أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - غازي الصوراني - التطور التاريخي لمفهوم المجتمع المدني والأزمة الاجتماعية في بلدان الوطن العربي وآفاق المستقبل - الجزء الثاني















المزيد.....



التطور التاريخي لمفهوم المجتمع المدني والأزمة الاجتماعية في بلدان الوطن العربي وآفاق المستقبل - الجزء الثاني


غازي الصوراني
الحوار المتمدن-العدد: 573 - 2003 / 8 / 27 - 03:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



وبنهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، غاب أو توارى مفهوم المجتمع المدني طوال مرحلة الحرب الباردة ، التي امتدت حتى انهيار منظومة البلدان الاشتراكية ومنظومة التحرر القومي من جهة ، والانحسار أو التراجع المريع -ولكن المؤقت- للبنية الأيديولوجية لقوى الاشتراكية والتحرر القومي من جهة ثانية ، وفي سياق هذا التحول المادي الهائل الذي انتشر تأثيره في كافة أرجاء كوكبنا بعد أن تحررت الرأسمالية العالمية من كل قيود التوسع اللامحدود ، وبتأثير التطور النوعي الهائل في مجال الاتصالات وثورة المعلومات والتقدم التكنولوجي ، وقيام التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة ، كان لا بد من تجديد نظم السيطرة السياسية والاقتصادية والمعرفية في إطار المركز الرأسمالي الغربي تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية كنظام مسيطر بصورة أحادية بما يسمى اليوم بنظام العولمة ، الذي تكرس -في اللحظة التاريخية المعاصرة- بفضل هذا المناخ المهزوم والمنكسر في بلدان العالم الثالث أو الأطراف ، وأصبح جاهزا للاستقبال والامتثال للمعطيات الليبرالية الجديدة وآلياتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية تحت عناوين : تحرير التجارة العالمية ، إعادة الهيكلة ، والتكييف والخصخصة ، والانفتاح ، وتعميق التبعية والخضوع والتخلف ، تحت ستار زائف من الشكل الديمقراطي الليبرالي ، هدفه المزيد من إحكام السيطرة على بلدان العالم عموما ، والعالم الثالث على وجه الخصوص ، للأخذ بالشروط الجديدة التي تمثل "أول مشروع أممي ، تقوم به الرأسمالية العالمية في تاريخها لإعادة دمج بلدان العالم الثالث في الاقتصاد الرأسمالي من موقع ضعيف ، بما يحقق مزيدا من إضعاف جهاز الدولة ، وحرمانها من الفائض الاقتصادي ، وهما الدعامتان الرئيسيتان اللتان تعتمد عليهما الليبرالية الجديدة"[43].
وبنشوء هذا الفراغ السياسي ، الاقتصادي ، الأيديولوجي ، أصبحت الطريق ممهدة أمام المخططات التوسعية للرأسمالية ، صوب المزيد من السيطرة على مقدرات العالم بأسره ، ويتجلى هذا الأمر بوضوح في منطقتنا العربية ، وبالذات على مشروعنا الوطني الفلسطيني من أجل التحرر والاستقلال ، عبر هذا التحالف العضوي بين الإمبريالية الأمريكية المعولمة والحركة الصهيونية .
ففي ظل هذه الأوضاع المتدهورة -في النظام العربي ونظام السلطة الفلسطينية- الناتجة عن عمق أزمة التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، المستفحلة في بلادنا ، والتي أدت -الى جانب ضعف العامل الذاتي النقيض أو البديل الوطني الديموقراطي الشعبي- الى مزيد من الإلحاق والتبعية ، وتدمير أو تفكيك الهوية الوطنية والقومية ، كان لابد لاستراتيجية العولمة والحركة الصهيونية في بلادنا أن تنجح -في اللحظة الراهنة- في إخضاع منطقتنا لمقتضيات مشروع الهيمنة الأمريكي -الصهيوني المعولم- الذي ازداد توحشا بعد أحداث "سبتمبر 2001 ، وهي مقتضيات استراتيجية تسعى الى تحقيق هدفين اثنين متكاملين هما : تعميق السيطرة الاقتصادية على مقدراتنا العربية من ناحية وتدمير قدرة الدول والشعوب العربية على المقاومة بكل أشكالها النضالية والسياسية من ناحية ثانية ، متذرعة بأحدث المبررات الزائفة تحت مظلة "مقاومة الإرهاب" وجوهره ، مقاومة وتركيع كل إمكانية أو حركة تستهدف استنهاض عوامل القوة والتحرر الوطني والقومي الديمقراطي ، والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية ، والوحدة العربية ، بمثل ما تستهدف تكريس تبعية شعوب هذه الأمة وتخلفها من ناحية ، وإعادة تكيفها بما يضمن إلحاقها بصورة شبه مطلقة ، تحت إدارة نظام السيطرة الأمريكي-الصهيوني ، الذي يسعى -بصورة يائسة لا مستقبل لها- تجديد الدور الوظيفي للعدو الصهيوني ودولته بما يتوافق مع مستجدات المصالح الاستراتيجية الأمريكية الراهنة ، بحيث تصبح إسرائيل "دولة مركزية ، أو دولة إمبريالية صغرى" في المنطقة العربية والإقليم الشرق أوسطي ، يحيطها مجموعات من "دول الأطراف" العربية المتكيفة ، التابعة ، المتخلفة، مسلوبة الإرادة ، بما يضمن ويسهل "عملية التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي والاندماج الإسرائيلي" في المنطقة العربية ، تمهيدا للقضاء على منظومة الأمن القومي العربي كله من جهة ، وبما يعزز السيطرة العدوانية الإسرائيلية على مجمل الأراضي الفلسطينية والجولان السورية المحتلة والتحكم في مستقبلها من جهة ثانية .
في هذا المناخ المهزوم والمأزوم في بلداننا العربية ، كما في بلدان العالم الثالث عموما ، انساق الكثيرون ، من أوساط القوى والأحزاب السياسية والمثقفين ، بهذه الدرجة أو تلك من الحماس والوعي أو بهذا الحجم أو ذاك من المصالح الخاصة من ناحية ، أو العمى أو عدم الوضوح الأيديولوجي من ناحية ثانية نحو شعار "المجتمع المدني" في إطار الليبرالية الجديدة الوافدة الى بلادنا بصورة طارئة وفجة ، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية ، وانحسار المشروع القومي العربي ، وبروز الهيمنة القطبية الأحادية الأمريكية في نظام العولمة الراهن وأيديولوجيته الرئيسة المهيمنة : الليبرالية الجديدة ، التي وصفها "الزعيم الليبرالي الجديد "ملتون فريدمان" في كتابه "الرأسمالية والحرية" بقوله : بما أن جني الأرباح هو جوهر الديمقراطية ، فإن أي حكومة تنتهج سياسات معادية للسوق هي حكومة معادية للديمقراطية ، فالديمقراطية مسموح بها ما دامت سيطرت رجال الأعمال بعيدة عن المناقشة أو التغيير . هكذا يصبح النظام الليبرالي الجديد -كما يقول المفكر الأمريكي "نعوم تشومسكي"- هو النموذج السياسي والاقتصادي الذي يعرّف به عصرنا لكي يتم تحقيق أقصى الأرباح"[44] .
وفي هذا السياق ، فإن من المفيد والضروري ، إثارة الحوار العميق والموضوعي مع أولئك الذين انبهروا بالمظهر الخارجي لشعار المجتمع المدني الليبرالي ، وأن نتوجه إليهم بعيدا عن أصحاب المصالح من دعاة الليبرالية أو "مثقفيها" في إطار المنظمات غير الحكومية وغيرها ، المنتشرة على مساحة الوطن العربي ، والتي يزيد تعدادها عن (75 ألف مؤسسة أو منظمة غير حكومية) ، لنؤكد ونوضح عبر هذا الحوار ، أبعاد ومكونات هذا المشروع الليبرالي الأممي المعولم ، والتي يحددها د.رمزي زكي في ثلاثة أبعاد رئيسية هي : البعد الاقتصادي ، والبعد الأيديولوجي ، والبعد السياسي ، ففي تعريفه لهذه الأبعاد يقول "إن البعد الاقتصادي يستند على السلفية الاقتصادية ، أو المدرسة الليبرالية الجديدة (النيو كلاسيكية) التي ترى أن الرأسمالية كنظام اقتصادي اجتماعي ، هي أفضل النظم وقمة التطور ونهاية التاريخ . أما البعد الأيديولوجي فيستند على الفلسفة الفردية النفعية ، التي تؤكد على الحقوق الفردية في مجال الملكية والاستثمار والتجارة والعمل ، وأخيرا البعد السياسي -لهذا المشروع الليبرالي المعولم- الذي يستند على الديمقراطية الليبرالية بمعناها الغربي"[45]، وهذه الأبعاد هي التي يرتكز ، عليها وينطلق من مضمونها الجوهري وعلاقاتها وآلياتها الداخلية ، مفهوم المجتمع المدني في حركته المعرفية والسياسية عبر شخوص وأطر متنوعة أهمها المنظمات غير الحكومية في بلادنا ، التي تسهم -بوعي أو بغير وعي- في تحقيق الهدف الكامن خلف هذه الشعارات ، وهو هدف يتلخص -كما يقول سامر الأيوبي- في "قنونة العلاقات الاقتصادية السائدة في بلادنا (وهي علاقات رأسمالية يغلب عليها الطابع الطفيلي) وإعطاءها الشكل المشروع ، الحقوقي ، وهو عمليا الشكل الحقوقي الذي تمارس به الاحتكارات الأمريكية والأوروبية نشاطها الاقتصادي في دولها ، هذا هو جوهر ما يريده الداعين للمجتمع المدني والليبرالية ، وما يترافق مع هذا الطرح من حريات ديمقراطية مقاسه بدقة لكل فرد (وفق ما يملك) وفي حدود أن لا يشكل خطرا يمس المصالح العامة للطبقات المُستغِلة المصانة والمقدسة وفقا للقانون والأنظمة"[46].
إن رفضنا لمنطق الليبرالية الجديدة وآلياتها وديمقراطيتها السياسية الشكلية ، ينبع من قناعتنا وإدراكنا بصورة موضوعية ، بأن ذلك المنطق بكل محدداته الاقتصادية والسياسية والفكرية ، لن يؤدي في بلادنا سوى الى مزيد من تهميش الجماهير الشعبية وفقدانها لتحررها الذاتي والسياسي على المستويين الوطني والقومي ، والى مزيد من المعاناة والحرمان في صفوفهم بما يدفع الى الاعتراف الاكراهي بمشروعية اللامساواة ، وغياب مفاهيم وآليات العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والحريات الحقيقية من ناحية ، والى فرض حالة من الإحباط واليأس وخنق روح الصمود ومقاومة العدو الصهيوني والإمبريالية الرأسمالية المعولمة ، وتدمير المشروع الوطني ، وإعاقة النهوض القومي من ناحية ثانية .
لذلك فإن الدعوة الى التمسك بأسس ومبادئ الديمقراطية السياسية والاجتماعية ، التي تتكرس في خدمة قضايا التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي ، ولا تقتصر آلياتها على التعددية السياسية وحق التعبير والحريات الفردية فحسب ، بل تمتد بعمق ووضوح نحو تحقيق الاستقلال الوطني وحماية سيادة الوطن ، والتقدم الاقتصادي ، والعدالة الاجتماعية ، والنهوض القومي-الاشتراكي . 
ثانيا : الأزمة الاجتماعية في بلدان الوطن العربي وغياب الأسس المادية لمفهوم المجتمع المدني وآفاق المستقبل
في مقدمة الطبعة الأولى من "رأس المال" ، كتب ماركس في عام 1867 يقول: "إلى جانب الشرور الحديثة ، أو الآلام في العهد الحالي ، علينا أن نتحمل سلسلة طويلة من الأمراض الوراثية الناتجة عن بقاء أساليب إنتاج بالية ، تخطاها الزمن ، مع ما يتبعها من علاقات سياسية و اجتماعية أضحت في غير محلها زمنياً ، و التي تولدها تلك الأساليب ، ففي مثل هذه الأحوال ، ليس علينا أن نعاني فقط الآلام بسبب الأحياء ، و إنما بسبب الموتى أيضاً : فالميت يكبل الحي"[47] ، هذا التحليل الذي قصد به ماركس الدولة الألمانية آنذاك ، ينطبق على الوضع العربي الداخلي عموماً ، و على جوهر الأزمة الاجتماعية فيه بشكل خاص .
و الإشكالية الكبرى أن المجتمع العربي يتعرض اليوم لهذه الأحوال المأزومة بكل أبعادها ، في اللحظة التي انتقل فيها العالم من مرحلة تاريخية سابقة ، الى المرحلة الجديدة أو العولمة ، بتسارع غير مسبوق ، و بمتغيرات نوعية تحمل في طياتها ، في الحاضر و المستقبل تحديات غير اعتيادية ، لا يمكن امتلاك القدرة على مواجهتها إلا بامتلاك أدواتها العلمية و المعرفية أولاً عبر أحكام سيطرة الحي (المدينة) على الميت (الصحراء) ، "فالاستلاب الأيديولوجي بشكليه السلفي و الاغترابي هو أبرز الآليات الداخلية التي تعيد إنتاج التأخر ، و تعيد إنتاج الاستبداد ، و تحافظ على البنى و العلاقات و التشكيلات القديمة ما قبل القومية ، فالعلاقة بين المستوى الأيديولوجي السياسي ، و المستوى الاجتماعي الاقتصادي ، هي علاقة جدلية ، تُحوِّل كل منهما الى الآخر في الاتجاهين ، آخذين بالحسبان أيضاً أن المستوى السياسي محدد و محكوم بطابع الوعي الاجتماعي السائد"[48] .
بهذا المدخل ، نبدأ في الحديث عن أزمة المجتمع العربي ، التي نرى أنها تعود في جوهرها إلى أن البلدان العربية عموماً لا تعيش زمناً حداثياً أو حضارياً ، و لا تنتسب له جوهرياً ، و ذلك بسبب فقدانها ، بحكم تبعيتها البنيوية ، للبوصلة من جهة ، و للأدوات الحداثية ، الحضارية و المعرفية الداخلية التي يمكن أن تحدد طبيعة التطور المجتمعي العربي و مساره و علاقته الجدلية بالحداثة و الحضارة العالمية أو الإنسانية .
فبالرغم من دخولنا القرن الحادي و العشرين ،إلا أننا –في البلدان العربية- ما زلنا في زمان القرن الخامس عشر قبل عصر النهضة ، أو في زمان "ما قبل الرأسمالية" وبالتالي ما قبل المجتمع المدني ،رغم تغلغل العلاقات الرأسمالية في بلادنا ، و الشواهد على ذلك كثيرة ، فالمجتمع العربي لم يستوعب السمات الأساسية للثقافة العقلانية أو ثقافة التنوير ، بمنطلقاتها العلمية و روحها النقدية التغييرية ، و إبداعها و استكشافها المتواصل في مناخ من الحرية و الديمقراطية ، ففي غياب هذه السمات يصعب إدراك الوجود المادي و الوجود الاجتماعي و الدور التاريخي الموضوعي للقومية أو الذات العربية في وحدة شعوبها ، ووحدة مسارها و مصيرها ، إدراكاً ذاتياً جمعياً يلبي احتياجات التطور السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي العربي .
و لعلنا نتفق أن السبب الرئيسي لهذه الإشكالية الكبرى ، لا يكمن في ضعف الوعي بأهمية التنوير العقلاني ، أو ضعف الإدراك الجماعي بالدور التاريخي للذات العربية ، فهذه و غيرها من أشكال الوعي ، هي انعكاس لواقع ملموس يحدد وجودها أو تبلورها ، كما يحدد قوة أو ضعف انتشارها في أوساط الجماهير ، و بالتالي فإن الواقع العربي الراهن ، بكل مفرداته و أجزاءه و مكوناته الاجتماعية و أنماطه التاريخية و الحديثة و المعاصرة ، هو المرجعية الأولى و الأساسية في تفسير مظاهر الضعف و التخلف السائدة بل و المتجددة في مجتمعاتنا ، إذ أن دراسة هذا الواقع ، الحي ، بمكوناته الاجتماعية و الاقتصادية تشير بوضوح إلى أن العلاقات الإنتاجية و الاجتماعية السائدة اليوم في بلداننا العربية هي نتاج لأنماط اقتصادية /اجتماعية من رواسب قبلية و عشائرية و شبه إقطاعية ، و شبه رأسمالية ، تداخلت عضوياً و تشابكت بصورة غير طبيعية ، و أنتجت هذه الحالة الاجتماعية /الاقتصادية المعاصرة ، المشوهة ، فكيف يمكن أن نطلق على هذا الواقع صفة المجتمع المدني؟  
فالمعروف أنه بالرغم من تطور بعض أشكال العلاقات ذات الطابع الرأسمالي في بعض المجتمعات العربية ، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عموماً ، و بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بشكل خاص ، إلا أن هذه العلاقات الرأسمالية الجديدة لم تستطع إزاحة العلاقات شبه الإقطاعية ، و القبلية السائدة ، و المسيطرة ، و بقيت حيازة و امتلاك الأراضي الزراعية ، مصدراً أساسياً للوجاهة و المكانة الاجتماعية و السلطة السياسية في بلدان الوطن العربي حتى منتصف القرن العشرين ، حيث "تدنت هذه المكانة ، بتدني أهمية ملكية و حيازة الأرض باعتبارها العمود الفقري للتكوينة الطبقية ، و ذلك بسبب تتابع الانقلابات العسكرية ( و أهمها حركة 23 يوليو 1952 في مصر) في العديد من البلدان العربية … و قيام الأنظمة الوطنية و ما تبع ذلك من تصفية للإقطاع ، و تطبيق الإصلاح الزراعي من ناحية ، و بسبب اكتشاف النفط و بروز أهمية رأس المال (التجاري و الخدمي) في التكوين الطبقي"[49] ،من ناحية ثانية و أشكاله الجديدة التي تداخلت بدورها مع الأنماط القبلية ، شبه  الإقطاعية السابقة ، بل إننا لا نبالغ في القول بأن هذه الأشكال أو التكوينات الطبقية شبه الرأسمالية الجديدة ، انبثقت في جزء هام منها من رحم التكوينات الاجتماعية القديمة ، وهذه بدورها استطاعت التكيف مصلحيا مع "العلاقات الرأسمالية الجديدة" ، من حيث الشكل أو التراكم الكمي الرأسمالي فقط ، دون أن تقطع علاقاتها مع جوهر التشكيلات الاجتماعية القديمة ، و موروثاته القيمية و المعرفية المتخلفة ، التي وجد فيها الاستعمار الغربي ، مناخاً مهيئاً و جاهزاً لتحقيق أهدافه و مصالحه في بلادنا ، فلم يتعرض لأي من هذه الموروثات و رموزها الطبقية ، التي شكلت في معظمها سنداً للظاهرة الاستعمارية و لرأس المال الأجنبي في عملية دمج بلداننا العربية و تكريس تبعيتها للنظام الرأسمالي العالمي ، أثناء و بعد الحرب العالمية الثانية و إلى اليوم ، دون أن نغفل بالطبع ، مرحلة النهوض الوطني و القومي في خمسينيات و ستينيات القرن الماضي ، التي قادها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ، منفرداً عبر شخصيته و دوره الكاريزمي و إيمانه الشديد بالمبادئ التحررية ، و القومية ، و لاحقاً بالاشتراكية ، دون الاستعانة بالمؤسسات الديمقراطية ، و التعددية الحزبية ، و تفعيل العمل السياسي في أوساط الجماهير التي عاش حياته من أجلها ، و لذلك كانت هزيمة حزيران 1967 بداية النهاية لمرحلة التحرر القومي الديمقراطي ، خلقت المناخ العام ، و المقومات اللازمة لإعادة إحياء التشكيلات و التكوينات الاجتماعية الطبقية القديمة و المستحدثة ، بصور و أشكال معاصرة ، تتوافق مع شروط الانفتاح و التحالفات السياسية العربية الرسمية التي تولت قيادتها أو توجيهها الأنظمة الأكثر رجعية و تخلفاً و تبعية في بلادنا ، وبالتالي يصعب في بلادنا -إن لم يكن متعذرا-تلمس أو إدراك الوجود المادي والدور الموضوعي التاريخي للطبقة البرجوازية عموما ، والبرجوازية الوطنية خصوصا* .
و اليوم و نحن في مطلع الألفية الثالثة ، تتعرض مجتمعاتنا العربية ، من جديد ، لمرحلة انتقالية لم تتحدد أهدافها النهائية بعد ، رغم مظاهر الهيمنة الواسعة للشرائح و الفئات الرأسمالية العليا ، بكل أشكالها التقليدية و الحديثة ، التجارية و الصناعية و الزراعية ، و الكومبرادورية و البيروقراطية الطفيلية ، التي باتت تستحوذ على النظام السياسي ، و تحول دون أي تحول ديمقراطي حقيقي في مساره ، عبر اندماجها الذيلي التابع للنظام الرأسمالي المعولم الجديد من جهة ، و تكريسها لمظاهر التبعية و التخلف و الاستبداد الأبوي على الصعيد المجتمعي بأشكاله المتنوعة من جهة أخرى ، من خلال التكيف و التفاعل بين النمط شبه الرأسمالي الذي تطور عبر عملية الانفتاح و الخصخصة خلال العقود الثلاثة الماضية ، و بين النمط القبلي /العائلي ، شبه الإقطاعي ، الريعي ، الذي ما زال سائداً برواسبه و أدواته الحاكمة أو رموزه الاجتماعية ذات الطابع التراثي التقليدي الموروث .
إن مخاطر هذا النمط المشوه من العلاقات الاقتصادية تنعكس بالضرورة على العلاقات الاجتماعية العربية بما يعمق الأزمة الاجتماعية ، و اتساعها الأفقي و العامودي معاً ، خاصة مع استشراء تراكم الثروات غير المشروعة ، و أشكال "الثراء السريع" كنتيجة مباشرة لسياسات الانفتاح و الخصخصة ، و الهبوط بالثوابت السياسية و الاجتماعية الوطنية ، التي وفرت مقومات ازدهار اقتصاد المحاسيب و أهل الثقة ، القائم على الصفقات و الرشوة و العمولات بأنواعها ، حيث يتحول الفرد العادي الفقير إلى مليونير في زمن قياسي ، و هذه الظاهرة شكلت بدورها ، المدخل الرئيسي لتضخم ظاهرة الفساد بكل أنواعه ، في السياسة و الاقتصاد و الإدارة و العلاقات الاجتماعية الداخلية ، بحيث تصبح الوسائل غير المشروعة ، هي القاعدة في التعامل ضمن إطار أهل الثقة أو المحاسيب ، بعيداً عن أهل الكفاءة و الخبرة ، و دونما أي اعتبار هام للقانون العام و المصالح الوطنية ، مما يحول دون ممارسة الحد الأدنى من مفهوم المجتمع المدني أو تطبيقاته السياسية بحكم استعمال الاستبداد الناجم عن استعمال الفساد .
و مما هو جدير بالحس بالمسؤولية ، أو بالتأمل –كحد أدنى- ليس الخطر الناجم عن هذه الظواهر فحسب ، بل أن تصبح هي القاعدة التي تحكم أو تحدد مسار و طبيعة العلاقات الاجتماعية و السياسية في مجتمعاتنا العربية ، حينئذ تصبح "مؤسسة" الفساد هي التي تملك السيطرة على دفة القيادة في هذا البلد أو ذاك ، و توجيهها وفق قواعد إدارة الأزمة بالأزمة ، و هنا ينتقل الحس بالمسؤولية ، إلى ضرورات التغيير الديمقراطي المطلوب في مواجهة هذا الوضع المأزوم ، الذي تفرضه طبيعة أزمة التحرر الوطني والقومي ، بحكم أنها تعبير عن أزمة هذا التطور المشوه الذي فرضته حالة التبعية البنيوية للإمبريالية ، حسب تعبير المفكر الشهيد مهدي عامل –بحيث "تصبح الطبقة المسيطرة أو نظامها في تناقض بين السير في منطق الحركة التحررية الديمقراطية ، و هو منطق معادٍ لها ، و بين السير ضده (و النتيجة واحدة) ، حيث بات السير في منطق التحرر يضع هذه الطبقة (أو التحالف أو النظام) في تناقض مع مصالحها الطبقية ، فيقتضي بالتالي بضرورة زوال سيطرتها الطبقية ، و كذلك الأمر بالنسبة لسيرها ضد منطق الحركة التحررية حيث تفقد هذه الطبقة التي هي البورجوازية الكولونيالية كل مبرر لوجودها في موقع القيادة" [50] .
و لكن الإشكالية الكبرى ، أنه في موازاة هذه الأحوال و المتغيرات الاقتصادية و الاجتماعية المحلية الداخلية المأزومة ، تراجعت أحزاب وقوى التغيير الديمقراطي في بلداننا (وهي أهم مكونات المجتمع المدني) ، إلى الخلف بصورة مريعة ، خاصة القوى القومية و اليسارية منها ، التي لم تستطع –حتى اللحظة- بلورة أو إنتاج صيغة معرفية ، سياسية اقتصادية اجتماعية ، علمية وواقعية ، قادرة على رسم مستقبل المجتمع العربي و الخروج من أزمته ، و قد ترك هذا التراجع آثاره الضارة في أوساط الجماهير ووعيها العفوي ، التي وجدت في الحركات السياسية الدينية ملاذاً و ملجأ يكاد يكون وحيداً ، يدفعها الى ذلك نزوعها الى النضال ضد العدو الرئيسي إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية من جهة ، و النضال من أجل الخلاص من كل مظاهر المعاناة و الحرمان و الفقر و مواجهة الظلم الطبقي و الاستبداد السياسي الداخلي من جهة أخرى .
ففي هذا الزمن الذي يعيش فيه العالم ، زمن الحداثة و العولمة و ثورة العلم و المعلومات و الاتصال ، يشهد مجتمعنا العربي عودة الى الماضي عبر تجديد عوامل التخلف فيه ، لم يعرف مثيلاً لها في تاريخه الحديث منذ مائة عام أو يزيد ، فهو الى جانب ترعرع الأنماط القديمة القبلية و الحمائلية و الطائفية ، و الأصولية و التعصب الديني ، يوصف اليوم بحق على أنه "مجتمع شديد التنوع في بنيته و انتماءاته الاجتماعية ، أبوي ، يعاني النزعة الاستبدادية على مختلف الصعد ، مرحلي ، انتقالي ، تراثي ، تتجاذبه الحداثة و السلفية ، شخصاني في علاقاته الاجتماعية يعيش حتى الوقت الحاضر مرحلة ما قبل المرحلة الصناعية و التكنولوجية ، و بالتالي مرحلة ما قبل الحداثة"[51] .
أما على الصعيد الداخلي الاجتماعي ، فإن "الفجوات بين الطبقات الثرية والميسورة والمحرومة ، تزداد اتساعا وعمقا ، وفي ظل هذه البنية الطبقية الهرمية التي تحتكر فيها القلة السلطة وثروات البلاد ، وتشغل الطبقة الوسطى وسط الهرم ، وتتكون القاعدة من غالبية السكان (الجماهير الشعبية الفقيرة) ، يعاني الشعب حالة تبعية داخلية شبيهه بالتبعية الخارجية ومتممة لها ، فتمارس عليه وضده مختلف أنواع الاستغلال والهيمنة والقهر والإذلال اليومي"[52] .
وفي ظل هذه الأوضاع أو السمات الاجتماعية "يعيش الإنسان في المجتمع العربي على هامش الوجود والأحداث لا في الصميم ، مستباحا معرضا لمختلف المخاطر والاعتداءات ، قلقا حذرا باستمرار من احتمالات السقوط والفشل والمخاطر ، تحتل السلع والمقتنيات والاهتمامات السطحية روحه وفكره ، يفكر ، إنما ليس بقضاياه الأساسية أو العامة ، ينفعل بالواقع والتاريخ أكثر مما يعمل على تغييرهما ، إنه إنسان مغَّرب ومغترب عن ذاته ، ولأن إمكانات المشاركة نادرة وضيقة ، لا يجد من مخرج سوى بالخضوع أو الامتثال القسري أو الهرب"[53].
هذا التعميم في وصف حياة الإنسان العربي ، والقريب من الواقع الى درجة كبيرة ، تكمن قيمته –من وجهة نظر موضوعية- في تحفيز القوى القومية التقدمية العربية لدراسة واقعها الاجتماعي ومسار تطوره الاجتماعي وخصوصياته التي اختلفت من حيث النشوء التاريخي للشرائح والفئات الرأسمالية بين هذا القطر أو ذاك ، ولكن هذا الاختلاف في ظروف النشأة لهذه الشرائح ومنابعها وجذورها ، لم يعد قائما في لحظة معينة من التطور المعاصر للبلدان العربية ، الذي بات متشابها الى حد كبير في كافة هذه البلدان .
 فبالرغم من الاختلاف في ظروف النشأة التاريخية للشرائح الرأسمالية العربية العليا وتباين أشكالها كما يقول د.محمود عبد الفضيل "حيث نشأت في مصر من أصول زراعية وإقطاعية واضحة ، بينما نشأت في سوريا عبر ارتباطها أساسا بالتجارة في المناطق الحضرية والمدن الكبرى ، وفي السودان ارتبطت نشأتها بنمو التجارة القافلية البعيدة المدى في أفريقيا ، ونشأت في العراق من تداخل التجارة والإقطاع معا" [54]، إلا أن "تزاوج رأس المال  الأجنبي مع الدولة الكولونيالية ، وكذلك مع دولة "ما بعد الاستقلال" ، لعب أدوارا مهمة في تسهيل عملية توسع ونمو البورجوازيات المحلية في معظم البلدان العربية ، الى جانب الدور الهام الذي لعبه رأس المال الأجنبي تاريخيا ، "ورأس المال الدولي" حديثا ، خاصة فيما يعرف بحقبة البترودولار ، التي شكلت العنوان الأبرز لتبلور العلاقات  البرجوازية المشوهة ، وكل هذه العوامل هيأت الظروف الموضوعية لنشأة جناح مهم (وخطير) من أجنحة الرأسمالية العربية ، المعروف بجناح "البورجوازية الكومبرادورية"[55] التي بات التداخل بينها وبين أجهزة الدولة البيروقراطية –في كل بلدان النظام العربي- ، وثيقا وعضويا الى درجة أن بعض التحليلات تقول بظهور "الدولة الكومبرادورية" ، التي تحكمها "بورجوازية الصفقات" أو اقتصاد المحاسيب والأقارب أو ما أطلق عليه الاقتصادي الإنجليزي المعروف "جون ماينارد كينز" "اقتصاد الكازينو" في إشارته الى الفساد الذي ساهم في تفجير الأزمة الرأسمالية العالمية عام 1929 .
إن ظهور هيمنة البورجوازية الكومبرادورية والطفيلية وتحالفها مع البيروقراطية المدنية والعسكرية الحاكمة ، ورموز الأنماط القبلية وشبه الإقطاعية في بلادنا العربية ، في الظروف الراهنة ، يشير الى الدور الثانوي للاختلاف التاريخي في نشأة الشرائح الرأسمالية العربية العليا ، التي توحدت اليوم في شكلها ومضمونها العام وأهدافها المنسجمة مع مصالحها الأنانية الضارة ، عبر نظام استبدادي ، تابع ، ومتخلف ، يسود ويتحكم في مجمل الحياة السياسية والاجتماعية ، كظاهرة عامة ، تتجلى فيها بوضوح ، الأزمة الاجتماعية العربية الراهنة ، بتأثير هذا التداخل العميق و المعقد لرموز الأنماط القديمة و الحديثة ، و مصالحهم المتشابكة في إطار من العلاقات الاجتماعية الفريدة التي تمتزج فيها أشكال الحداثة و أدواتها مع قيم التخلف و أدواته ، ساهمت في إضفاء شكل و مضمون خاص و متميز للواقع الاجتماعي العربي و تركيبته و خارطته الطبقية ، بحيث بات من المفيد مراجعة استخدامنا للمصطلحات الغربية ، مراجعة موضوعية ونقدية كي لا نعيد تطبيقها على واقعنا بصورة ميكانيكية ، كما فعلنا في المرحلة السابقة ، خاصة مصطلح "البورجوازية" ، عند تناول الشرائح و الفئات الرأسمالية العربية التي تشكلت تاريخياً –و إلى الآن- من هذا المزيج أو التنوع الاجتماعي غير المتجانس أو الموحد سواء في جذوره و منابعه القديمة ، أو في حاضره و مستقبله ، فمصطلح "البورجوازية" و غيره من المصطلحات التي تحدثت عن تطور التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية وتسلسلها من المشاعية الى العبودية الى الإقطاع الى الرأسمالية ، والتي تطابقت مع مضمون التطور الرأسمالي في البلدان الصناعية الغربية ، تكاد تكون مصطلحات غريبة في واقعنا و شكل تطوره المشوه ، خاصة و أنها لم تتغلغل في الوعي العفوي أو الاعتيادي للجماهير ، و كذلك في صفوف القواعد الحزبية العربية كمفاهيم تحفيزية أو رافعة للوعي السياسي والطبقي ، لكون هذا المصطلح أو المفهوم مصطلحاً يكاد يكون وافداً ، غريباً ، نظراً لعدم تبلور الإطار أو الطبقة في بلادنا بصورة محددة ، التي يمكن أن يجسدها أو يعبر عنها أو يشير إليها ذلك المصطلح من جهة ، و نظراً لما ينطوي عليه أو يتضمنه هذا المفهوم من إعلان ولادة وتشكل طبقة جديدة هي "البورجوازية" كطبقة قائدة لمرحلة جديدة ، حملت معها مشروعا نهضويا حضاريا عقلانيا تطوريا ماديا هائلا ، عجّل في توليد التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية و مفاهيمها المتطابقة معها من جهة أخرى ، وفي هذا السياق نؤكد أن المطالبة بمراجعة المصطلحات ذات الطابع التطبيقي لا يعني مطلقا التطرق الى النظرية الماركسية ومنهجها ، والتي نشعر بالحاجة الماسة الى إعادة دراستها وتعميق الالتزام بها في هذه المرحلة وفي المستقبل .
إن تناولنا لهذه الرؤية التحليلية ، لا يعني أنها دعوة إلى وقف التعامل مع هذه المصطلحات ، بقدر ما هي دعوة للبحث عن مصطلحات و مفاهيم معرفية أخرى إضافية تعكس طبيعة و مكونات التركيب الاجتماعي /الطبقي في بلادنا العربية ، بما يلغي كل أشكال الغربة أو الاغتراب في المفاهيم التي سبق استخدامها بصورة ميكانيكية أو مجردة ، بحيث نجعل من التحليل النظري و الاجتماعي لواقعنا ، في سياق العملية السياسية ، أمراً واضحاً و متطابقاً في كل مفاهيمه و مصطلحاته مع هذا الواقع الشديد التعقيد ، الذي يشير إلى ان التطور في بلادنا –كما يقول د. برهان غليون- "ليس بنياناً عصرياً بالرغم من قشرة الحداثة فيه ، و هو أيضاً ليس بنياناً قديماً بالرغم من مظاهر القديم ، و لكنه نمط هجين من التطور قائم بذاته ، فقد عنصر التوازن و أصبحت حركته مرهونة بحركة غيره" ، لذلك لا بد من إزالة اللبس و الخلط في المفاهيم ، الذي ساد طويلاً في الكتابات العربية ، و ساهم –إلى حد ما- في تكريس حالة الإرباك الفكري في أوساط القوى اليسارية العربية و عزلتها عن الجماهير ، و ليس معنى ذلك ، أننا ندعو إلى تكيف الوعي الطليعي العربي المنظم ، لمتطلبات الوعي العفوي الجماهيري ، بالعكس ، إنها دعوة –أو وجهة نظر- تستهدف التعامل مع الوعي العفوي بمنهجية و مفاهيم تعكس تفاصيل الواقع المعاش و تعبِّر عنه بصورة جدلية تدفع به الى التطور و النهوض ، انطلاقاً من قناعتنا بمقولة ماركس -في مقدمته لرأس المال- "قل كلمتك و امشي و دع الناس يقولوا ما يقولون".
و في سياق الحديث عن طبيعة و مكونات التركيب و المتغيرات الطبقية في بلدان وطننا العربي ، و ضرورات إزالة الخلط أو اللبس في مصطلحاتها أو مفاهيمها ، نتوقف أمام طروحات اثنان من المفكرين العرب هما د.حليم بركات ، و الراحل د.رمزي  زكي ، فالأول يطرح في كتابه "المجتمع العربي في القرن العشرين" المشار إليه في هذه الدراسة ، مسألة التكون الطبقي في المجتمع العربي و يعيدها إلى "الأصول الرئيسية المتشابكة التالية : ملكية الأراضي و العقارات ، و التجارة و ملكية رأس المال ، النسب العائلي المتوارث ، المنصب أو الموقع في السلطة ، مع الإشارة الى عدم تساوي هذه العوامل في الأهمية"[56]،و مع تقديرنا لصحة هذا التحليل و انسجامه مع الواقع ، إلا أن د. بركات في تصنيفه للطبقات الاجتماعية العربية المعاصرة ، يقر بوجود ثلاث طبقات رئيسية : "الطبقة البورجوازية ، الطبقة الوسطى ، الطبقة الكادحة" ، وهي قضية بحاجة الى النقاش ، نظرا لشدة التنوع في البنية والانتماءات الاجتماعية العربية التي أشار إليها في مقدمة كتابه .
أما المسألة الثانية فهي ترتبط بتعريف "الطبقة البورجوازية" التي تتضمن كما يشرح د.بركات "شرائح اجتماعية قديمة من الأرستقراطية وكبار الملاك وشيوخ القبائل وكبار علماء الدين ، الى جانب كبار الرأسماليين التجاريين والصناعيين والأثرياء الجدد"[57] ، وهو في تقديرنا ، تعريف ملتبس يتناقض مع مصطلح "البورجوازية" المتعارف عليه ، كمصطلح حديث ، عبّر عن طبقة جديدة تكونت في التاريخ الحديث في سياق صراعها مع الطبقات والشرائح القديمة الأرستقراطية وكبار الملاك ورجال الدين ، وبالتالي ، لا يجوز القفز عن كيفية تكون الطبقة البرجوازية ، وسياقها التاريخي في مرحلة محددة ، وكذلك في إطارها العام كطبقة لا مكان فيه للرموز والشرائح القديمة .
المسألة الثالثة ، التي ندعو الى تأملها والتفكر فيها ومناقشتها بصورة موضوعية ، فهي مسألة "الطبقة الوسطى" ، و الالتباس حول مفهوم هذه الطبقة و شكل تطورها ووجودها و دورها ، و ذلك على ضوء كتاب المفكر الراحل د.رمزي زكي "وداعاً للطبقة الوسطى" ، و نتناول هنا هذه المسألة عبر الملاحظتين التاليتين :
الملاحظة الأولى : لا بد من تحديد المقصود بالطبقة الوسطى و ماهيتها منعاً للالتباس و الإرباك ، تحديداً و إيضاحا للمفهوم و مغزاه أو دلالاته الاجتماعية و السياسية ، حيث أننا نعتقد في ضوء قراءتنا لكتاب "وداعاً للطبقة الوسطى" ان موضوع الكتاب يتناول الطبقة البورجوازية الصغيرة بصورة مباشرة ، التي تختلف بكل مكوناتها عن "الطبقة الوسطى" أو ما يعرف عندنا "بالرأسمالية الوطنية" التي لم يعد لها دوراً رئيسياً أو مركزياً في مسار التطور الاقتصادي الاجتماعي في البلدان العربية أو في العالم الثالث ، ارتباطاً بطبيعة التطور الرأسمالي المعولم الراهن ، و شروطه و ضغوطاته على بلدان العالم الثالث و احتكاره لأسواقها المحلية المفتوحة بلا أية قيود أو ضوابط ، لذلك ، فإننا نرى أن استخدام مصطلح "البورجوازية الصغيرة" بشرائحها الثلاث : العليا ، و المتوسطة ، و الدنيا . هو الأكثر دقة و اقتراباً و تفسيراً للواقع الاجتماعي في بلادنا ، لا سيما و أنه يتفق مع التحليل الماركسي للمجتمع البورجوازي ، و هو تحليل يستند –كما هو معروف- إلى المقولة التالية : "في المجتمعات البورجوازية ثمة طبقتان رئيسيتان متناحرتان : البورجوازية ، و البروليتاريا ، و تشمل البورجوازية على ثلاثة أقسام هي :البورجوازية الكبيرة ، و البورجوازية المتوسطة و البورجوازية الصغيرة ، و هذه الأخيرة تتوزع على ثلاثة شرائح : العليا ، و المتوسطة ، و الدنيا ، و هي الطبقة الأقدم في التاريخ ، و الأكثر تعقيداً في أوضاعها الداخلية و تركيبتها ، و قد تناولها بالتعريف و التشخيص ماركس و انجلز و لينين و غيرهم من المفكرين الماركسيين ، نذكر منهم في بلادنا ، المفكر الماركسي الراحل د. فؤاد مرسي ، الذي أكد على أن "الحرفيين و صغار المنتجين و أصحاب الحوانيت و صغار الفلاحين و الموظفين ، يشكلون جميعاً ما يسمى بالبورجوازية الصغيرة ، أكثر الطبقات عدداً و أوسعها نفوذاً و أبعدها أثراً في مجتمعنا"[58]. و المفارقة هنا ان هذا التعريف لا يختلف من حيث المضمون مع ما قدمه د. رمزي زكي الذي ينبهنا في كتابه إلى أنه "يستخدم مصطلح الطبقة الوسطى تجاوزاً ، لأنه مصطلح هلامي و فضفاض يفتقد للدقة العلمية ، و لأن هذا المصطلح يضم في الواقع كتلة واسعة من الفئات الاجتماعية التي تتباين في حجم دخلها ، و هي طبقة غير منسجمة ، يسودها مختلف ألوان الفكر الاجتماعي و السياسي ، حيث أنها تضم مختلف الشرائح الاجتماعية التي تعيش بشكل أساسي على المُرتَّبات المكتسبة في الحكومة و القطاع العام و الخدمات و المهن الحرة ، و يطلق على أصحابها : ذوي الياقات البيضاء يتوزعون على ثلاثة شرائح : عليا و متوسطة و دنيا"[59] .
إن تسجيلنا لهذه الملاحظة ، شكل من الاجتهاد يستهدف العودة بمفهوم كل من "الطبقة الوسطى" و "البورجوازية الصغيرة" ووضعه في إطاره الصحيح ، منعاً للإرباك في تحليلنا للأوضاع الاجتماعية و مكوناتها و أزمتها في بلادنا .
الملاحظة الثانية : و تتناول الفرق الجوهري بين الطبقة البورجوازية المتوسطة ، و الطبقة البورجوازية الصغيرة ، حيث تتميز الأولى ، بضعف بنيتها و حجمها و دورها ، و بتماسك موقفها الأيديولوجي الأقرب إلى أيديولوجية البورجوازية الكبيرة ، بحكم توافق المصالح و تداخلها بينهما . أما البورجوازية الصغيرة فهي الطبقة الأكثر عدداً و اتساعاً و شمولاً في كل مجتمعاتنا العربية ، و البلدان النامية عموماً ، و قد لعبت هذه الطبقة دوراً مركزياً في الإطاحة بالبنية المجتمعية العربية التقليدية القديمة أو الأرستقراطية ، في العديد من الدول العربية ، و فرضت بديلها الوطني و القومي المعادي للاستعمار و الصهيونية من جهة ، إلى جانب بديلها الاجتماعي الداخلي ضد الإقطاع و الرأسمالية الكبيرة ، و أحدثت تحولاً نوعياً في حياة الفلاحين و العمال و الفئات الفقيرة ، لا يمكن تخطيه أو القفز عنه ، خاصة في المراحل الأولى من تولي الطبقة للحكم أو السلطة .
المسألة الهامة الأخرى ، أن البورجوازية الصغيرة شكلت دوماً ، و ستظل إلى مدى بعيد قادم ، الوعاء أو المصدر الأول لتأسيس المؤسسات و الجمعيات و الأحزاب اليسارية و القومية و الدينية بمختلف أيديولوجياتها و أساليب عملها و أهدافها و حجم حركتها و اتساعها حسب هذا الظرف أو هذه المرحلة و طبيعة الطبقة السائدة فيها ، المهم أن هذه الطبقة ما زالت قادرة على التأثير الإيجابي في مجرى التطور الاجتماعي العربي ، إذا وجدت التنظيم أو الحزب القادر على إثبات وجوده و تأثيره ووضوح أهدافه ، إذ أنها طبقة ذات طبيعة مزدوجة نتيجة لوضعها المزدوج ، و تأرجحها بين الارتفاع و الهبوط ، و بالتالي فهي حين تشكل لنفسها تنظيماتها ، لا تنجح عادة في الاحتفاظ باستقلالها السياسي ، حيث تترعرع فيها المظاهر الضارة من الشللية و التكتلات و الانشقاقات و عدم التجانس أو التوحد الفكري و السياسي فهي "حين تحارب ضد البورجوازية الحاكمة ، فإنما تحارب بوسائل المجتمع البورجوازي نفسه" [60] ، و لذلك يسهل قيادتها من خارجها –في ظروف محددة- عبر حركة منظمة ، أو حزب قوي بغض النظر عن أيديولوجيته و هويته السياسية و الفكرية ، و المثال الصارخ على ذلك ، ما يجري الآن من اتساع غير اعتيادي ، من حيث حجم و عدد عناصر البورجوازية الصغيرة الذين يشكلون الأغلبية الساحقة في الجسم التنظيمي للحركات الدينية السياسية و تنظيماتها في بلداننا العربية ، في المرحلة الحالية ، نظراً لتراجع قوة و حضور و تأثير الأحزاب القومية اليسارية الديمقراطية فيها .
أمام كل ذلك ، ليس بإمكان القوى الديمقراطية اليسارية العربية تخطي واقع ووجود هذه الطبقة بالرغم من تقلبها و عدم ثباتها ، و ذلك لاعتبارين ، أولهما ، أن أوضاع هذه الطبقة عموماً ، و الشرائح المتوسطة و الدنيا فيها خصوصاً ، تواجه الآن في الدول العربية غير النفطية بالذات ، حالة من التدهور الكبير الذي أودى بأوضاعها الاجتماعية و الاقتصادية إلى الحضيض بسبب انخفاض مستويات دخولها و مستويات معيشتها انخفاضاً كبيراً ، و الانتشار الواسع للبطالة في صفوفها ، الذي أدى إلى هبوط أعداد كبيرة منها الى عداد الطبقة العاملة أو الشرائح الفقيرة عموماً ، و ذلك على أثر تطبيق السياسات الليبرالية الجديدة و الخصخصة و بيع القطاع العام و إلغاء الدعم ، و ثانيهما ، يتمثل في الضرورة الموضوعية التي تفرض على كافة قوى اليسار الديمقراطي العربي ، أن يجدد قواه ، و يستعيد دوره الطليعي على الصعيد الاجتماعي و السياسي الداخلي ، في ظل هذه الظروف المتردية التي تعيشها جماهيرنا الشعبية اليوم ، و التي استطاعت الحركات الدينية السياسية ، عبرها ، أن تتفاعل معها بما أدى الى اتساع أطرها ، وضخامة تأثيرها السياسي ودورها رغم عدم وضوح برامجها الاقتصادية والاجتماعية من جهة ، وعدم تناقض هذه البرامج مع جوهر الليبرالية الرأسمالية وأنظمتها من جهة أخرى .
إن وجوب تفاعل قوى اليسار الديمقراطي مع الشرائح المتنوعة للبورجوازية الصغيرة ، يفرضه حجمها ووجودها الكمي الذي تزيد نسبته عن 50% من مجموع السكان في بلداننا من ناحية ، كما يفرضه شكل وطبيعة  الصراع الطبقي وضعف تبلور الوعي به من ناحية ثانية ، خاصة في أوساط العمال والكادحين الذين لم يتبلوروا بعد "كطبقة بذاتها" ، تعبر عن وجود متبلور ومحدد المعالم أو حالة موضوعية ، فعمالنا وكادحينا ما زالوا يشكلون "طبقة لذاتها" تمكنهم من التعبير عن وجودهم الذاتي ، وليس الطبقي العام ، إن الفرق هنا هو فرق بين الموضوعي والذاتي ، وبكلام آخر ، إنه الفرق بين الوعي الطبقي ، أي الإحساس بالظلم ومقاومته ، والوعي الزائف الذي لا يدل ويكشف عن حقائق الواقع ، ويلجأ الى الأسباب الشكلية أو التراثية أو القدرية أو الاقتصادية على أحسن تقدير ، وهنا تكمن الحاجة الماسة ، أو الحتمية في ضرورة إعادة تجديد واستنهاض دور القوى اليسارية الديمقراطية العربية ، التي تملك وضوحا في الرؤية الأيديولوجية ، ووضوحا في البرنامج الاجتماعي/الاقتصادي ، ووضوحا في الموقف القومي والسياسي العام ، بما يحول دون تأثير المظاهر والصفات الضارة ، من تذبذب وتردد ونزوع نحو التكتل والشللية من جهة ، ويضمن لهذه القوى وأطرها قيادة ملتزمة بقضايا الجماهير الشعبية الفقيرة وإخراجها من هذه الأزمة الاجتماعية التي تكاد تعصف بوجودها ومستقبلها .
المسألة الأخيرة التي نتناولها في سياق الحديث عن الأزمة الاجتماعية في الأوضاع العربية الراهنة ، تتعلق بمفهوم "المجتمع المدني" -موضوع هذه الدراسة- الذي انتشر في بلادنا خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين .
فبالرغم من تداول هذا المفهوم في الأوساط النخبوية الحكومية و غير الحكومية ، في بعض البلدان العربية ، إلا أن هذه الظاهرة -كما أشرنا من قبل- لا تعني وجود أو تبلور مجتمع مدني عربي كما يروج البعض ، إذ أننا ما زلنا في مرحلة ما قبل الحداثة أو ما قبل المجتمع المدني ، رغم كل ما يتبدى على السطح ، في الواقع المادي أو في المفاهيم ، من مظاهر حداثية لا تعدو أن تكون شكلاً فقط دون أي محتوى حقيقي يعبر عنها ، و الشاهد على ذلك بصورة حية ، مسار التطور الاجتماعي العربي في سياقه التاريخي العام ، القديم و الحديث ، هذا المسار لم يستطع حتى اللحظة ، بسبب عوامل خارجية و داخلية مهيمنة ، فرز أو بلورة طبقات بالمعنى الحقيقي ، و الواسع للكلمة ، أي "طبقات بذاتها" تستطيع التعبير عن مصالحها الاقتصادية و السياسية ، و تدافع عنها ككتلة طبقية موحدة مدركة لوجودها الموضوعي ، ففي غياب هذا التبلور الطبقي ، و استمرار سيطرة الأنماط القديمة ، تشكلت في بلادنا حالة طبقية مشوهة ، امتزجت فيها ، كل العلاقات الاجتماعية المرتبطة بالأنماط القديمة و الحديثة معاً ، تبدو واضحة اليوم عبر ما نشاهده في كل مجتمعاتنا من استمرار وجود و تأثير العلاقات البدوية القبلية و الحمائلية و العائلية والطائفية ، و العلاقات شبه الإقطاعية التي اختلطت بالعلاقات الاجتماعية الرأسمالية الحديثة ، و كونت هذا المزيج أو التشكل الطبقي المشوه و السائد –حتى اليوم- في كل مكونات البنية المجتمعية ، الفوقية و التحتية بهذه الدرجة أو تلك ، و بالتالي فإن الحديث عن مجتمع مدني ، في إطار هذا المزيج أو الشكل المرقع من "الجماعات" ما قبل الحداثة أو المدنية ، مسألة تحتاج إلى المراجعة الهادئة التي تستهدف تشخيص الواقع الاجتماعي العربي ، و أزمته المستعصية الراهنة ، تشخيصاً يسعى إلى صياغة البديل الديمقراطي القومي وآلياته الديمقراطية وصولاً إلى تفعيل مفاهيم و أدوات ومؤسسات المجتمع المدني في إطار النضال الوطني و القومي ، التحرري و الديمقراطي المطلبي معاً ، ففي هذا السياق وحده ، نستطيع نفي الطابع الطارئ و المستحدث الوافد لمفهوم المجتمع المدني من جهة ، و نستطيع أيضاً نفي واقع الإبهام و الغموض الذي يشوب الحديث عنه في هذا المناخ المهزوم و المأزوم ، حيث ترعرع مفهوم "المجتمع المدني و الديمقراطية الليبرالية" و بات مألوفاً من كثرة تداوله في معظم "الحوارات و الندوات وورش العمل التي تعقدها بعض القوى السياسية و تروج لها المنظمات غير الحكومية ، و هي "حوارات و ورشات عمل" استطاعت الانتشار و التوسع في العديد من الدول العربية في أوساط نخبة يتكرر حضورها في هذه الندوة أو الورشة أو تلك بصورة شبه دائمة ، و هي ظاهرة تدعو إلى إثارة الانتباه و التأمل ، و ليس الاستغراب ، من حيث أن هذه "الورش و الندوات" التي "نجحت" في القفز بمفاهيم المجتمع المدني و الديمقراطية الليبرالية ، و الوصول بها إلى أعلى سلم الأولويات في الإطار الضيق "للنخبة السياسية" التي تخلى معظم رموزها عن مواقفهم اليسارية السابقة ، لم تنجح –بالمقابل- في الوصول أو التغلغل بأي شكل من الأشكال إلى الأوساط الجماهيرية الشعبية ، و إن دل ذلك على شيء ، فإنما يدل على غربة هذه المفاهيم بطابعها و جوهرها الليبرالي عن الواقع من جهة ، و غرابة صيغها و عناوينها الفرعية المتعددة ، و شكل عباراتها المركب بصورة لا يمكن للجماهير أن تستوعبها ، نورد بعضاً منها على سبيل المثال :"التمكين في المشاركة" "الشراكة الجديدة بين الدولة و الأسواق" ،"تنمية قدرات الإنسان" ،"تقدير الفقر بمشاركة الفقراء في وضع استراتيجيات تخفيف فقرهم!" "تنمية المبادرات المحلية" ،"المنظمات الأهلية و الديمقراطية و التنمية المستدامة" ،"دور المنظمات الأهلية مع القطاع الخاص" ،"التنمية البشرية من منطلق الأطفال" ،"الجندر" ،"عمليات التشبيك" ،"الليبرالية و الخصخصة و اقتصاد السوق" …. الخ . و هي عبارات غريبة في معظمها عن واقعنا ، مما جعل منها عبارات عامة و مبهمة و "جديدة" حلت محل المفاهيم المعادية للإمبريالية و الصهيونية و مفاهيم التحرر القومي و الوحدة و العدالة الاجتماعية و الاشتراكية، و أضيفت إلى مفردات اللغة و الخطاب السياسي الهابط ، الذي حدد النظام الرأسمالي المعولم الجديد ، أسسه و منطلقاته الليبرالية ، الفكرية و السياسية العامة ، و ترك هامشاً للمنظمات غير الحكومية في العالم العربي ، و العالم الثالث لتمارس دورها أو قناعاتها الجديدة ، أو مشاريعها ومخططاتها المرسومة التي قد تحمل في طياتها -في اللحظة الراهنة من الهبوط السياسي المريع- توجه بعض هذه المنظمات (عبر تأثير ودور شخوصها السياسية الكاريزمية) لتأسيس أحزاب سياسية ليبرالية اجتماعية جديدة في بلدان الوطن العربي عموما ، وفي فلسطين بشكل خاص ، تبتعد بصورة أساسية عن جوهر المشروع الوطني المقاوم للاحتلال الصهيوني تحت غطاء البرنامج الاجتماعي الديمقراطي الداخلي ، وحقوق الإنسان والتنمية ، وبدعم تمويلي كبير لمساعدة هذه "الأحزاب الوليدة" وضمان فوزها في أية انتخابات قادمة ، بعد إسدال الستار على المشهد الوطني في المرحلة الماضية لكي تكون هذه الأحزاب عنوانا للمشهد القادم .
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة الى تلك الازدواجية أو المفارقة الغريبة ، التي تمارسها دول النظام الرأسمالي الغربي ، فهي من جهة تساند و تدعم كافة الأنظمة و المؤسسات الاستبدادية المتخلفة في بلادنا بصورة منهجية واضحة ، و تقوم عبر هذا الزيف الليبرالي بدعم المنظمات غير الحكومية دفاعاً عن الديمقراطية و حقوق الإنسان من جهة أخرى !؟ أية ديمقراطية هذه ؟ وما هي طبيعة وأهداف المجتمع المدني الذين يروجون له ؟ إنها الديمقراطية المغربة ، النخبوية ، الفوقية ، والمعزولة عن الجماهير ، ما يؤكد على ذلك أن جميع المنظمات الغير حكومية –في البلدان العربية- لم يستطع أي منها الاعتماد في تمويل مشاريعه على المجتمع المحلي و لو بنسبة 20% فقط ؟! بسبب اعتماد هذه المنظمات على الآخر الأجنبي من جهة ، و فشلها في إقامة أي شكل من أشكال العلاقة الواسعة و الثابتة مع الجماهير أو المجتمع المحلي من جهة ثانية ، رغم أن عدد هذه المنظمات يزيد -كما أشرنا من قبل عن- (75) ألف منظمة[61] تنتشر في بلدان الوطن العربي على السطح بلا أي جذور أو تمدد ، بما يؤكد تقييم المفكر العربي سمير أمين لهذه المنظمات بقوله "إن الطفرة في المنظمات غير الحكومية ، تتجاوب الى حد كبير مع استراتيجية العولمة ، الهادفة الى عدم تسييس شعوب العالم ، وهي انسجام أو إعادة تنظيم لإدارة المجتمع من قبل القوى المسيطرة" .
و في هذا المشهد الملتبس داخلياً ، في إطار النظام العربي المأزوم و المهزوم ، و خارجياً على الصعيد العالمي ، خاصة بعد انهيار الثنائية القطبية و معادلاتها و ضوابطها السابقة ، يصبح الحديث عن مفاهيم المجتمع المدني ، نتاجاً مباشراً لهذا المشهد الجديد ، و عوامله و محدداته الخارجية ، و ليس نتاجاً لمعطيات و ضرورات التطور الاجتماعي –الاقتصادي-السياسي في بلادنا ، إذ أن الحديث عن المجتمع المدني العربي ، هو حديث عن مرحلة تطورية لم ندخل أعماقها بعد ، و لم نتعاطى مع أدواتها و معطياتها المعرفية العقلانية التي تحل محل الأدوات و المعطيات المتخلفة الموروثة ، مثالنا على ذلك صارخاً في وضوحه لمن يريد أن يستدل عليه ، فالبورجوازية الأوروبية –التي كانت ثورية في مراحلها الأولى- في عصر النهضة أو الحداثة ، جابهت الموروث السلفي اللاهوتي الجامد ، بالعقل و العقد الاجتماعي ، و جابهت الحكم الثيوقراطي و الأوتوقراطي الفردي بالعلمانية و الديمقراطية ، و جابهت الامتيازات الأرستقراطية و الطبقية بالحقوق الطبيعية ، كما جابهت تراتبية الحسب و النسب و اللقب بالمساواة الحقوقية و المدنية ، بين جميع المواطنين ، فأين نحن العرب من كل ذلك ؟ و نجيب بوضوح ، ان مجتمعنا العربي اليوم ، هو "مجتمع بلا مجتمع مدني" ، فطالما أن بلادنا ليست في زمن حداثي/حضاري و لا تنتسب له ، بالمعنى الجوهري ، فإن العودة إلى القديم أو ما يسمى بإعادة إنتاج التخلف سيظل أمراً طبيعياً فيها ، يعزز استمرار هيمنة المشروع الاستعماري المعولم على مقدراتنا و استمرار قيامه فقط بإدارة الأزمة في بلادنا دون أي محاولة لحلها سوى بالمزيد من الأزمات .
أمام هذا الواقع المعقد والمشوه ، و في مجابهته ، ندرك أهمية الحديث عن المجتمع المدني و ضروراته ، و لكن بعيداً عن المحددات و العوامل الخارجية و الداخلية ، المستندة إلى حرية السوق و الليبرالية ، لأننا نرى أن صيغة مفهوم المجتمع المدني وفق النمط الليبرالي ، فرضية لا يمكن أن تحقق مصالح جماهيرنا الشعبية ، لأنها تتعاطى وتنسجم مع التركيبة الاجتماعية-الاقتصادية التابعة و المشوهة من جهة ، و تتعاطى مع المفهوم المجرد للمجتمع المدني في الإطار السياسي الاجتماعي الضيق للنخبة و مصالحها المشتركة في إطار الحكم أو خارجه .
المسألة الأخرى التي ندعو الى إعمال الفكر فيها ، تتمثل في تلك الفجوة بين الإطار الضيق لأصحاب السلطة و الملتفين حولها من جهة ، و الإطار الواسع للجماهير الشعبية الفقيرة من جهة أخرى ، وهي ظاهرة قابلة للتزايد و الاتساع و التفاقم ، عبر التراكم المتصاعد للثروة ، الذي يؤدي –كنتيجة منطقية أو حتمية- إلى تزايد أعداد الجماهير الفقيرة المقموعة و المضطهدة تاريخياً ، و تعرضها إلى أوضاع غير قابلة للاحتمال أو الصمت ، مما يضعها أمام خيارين : إما الميل نحو الإحباط أو الاستسلام و اليأس ، أو الميل نحو المقاومة و المجابهة السياسية الديمقراطية ، أو العنيفة ، تحت غطاء اجتماعي أو ديني ، أكثر بما لا يقاس -كما أشرنا من قبل- من ميلها نحو الاقتناع بالهامش الليبرالي و شكله المحدود ، للخلاص من وضعها و أزماتها المستعصية ، إن إدراكنا لهذه الفروق الجوهرية ، يدلنا على كيفية التعامل مع مفهوم المجتمع المدني ، و أية مفاهيم أخرى ، وفق خصوصية تطورنا الاجتماعي التاريخي و المعاصر ، المختلفة نوعياً عن مجرى و طبيعة التطور في البلدان الغربية ، و ما يتطلبه ذلك الإدراك من تحويل في المفاهيم بحيث تصبح مقطوعة الصلة مع دلالاتها السابقة ، التي تمحورت فقط عند الإشارة إلى المجتمع المدني كضرورة في خدمة عمليات التنافس الاقتصادي بين الأفراد على قاعدة حرية السوق في إطار الليبرالية الجديدة وآلياتها المتوحشة في نظام العولمة الراهن .
وفي هذا السياق ، فإن رؤيتنا لمفهوم وتطبيقات المجتمع المدني في بلادنا ، تتجاوز التجزئة القطرية لأي بلد عربي ، تتجاوزها كوحدة تحليلية قائمة بذاتها (رغم إدراكنا لتجذر هذه الحالة القطرية ورسوخها) ، نحو رؤية اشتراكية ديمقراطية قومية -تدرجية- تنطلق من الضرورة التاريخية لوحدة الأمة -المجتمع العربي ، وتتعاطى مع الإطار القومي كوحدة تحليلية واحدة ، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا ، في بنيتها التحتية ومستوياتها الجماهيرية الشعبية على وجه الخصوص . على أن الشرط الأول للوصول الى هذه الرؤية -الهدف ، يكمن في توحد المفاهيم والأسس العامة ، الأيديولوجية ، والسياسية ، والاقتصادية-الاجتماعية ، للأحزاب والقوى والفصائل اليسارية الديمقراطية العربية داخل الإطار الخاص في كل دولة قطرية عربية على حدة كخطوة أولية ، تمهد للتوحد المعرفي والسياسي العام الذي يسبق التوحد التنظيمي المطلوب تحققه كضرورة تاريخية ، في مرحلة لاحقة ، بعد توفر وإنضاج عوامله الموضوعية والذاتية ، وذلك "بإيلاء الأيديولوجيا أهمية وصلاحية غير عاديتين في المقاربة الماركسية العربية للتجريبي والممكن ، فالماركسية العربية -كما يقول مهدي عامل- لم تكن في جملتها سوى فلسفة أخلاقية للتعبئة ، وأنها كانت تبعا لذلك قاصرة عن ان تبدع برنامجها النظري السياسي ، من هنا أهمية التركيز على حقل المعرفة كحقل مميز من حقول الصراع الطبقي"[62] ذلك إن وحدة المفاهيم أو الإطار المعرفي السياسي ، ووضوحها لدى هذه الأحزاب والقوى ، ارتباطاً بوضوح تفاصيل مكونات الواقع الاجتماعي -الاقتصادي-الثقافي العربي ، ستدفع نحو توليد الوعي بضرورة وحدة العمل المنظم المشترك ، وخلق "المثقف الجمعي العربي" عبر الإطار التنظيمي الديمقراطي الاشتراكي الموحد من ناحية وبما يعزز ويوسع إمكانيات الفعل الموجه نحو تحقيق شروط "الهيمنة الثقافية" في أوساط الجماهير الشعبية من ناحية ثانية ، وذلك إدراكا منا لهدف جرامشي الحقيقي ، أو البعيد ، من استخدامه لمقولة "الهيمنة الثقافية" ، فهو -كما يقول عزمي بشارة- "رغم إضافته الهيمنة الثقافية وجعلها ساحة الصراع الأساسية في المرحلة ما قبل الثورية ، إلا أنه بعيد كل البعد عن إحالة مهمات التغيير على عاتق المجتمع المدني القائمة ، فالأدوات الأساسية للتغيير التي يجب أن يعمل من خلالها ، المثقفون العضويون الذين يحملون فكر التغيير ، هي الحزب الاشتراكي من أجل تحقيق الهيمنة الأيديولوجية الكفيلة بإزالة الفرق بين الدولة والمجتمع ، ذلك إن مفهوم المجتمع المدني عنده ، ليس هو مفهوم الاتحادات والجمعيات الطوعية والمؤسسات المدنية القائمة على التواصل العقلاني ، على العكس من ذلك ، يعتقد جرامشي أن مسألة الهيمنة الثقافية لا يمكن حسمها عقلانيا ، وإن الحزب القادر على الهيمنة الثقافية هو "الحزب الاشتراكي" ، القادر بمثقفيه العضويين ، أي الذين يتحزبون بوضوح لفئة اجتماعية بعينها ، على التحول من ثقافة النخبة الى ثقافة الجماهير ، وعلى تملك مشاعر وأحلام الجماهير ، والتحول الى مُركّب من مركبات هويتها الثقافية ، والتحول الى "دين جديد" (أو فكرة مركزية توحيدية) يزود الناس بمعنى لحياتهم ، ويجندهم باتجاه التغيير نحو مجتمع أفضل"[63]، يكون هدف النضال السياسي فيه كسر استبداد الأنظمة وتجاوزها ، وإخراج الجماهير الشعبية من حالة الإحباط والركود ، وتفعيل دورها الذاتي المدرك لوجوده ، كميدان رئيسي للفعل الجماعي والارادة الشعبية الخلاقة لتحقيق أهدافها في التحرر القومي والديمقراطي ، عبر التصدي ومقاومة العدوانية الصهيونية الإمبريالية على بلادنا ، وإزاحتها من جهة ، في موازاة النضال من اجل التحرر الديمقراطي الاجتماعي الداخلي وفق قواعد الاعتماد العربي على الذات للخلاص من التبعية والتخلف وتحقيق الديمقراطية وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية من جهة ثانية .
بهذا التصور ، يصبح تعاملنا مع مفهوم المجتمع المدني ، مرحليا ، وبعيدا عن المشروع الرأسمالي وحرية السوق والليبرالية الجديدة ، وبالقطيعة معها ، دون أن نتخطى أو نقطع مع دلالات النهضة والحداثة في الحضارة الغربية من الناحية المعرفية والعقلانية والعلمية والديمقراطية وكافة المفاهيم الحداثية الأخرى ، وتسخيرها في خدمة أهدافنا في التحرر القومي والبناء الاجتماعي التقدمي بآفاقه الاشتراكية كمخرج وحيد لتجاوز أزمة مجتمعنا العربي المستعصية ، مدركين أن هذه الأهداف تتشابك وتترابط بشكل وثيق مع الأهداف الإنسانية بصورة عامة ، ومع أهداف الشعوب الفقيرة في العالم الثالث خصوصا من اجل إخضاع مقتضيات العولمة لاحتياجات شعوب هذه البلدان وتقدمها الاجتماعي ، ومن أجل المساهمة في بناء النظام السياسي العالمي الجديد الرافض لسلطة رأس المال الاحتكاري . لقد حانت اللحظة للعمل الجاد المنظم في سبيل تأسيس عولمة نقيضة من نوع آخر عبر أممية جديدة ، ثورية وعصرية وإنسانية .
 
 
يناير 2003                                    غازي الصوراني
 
 


Ä يقول د.الطاهر لبيب: "إن مفهوم المجتمع المدني عندنا بلا تاريخ (كما حصل لهذا المفهوم في الغرب) وهذا سبب الحرج العلمي في استعماله، إن الاستعمال الطارئ لهذا المفهوم في بلادنا يعبر عن حالة طوارئ في الفكر العربي ولا يحيل الى ممارسة تم تنظيرها ولا الى تنظير واقع تم ممارسته ، حتى الدولة التي نشأ ضدها تستعمله لتحديد من هم أعضاؤه" ومن هم "خارجون عنه" …(المجتمع المدني في الوطن العربي-مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت-1992-ص357) .
[1] د.متروك الفالح -المجتمع والديمقراطية والدولة في البلدان العربية- مركز دراسات الوحدة- بيروت -2002- ص12 .
[2] د.عزمي بشارة ، مساهمة في نقد المجتمع المدني ، رام الله: مؤسسة مواطن ، الطبعة الأولى ، ص9 ، كانون الأول/ديسمبر، 1996 .
* إذا كنا نتفق على أن الفرق الزمني الذي يفصلنا كمجتمع عربي عن شكل ومضمون الحداثة والنهضة والليبرالية والمجتمع المدني التي نشأت وترعرعت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا ،أكثر من مائة عام، فما هو -يا ترى- الفرق الزمني الذي يفصلنا عن الحضارة الغربية اليوم في عصر العولمة وثورة العلم والاتصالات والمعلومات؟؟ ألسنا بحاجة الى ثورة تغييرية تطال كل جوانب البنية المجتمعية العربية بكل تفاصيلها قبل أن نتحدث عن المجتمع المدني؟
Ä التبعية -كما يقول د.إبراهيم العيسوي (قضايا فكرية-يناير 1986) هي ظرف موضوعي تشكل تاريخيا ، ينطوي على مجموعة علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية وعسكرية ، تعبر عن شكل معين من أشكال تقسيم العمل على الصعيد الدولي ، يتم بمقتضاها توظيف موارد مجتمع معين لخدمة مصالح مجتمعات أخرى تمثل مركز أو قلب النظام الرأسمالي العالمي. وتؤدي أوضاع التبعية الى تعطيل الإرادة الوطنية للدولة التابعة وفقدانها السيطرة على شروط إعادة تكوين ذاتها أو تجددها ، بحيث تعتمد الدولة التابعة ليس على مواردها المحلية ، وإنما على المعونات والتكنولوجيا من المراكز الرأسمالية بهدف المحافظة على الدور المتدني للدول التابعة في التقسيم الرأسمالي العالمي للعمل، واستمرار الطبيعة الذيلية للكيان الاقتصادي لهذه الدول، بحيث تبقى البنية الاجتماعية-الاقتصادية للدول التابعة بنية متخلفة، بمعنى أنها بنية فاقدة للتكامل الذاتي تتسع فيها الفجوة بين هيكل الانتاج وهيكل الاستهلاك، حيث ينتج المجتمع ما لا يستهلك، ويستهلك ما لا ينتج. فالتبعية إذن هي جوهر التخلف (الى جانب العوامل الداخلية وأهمها بقاء سيطرة أنماط التطور القديمة وتداخلها الفج مع الأنماط الحديثة في إطار ما يسمى بثقافة التخلف المحكومة بالماضي في إطار عام من الاستبداد والفساد) .
[3] د.محمود عبد الفضيل -التشكيلات الاجتماعية الطبقية في الوطن العربي-مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت-1988-ص108 .
Å هناك أكثر من تعريف ومفهوم للمجتمع المدني :يقول د.عزمي بشارة "المجتمع المدني هو نتاج الديمقراطية وليس قاعدتها" ويقول أيضا "لا شك أن اللامساواة الحادة اجتماعيا لا تسمح بمشاركة سياسية أو اجتماعية جاعلة عوضا عن ذلك مجتمع مدني نخبوي ، أي مناقضا لذاته لآن مدنيته لا تقوم على المواطنة، وإنما على الموقع الطبقي، ولذلك "فإن مرحلة تشييد المجتمع المدني في عالمنا العربي اليوم، تعني تحقيق الديمقراطية، إذ لا يجوز أن نقفز عن المراحل الضرورية مثل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية من أجل تحقيق مفهوم معاصر للمجتمع المدني" (مساهمة في نقد المجتمع المدني-مصدر سبق ذكره-ص30،44) ،ويقول د.محمد عابد الجابري "أن المجتمع المدني هو المجتمع الديمقراطي الذي تتوفر فيه حقوق المواطن والتعددية واستقلال القضاء" (مجلة المستقبل العربي-عدد 197-ص5) ،أما عبد القادر الزغل فالمجتمع المدني عنده هو "مطلب البرجوازية في مرحلة التحول الكبير لأوروبا الذي كانت تدعمه الأيديولوجية الليبرالية ،فهو مفهوم وقع في القرن الثامن عشر لمجابهة التراث الاستبدادي للدولة الأوروبية" (المجتمع المدني في الوطن العربي-مركز دراسات الوحدة-بيروت-1992-ص438) .وفي هذا السياق فإن ندوة "المجتمع المدني" التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت-1992 تبنت تعريفا للمجتمع المدني على أنه "يقصد به المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي في استقلال عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة كالمشاركة في صنع القرار السياسي على المستوى الوطني عبر الأحزاب السياسية ،والدفاع عن مصالح العمل النقابي والمساهمة في العمل الاجتماعي والتنمية الى جانب نشر الوعي الثقافي …" ويطرح طارق البشري تصوراته عن الدولة والمجتمع والديمقراطية مشيرا الى "فقدان التوازن بين الدولة وبين التكوينات الاجتماعية الفرعية (المجتمع الأهلي) وأن هذا الخلل وَلَّد الاستبداد (الحياة 17/7/1997)، وهناك تعريفات أخرى ،نتفق مع مضمونها بصورة عامة "المجتمع المدني هو المجتمع الذي يقوم فيه النظام السياسي أو سلطة الدولة نتيجة اتفاق أفراد هذا المجتمع بإرادتهم الحرة" أو هو "المجتمع الذي تقوم فيه دولة المؤسسات الديمقراطية بالمعنى الحديث للمؤسسة (برلمان-قضاء مستقل-أحزاب-نقابات وجمعيات …الخ)، أو هو "المجتمع الذي تتوفر فيه حقوق المواطن ،بمعنى توفر قيم المدينة ضد قيم التخلف" أو هو "المجتمع القادر بصورة ديمقراطية على مواجهة مظاهر الخلل والفساد والتعسف من قبل الدولة" وكل هذه التعريفات تأتي في إطار المجتمع الرأسمالي وهي لا تلغي صحة التعريف الماركسي الذي يرى في المجتمع المدني هو مجتمع الصراع الطبقي في إطار الديمقراطية البرجوازية .
[4] د.صادق جلال العظم - دفاعا عن المادية والتاريخ- دار الفكر الجديد-بيروت-1990 - ص43 .
[5] سعيد بن سعيد العلوي وآخرون، المجتمع المدني في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992، ص46.
** الديئية أو الربوبية هي الاعتقاد بوجود اله كسبب أولي لا شخصي للعالم , و العالم من وجهة نظر هذه الفلسفة , محكوم أو متروك لفعل قوانينه الخاصة بعد أن خلق – من أنصارها فولتير و روسو في فرنسا , و جون لوك و نيوتن في إنجلترا .
 
 
* بسبب التبعية والتخلف في إطار الهيمنة الاستعمارية ، والإمبريالية ، لم يتمكن المجتمع العربي حتى اللحظة ، ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين من تثبيت مفهوم وقواعد فصل الدين عن الدولة كخطوة أولية وشرط أساسي لدخول المجتمع المدني .
[6] الموسوعة الفلسفية ، بيروت: دار الطليعة،1981،ص99 و ص164.
[7] ول ديورانت ،قصة الفلسفة، بيروت؛ مكتبة المعارف،1985،ص135.
[8] د.عزمي بشارة،مساهمة في نقد المجتمع المدني،رام الله : مواطن،1996،ص ص67 – 69 .
[9] د.صادق جلال العظم - مصدر سبق ذكره - ص48 .
· طوال التاريخ القديم والحديث والمعاصر ، لم يعرف المجتمع العربي عموما سوى صيغة العبودية والخضوع والحكم الفردي الأتوقراطي أو الفردي البيروقراطي المستبد بعيدا بصورة كلية عن مفهوم أو فكرة التعاقد الاجتماعي أو أي شكل من أشكال المؤسسات الدستورية الديمقراطية .
[10] سعيد العلوي ،المجتمع المدني في الوطن العربي، مصدر سبق ذكره- ص41.
[11] د.عزمي بشارة،مساهمة في نقد المجتمع المدني،مصدر سبق ذكره ،ص89.
[12] موجز تاريخ الفلسفة،موسكو،دار الفكر،الطبعة الثالثة،1979،ص305/310.
[13] د.عزمي بشارة، مساهمة في نقد المجتمع المدني،مصدر سبق ذكره،ص99.
[14] المصدر نفسه ، ص102.
[15] موجز تاريخ الفلسفة، مصدر سبق ذكره، ص309.
[16] جورج طرابيشي-جريدة الحياة- 10/9/2000- ص17 .
[17] المصدر نفسه ، ص377 .
[18] عزمي بشارة،مساهمة في نقد المجتمع المدني ،مصدر سبق ذكره،ص ص113،114-116 .
[19] سلوى السيد-مجلة الطليعة-العدد 40-دمشق-آذار 2001-ص18
[20] سلوى السيد-المصدر السابق-ص20 .
Ä يقابلهم في بلادنا دعاة اللبرالية وحقوق الإنسان في إطار المنظمات غير الحكومية .
[21] د.صادق جلال العظم-دفاعا عن المادية والتاريخ-دار الفكر الجديد-بيروت-1990-ص131 .
[22] المصدر السابق -ص133/134 .
[23] المصدر السابق - ص134 .
* وهنا تتجلى بوضوح مقولة أن المجتمع المدني هو وليد المجتمع البرجوازي ، وهو أيضا أحد شكليه الأساسيين في إطار ثنائية :الدولة-المجتمع المدني ، وليس له أي وجود سابق على التشكيلة الرأسمالية كما يزعم البعض من مثقفينا .
[24] المصدر السابق - ص137/138 .
[25] د.إبراهيم زغير -مجلة الطليعة-العدد 40-دمشق-آذار 2001-ص .
[26] سلوى السيد-مصدر سبق ذكره-ص22 .
[27] المصدر السابق - ص23 .
[28] د.نايف سلوم -مجلة النهج- عدد62- دمشق- ربيع 2001- ص246 .
[29] د.نايف سلوم-المصدر السابق-ص247 .
[30] د.عزمي بشارة -مساهمة في نقد المجتمع المدني- مصدر سبق ذكره- ص147 .
[31] المصدر السابق - ص248 .
[32] سلوى السيد -مجلة الطليعة-مصدر سبق ذكره-ص
[33] يسري مصطفى-من المجتمع المدني الى المفهوم الاجتماعي-اليسار-عدد 93-نوفمبر 1997-ص60 .
[34] المصدر السابق - ص62 .
[35] إبراهيم زغير-مصدر سبق ذكره- ص38 .
[36] إبراهيم فتحي- الماركسية وأزمة المنهج- دار الحضارة الجديدة - بيروت- 1992-ص45 .
[37] المصدر السابق- ص46 .
[38] سامر الأيوبي -مجلة الطليعة- العدد 40- دمشق- ص67 .
[39] يسري مصطفى - مجلة اليسار- القاهرة- عدد فبراير 1996 -ص67/71 .
[40] يسري مصطفى - مجلة اليسار- عدد سبتمبر 1996 -ص55 .
[41] د.عزمي بشارة- مصدر سبق ذكره- ص168 .
[42] المصدر السابق - ص168/169 .
[43] د.رمزي زكي- الليبرالية المستبدة- دار سينا للنشر -القاهرة- 1993 - ص79.
[44] نعوم تشومسكي -الليبرالية الجديدة والنظام العولمي - دار التنوير - رام الله - 2000 - ص12 .
[45] د.رمزي زكي - الليبرالية المستبدة - دار سينا للنشر - القاهرة- 1993 - ص79 .
[46] سامر الأيوبي - مصدر سبق ذكره- ص68 .
[47] كارل ماركس-رأس المال –الجزء الأول –ترجمة محمد عيتاني-مكتبة المعارف-بيروت –1975 –ص7 .
[48] جاد الجباعي –التبعية و إشكالية التأخر التاريخي- كتاب جدل – العدد الثالث-مؤسسة عيبال-قبرص-1992 –ص145 .
[49] د. محمود عبد الفضيل –التشكيلات الاجتماعية والطبقية في الوطن العربي- مركز دراسات الوحدة- بيروت-1988 - ص99 .
* المعروف أن "مصطلح البرجوازية" هو مصطلح له دلالة اجتماعية-سياسية-ثقافية ، إذ أن كلمة برجوازية -كما يقول د.محمود عبد الفضيل- تفيد معنى "التمدن" في نمط وأسلوب الحياة والأفكار والنظرة ، (محمود عبد الفضيل -مصدر سبق ذكره- ص144) فعلى سبيل المثال: إن مفهوم "البرجوازية" أو البرجوازي لا ينطوي في بلادنا عموما على ذات المعنى الذي ينطوي عليه ضمن سياق أوروبي ، إذ يستخدم هذا المصطلح في سياق الكتابات العربية حول الأوضاع والعلاقات الطبقية ، ليعني طبقة تتطلع الى القيام بالدور نفسه الذي قامت به نظيرتها الأوروبية ولكن دون أن يكون لديها نفس القدر من السلطات الاقتصادية والنظرة الاجتماعية .
[50] مهدي عامل –النظرية في الممارسة السياسية-دار الفارابي-الطبعة الثالثة-بيروت-1990-ص356 .
[51] د. حليم بركات –المجتمع العربي في القرن العشرين –مركز دراسات الوحدة العربية –بيروت-تموز 2000-ص19 .
[52] د.حليم بركات –المصدر السابق- ص24 .
[53] د.هشام شرابي-البنية البطريركية-سلسلة السياسة والمجتمع-دار الطليعة-بيروت-1987-ص30.
[54] د.محمود عبد الفضيل –مصدر سبق ذكره- ص137/138 .
[55] المصدر السابق – ص140 .
[56] د. حليم بركات – مصدر سبق ذكره- ص327 .
[57] د.حليم بركات-المصدر السابق-ص .
[58] د. فؤاد مرسي –البورجوازية الصغيرة .. الوضع الطبقي .. و الموقف الفكري- الطليعة-القاهرة-يوليو 1969 –ص10 .
[59] د. رمزي زكي –وداعاً للطبقة الوسطى-دار المستقبل العربي-القاهرة-1997 –ص84/85 .
[60] د. فؤاد مرسي –مصدر سابق – ص16 .
[61] المفارقة أن معظم هذه المنظمات في فلسطين والوطن العربي ، لم تقم بعقد أية مؤتمرات داخلية لانتخاب هيئاتها ومجالس إداراتها بصورة ديمقراطية منذ تأسيسها الى اليوم ، رغم تداولها الكمي الواسع لموضوع الديمقراطية والتعددية السياسية في كافة المحافل ووسائل الإعلام ؟!
[62] د.طاهر لبيب-جرامشي وقضايا المجتمع المدني-مركز البحوث العربية-القاهرة-1991-ص164
[63] د.عزمي بشارة- مصدر سبق ذكره- ص169/170 .
PAGE # " صفحة: #
"   [س1]
PAGE # " صفحة: #
"   [س2]غازي الصوراني – محاضرات أولية في تاريخ الفلسفة – منتدى الفكر الديمقراطي – غزة – أيار 1999 – ص 47 / 48 .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- طهران: بيان الجامعة العربية حول القدس ضعيف للغاية
- برلين تدعم مبادرة تأسيس -الولايات المتحدة الأوروبية-
- موسكو والدوحة تناقشان توسيع التعاون العسكري
- لافروف يعلق على -صفقة القرن-
- أنقرة تستضيف اجتماع قادة عسكريين من الناتو والعراق
- نصر الله يدعو لانتفاضة تنهي إسرائيل
- واشنطن تدعو الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى ضبط النفس
- بوتين في جلسة شاي مع الأسد وشويغو في حميميم
- ما هي أبرز القرارات الأممية بشأن القدس؟
- القدس، حشو التاريخ المختلف عليه في جغرافيا متفق عليها


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - غازي الصوراني - التطور التاريخي لمفهوم المجتمع المدني والأزمة الاجتماعية في بلدان الوطن العربي وآفاق المستقبل - الجزء الثاني