الاغتراب في أدب الشاعر نسيب عريضة، دراسة أكاديمية
محمد عبد الكريم يوسف
الحوار المتمدن
-
العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 17:29
المحور:
قضايا ثقافية
1. مقدمة
نسيب بن أسعد عريضة (1887–1946) شاعر سوري من مؤسسي الرابطة القلمية في المهجر الأمريكي. ولد في حمص، وتعلم بالمدرسة الروسية في الناصرة، ثم هاجر إلى نيويورك عام 1905. عمل في التجارة ثم في الصحافة، حيث تولى تحرير جريدتي «مرآة الغرب» و«الهدى»، وتوفي في بروكلين. صدر له ديوان واحد هو «الأرواح الحائرة» (1946) بعد وفاته بأيام
.
تُعد تجربة الاغتراب لدى عريضة تجربة مزدوجة: غربة وطن مادية نتيجة الهجرة، وغربة وطن روحية نتيجة الشك الوجودي والتناقض بين العقل والقلب
. وقد لُقّب بـ «شاعر الطريق» لما عاناه من خسارات متتالية طوال حياته
.
2. مفهوم الاغتراب: التأسيس النظري
2.1 المعنى اللغوي والاصطلاحي
يُشتق الاغتراب من الجذر الثلاثي (غ-ر-ب) الذي يدل على البعد والغياب. وقد تطور المفهوم ليشمل:
جدول
البُعد التعريف المرجع
المكاني البعد الجسدي عن الوطن والأهل فهمي، 1970
النفسي الشعور بالعزلة والانفصال عن الذات شاخت، 1980
الاجتماعي فقدان الانتماء والتكيف مع المجتمع الجديد ميلفين
الوجودي التناقض بين الواقع والحلم، والشعور بالعدمية فروم، 1980
2.2 الاغتراب في أدب المهجر
يُعد شعراء المهجر من أكثر الشعراء العرب تعبيراً عن الاغتراب. فقد اجتمعت عندهم غربة المكان مع غربة اللغة وغربة الهوية. ويشير العيسى (2003) إلى أن الحنين والاغتراب للوطن هما الموضوع المركزي في شعر المهجر
.
3. تجليات الاغتراب في شعر نسيب عريضة
3.1 الاغتراب المكاني: غربة الوطن
تتجلى غربة الوطن المادية في قصائد عريضة بشكل مباشر. ففي قصيدته «حكاية تجارب الهجرة السورية» يقول:
«جاء غريب من الشرق — بعيداً عن بلادي المحبوبة عشت»
وهذا البيت يجسد المفارقة المركزية في تجربة عريضة: هو «غريب» في المكان الجديد رغم أنه «جاء» إليه طوعاً، وهو «بعيد» رغم حبه للوطن. تتجلى هنا ازدواجية الاغتراب: الغربة في المهجر والغربة في الوطن معاً.
3.2 الاغتراب الوجودي: الشك والتشكك
يُعد عريضة شاعراً «متشككاً» كما وصفه البعض. فقد كان يعاني من تناقض عميق بين العقل والقلب. يقول ميشال جحا في مقدمته لديوانه:
«كان ينكر ما يعتقد به ولسبب واحد: أن عقله في مكان وقلبه في مكان آخر»
وهذا التشكك يُنتج حالة من الاغتراب الوجودي (Existential Alienation) تقترب من تجربة ألبير كامو في «الغريب» و«الموت السعيد». فحياة عريضة تجري «بطريقة أوتوماتيكية، بدون أي مضمون كأنه يبني قصراً من الرمال»
.
3.3 الاغتراب الهوياتي: تردد التسمية
يُظهر عريضة تردداً ملحوظاً في تسمية وطنه، مما يعكس أزمة هوية عميقة:
جدول
التسمية الدلالة الشاهد
سوريا (بألف ممدودة) دلالة حضارية تاريخية «يا سوريا»
سورية (بتاء مربوطة) دلالة سياسية حديثة «يا سورية»
هذا التردد يكشف عن فهم جزئي للوطن، فهو «هدف نرجسي يصعب تحقيقه» على حد تعبير جوليا كريستيفا
.
3.4 الاغتراب الزمني: موت متوقع
يتميز شعر عريضة بالحديث المبكر عن الموت كأنه حتمية محسومة. ففي قصيدته «على قبري» و**«صلاة الأموات»** يحاور الموت مباشرة. وفي قصيدة «ركب النفوس» يتوسل إلى لياليه المتسارعة كي تتمهل
.
4. الأدوات الشعرية في تجسيد الاغتراب
4.1 الصور الشعرية
جدول
الصورة الدلالة القصيدة
الطريق الحياة بلا هدف، السير نحو المجهول «على طريق إرم»
الشراع الممزق الأمل المنهك في الغربة «صرخة إلى الوادي»
الأرواح الحائرة الضياع الروحي والتشكك عنوان الديوان
إرم ذات العماد الملجأ الروحي المفقود «على طريق إرم»
4.2 الأنماط الإيقاعية
لاحظ ميشال جحا أن عريضة يُعنى «بالاختلاف مع الرتابة»، فينوّع الإيقاع ويتناوب المشاهد بين «واقع موضوعي مشرق» و«واقع نفسي مضطرب»
.
4.3 العلاقة بجبران خليل جبران
كان عريضة مغرماً بجبران، وخصّص له عدة قصائد تراوحت بين المديح والرثاء. ويُعتقد أن عنوان ديوانه «الأرواح الحائرة» محاكاة لكتاب جبران «الأرواح المتمردة» (1908) مع استبدال «المتمرد» بـ «الحائر» الذي يدل على الشك لا التمرد
.
5. تحليل نموذجي: قصيدة «على طريق إرم»
تُعد هذه القصيدة من أشهر قصائد عريضة. يتحول فيها إرم ذات العماد — المدينة الأسطورية المفقودة في شبه الجزيرة العربية — إلى استعارة للملجأ الروحي. يقول عريضة في تعليق توضيحي:
«إرم مدينة الأسطورة تصبح ملجأ للروح، حيث يقيم المعرفة الحقيقية وراء الوجود المادي»
وهذا يعكس رغبة الشاعر في الهروب من الواقع المادي — سواء في المهجر أو في الوطن — نحو عالم روحي آمن.
6. خصوصية الاغتراب عند عريضة
6.1 مقارنة مع شعراء المهجر
جدول
الشاعر نوع الاغتراب الخصوصية
جبران خليل جبران وجودي-روحاني التمرد على القيود
ميخائيل نعيمة وجودي-اجتماعي النقد الذاتي للذات
نسيب عريضة وجودي-تشككي الشك الوسواسي واللامبالاة
إيليا أبو ماضي مكاني-حنيني التذكر المرّ للوطن
6.2 النزعة الإنسانية
تتجلى النزعة الإنسانية في شعر عريضة من خلال اهتمامه بالوجود الإنساني بشكل عام أكثر من اهتمامه بالقضايا الوطنية المحددة. فهو شاعر «شمولي تحركه ألغاز وجودية غامضة، وليس مشاكل مجتمعانية محددة»
.
7. الخلاصة
يمكن تلخيص تجربة الاغتراب عند نسيب عريضة في النقاط التالية:
1. الاغتراب مزدوج: مكاني (الهجرة) ووجودي (الشك).
2. الوطن هدف نرجسي: يُدرك جزئياً ويُفتقد كلياً.
3. الموت حوار دائم: ليس نهاية بل رفيق في الحياة.
4. اللغة وسيلة للضياع: لا للانتماء، بل للتعبير عن الانفصال.
5. الشك أسلوب حياة: يُنتج لامبالاة وجودية تتناقض مع الحنين الوطني.
8. المراجع
أولاً: مصادر أولية (دواوين ونصوص)
1. عريضة، نسيب (1946). الأرواح الحائرة. نيويورك: مطبعة جريدة الأخلاق. (الطبعة الأولى بعد الوفاة).
2. عريضة، نسيب (ط. ثانية). الأرواح الحائرة. بيروت: مكتبة بيسان. (مع مقدمة ميشال جحا).
ثانياً: دراسات نقدية وأكاديمية
3. الجريري، سعيد سالم (2004). شعر البردوني: قراءة أسلوبية. صنعاء: مركز عبادي للدراسات والنشر.
4. السلفي، سالم عبد الرب (2006). الغربة في الشعر اليمني الحديث والمعاصر: دراسة أسلوبية. القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية. (أطروحة دكتوراه).
5. السويدي، فاطمة حميد (1997). الاغتراب في الشعر الأموي. القاهرة: مكتبة مدبولي.
6. شاخت، ريتشارد (1980). الاغتراب. ترجمة: كمال يوسف حسين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
7. فهمي، ماهر حسن (1970). الحنين والغربة في الشعر العربي الحديث. القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية.
8. Al-Issa, A. (2003). Characteristics of Al-Mahjar Poets. (مُشار إليه في الدراسات النقدية).
9. Jha, Michel (ط. ثانية). مقدمة ديوان الأرواح الحائرة. بيروت: مكتبة بيسان.
10. Kahlil Gibran Official Website (2026). Naseeb Arida: A Syrian Poet between New York and Iram.
11. القدس العربي (2021). اليوتوبيا المفقودة: قراءة في «الأرواح الحائرة» لنسيب عريضة.
12. Theory and Practice in Language Studies (2021). American Mahjar Poets: Literary Criticism. Vol. 11, No. 9, pp. 1101-1108.
ثالثاً: رسائل جامعية
13. القطوي، صالح حسن (2003). لغة الشعر عند البردوني: دراسة في المعجم الشعري. رسالة ماجستير، جامعة عدن.
14. سالم، صالح عقيل (2003). الغربة والحنين في الشعر اليمني الحديث: دراسة فنية. رسالة ماجستير، جامعة عدن.
ملاحظة: تُعد دراسة الاغتراب عند نسيب عريضة من المواضيع النقدية التي تحتاج إلى مزيد من البحث الأكاديمي المباشر، إذ إن المراجع المتاحة محدودة نسبياً مقارنة بشعراء المهجر الآخرين. يُنصح الباحثون بالرجوع إلى الطبعة الثانية من ديوان «الأرواح الحائرة» مع مقدمة ميشال جحا، فهي من أهم المصادر النقدية المتاحة.