في إعصار)
اسمعي يا سماء! ... يا صمتَها الذي هزئتُ به طويلاً.
هل من قطرةِ رحمةٍ في خزائنِكَ؟
هل من دمعةِ ملائكةٍ تُطفئُ هذا التوقيعَ المشؤوم؟
لقد ظننتُ أن الجحيمَ خرافةٌ، والخلودَ قصةٌ يُرويها الكهنةُ للجهّال.
لكنني الآن أذوقُ نارَ اليقين، وأشعرُ بكلِّ حرفٍ من العقدِ يُكْويني،
كأنّ كلَّ كلمةٍ كتبتُها تتحوّلُ إلى ثعبانٍ يَلُفُّ رقبتي،
ويهمسُ في أذني: "يا غبيُّ، يا من ظننتَ أن النورَ يُشترى بالعتمة،
وأن الروحَ تُباعُ ثم تعودُ إليكَ كالحبيبةِ الهاربة!"

(الجرسُ الثاني. يصيرُ الهواءُ بارداً كأنفاسِ القبور)
ماذا جنيتُ؟
جنيتُ أن أرى الحقيقةَ عاريةً... ولكن في لحظةِ الموت.
جنيتُ أن أعرفَ أن العلمَ دونَ إيمانٍ، هو سيفٌ مسلولٌ على صدرِ صاحبه.
يا ليتني بقيتُ فلاحاً جاهلاً أحلمُ بالخبزِ والمطر،
أفضلُ من أن أكونَ فاوستوسَ الذي حلمَ بأنْ يسرقَ البرقَ من قبضةِ الرب،
فأحرقته الصاعقةُ على عتبةِ المعبد.
أين ميفستوفوليس؟ ذلك الكذّابُ الأنيق،
الذي وعدني بالجنانَ فإذا به يجرّني إلى مستنقعٍ من لهيبٍ لا يُرى.
لقد ضحكَ عليَّ حينَ ظننتُ أنني أملكُ زمامَ الأمر،
وها هو الآن يقفُ في الظلِّ يلعقُ شفتيهِ،
ينتظرُ دقّةَ الثانيةِ الأخيرةِ ليقتطعَ روحي كفاكهةٍ ناضجةٍ على مائدةِ اللعنة.

(الجرسُ الثالث. يخرّ فاوستوس على ركبتيه، يمدّ يديه نحو السقف)
يا عيسى، يا دمَ الفداءِ الذي هزئتُ به!
هل من نقطةٍ تسقطُ الآن على جبيني المغترّ؟
هل من غفرانٍ لمن أنكركَ طوالَ عمرٍ، ثم بكى عندَ الرحيل؟
إنّ الندمَ الآن ينهشُ كبدي، ليس ندماً على الخطيئةِ ذاتها،
بل ندماً على الغرورِ الذي جعلني أظنُّ أن لا خطيئةَ أعظمُ من قدرتي.
أيتها الساعةُ الأخيرة... تَمَهَّلي!
دعيني أتنفّسُ هذا الهواءَ الترابيّ للمرّةِ الأخيرة،
دعيني أشتمُّ رائحةَ المطرِ على النوافذ،
أسمعُ نبضَ قلبي الذي سيتوقّفُ عن الكذبِ قريباً.

(الجرسُ الرابع. تظهر ظلالٌ سوداء على الحوائط، تزحف نحوَه كأمواجِ بحرٍ ميت)
أشعرُ بها... تلك المخالبُ الباردةُ تلمسُ عنقي.
إنها تنادي باسمي بصوتٍ من نارٍ وجليد،
تقول: "حان الوقت يا فاوستوس، يا حفيدَ آدمَ المتمرّد."
هل من مهرب؟ هل من بابٍ خلفيّ في هذه القاعةِ الملعونة؟
كلا... لقد أغلقتهُ بنفسي حينَ رفعتُ قلمي بتعجرف.
أنا من حرّقَ سفينتي، وأنا من غرّقَ خريطتي،
وأنا من صفقَ للشيطانِ حينَ قال لي: "أنت إلهٌ صغير."
والآن... يا للهول!
السماءُ تغلقُ أبوابَها في وجهي، والأرضُ تتشققُ تحت قدَميّ،
وأنا أتأرجحُ بينهما كغيمةٍ ممزّقةٍ في عاصفةِ الأبد.

(الساعة تدقّ الثانيةَ عشرة. صرخةٌ مدوّية، ثم همسٌ أخير)
اللعنةُ... ليست في النارِ التي سأحترقُ بها،
بل في المعرفةِ التي رأيتُ بها نهايتي قبلَ وقوعِها،
ولم أملكْ قوةً لتغييرِ حرفٍ واحدٍ فيها.
وداعاً يا دنيا... يا وهمي الجميل، يا كذبتي الذهبية.
وداعاً يا كتبي... يا رفاقَ العمرِ الذين خذلتموني عندَ أولِ امتحان.
وداعاً يا روحاً تحلّقتْ في جسدي كطائرٍ مأسور،
الآنَ يُفتحُ القفص... لكن الطائرَ لن يطيرَ إلى السماء،
بل سيسقطُ في هاويةٍ لا قعرَ لها، حيثُ لا ندمَ ينفع، ولا صرخةَ تسمع.
(يسمعُ صوتُ صفيرٍ حادّ، ووميضُ نارٍ زرقاء تلتهمُ المكان)
ميفستوفوليس... ها أنا ذا.
خذني... لكنِ اعلمْ أنَّ روحاً تندمُ عندَ الموتِ،
هي أثقلُ من ألفِ روحٍ مغرورةٍ لا تعرفُ الخوفَ.
خذني... ولكن اسمعْ صرختي الأخيرة في أعماقِ الجحيم:
"لن ينتصرَ الشيطانُ على من عرفَ حماقته،
ولن تُطفأَ جمرةُ الندمِ ولو غرقتْ في بحارِ النيران."

(ينطفئُ الضوءُ. يسمعُ سقوطُ جسدٍ ثقيل، ثم صمتٌ مطبق... لا يقطعه إلا ضحكةٌ بعيدة، تتعالى كأنها رعدٌ يخنقُ نفسه)