أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - غياث نعيسة - المسألة الزراعية في سورية















المزيد.....



المسألة الزراعية في سورية


غياث نعيسة
الحوار المتمدن-العدد: 575 - 2003 / 8 / 29 - 03:02
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


                                                    د.   غياث نعيسة*
ملامح تاريخية للتشكيلة الاقتصادية- الاجتماعية * *  


يعتبر القرن التاسع عشر ، وبحق ، هو الحقبة التاريخية الحاسمة التي شهدت صياغة وتشكل مجتمعاتنا في المنطقة العربية ، ومنها سورية.  ولا يعني هذا تشكل مكونات هذه المجتمعات وحسب، بل وصياغة الحدود الدولية للدول الحديثة الخاصة بها. وبالفعل فقد حكم  عاملان أساسيان الإطار العام  للسياق التاريخي  لقيامها. وهما : تدهور الإمبراطورية العثمانية وانحطاطها ، من جهة. والتدخل المتزايد والعنيف للدول الأوربية الاستعمارية، من جهة اخرى. والسمة العامة للمجتمع السوري في هذه الحقبة نفسها تميزت بهشاشة وضعف البرجوازية  الناشئة ، حيث لم يتجاوز عدد " ممارسي الصناعة والتجارة اكثر من 10 – 15 % " (1) ، وتضم هذه البرجوازية اصحاب الصناعات والمشاغل والتجار وخاصة الكمبرادور والمتعهدين  . كما تشكلت أيضا طبقات وسطى من أصحاب الأعمال الحرة كالأطباء والمحامين ... والموظفين والمعلمين و الشرائح الوسطى الريفية. ورافق هذا التشكل المذكور بداية تكون طبقة عاملة بالمعنى الحديث للكلمة. (2)
لا تسعى هذه الدراسة الموجزة إلى صب التطور التاريخي لبلادنا في قالب نظري جامد. بل التركيز على ما نعتقد انه أساسي في تطور التشكيلة الاقتصادية- الاجتماعية السورية، لأننا نظن أن هذا الفهم يسمح بتفسير تطور الدولة الحديثة في سورية وما نحن عليه اليوم. وبداهة،  فان دراسة التطور التاريخي للمسألة الزراعية هو الخيط الموجه للدراسة.

نمط خراجي – إقطاعي ؟


الصورة العامة للبلاد منذ القدم ولغاية النصف الثاني من القرن العشرين هي : بحر من الريف والفلاحين وجزر من المدن.
تاريخ الفلاحين في سورية تاريخ  ابتزاز خراجي. لان الطبقات الحاكمة عاشت واغتنت ، منذ الغزو البابلي ولغاية الاستعمار العثماني ، بفضل الموارد التي كانت تأتيها من ابتزازها لفائض من عمل الفلاحين. فالابتزاز الخراجي كان السمة السائدة لهذا التاريخ.
يتميز "نمط الإنتاج الخراجي" –كمفهوم- بانفصال المجتمع إلى طبقتين أساسيتين : الأولى، هي طبقة الفلاحين الذين يعيشون في إطار جماعات. والثانية ، هي الطبقة الحاكمة التي تحتكر وظائف التنظيم السياسي للمجتمع وإدارته وتبتز "خراجاَ" غير بضاعي من المجموعات الفلاحية الأولى. لكن نمط الإنتاج الخراجي "الأحدث تاريخياَ" اتسم بالميل الواضح الى التحول اقطاعياَ ، بمعنى ان الطبقة الحاكمة حلت محل الجماعات الفلاحية في الملكية الخاصة للارض ، التي كان اغلبها ملكية مشاعية للجماعات الفلاحية. وتعايش هذا النمط الإنتاجي ، الذي ساد لغاية عشية الحرب العالمية الأولى، مع نمط الإنتاج السلعي البسيط ، الذي كان يحكم مجال الإنتاج الحرفي. وهذا الأخير كان هاماَ جداَ في سورية ، على الأقل حتى نهاية القرن التاسع عشر، عندما بدأ دخول المنتجات الأوربية في خلخلة بنية الاقتصاد السوري ، وغيره من اقتصاديات المنطقة. ونسف الأسس التي كان يقوم عليها المجتمع التقليدي في بلادنا.
من المعروف تاريخياَ، أن المراحل التاريخية التي  تطور فيها نمط الإنتاج الخراجي إلى شكل إقطاعي كانت استثنائية وقصيرة.  وتنحصر زمنياَ في عهد نور الدين وما تلاه من حكم الأيوبيين.  لكن نمط الإنتاج الخراجي "الكلاسيكي" بقي هو القاعدة. إذ لم تكن التجارة البعيدة، التي كانت هامة جداَ في التشكيلة التاريخية السورية ، تشكل نمط انتاج متميز في حد ذاته. بل هي نمط تمفصل بين تشكيلات اقتصادية مستقلة عن بعضها البعض. والحال، فان الجزء الأكبر من الفائض الذي حققته هذه التجارة البعيدة جاء من خلال تحويل قسم من فائض مجتمع آخر غير المجتمع السوري.
بإضافة خصوصية التجارة البعيدة، يمكن ، بالتالي، توصيف التشكيلة الاجتماعية السورية في هذه الحقبة التاريخية ، بأنها كانت تشكيلة "خراجية- تجارية".
فقد سمح "الخراج" بخلق فائض يأتي من داخل المجتمع السوري، أي من الفلاحين ، هذا من جهة. مثلما سمحت التجارة البعيدة بخلق فائض يأتي من الخارج ، أي من مجتمع آخر، هذا من جهة أخرى.
لكن أهمية ونسبة كل من طرفي العلاقة بين الفائض الداخلي والفائض الخارجي ، تراوحت حسب العصور. ويبدو ، وفق المعطيات التاريخية المتوفرة ، أن الفائض الناتج عن التجارة البعيدة كان هاماَ حتى القرن الخامس عشر. بيد انه بات  شبه غائب في القرن التاسع عشر نتيجة عوامل عدة ، منها : الاحتلال العثماني نفسه ، والاختراق الأوربي المتزايد للإمبراطورية العثمانية ، وتحويل طرق التجارة العالمية. بالرغم من ذلك بقي الابتزاز الخراجي هو السمة المميزة للنظام السائد ، كما بقيت السلطة المركزية العثمانية ، لغاية منتصف القرن التاسع عشر، تحمي وتحافظ على الجماعات الفلاحية .
 لكن في فترة انحطاطها، بسبب التدخل المتزايد للدول الأوربية الاستعمارية ، وانحسار وكسود التجارة البعيدة ، هزلت هيمنة الدولة وتراخت. واصبح الدور التجاري للمدن نافلاَ. وإذا أضفنا إلى هذه العوامل عامل تحطيم القطاع الحرفي ، الذي حصل نتيجة غزو البضائع الأوربية المستوردة للاسواق . فأننا نجد أمامنا كل مكونات الأزمة البنيوية العميقة التي عاشتها الطبقات الحاكمة المدينية السورية، والتي أدت بها الى التحول "اقطاعياَ" . لقد أدت بها هذه الأزمة  إلى التوجه إلى انتزاع الفائض – الذي لم تعد توفره لها تجارتها البعيدة – من الفلاحين السوريين أنفسهم.
إذن يمكننا القول ، بان نهاية القرن التاسع عشر شهدت توجه البرجوازية التجارية (المدينية) السورية ، التي فقدت وظيفتها "التجارة البعيدة" ، نحو الريف السوري لتملك الاراضي. ويعود إلى هذه الفترة التاريخية تحديدا ،َ بداية تشكل ملكية الأرض الكبيرة في سورية.
وتسارعت عملية التحول الإقطاعي "التأقطع" هذه  في ظل الاحتلال الفرنسي ، من خلال إخضاع الفلاحين وإكراههم على قبول عمليات تغيير شكل ملكية الأرض (من مشاعية إلى ملكية خاصة). مثلما أدى انسداد طريق التصنيع أمام البرجوازية المدينية السورية ، بسبب سيطرة الرأسمالية الفرنسية ، أدى بها إلى التوجه للريف بغرض امتلاك وشراء الأراضي.


تطور شكل ملكية الأرض


من المعروف أن الريع "الإقطاعي" قد مر كلاسيكياَ بعدة مراحل : الأولى ، هي مرحلة الريع الذي يستوفى بالعمل الإلزامي أو السخرة. والثانية، هي الريع الطبيعي أو العيني. والثالثة ، وهي تقترن بمرحلة انهيار النظام الإقطاعي وقيام النظام الرأسمالي، هي الريع النقدي. حيث تنفصل فيها الملكية الزراعية عن الإنتاج الزراعي.
تميزت مرحلة قبل الإصلاحات ، قبل عام 1839 ، بان أراضى "الملك" و " الوقف"  تشكلان حالتان استثنائيتان. يعترف فيهما بان تلك الأراضي ليست ملكاَ للسلطان. بينما غالبية الأراضي هي ملكية الدولة ، مما يعني أن ملكيتها تعود للسلطان. كان الغرض الأساسي لهذا الشكل من الملكية هو منع نمو طبقة نبلاء أراضى (أي اقطاعيين) ومنع أي تمركز عقاري تفلت عن سيطرة الحاكم. وهذا يفسر الإعلان الدوري للدولة عن قوانين تمنع الفلاحين من مغادرة أراضيهم وهجرها ، مما جعل من الفلاحين الطبقة المركزية في الزراعة ، تحصل الدولة على القسم الاهم من مداخيلها منهم. وذلك ليس لكونها المالك الرئيسي ، بل لكونها الإداري الوحيد. باختصار ، كان الهم الأساسي للدولة العثمانية هو الدفاع الشرس عن الزراعة المجزئة ضد خطر تشكل ملكيات عقارية كبيرة.
في المقابل، كان النظام الضرائبي المرافق لحقبة قبل الإصلاحات، يتكون من : الضرائب الشرعية ، كضريبة العشر والضريبة الخراجية والجزية. والضرائب التعسفية، كضريبة الأغنام وضريبة الخدمة البحرية التي كانت تصيب بيتاَ من اصل عشرة بيوت ويمكن دفع بدل نقدي عنها. واخيراَ نظام "الالتزام" الذي أنشأه السلطان محمد الثاني ، ويقضي بتأجير الأراضي "للملتزمين" من اجل توفير دخل ثابت للدولة.
ومن باب المقارنة ، فان كانت الإقطاعية الأوربية قد استندت، في وظيفتها، على خفض رأس مال المنتج المباشر، مما يعني أن النظام الاقطاعي الاوربي قام على اخضاع المنتج نفسه. نجد أن النظام العثماني قام ، على العكس من ذلك، بوضع يده على فائض الناتج. ولكن هذه الحقيقة لا تعني انه لم يلجئ إلى السخرة وعمل العبيد، بل أن لجوئه إليهما كان هامشياَ، ولم يشكل ابداَ عنصراَ اساسياَ في عملية الانتاج. وتميز الواقع الاجتماعي في أوج الحقبة العثمانية ، بتوفر دولة قوية تمتلك شبكة إدارية مدينية مركزية ، مقابل ريف مجزأ وذو طابع عائلي ومحلي ومستقل ذاتياَ.

ولعل اللحظة التاريخية التي شهدت التحول إلى الإقطاعية ، هي الفترة التي رافقت ظهور الملكية العقارية الكبيرة مع الانحطاط الاجتماعي للإمبراطورية العثمانية والنشوء التدريجي ل "تشيفتليك" ، الذي يعني نوع من الشراكة الدائمة بين حائز الارض والمزارع، حيث يقدم الاول الارض، ويقدم الثاني قوة العمل. ويتم بعد حساب الضرائب ومصاريف الإنتاج، تقسيم الناتج إلى ثلاثة أجزاء: ثلث لحائز الأرض وثلثين للفلاح. وقد نشأ هذا الشكل في القرن السابع عشر وازداد أهمية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وبالرغم من التقييدات الاداريةعليه، لكن نظام التشيفيليك لعب دوراَ أساسيا في فرض الانتقال من " الملكية المشروطة" للارض الى شكل اقرب الى "الملكية الصرفة"لها. ومن هنا نشأت الإقطاعية في الإمبراطورية العثمانية.

التحول "الإقطاعي"

هدفت الإصلاحات العثمانية او " التنظيمات " (1839- 1860) الى تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور للامبراطورية، الذي نسف الاندماج العنيف في السوق العالمية اسسه، بعد استسلام الباب العالي لرأس المال العالمي. وقد أطلق السلطان عبد المجيد هذه الإصلاحات على اثر حملة محمد علي في بلاد الشام. وقد شملت هذه "التنظيمات" سلسلة من الإجراءات منها تغيير ضريبة الجزية عام 1841 حيث اصبح تحصيلها من صلاحيات زعماء الطوائف الدينية. ومن ثم ألغيت هذه الضريبة في عام 1855 . والإجراء الثاني هو توحيد نظام الضرائب على الأراضي واصبح هناك ضريبتان على كل الأراضي: الأولى ، هي ضريبة الدخل وهي ضريبة العشر. والثانية، هي الضريبة على رأس المال، أي على السعر المقدر للأرض. وشكلت إدارة خاصة  ، أطلق عليها اسم إدارة الطابو كلفت بإصدار بيانات لشاغري الارض. لكن بقي هذا الإجراء الأخير دون أي تأثير فعلي، لأن الفلاح كان يقوم في اغلب الاحيان ، وخوفاَ من الضرائب، بإعطاء بيانات الملكية "سند الطابو" للاغوات والوجهاء والشيوخ ، الذين وضعوها باسمهم.
وشملت الإصلاحات قراراَ ، قيل انه كان في الأصل يهدف إلى حماية محصول الأرض، ينص على آن ترك الأرض بواراَ لمدة ثلاث سنوات يجعلها بدون مالك. أي يتم تجريد المالك من ملكيته لها. وقد أدى هذا التشريع في عام 1858 إلى مصادرة واسعة للأراضي بحجة أنها غير مزروعة.لكن الهدف الحقيقي لهذا القرار كان حل الملكية الجماعية "المشاع" لصالح الملكية الفردية "الخصخصة". وقامت الحكومة العثمانية في عام 1863 بتوزيع كل أراضى الفلاحين الواقعة تحت بند المشاع، لكن هذا التوزيع نفذ ببطء شديد في سورية. في عشية الحرب العالمية الأولى ، لم تكن سوى ربع الأراضي السورية مملوكة "مفروزة" فقط.
هذه هي الخلفية التي نشأت من خلالها الملكية العقارية الكبيرة ، التي قامت على إخضاع المدن للريف . هذا الإخضاع ساهمت في تحقيقه عدة عوامل . منها الهيمنة السياسية والاجتماعية للمدن، والهيمنة الاقتصادية للمدن على الثروة العقارية.فقد استطاع أغنياء المدن ، وعبر ثلاث وسائل، انتزاع الأرض من أصحابها وتحقيق الهيمنة الاقتصادية على الريف، وهي : الربا والشراء والعمولة.
وهكذا اكتسب الآغا والافندي والبيك والباشا والشيخ – أكانوا في المدينة أم في الجبل أم في البادية-  نفس الشخصية الواحدة : الملاك العقاري الكبير. هذه الشريحة يقف على قمتها السلطان عبد الحميد الذي كان يملك ما لا يقل عن 15 مليون دونم و 1114 قرية.
هذا التحول الإقطاعي ، عبر في الواقع عن أزمة طبقة. هي طبقة التجار. التي فقدت- كما ذكرنا- وظيفتها الطبقية  نتيجة للتوغل الرأسمالي المتزايد لأوربا المركانتيلية ، فاندفعت نحو الريف.


الرأسمالية الزراعية

في الواقع، كانت المهمة الرئيسية للاحتلال الفرنسي لسورية هي تشكيل الملكية الزراعية الخاصة، عبر عدة قنوات. الأولى، تخصيص الأراضي المشاعية والتي كانت منتشرة في مناطق حمص وحلب والساحل وحوران. ولهذا الغرض حددت الإدارة الفرنسية ضرورة اتفاق المالكين على اقتسام الأرض المشاع. وفي حال عدم الاتفاق فيما بينهم ، احتفظت لنفسها بالحق في فرض القسمة بالقوة عن طريق قاضي عقاري يساعده موظف من مديرية الزراعة ومهندس. الثانية، تجميع الملكيات المجزئة، إذ حدد مرسوم صدر في 15 آذار 1934 آليات تجميع الأجزاء المتناثرة التي تعود إلى مالك واحد في قطعة واحدة محددة. الثالثة ، تجزئة الملكيات الكبيرة وبالأخص ملكية الدولة، فقد بلغت مساحة الأراضي المملوكة للدولة عام 1927 اكثر من 2 مليون هكتار. ولهذا الغرض حدد المرسوم الصادر في 5 أيار 1925 انه لا يمكن بيع الأرض العائدة للدولة إلا إلى مزارعين يطلب منهم أن يستثمروها بأنفسهم خلال مدة ايجار تبلغ 15 عاماَ. أما فيما يتعلق بتجزئة الملكيات الكبيرة الخاصة ، فلم تحصل سوى محاولة شاحبة في منطقة اللاذقية عام 1929، ويعود السبب في ذلك إلى الوزن السياسي الكبير لكبار الملاك العقاريين في تلك المرحلة.
إذن، شكلت علاقات الملكية العقارية العثمانية عائقاَ أمام توغل الرأسمالية في الزراعة. لذلك لجأ الاحتلال الفرنسي إلى إرساء سياسة تهدف إلى "تحرير" الأرض من كل عائق تشريعي يمنع انتقالها إلى نظام الملكية الفردية الحر والمطلق. بمعنى تعميم الملكية الفردية للأرض. ولهذا الغرض تم تغيير تدريجي للتشريعات القانونية المنظمة للعلاقات الزراعية، بما يسمح بالتغلغل المتزايد للعلاقات الرأسمالية في الريف السوري. وتبدى هذا من خلال توجه مزدوج : الأول هو تعميم الملكية الفردية، والثاني هو تحديث الزراعة. وجرت ، في هذا الإطار، عمليات تجزئة الأرض وتحسين مردودها وإدخال الآلات الزراعية ونشر زراعات صناعية جديدة ، كزراعة القطن والحبوب، وتسهيل الحصول على البذار والقروض. حصل هذا التغيير باللجوء إلى المؤسسات المالية المحلية الخاصة المرتبطة برأس المال الأجنبي. وكذلك عبر آليات التبادل مع الغرب عموماَ وفرنسا خاصة. ويعتبر الاحتلال الفرنسي لسورية هو الفترة التي تم فيها دمجها بالرأسمالية العالمية ، وحينئذ ،الفرنسية خاصة. هذا الاندماج له طابع نيو كولونيالي صرف.

العلاقات القانونية الرأسمالية للاستثمار الزراعي

بقي الريف السوري ، ولغاية الحرب العالمية الثانية ، غارقاَ في تقليدية عميقة. بيد أن اندلاع تلك الحرب أدى إلى ارتفاع مذهل في الطلب على المنتجات الزراعية . مع ارتفاع هائل لأسعارها. مما دفع بعدد من المقاولين إلى تخصيص جزء من رأسمالهم في الاستثمارالزراعي ، ولا سيما في منطقة الجزيرة. كما ظهر عدد من أثرياء الحرب الذين وجدوا في الزراعة استثماراَ مربحاَ لرؤوس أموالهم التي كدسوها من الحرب. والملاحظ أن غالبية هؤلاء الرأسماليون هم من أصول مدينية.
على الصعيد القانوني تجلى التوغل الرأسمالي في الزراعية عبر شكلين أساسيين ناظمين له. وهما : الشكل الأول: عندما يكون المستثمر(الرأسمالي) هو نفسه مالك الأرض وصاحب رأس المال، ويقطن في المدينة غالباَ. وله نشاط اقتصادي آخر. وما يميزه عن الإقطاعي هو اهتمامه المباشر بالاستثمار، إذ انه هو من يقرر كمية البذار ويشتري أو يستأجر الآلات ويتعاقد مع العمال ، كما انه يشرف بنفسه او عبر وكيل له على كامل عملية الاستثمار. وأخيرا ، يعود النتاج بالكامل له. هذا الشكل هو شكل الاستثمار الفردي الرأسمالي بامتياز.
الشكل الثاني: عندما يكون المستثمر هو غير مالك الأرض  ، ويحكم هذا الشكل نوعين من العقود، 1.عقد المشاركة، وهو عقد يربط بين طرفين الأول هو المستثمر – التاجر ، والثاني هو المالك-العامل او المستأجر-العامل ، وعلى اساسه يتعهد الطرف الاول بتقديم البذور المناسبة للارض المستثمرة و بدفع مبلغَ ثابتَ للطرف الثاني عن كل هكتار او دونم مجهز، أي تم تمهيده وحرثه وبذره وحصاده. أما الطرف الثاني فيقدم الأرض ويأخذ على عاتقه البذار والحصاد وتعهده بالحفاظ على المحصول من التلف. ويتم تقاسم المحصول مناصفة. 2. عقد التأجير، وهو عقد يربط بين المستثمر وبين واحد أو اكثر من الوجهاء الريفيين الذين يحوزون على مساحات واسعة من الاراضي الاميرية( اوالمشاع) . انه عقد إيجار أو إيجار من الباطن ، لأن هؤلاء الوجهاء هم بالأصل غير مالكين للأرض، بل تعود ملكيتها للدولة. وبالعادة يحصل المستثمر على 90 في المائة من محصول الأرض مقابل 10 في المائة للوجيه الريفي. ويتكفل الرأسمالي بتوفير البذور والعمال والحصاد، ويكتفي الوجيه الريفي بهذه النسبة من الربح الذي لم يكن يحلم به من قبل، هذا الربح الذي يوفره له صعود الرأسمالية الزراعية.
لقد أدت مكننة الزراعة إلى إثراء الرأسماليين ومالكيها بيد أن الغالبية الكبرى من الفلاحين بقيت غارقة في الجهل والبؤس والاضطهاد العريقين، والأسوأ أن هذه المكننة(رأسملة) بدأت بازاحة عدد كبير منهم وطردهم نحو المدن. في المقابل، فان الأرباح المحققة لم يتم إعادة استثمارها في الأرض ، بل كانت تذهب إلى المدن حيث يقطن الرأسماليون لتبديدها في نفقات الاستهلاك والبزخ والترف. فكلاَ من الريع بالنسبة لمالك الأرض الكبير أو الربح بالنسبة للرأسمالي كان مصدرهما واحد هو جهد وقوة عمل الفلاحين والعمال الزراعيين.
ظهر السوق ، منذ تلك الفترة، ببعديه الداخلي والخارجي ، كعامل حاسم في التمايز والفرز الطبقيين. من جهة طبقات مالكة وحائزة على وسائل الإنتاج والتسويق. ومن جهة أخرى، الكتلة الفلاحية التي هي في طريقها إلى التبتلر أو انها قد تبتلرت اوالنصف بروليتارية  او الهامشية.(3) علاوة على أن الربا قد شجع على نمو طبقة وسيطة طفيلية وغير منتجة، ساهمت في عمليات تجريد الفلاحين من أرضهم لصالح كبار الملاكين او المرابين. ولكن، وبالرغم من نمو الرأسمالية الزراعية ، إلا أن المناطق الريفية التي بقي فيها استغلال الأرض تقليدياَ ، وبالأخص تلك التي سادت فيها المزارعة والملكية الصغيرة والمشاع، بقيت تقنيات وطرق الزراعة فيها قديمة دون تغيير يذكر.

الإصلاحات الزراعية بعد الاستقلال

من المعروف أن أول "إصلاح زراعي" في هذه الحقبة هي الإجراءات الصادرة بعد أول انقلاب عسكري في تاريخ سورية الحديث. عقب انقلاب حسني الزعيم عام 1949 . إذ قامت الحكومة بتوزيع جزء من أراضى الدولة. لكن مدى وأهمية هذا الإجراء كانا ضحلينَ، إضافة الى ان اغلبه كان لمصلحة كبار ملاكي الاراضي.
وفي دستور سورية عام 1950 وردت فقرة تنص على إنجاز "إصلاح زراعي وتحسين حالة الفلاحين" لكنها بقيت  حرفاَ ميتاَ. فقد أدى مشروع قانون طرح على البرلمان في أيلول 1951 ، يستهدف تحديد سقف الملكية العقارية، إلى رفض البرلمان والحكومة له، وذلك بسبب هيمنة اغلبية من الملاكين العقاريين الكبار عليهما. وفي هذا السياق قدر بيلي ويندر نسبة كبار الملاكين الكبار السوريين في البرلمان من عام 1919 إلى عام 1954 فكانت كالتالي:
عام 1919       38%
عام 1928       37%
عام 1932       25 %
عام  1936      51%
عام 1943        54%
عام 1947       50%
عام 1949       43%
عام 1953       33%
عام 1954      42%

في الواقع، لا يمكن الحديث عن إصلاح زراعي  جدير بالاسم قبل إصلاح عام 1958 . والأسباب التي منعت حصول إصلاح زراعي قبل هذا التاريخ عديدة. منها المركز الهام الذي كان يحتله رأس المال التجاري داخل الطبقة السائدة، حيث كانت اغلب المنتجات الزراعية معدة للتصدير. كما أن الطبقة السائدة لم تستشعر الحاجة إلى يد عاملة يمكن أن يحررها إصلاح زراعي حقيقي، وذلك بسبب ضعف الصناعة والتصنيع معاَ. مثلما وقف قسم من البرجوازية الصناعية السورية ضد توسيع كبير وفجائي للسوق، لأنه كان يحتكر السوق الداخلي السوري. واخيراَ، علينا أن لا ننسى النفوذ الكبير لكبار الملاك على جهاز الدولة، وتشتت وضعف الانتفاضات الفلاحية، وعدم الاستقرار السياسي للبلاد من كثرة الانقلابات العسكرية المتواصلة.

تضمن هذا القانون للإصلاح الزراعي الصادر في 27 أيلول 1958 خمس نقاط هي : تحديد سقف الملكية ، المصادرة والتمليك، التعويض، إعادة توزيع الملكية الزراعية ، والتنظيم التعاوني.
وبما أن تحديد سقف الملكية يرتهن بالإرادة السياسية للسلطات، وهو خيار واع ومقصود لصالح شرائح محددة. فان الخيار السياسي (والطبقي) الكامن وراء هذا الإصلاح الزراعي ، هو لصالح وحدات زراعية عائلية، يتم استثمارها بشكل معزول او جماعي تتفاوت اهميتها. فقد حدد القانون سقف الملكية في الأراضي المشجرة والمروية ب 80 هكتاراَ ، وفي الأراضي البعلية ب 380 هكتاراَ. من جهة أخرى قدمت الدولة تعويضات لمالكي الأراضي المصادرة تمتد على 40 عاماَ وبفائدة مقدارها 1،5%  في العام. ويمكن أن يقسط التعويض على عشرة سنوات أن كان مقداره اقل من 100 ألف ليرة.
ومن المفيد الإشارة إلى  أن عدد الملاك الزراعيين الذين مسهم هذا القانون (لعام 1958) هو 3240 مالك ارض من اجمالي عدد مالكي هكتار او اكثر يبلغ 258681 مالك. مما يعني أن نسبة الفلاحين المعنيين به منهم تبلغ حوالي 1،25%، وهي نسبة هزيلة . وفي المقابل وصلت نسبة الأراضي التي مسها قانون الإصلاح الزراعي هذا بالمقارنة مع المساحة الكلية حوالي 16،42 فحسب. ومقارنة مع سقف الملكية في بلدان أخرى ، نجد أن سقف الملكية الزراعية في سورية بقي مرتفعاَ بعد هذا القانون. فهو يتراوح بين 30-50 هكتاراَ في الهند ، وبين 3-10 هكتاراَ في اليابان ، و 200 فدان في مصر. مما يؤكد على أن المغزى الأساسي من هذا الإصلاح الزراعي –وما تلاه- هو سعي السلطة إلى خلق ملكيات زراعية فردية، وليس إلى الغائها لصالح الملكية العامة، والاستفادة منه لتكوين دعم اجتماعي لها، ومحاولة تحقيق استقرارها السياسي.
أوقف انقلاب الانفصاليون عام 1961 العمل لفترة قصيرة بقانون الإصلاح الزراعي، لكن أعيد تطبيقه اثر التغيير الوزاري للحكومة الانفصالية في آذار 1962، فقامت بتوزيع الأراضي على المنتفعين، وبدأت ببيع أراضى الدولة. اما بعد انقلاب حزب البعث عام 1963 فقد تم تخفيض السقف الأعلى للملكية الزراعية إلى 55 هكتاراَ في الأراضي المروية و300 هكتاراَ في الأراضي البعلية.
يمكن القول أن الإصلاحات الزراعية في سورية التي قامت على المصادرة والتعويض. وهو أحد أشكال نقل الملكية المصادرة إلى الفلاحين المنتفعين(الفقراء) ، بمعنى أن تقوم الدولة بمصادرة أراضى كبار الملاكين العقاريين وتعوضهم عنها مالياَ، ومن ثم تتخلى عن الأرض لصالح الفلاحين المنتفعين إما بشكل قطع فردية أو قطعة واحدة غير مجزأة في صيغة جمعية تعاونية، على أن يعوضوا للدولة ثمن الأرض بأقساط سنوية. هذا الشكل، من تمويل الإصلاح الزراعي،  ليس إلا نقل تجاري للريع العقاري ، المكثف في سعر الأرض، من طبقة اجتماعية إلى طبقة أخرى. ويعكس حالة اختلال واضح في موازين القوى، الفلاحون هم الطرف الأضعف فيه سياسياَ.
حددت الخصائص النوعية لتطور سورية الاقتصادي والسياسي تحت السيطرة الاستعمارية عملية تشكل البرجوازية السورية كطبقة اجتماعية ، وعلاقة مختلف اقسامها بمشكلات البلاد الاساسية. فالبرجوازيين السوريين في فترة الاستعمار الفرنسي ينحدرون(بل يتماهون) من الأرستقراطية الزراعية الكبيرة، وبعلاقة وثيقة- لقسم منها- مع رأس المال الأجنبي، شكل ما يعرف  بفئة البرجوازية الكومبرادورية(4).
بينما، ومنذ السبعينات من القرن العشرين، لعبت السلطة السياسية دوراَ أساسيا، باحتكارها للسلطة أولا ومن ثم للثروة، في إعادة رسم التكوين الاجتماعي والطبقي لسورية. ولم تعد ، كما كانت عليه في بداياتها، فئة اجتماعية محدودة ومعزولة(بيروقراطية عسكرية ومدنية). بل انها اليوم ، وعبر صيرورة تاريخية امتدت لاكثر من ثلاثة عقود-من الاندماج والتوسع – (وليس عبر مراكمة رأس المال واستثماره)، شكلت وبعثت وقوت خلالها  طبقة برجوازية كبيرة"جديدة-قديمة"( وطبقة ملاك الأراضي الكبار) تشكل الآن طبقة اجتماعية سائدة ومالكة وحاكمة. وهذا ما لم تعرفه سورية من قبل في تاريخها الحديث، وما يعنيه هذا من تمايز وتفاوت اجتماعي و طبقي حادين ،  اصبحا واضحينَ اكثر من أي وقت مضى.


"ثلاثية هي خطوة الزمن"

*كاتب سوري- مقيم في فرنسا

**تستند هذه المقالة، اساساَ ،َ على مخطوطة غير منشورة للكاتب (عام 1994).
1.بدر الدين السباعي، أضواء على الرسمال الأجنبي في سورية، دار الجماهير،دمشق،ص6.
2. رزق الله هيلان الثقافة والتنمية في سورية والبلدان المخلفة،دار ميسلون،دمشق،ص38.
3. المصدر السابق ، ص39.
4.ف.فيكتوروف، اقتصاد سورية الحديثة،دار البعث، دمشق،ص8. 

 





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,048,292,337
- عولمة الحروب وا لنهب - احتلال العراق وبعض نتائجه
- الحرب الإمبريالية على العراق والمنطقة العربية
- مناهضة العولمة و روح العصر


المزيد.....




- نجل جمال خاشقجي يعلن إقامة عزاء لوالده بمدينة جدة
- النيابة السعودية: المطالبة بحد القتل بحق 5 بقضية مقتل خاشقجي ...
- نجل جمال خاشقجي يعلن إقامة عزاء لوالده بمدينة جدة
- أبرز محطات -الكاميرات المعطلة- بقضية مقتل خاشقجي
- مغردون عرب: أهلا بالسبوتيفاي
- أوغلو يرد على النيابة السعودية: إجراءاتكم غير كافية ويجب محا ...
- -تعليم على البلاطة-
- مفقودون بإيطاليا.. أرقام بنظر السلطات التونسية والقلق يلازم ...
- جدل الجيش الأوروبي.. ماكرون لترامب: لسنا تابعين لكم
- مشروع قرار في الكونغرس لمنع بيع أسلحة للبحرين


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - غياث نعيسة - المسألة الزراعية في سورية