أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2007 شباط : مستلزمات بناء مجتمع مدني علماني ديمقراطي في العراق - سعد محمد رحيم - النخب العراقية ومعضلة تأصيل الهوية الوطنية















المزيد.....

النخب العراقية ومعضلة تأصيل الهوية الوطنية


سعد محمد رحيم
الحوار المتمدن-العدد: 1841 - 2007 / 3 / 1 - 12:15
المحور: الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2007 شباط : مستلزمات بناء مجتمع مدني علماني ديمقراطي في العراق
    


كانت النخبتان ( السياسية والثقافية ) ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة تبدوان وكأنهما بلا تراث متماسك ساند.. النخبة السياسية، وبعد انهيار مؤسسات الدولة العثمانية لم ترث قيماً وتقاليد واستراتيجيات ومؤسسات يمكن أن تعينها في ممارساتها فلجأت إلى ما في الغرب من قيم وتقاليد واستراتيجيات ومؤسسات حديثة،. وكذلك الأمر مع النخب الثقافية التي كان عليها مواجهة راهنها بتبني أفكار وقيم وأشكال ووسائل ثقافية جديدة اقتضت منها إجراء زحزحة كبرى في المفاهيم والتصورات وآليات التفكير، وفي الرؤية والإنتاج الثقافي، وفي التعامل مع تراثها الفكري. وفي الحالتين كانت ثمة نجاحات وإخفاقات وتشوهات لا حصر لها.
إن تباين مرجعيات المثقفين والسياسيين العراقيين، والمصدر الخارجي لهذه المرجعيات ـ فقد كانوا في مدار مركز النهضة العربية وأقصد به مصرـ انعكس على وضعهم فبدوا كما لو أنهم يقفون على أرضية من الرمال المتحركة.. أتحدث هنا عن هشاشة تكوينهم. وقد بقي المثقف والسياسي العراقي مستهلكاً سلبياً، لمدة طويلة، للأفكار التي راحت تهب عليه من كل صوب " الماركسية والنظرية القومية والليبرالية والوجودية، وغيرها، ولم يبلور رؤية نقدية فاحصة لتلك الأفكار إلا في القليل النادر.
إلى جانب ذلك نجد أن صدمة الاستعمار والكفاح من أجل الاستقلال والسعي نحو التحديث ثلاثة عوامل شكلت الوعي والمزاج العام للنخب العراقية سواء كانت سياسية أو ثقافية.. النخب التي اختارت وراهنت على البعد الوطني الصميم في التفكير والتنظير وانقسمت إلى نمطين نديين؛ النمط الأول المتأثر أو المتبني للماركسية، وهؤلاء رؤوا في البعد الوطني جزءاً من بعد أكبر، هو البعد الأممي. والنمط الثاني المتبني لفكرة القومية العربية وهؤلاء جعلوا البعد الوطني مطية لهمِّهم القومي، وبالتالي كان الانفعال بما جرى في المحيط العربي والعالمي يعيق، في الغالب، المصلحة الوطنية. وأظن أن أحد الأسباب الهامة في تلكؤ تأصيل الهوية الوطنية العراقية كان هذا. ومن هنا أنتجت النخبتان السياسية والثقافية، كلاهما، بلاغة مفككة مضللة لم تعبّر عن مشروع وطني حقيقي.. بلاغة كانت متأخرة عن ذلك المشروع بخطوات، أو متقدمة عليه بخطوات.. لم تكن المعضلة كامنة في النوايا والرغبات والآمال بل في المعرفة.. في تحسس حركة الواقع ومتطلباته.. في فهم روح العصر.. في الاستجابة لتحديات الحاضر والمستقبل.. في الإجابة الحادة والقاطعة عن السؤال؛ من نحن، وماذا نريد حقاً؟. السؤال الواضح البسيط والحاسم الذي فشلنا في الإجابة عليه بما يضمن تحقيق وتكريس وطنيتنا العراقية. فلم تُنضج، لا النخب السياسية ولا النخب الثقافية لغة سياسية ذات أفق وطني وحضاري يمكن أن تغير من وعي الشارع السياسي ويحوِّل المجتمع نفسياً وروحياً وفكرياً، ويحقق التنمية، لا على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل بتفجير القدرات الخلاقة للإنسان.
إن الارتداد إلى الانتماءات الفرعية "العشائرية والطائفية والمذهبية والمناطقية هو نتيجة إخفاق طرح المشروع الوطني وتأصيله إلى جانب فشل الدولة الوطنية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والنهوض الحضاري إذ تؤدي لا فاعلية هذه الدولة بحسب برهان غليون إلى "تسارع بحث الجماعات المختلفة عن تنظيم نفسها خارج الدولة، ومد شبكات التبادل والتواصل الثقافي والمادي بعيداً عنها، في ما وراء حدودها، وبموازاتها. وهو الأمر الذي يفسر النزوع القائم إلى انحلال النسيج الاجتماعي".
ليس المقصود بالوطنية العراقية، قطعاً، تكريس إيديولوجية شوفينية مشربة برؤية ميتافيزيقية باعثها عاطفي محض، وإنما العمل في ضمن مشروع تنموي يرسخ أسس الدولة العراقية الحديثة في ضوء الحاجات الحقيقية للمجتمع العراقي في الحاضر والمستقبل، ومن خلال إتاحة فرص متكافئة لمشاركة أفراد المجتمع كله في إعداده وتنفيذه وتطويره.
لم تتبلور فكرة المشروع الوطني الديمقراطي وتنضج، كما تطلبتها المصالح العليا للبلاد، لتغدو هاجساً مجتمعياً تزيح مفهوم الهوية المتمحور حول العشيرة أو المذهب أو المنطقة لصالح هوية وطنية ذات محتوى اجتماعي وتنموي تقدمي، تنقل المجتمع ومكوناته حضارياً. كما لم ترتق الأحزاب التي تكونت، بتوجهاتها كافة، إلى مستوى هذا المشروع، ليس على صعيد شعاراتها التي كانت رنانة دوماً، وإنما في مضامين خطاباتها السياسية، وآليات عملها وفعلها في الواقع. وعلى الرغم من التضحيات الجسيمة، والمواقف البطولية التي لا تضاهى لأشخاص وأحزاب وتيارات بقيت مسيرة المجتمع العراقي وقواه السياسية ملتبسة، ساهمت الشوفينيات والفاشيات الداخلية، ناهيك عن التأثيرات الخارجية بموجهاتها الاستراتيجية القوية في تأكيد هذا الالتباس.
تأخر العراق عن أقرانه البلدان العربية في التأثر بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي حصلت في الغرب، ولم يجر فيه تيار النهضة إلا بعد عقود من جريانه في مصر، في سبيل المثال. ولعل موقعه الجغرافي كان عاملاً مساهماً في هذا ـ قربه من مركز الخلافة العثمانية، وبعده عن أوربا، إلى جانب كونه ثلاث ولايات تابعة للأستانة، مقسمة على وفق المصالح العليا للدولة العثمانية، وأيضا كونــه البقعــة التي شهدت حروبــاً داميــة عديــدة بيــن العدويــن اللدوديــن ( العثمانيون والفرس ) ناهيك عن الغزوات العديدة التي تعرضت لها، وما تركته تلك الحروب والغزوات من خراب مستديم وجرح ثقافي مزمن تمثل في تعزيز القيم العشائرية والطائفية، على حساب تفعيل الهوية الوطنية وإنضاج فكرة الدولة/ الأمة. فالدولة العراقية الحديثة تكونت في ظل الاستعمار الكولونيالي القديم، وترعرعت ونمت في المرحلة التي سميت بــ ( ما بعد الكولونيالية ) واتخذت شكلها وآلياتها مع المناخ العالمي العام إبان حقب الحرب الباردة، وانهارت بعد انتهاء تلك الحرب ودخول العالم عصر العولمة، وكانت إشكالياتها وأمراضها وأخطاؤها متمفصلة مع ما كان يجري في محيط البلاد الإقليمي والعالمي.
* * *
واجهت النخب السياسية العراقية مهمتان رئيستان، الأولى بناء الدولة الجديدة بمؤسساتها وتقاليدها وقواعدها. والثانية؛ تنمية المجتمع بإخراجه من أطره المتخلفة وتمدينه، وتأكيد وترسيخ هويته الوطنية. وساعة دخلت الدبابات الأميركية بغداد، بعد ثمانين سنة أو أكثر تداعت أسس الدولة، دفعة واحدة، كاشفة عن هشاشة مؤسساتها وتقاليدها وقواعدها بعد أن حولتها الديكتاتورية، والممارسات الفاشية إلى ما اسماه أحد المراقبين الغربيين بـ ( الهرم المقلوب ) فيما أشرت الوقائع اختلالات اجتماعية كثيرة أجلاها ديمومة الولاءات الضيقة "الطائفية والعشائرية والفئوية والمناطقية" على حساب الولاء الوطني. فيما كانت اندفاعة أعداد لا يستهان بها من المجتمع لنهب مؤسسات الدولة وإحراقها دالة على عمق العلاقة المخربة بين الاثنين "المجتمع والدولة".
إن مسار العلاقة بين المجتمع العراقي والدولة، والسلطة السياسية عبر قرون طويلة، أي منذ سقوط بغداد على يد هولاكو كان قائماً على سوء التفاهم، وعلى القمع والذل والسيطرة والاستغلال. فقد عاش الإنسان العراقي منذ ذلك الحين في ضياع وجودي مديد، وفي حالة من عطالة حضارية مؤسية بعد أن أسبغت الغزوات المتلاحقة ( أتراك ومغول وفرس وإنكليز ) عبر قرون وقرون على نظرته لذاته والعالم طابعاً قدرياً، حتى بات يعتقد بأن ما يجري له وحوله ليس إلا ما تقتضيه نواميس الإله والطبيعة من دون زيادة أو نقصان.. لم يكن يعرف عن تاريخه القديم إذ تعاقبت حضارات سومر وبابل وآشور شيئاً. وكان ما يعرفه عن تاريخه الوسيط ( الحقبة الزاهرة لحكم العباسيين ) ليس سوى أطياف مثقلة بالأساطير. ولم يكن من مصدر لثقافته سوى ما يردده الفقهاء التقليديون من تعاليم جامدة، وخرافات لا تحرك إرادة حياة، ولا تصنع وعياً حياً بالعالم والمستقبل، ولا تدفع إلى تغيير الحال إلى ما هو أفضل وأكثر كرامة.
في هذا المناخ، وفي الأحوال كلها، كانت العلاقة مختلة، غير عادلة بين المجتمع والدولة. فالسلطات كانت من الأجانب الغزاة الطامعين، وبحسب فرانس فانون في كتابه ( معذبو الأرض )، وهو يتحدث عن البلدان المستعمرة ـ بكسر الميم ـ كان "ما يميز السلطة الحاكمة... هو أولاً وقبل كل شيء، النوع الذي جاء من مكان آخر، النوع الذي لا يشبه السكان الأصليين، نوع الآخرين". هنا كان المجتمع يعيش في ظلام حضاري بغيض حتى إذا تأسست الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 كان الإرث ثقيلاً، وكانت النظرة إلى الحكم ـ أياً كان شكله ـ في اللاشعور الجمعي مغوشة بضباب ذلك الإرث، ولم يكن من السهل إزالة الالتباس في تلك العلاقة، ولا سيما إذا ما عرفنا أن نسبة الأميين في المجتمع كانت هي الغالبة، وهذه الظاهرة إلى جانب ظاهرة الفقر والحرمان الطويل قد خلقتا لا أبالية مريعة عند قطاعات واسعة من المجتمع، وميلاً إلى التنصل من أي ارتباط بقوانين وأنظمة مقيدة، وهو ما أطلق عليه الملك فيصل الأول في أثناء توليه عرش العراق بميل العراقيين إلى الفوضى ومحاربة الحكومة أياً كانت توجهاتها. لكن العامل الحاسم يبقى في أن الدولة الوليدة ذاتها لم تقدم حلولاً سريعة وناجعة لمشاكل متجذرة وعويصة ومتفاقمة خلال العقود الثمانية الأخيرة.
بعد 9/4/2003 طُرح سؤال الهوية الوطنية العراقية بحذر في أول الأمر، وبكثير من القلق، وكما ظهر فإن تجربة الاستبداد الطويلة لم ترسخ مقومات الدولة "الوطنية" ولم تكرس مبدأ المواطنة بقوة، بعدِّه متجاوزاً للانتماءات الضيقة "الطائفية والعشائرية والعرقية والمناطقية" ومن خلال التداعيات التي خلّفها العنف والفوضى عقب الاحتلال بدا وكأن جزءاً لا يستهان به من مجتمعنا راح يغلّب البعد الطائفي أو الديني أو المناطقي أو العشائري أو العرقي من هويته على ما عداه، وغذّت ممارسات بعض النخب السياسية هذا الاتجاه بطرق ملتوية ولغة انفعالية خرقاء، في الوقت الذي لم تستطع فيه النخب الثقافية من معادلة المسألة بفرض خطاب الهوية الوطنية، على الرغم من أن هذه النخب وبامتياز نسبي تمتلك فرصة تحقيق هذه المعادلة. والغريب أن قسماً من النخب الثقافية انقادت ببلاهة إلى الترويج للخطاب الطائفي كاشفة عن ضحالة أفكارها، وحقيقة وعيها القاصر. ويبدو أن العشائرية والطائفية والعرقية والمناطقية لم تتلاش كمكونات في اللاوعي الجمعي حتى عند النخب بشقيها الثقافي والسياسي مع تأسيس الدولة الوطنية وعبر مراحل تحولاتها وانتكاساتها، بل أن تلك المكونات كيفت نفسها بما يتلاءم وطبيعة المتغيرات الحاصلة.. وظل التنظيم السياسي غالباً، ومن ثم شكل الدولة أقرب ما يكون في أذهان شرائح واسعة من نخبنا السياسية، في سبيل المثال، إلى تنظيم العشيرة وشكلها. وقد بقيت النخب السياسية مستندة إلى العشيرة والطائفة والمنطقة كمصدر قوة أساسي في مواجهاتها، بعضها مع بعض، وحتى الانتماء الحزبي كان صيغة معدلة للانتماء العشيري، وكان من الواضح أن مناطق بعينها كانت مغلقة لأحزاب بعينها، وكان الدفاع عن الحزب أو التيار السياسي أشبه ما يكون بسلوكيات النخوة والحمية القبلية. وفي كثير من الأحيان كان ما يفترض أن نسميه وعياً سياسياً ليس سوى عبارة عن لغو وترديدات عمياء لمقولات ومفاهيم جاهزة أثبت الواقع والتجربة عقمها ولا جدواها، ناهيك عن ضررها المدمر.. كان الهتاف للحزب يشبه الهتاف لفريق من فرق دوري كرة القدم إذ ليس هناك من صلة عضوية صميم بين المشجع والفريق، أو في سياقنا بين المنتمي للحزب والحزب.. ليس هناك وعي بالبرنامج السياسي أو الإيديولوجية أو الأهداف..
كانت الوطنية العراقية حداً موضوعياً لم يستطع كثر من هذه النخب تمثله وجعله دالة ومعياراً للعمل الواقعي الجاد والمثمر.. تجاوز القوميون الحد الوطني إلى الأفق القومي العربي، وتجاوز الماركسيون هذا الحد إلى الأفق الأممي، بينما تجاوزه الإسلاميون إلى أفق الأمة الإسلامية، وبدا هذا التجاوز في الحالات الثلاث تلك نوعاً من القفز في الفراغ.. نوعاً من طوباوية فضفاضة غيبت البعد الواقعي الوحيد الذي هو فكرة الوطن والوطنية، وأزاحت الأرضية التي لولاها لن يكون ثمة سوى التخبط والدخول في المتاهات.
إن خروج أعداد مخيفة ـ لم تشكل النسبة الغالبة بالتأكيد ـ من أفراد المجتمع إلى الشارع مع سقوط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس لنهب وحرق مؤسسات الدولة إشارة لتفكك العلاقة بين الفرد وبين تلكم المؤسسات من ناحية، واهتزاز فكرة الدولة نفسها في وعي الفرد من ناحية ثانية. وأولئك الذين ظلوا سلبيين وصامتين ، وأحياناً متشفين كانوا يفصحون عن الهشاشة نفسها، وضبابية الرؤية نفسها. لا في الوقوع على تحديد الفرق بين السلطة/ الحكومة والدولة فحسب، بل في ضعف إدراك حجم الخراب اللاحق بالوطن ومستقبله.
نرى عراقياً ( وعربياً أيضاً ) كيف يفشل الساسة في صنع تحديث حقيقي ينتقل على إثره المجتمع نوعياً وتنضج عبره دولة القانون والمؤسسات وينمو الاقتصاد بوتائر ملموسة. كما يفشل المثقفون في بلورة خطاب حداثة، ذات أفق وطني، يفكك أسس المنظومات القيمية المعيقة لعمليات التحديث.. ما نراه في النهاية ليس سوى تحديث مشوه وحداثة مبتذلة، في الغالب. وفي هذا الخضم تتلاحق الأزمات وتعم الفوضى وتضيع الاتجاهات. "القديم يحتضر، والجديد لا يستطيع أن يولد بعد، وفي هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية كثيرة، وعظيمة في تنوعها" على حد تعبير أنطونيو غرامشي.
إن ازدهاراً ثقافياً وتقاليد سياسية متحضرة بحاجة إلى مجتمع مدني "قيماً وسلوكاً ومؤسسات" بعدِّه شرطاً لقيام أية دولة حديثة، وهذا ما لم يتوافر للنخب السياسية والثقافية العراقية وكان عليها الحث والعمل من أجل تحقيق مثل هذا المجتمع المدني، لكن هذا لم يحصل، مع الأسف، إلا بشكل مرتبك ومشوه. فلم يتخلص جزء كبير من هذه النخب من تأثيرات ثقافته البيئية الأولى المتخلفة. فلم تستطع الأحزاب ذات الطابع العلماني المديني، ولا سيما القومية منها، التأثير عميقاً في المنتمين لها، من المتحدرين من أصول ريفية وبدوية، أولئك الذين حملوا قيمهم وتقاليدهم ليطعِّموها داخل تنظيمات هذه الأحزاب التي يظهر أنها كانت من الضعف والرخاوة بحيث استسلمت في النهاية وعدلت كثيراً من سياساتها وبرامجها بما تتوافق وتلكم القيم. وإذا ما عرفنا أن كثراً من أفراد هذه الفئة يتصفون بنزعة عسكرية، فقد انتموا إلى الجيش. وحين تتضافر قيم الريف مع القيم العسكرية فإنها ستصنع كوابح عملية أمام أي توجه ديمقراطي، وستشيع روح الاستحواذ والاستبداد حتى في الحياة الداخلية للأحزاب.. إن أسوأ ما في الأمر هو أن هذا أفضي في النهاية ومهد للفاشية، وللممارسات الشوفينية.
انحدر قسم كبير من النخب العراقية من الريف حاملين معهم في لا وعيهم قيمهم العشائرية والطائفية، كما لم تكن المدينة البرجوازية الحديثة قد وجدت بتقاليدها ومؤسساتها. لذا لم تكن فكرة الوطن والوطنية واضحة أو ناضجة في أذهانهم، وها نحن بعد قرابة القرن من دخول العصر الحديث ( افتراضاً ) نتساءل عن ماهية هويتنا الوطنية؟!.
واليوم، في مخاض عسير تحاول النخب السياسية القديمة منها والجديدة ـ فجزء كبير منها يختلف في تكوينه ومرجعياته عن النخب السابقة ـ مع محاولات جذب وشد، وضع أسس دولة جديدة، في ظل احتلال عسكري أيضاً.. وهذه المرة أميركا ـ قائدة مسيرة العولمة ـ هي الدولة المحتلة، وهي لا شك لها إستراتيجيتها، وأجندتها الخاصة حيث ستسعى لجعل العراق، ومعها دول المنطقة، مكوِّناً متساوقاً مع مصالح رأس المال العالمي في مرحلة نموه الخطيرة هذه، أي مع الضرورات التي تقتضيها العولمة. فإلى أي مدى يمكننا أن نتكلم، ونشير، الآن، إلى مقدمات خاطئة ستؤول إلى إخفاق آخر، وإلى أي مدى تساهم النخب ( الجديدة والقديمة ) في إعادة إنتاج الخطيئة القديمة نفسها؟. أم أن سيرورة التحولات العالمية والإقليمية تتيح لنا فرصة أفضل لبناء وطن متحضر متمدن، وتأصيل هوية وطنية بأسس ومضامين واقعية، علمية، علمانية، قوية وخلاقة؟..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- عن الربيع والموسيقى والقراءة
- السياسة التي خربت نصف أعمارنا!!
- ( بورخس: مساء عادي في بوينس آيرس )
- كوميديا عراقية سوداء
- مغامرة الكتابة الروائية
- الحلم العراقي
- لماذا علينا نقد المثقف؟
- تكيف الرواية: مقتضيات عصر ما بعد الحداثة
- المثقف بين الممنوع والممتنع
- صنّاع السعادة.. صنّاع التعاسة
- في بلاد حرة: نيبول ورواية ما بعد الكولونيالية
- الجمال في حياتنا
- لعنة حلقة الفقر
- الرواية وعصر المعلوماتية
- قصة قصيرة؛ أولاد المدينة
- السياسة موضوعةً في الرواية
- إنشاء المفاهيم
- من يقرأ الآن؟
- مروية عنوانها: إدوارد سعيد
- ثقافتنا: رهانات مغامرتها الخاصة


المزيد.....




- ظريف يرد على هايلي: بلادك متورطة بجرائم حرب في اليمن
- قادة الاتحاد الأوروبي يفشلون في تجاوز خلافاتهم بشأن الهجرة و ...
- قادة الاتحاد الأوروبي يفشلون في تجاوز خلافاتهم بشأن الهجرة و ...
- الأناضول: اعتقال شرطي سابق لتورطه في اغتيال السفير كارلوف
- خلافات حادة بين دول أوروبا حول تقاسم اللاجئين
- العفو الدولية: مواطنو الخليج يدفعون ثمن الأزمة
- الأمم المتحدة تلقي باللوم على دمشق -لإضاعة فرصة ذهبية- في مف ...
- الأمم المتحدة: لا أدلة تثبت أن الصاروخين المطلقين على السعود ...
- تنفيذ حكم الاعدام بحق 38 مدانا بالإرهاب في العراق
- العفو الدولية: حصار قطر يضرّ بالأسر منذ ستة أشهر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الحوار المتمدن - الكتاب الشهري 2007 شباط : مستلزمات بناء مجتمع مدني علماني ديمقراطي في العراق - سعد محمد رحيم - النخب العراقية ومعضلة تأصيل الهوية الوطنية