قراءة في مسرحية -لزوم ما لا يلزم- لتوفيق الحكيم


محمد عبد الكريم يوسف
الحوار المتمدن - العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 18:19
المحور: قضايا ثقافية     

مقدمة
مسرحية "لزوم ما لا يلزم" للأديب المصري توفيق الحكيم (1898–1987)، صدرت عام 1974، وهي واحدة من أبرز أعماله في المسرح الذهني، ذلك التيار الذي أسسه الحكيم وجعل منه مدرسة فنية فريدة في الأدب العربي. يقول الحكيم عن مسرحه: "إني اليومَ أقيم مسرحي داخلَ الذهن، وأجعل الممثِّلين أفكارًا تتحرَّك في المطلَق من المعاني مرتديةً أثوابَ الرموز". وتقع أحداث المسرحية بأكملها داخل قسم شرطة في أحد الأحياء، وهو فضاء رمزي يحيل إلى مؤسسة السلطة والقانون، ولكنها سلطة عاجزة أمام عبثية الحياة وتناقضاتها.
أولاً: التقنيات المسرحية
1. البنية اللغوية التجريبية
تكمن عبقرية المسرحية في بنائها اللغوي الفريد، إذ تتألف من ثلاثة مشاهد، يقوم كل منها على نظام لغوي خاص:
• المشهد الأول: حوار من كلمة واحدة فقط في كل جملة.
• المشهد الثاني: حوار من كلمتين في كل جملة.
• المشهد الثالث: حوار من ثلاث كلمات في كل جملة.
هذا التقييد اللغوي الذاتي يُذكِّرنا بتجربة أبي العلاء المعري في "اللزوميات"، حيث ألزم نفسه بقوافٍ صعبة، وهو ما يفسر عنوان المسرحية "لزوم ما لا يلزم" – أي إلزام النفس ما ليس ملزماً به، في إشارة إلى التجريب الفني والانزياح عن المألوف.
2. تقنية المفارقة والسخرية
تعتمد المسرحية على المفارقة الدرامية بامتياز:
• في المشهد الأول، يظهر القتيل حيًّا ويشارك في التحقيق، مقلوباً بذلك المنطق الجنائي التقليدي.
• الحوار المكثف يعتمد على علامات التعجب والاستفهام التي تنوب عن عبارات كاملة وجمل طويلة لوصف الحركات وتعابير الوجوه والمشاعر.
3. المسرح الذهني (المسرح المقروء)
المسرحية صعبة الأداء على الخشبة، إذ تكمن روعتها في القراءة أكثر من التمثيل. فهي خطاب فلسفي أكثر منها عرضاً مسرحياً تقليدياً، يعتمد على الرموز والإيحاء أكثر من الاعتماد على الحركة والديكور.
ثانياً: التيارات الفكرية والأبعاد الفلسفية
1. فلسفة العبث واللامعقول
تعكس المسرحية نزعة عبثية عميقة، حيث:
• يتهم رجل بقتل طبيبه، ثم يظهر الطبيب حياً، ويتصالحان، ويطلبان إلغاء البلاغ.
• القوانين واللوائح تتحول إلى غاية في ذاتها، لا وسيلة لتحقيق العدالة.
• المحقق، ممثل السلطة، ينتهي به المطاف واضعاً رأسه بين كفيه صارخاً: "دماغي... دماغي... دماغي" (المشهد الثالث) – إعلان عن عجز العقل عن فهم التناقضات.
2. نقد الذات وخداع النفس
يضيء الحكيم على آليات الدفاع النفسي التي يمارسها الإنسان:
• المريض يقتل طبيبه لأنه صارحه بالحقيقة حول مرضه الخطير، مفضلاً الوهم المريح على الحقيقة المرة.
• المجرم يصر على إنكار جريمته رغم حضور الضحية نفسه.
• "نرفض الحقيقة المُرّة، ونفضّل عليها الوهم المريح، ولو تطلب ذلك منا أن نؤذي الآخرين".
3. فلسفة التعادلية
يمكن قراءة المسرحية في ضوء فلسفة التعادلية عند توفيق الحكيم، القائمة على التوازن بين الأضداد. فالمسرحية تقدم جدلاً بين الثنائيات:
• الحقيقة والوهم
• الحرية والقيود
• الشكل والمضمون
• الفرد والمؤسسة
4. نقد الظاهرية والتشريع
في المشهد الثاني، ينقد الحكيم التشبث بظاهر النصوص وترك روحها ومقاصدها. الحلاق يريد قص شعر الشاب لمجرد أنه طويل، معتبراً إياه "خنفس" (متشبه بالنساء)، دون النظر إلى جوهر الشخص. وهكذا يفضح الحكيم آلية الحكم على الآخرين بناء على المظهر، وهي آفة فكرية واجتماعية.
ثالثاً: الانعكاس التاريخي
1. استدعاء الشخصيات التاريخية
في المشهد الثاني، يستدعي الحكيم شخصيتين تاريخيتين لهما شعر طويل:
• جمال الدين الأفغاني (1838–1897): المفكر الإسلامي المجدد، صاحب الشعر الطويل تحت العمامة.
• إرنستو تشي جيفارا (1928–1967): الثائر الماركسي، صاحب الشعر الطويل الأشعث.
المغزى التاريخي: الحلاق (رمز التسلط الفكري) لا يفرق بينهما، بل يراهما سواء لمجرد طول شعرهما. الحكيم يريد أن يقول إن التاريخ يعيد نفسه، وأن المجتمعات العربية ظلت أسيرة النظرة السطحية، سواء تجاه مفكر إسلامي تنويري أو ثائر إنساني. كلا الرجلين يُرفض لمجرد شكله، بينما يُغفل جوهرهما الفكري والنضالي.
2. نقد البيروقراطية
المشهد الثالث يحمل انتقاداً لاذعاً للبيروقراطية في المؤسسات العربية. المصاب ينزف دماً، والمحقق والموظف يتجادلان حول اللوائح والإجراءات بدلاً من إنقاذه. الحوار المكثف بثلاث كلمات يعكس تعقيد التشوه الاجتماعي؛ فكلما اتسعت دائرة المشكلة (من النفس إلى الفكر إلى المجتمع)، ازدادت تعقيداً وصعوبة في الحل.
رابعاً: دراسة الشخصيات المسرحية
1. المحقق
• الوظيفة الدرامية: رمز السلطة والقانون.
• السمات: يبدأ واثقاً من قدرته على كشف الحقيقة، لكنه ينتهي حائراً عاجزاً، يضع رأسه بين كفيه. يعكس عجز المؤسسات عن فهم التعقيد الإنساني.
• تطوره: من مستجوب إلى مأزوم.
2. المتهم / المريض (المشهد الأول)
• الوظيفة: رمز الإنسان المعاصر الذي يرفض مواجهة الحقيقة.
• السمات: عنيد، منكر، يفضل الوهم. يقتل طبيبه لأنه صرح له بالحقيقة، ثم يهدده بالقتل مجدداً إن أصر على تشخيصه.
• رمزيته: يمثل إنكار الذات والهروب من المواجهة.
3. القتيل / الطبيب
• الوظيفة: رمز الحقيقة والصراحة.
• السمات: صريح، مهني، لكنه يتراجع تحت الضغط ويعدل عن تشخيصه.
• رمزيته: الحقيقة قابلة للطي تحت وطأة الإنكار الجماعي.
4. الرجل (الحلاق) – المشهد الثاني
• الوظيفة: رمز التسلط الفكري والجمود.
• السمات: متعصب للشكل، يفرض رؤيته بالقوة، لا يميز بين الأفغاني وجيفارا.
• رمزيته: يمثل الاستبداد الثقافي الذي يرفض الاختلاف.
5. الشاب
• الوظيفة: رمز الحرية الفردية والتمرد.
• السمات: يدافع عن حقه في إطالة شعره، ويهدد بالانتحار بمقص الحلاق نفسه.
• رمزيته: الحرية التي تضحي بنفسها في وجه القمع.
6. جمال الدين الأفغاني وجيفارا
• الوظيفة: شاهدا تاريخ على أن العظمة ليست في الشكل.
• رمزيتهما: يمثلان التيارين الفكري (الإسلامي التنويري والثوري العالمي)، وكلاهما يُرفض بنفس الحجة السطحية.
7. المصاب والموظف (المشهد الثالث)
• المصاب: رمز الإنسان المهمش الذي يئن تحت وطأة البيروقراطية.
• الموظف: رمز الآلة البيروقراطية، يردد "أنا منفذ فقط"، متخلياً عن المسؤولية الإنسانية.
خامساً: البعد التاريخي العميق
1. سياق السبعينيات
صدرت المسرحية عام 1974، في فترة ما بعد نكسة 1967، حيث كانت المجتمعات العربية تعيش أزمة ثقة في المؤسسات والقيم. المسرحية تعكس روح المراجعة ونقد الذات التي ميزت تلك الفترة.
2. التسلسل التصاعدي للتشوه
يمثل تدرج المسرحية من كلمة واحدة إلى ثلاث كلمات رحلة التشوه التي تبدأ من النفس (المشهد الأول) إلى الفكر (المشهد الثاني) إلى المجتمع (المشهد الثالث). فكلما اتسعت دائرة المشكلة، ازداد تعقيدها وصعوبة حلها. هذا البناء يحمل رؤية تاريخية ترى أن تشوه الفرد يؤدي إلى تشوه الفكر، ومن ثم إلى تشوه المجتمع برمته.
3. صراع الأيديولوجيات
استدعاء الأفغاني (التيار الإسلامي التنويري) وجيفارا (التيار الثوري العالمي) في حوار واحد يحمل بعداً تاريخياً عميقاً: فالحكيم يرى أن الصراع الأيديولوجي في العالم العربي (بين الإسلاميين واليساريين) هو صراع سطحي، لأن الطرفين يرفضهما نفس المنطق التسلطي القائم على الحكم بالمظهر. التاريخ يعيد نفسه، ولا يتعلم العرب من دروسه.
4. نقد مشروع النهضة
المسرحية، في عمقها، هي نقد لمشروع النهضة العربية برمته. فالقوانين (اللوائح) التي يفترض أنها تحقق النهضة تتحول إلى كوابح. والمفكرون العظام (كالأفغاني) يُرفضون. والثوار (كجيفارا) يُطردون. والمريض يرفض العلاج. إنها صورة قاتمة لمجتمع يرفض التغيير، ويلزم نفسه بما لا يلزم، ويترك ما يلزم.
خاتمة
مسرحية "لزوم ما لا يلزم" هي تحفة مسرحية ذهنية تجمع بين:
• التجريب اللغوي الجريء (حوار بكلمة، بكلمتين، بثلاث كلمات).
• النقد الاجتماعي اللاذع (نقد البيروقراطية، التسلط الفكري، الإنكار النفسي).
• البعد الفلسفي العميق (جدل الحقيقة والوهم، الحرية والقيد، الشكل والمضمون).
• الإسقاط التاريخي (استدعاء الأفغاني وجيفارا، نقد مشروع النهضة).
إنها، كما وصفها النقاد، "مسرحية أمراضنا المزمنة"، مرآة صافية نرى فيها أنفسنا في كل موقف نرفض فيه الحقيقة ونفضل الوهم. وبين قتيل يتكلم، وجدال يتسع، ومصاب ينتظر التصريح، يطرح الحكيم سؤاله الأبدي: هل يمكن للعقل العربي أن يخرج من أسر "لزوم ما لا يلزم"؟
المراجع
1. توفيق الحكيم، لزوم ما لا يلزم، مؤسسة هنداوي، 2026.
2. سهير أومري، "لزوم ما لا يلزم" لتوفيق الحكيم.. مسرحية أمراضنا المزمنة، موقع سوريا.تي في، 2021.
3. مؤسسة هنداوي، لزوم ما لا يلزم | توفيق الحكيم، safahat.org.
4. لزوم ما لا يلزم، توفيق الحكيم، kotobonline.net.
5. شيماء شناوي، 50 سنة «معرض الكتاب».. 10 مؤلفات لتوفيق الحكيم، جريدة الشروق، 2019.
6. د. إبراهيم ناجي، توفيق الحكيم «حياته النفسية من كتبه — تأثيره»، safahat.org.
7. عبد المنعم أديب، فلسفة التعادليَّة عند توفيق الحكيم، mana.net, 2020.