أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - كاظم المقدادي - الكشف عن تأثيرات اليورانيوم الناضب مهمة إنسانية آنية ملحة !















المزيد.....



الكشف عن تأثيرات اليورانيوم الناضب مهمة إنسانية آنية ملحة !


كاظم المقدادي
(Al-muqdadi Kadhim )


الحوار المتمدن-العدد: 400 - 2003 / 2 / 17 - 03:50
المحور: الطب , والعلوم
    



استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وجربتا لأول مرة في حرب الخليج الثانية، عام 1991، أسلحة وأعتدة حربية حديثة محرمة دولياً، باعتبارها من أسلحة الدمار الشامل لاحتوائها على مادة اليورانيوم الناضب أو المستنفد Depleted Uranium المُشعة والسامة. ففتكت هذه الأسلحة بالآلاف من العسكريين والمدنيين، وأحدثت كارثة إنسانية وبيئية رهيبة، تكشفت آثارها منذ الأشهر الأولى بعد الحرب، ومايزال يتكشف المزيد منها، وإن لم تتحدد بعد أبعاد تأثيرها بالكامل.

رغم مضي عشر سنوات على كارثة الحرب، فإنها لم تحظ بالاهتمام المطلوب. فلم يتم حتى الآن كشف النقاب كلياً عن النتائج المباشرة وغير المباشرة لاستخدام ذخيرة اليورانيوم، وأبعاد التلوث الناجم عنها. وثمة من يزعم بين المسؤولين في المنطقة بأن "بلاده خالية من التلوث تماماً"، ويواصل تكتمه على حقيقة ما حصل بالضد من مصلحة شعبه وصحته وحياته ومستقبل مصير أجياله. ولم تنجز حتى يومنا هذا، دراسة نتائج الكارثة إلى نحو جدي ومتكامل، ولم تتخذ الإجراءات اللازمة للحد منها، الأمر الذي يعزز الانطباع بان ثمة تجاهلاً وإهمالاً متعمدين، حيال ما يتعرض له المواطنون، على الرغم من هول الكارثة وتحذيرات العديد من العلماء والمختصين المدعومة بنتائج أولية لدراسات ميدانية علمية هامة تؤكد عدم اقتصار الأضرار على صحة وحياة الجيل الحالي، وإنما ستنتقل آثارها المباشرة وغير المباشرة، الى الأجيال القادمة.

لقد أكد العديد من العلماء والخبراء المعنيين بان هذا النوع من اليورانيوم هو من النفايات النووية الناتجة عن عملية تخصيب اليورانيوم، وهو مشع وسام كيمياوياً، حيث يولِّد عند انفجار ذخيرته، التي تتميز بفاعلية اختراقية هائلة، منتوجاً بالغ السمية والإشعاع يتوزع على شكل غيمة إشعاعية الى مسافة عشرات الكيلومترات(1). وتفيد التقارير العلمية والعسكرية أن معضلة استخدام ذخيرة اليورانيوم المنضب أو المستنفد تكمن في استمرار آثارها لملايين السنين، حيث تشكل آثار التلوث الناجمة عن اختلاط اليورانيوم بالتربة كارثة بيئية، بعضها آني، والآخر مؤجل. فعدا الأثر الموضعي، السمي والإشعاعي لليورانيوم المنضب الذي يحصل عند انفجار ذخيرته، فان جزيئاته تنتشر عن طريق الريح والمياه الجوفية لتغطي مساحات شاسعة تتجاوز الرقعة الجغرافية لأرض المعركة.


التلوث بإشعاع ذخيرة اليورانيوم وسمومها في المنطقة
بعد ثمانية أعوام من بداية حرب الخليج الثانية اضطرت وزارة الدفاع الأمريكية إلى الكشف عن خارطة مفصلة للمناطق التي تعرضت للهجوم بالقذائف المضادة للدروع المطعمة باليورانيوم الناضب التي أطلقتها الدبابات والطائرات الأمريكية(2)، وتصل منطقة انتشار اليورانيوم الناضب في هذه الخارطة التي نشرتها Christian Science Monitor - الى حدود كل من العراق والكويت مع السعودية ولا تتعداها. وهي تمتد من مناطق جنوب البصرة باتجاه حقول الرميلة النفطية وصولاً الى حدود السعودية، ثم تمتد غرباً من موقع خرنج، الذي يقع الى الشمال بعيداً عن حفر الباطن السعودية. ولا تشمل الخريطة جنوب الناصرية وغرب البصرة وغرب الكويت رغم استخدام قوات الحلفاء لقذائف اليورانيوم الناضب فيها(3). وقد انتقد خبراء المركز القومي لموارد حرب الخليج (وهو مركز يضم مجموعات من المحاربين القدماء في واشنطن) واضعي الخارطة، لكونهم لم يُضّمنوا فيها مواقع فرق مدرعة أمريكية أخرى ومواقع إطلاق قذائف اليورانيوم من قبل القوات البريطانية. وكان المركز قد أعلن في عام 1998 أن نحو 400 ألف محارب تعرضوا لإشعاعات اليورانيوم. واعترف الناطق باسم مكتب "أعراض حرب الخليج" في البنتاغون الأمريكي بأن الخارطة، التي صدرت أساساً لعرضها أمام لجنة حكومية خاصة، ليست كاملة، وأنها لا تقدم لوحة مفصلة عن مواقع انتشار اليورانيوم الناضب(4).

وبينما كان العسكريون الأمريكيون يتفاخرون، طيلة الفترة المنصرمة، بـ"الحرب النظيفة" التي شنوها ضد العراق، مدعين بأنها لم تعرض المدنيين للأخطار(5)، قد فندت مزاعمهم العديد من البحوث والدراسات العلمية والطبية والعسكرية، وعشرات التقارير الصحفية الميدانية، التي لم تكشف فقط عن الدمار والخسائر البشرية الجسيمة التي سببتها الحرب، بل أعطت مؤشرات واضحة لما خلفته من أضرار بيئية وصحية خطيرة.

ومع أن العمليات الحربية كانت عموماً في منطقة البادية الواقعة بين العراق والكويت والسعودية، وهي مناطق قليلة السكان نسبياً، إلا أن التقارير تؤكد بان جزيئات اليورانيوم قد وجدت طريقها الى مدن وبلدات وقرى ومزارع تبعد عنها عشرات الكيلومترات، وهي متراكمة بكميات كبيرة وما انفكت تفعل فعلها المدمر. وفي بادئ الأمر، قدرت المصادر العسكرية الأمريكية أن قواتها خلفت نحو 40 طناً من اليورانيوم المشع والسام في مناطق شاسعة من الكويت والعراق، لكنها عقب تشكيك العلماء والعسكريين المختصين بهذه الكمية، رفعت الرقم الى 300 طن، وهو رقم أكده الباحث اولبرايت(6) والبرفسور الدكتور أساف ديوراكوفيتش(7)، بينما قدرت كل من منظمة السلام الأخضر Greenpeace(8)، ومركز التوثيق الهولندي Stichting LAKA(9) بان الكمية لا تقل عن 700-800 طناً. وأكد سكوت بيترسون بان مساحة الحرب، التي جرت عليها العمليات القتالية، قد غطيت برمتها بالمواد المشعة والسامة"(10). ونبه ديوراكوفيتش - وهو طبيب وخبير بالطب النووي الى أن الكميات الكبيرة من اليورانيوم الناضب، التي تُركت في العراق، سيكون لها حتماً انعكاسات بيئية على ارض العراق. وبفعل حركه الرياح ونعومة غبار الصحراء، فإن آثاره ستنتقل إلى مئات الأميال، لتشمل الكويت والسعودية وقطر، علماً أن الباحث اعتمد رقم 300 طناً في تقديراته لكمية اليورانيوم الناضب المستخدمة(11).

وأثبتت الدراسات التي أجريت بعد انتهاء الحرب في المناطق التي تعرضت لاستخدام الذخيرة المذكورة، "أن نسبة النشاط الإشعاعي بلغت 270 ميلليرااد في الساعة، أي ما يزيد عن 30 ضعفاً لأقصى ما يمكن أن يتعرض إليه العاملون في الصناعة النووية"(12)، وهو ما حول مناطق شاسعة، وعلى بعد عشرات، بل ومئات الكيلومترات، الى بيئة ملوثة ونشيطة إشعاعياً، نتيجة للأسلحة المحطمة، والألغام، والذخيرة الأخرى، المتفجرة وغير المتفجرة، والملوثات الكيمياوية، والركام النشيط إشعاعياً، المتناثرة في الصحراء العراقية وبالقرب من الحدود السعودية والكويتية(13). وماتزال الأنقاض الملوثة بالإشعاع، المتراكمة في الصحراء وحول البصرة باقية وكان الأطفال الأبرياء يلعبون على مقربة منها وقاموا بتفكيك بقايا أجزائها(14و15). وأشارت تقارير إلى أن التلوث طال مناطق جنوب العراق والكويت والسعودية والصحراء العربية بآثار ذخيرة اليورانيوم الناضب الضارة(16). حيال هذا الواقع نبّه علماء وخبراء أجانب إلى تعرض التربة والمياه وجميع المواد الغذائية للتلوث. فقالت مؤسسة Stichting LAKA: "إن النوع الجديد من الموت البطيء، الذي نقلته اكثر الحروب تسميماً في التأريخ، يشمل ما يقدر بـ 800 طن من غبار اليورانيوم الناضب المستمر في الهبوب عبر شبه الجزيرة العربية لعقود عدة في المستقبل، تكفي لجعل هذه العملية معروفة جيداً في السجلات الطبية"(17).

وكانت هيئة الطاقة الذرية البريطانية UKAEA قد حذرت وزارة الدفاع البريطانية من مغبة استخدام ذخيرة اليورانيوم الناضب في حرب الخليج، منبهة، بشكل خاص، الى تأثر الأطفال بالإشعاع، تأثراً قوياً، عبر الغبار السام الذي ستطلقه، والذي سيسبب لهم السرطان، مهدداً لحياة من يلعبون بالقرب من العجلات المحترقة فحسب، بل وأولئك الذين ينظرون إليها أيضاً(18). أكد ذلك العالم البريطاني مايكل كلارك - الخبير بأبحاث الطاقة الإشعاعية والإشعاع النووي- بقوله: "كنا قد حذرنا الحكومة البريطانية من خطورة وفعالية اليورانيوم كمادة مشعة، إذ يؤدي استنشاقها إلى تأثير بالغ على الرئتين بسبب إشعاعات تلك المادة. ووجدنا في النهاية بان لليورانيوم تأثير كيماوي اكثر من إشعاعي. فاستنشاق كمية كافية من غبار اليورانيوم يحدث إصابات كيمياوية بالغة للكليتين"(19). وعلى إثر تصاعد شكاوى العسكريين المشاركين بالحرب من أعراض غامضة، سميت "متلازمة حرب الخليج" اعترفت الوكالة النووية للدفاع Defense Nuclear Agency التابعة للبنتاغون، قائلة: "علينا الاستعداد لمواجهة مشكلة قوية"(20)..

رغم كل ذلك، لم يقم أحد من المسؤولين بتنبيه سكان تلك المناطق، ولا تحذير الفلاحين من الزراعة. وكانت الأبقار والأغنام ترعى في تلك المناطق الملوثة. وتناول آلاف المواطنين المنتجات الغذائية لتلك المناطق(21)، و"صدام حسين غير مهتم بالضحايا، لاسيما سكان الجنوب... كما أن الحلفاء لا يؤدون واجب العناية بحياة السكان"(22). الكل تجاهل المخاطر الناجمة عن استخدام الذخيرة الفتاكة، ولم يدرك عواقبها، بينما كان الغرباء والأجانب أكثر قلقاً وحرصاً من رب البيت. فقد كشف نيك كوهين النقاب عن التقرير السري، الذي وضعته UKAEA، والذي يشير إلى "وجود ما يكفي من اليورانيوم الناضب في الكويت وجنوبي العراق ليسبب ما يحتمل أن يهلك نصف مليون نسمة"(23). ووجهت صحيفة "نيويورك تايمز" في عام 1992، تحذيراً بهذا الشأن، حيث كتب اريك هوسكينس - المتخصص بالشؤون العلمية - يقول: "إن بقايا قذائف اليورانيوم الأمريكية ما تزال تفتك بأرواح الأطفال العراقيين"(24). وكان البرفسور الدكتور سيغفرت - هورست غونتر، وهو عالم وطبيب أطفال، أول من نبه علانية، الى جدية مخاطر مخلفات اليورانيوم الناضب على سكان المنطقة، ولا سيما في السعودية، والكويت، إضافة إلى العراق(25)..

وحصل فعلاً ما نبّه إليه العلماء وحذروا من مخاطره. فوصفت عالمة الفيزياء الأسترالية هيلين كولديكوت حرب الخليج الثانية بالمجزرة(26و27)، وقال ماك - ارثور: "لقد عنيت السلطات الأمريكية عناية شديدة بإخفاء حجم المجزرة"(28)، حيث أكدت تقارير عسكرية أن الألوف من الجنود العراقيين لقوا مصرعهم مباشرة بتلك القذائف، أو نتيجة التعرض لها. وقدرت مصادر أن تلك الذخائر سببت، في الأشهر الثمانية الأولى من عام 1991، موت زهاء 50 ألف طفل عراقي، نتيجة إصابتهم بأمراض مختلفة، نجمت عنها، ومنها: السرطان وعجز الكلية، وأمراض داخلية أخرى، لم تكن معروفة سابقاً(29)، ونجم عنها زيادة كبيرة في الإصابات السرطانية المختلفة نتيجة لتلوث مساحات شاسعة من جنوب العراق بإشعاعات اليورانيوم الناضب، ويؤشر خط حدوثها تصاعداً، لاسيما بين العسكريين، خصوصاً في مجال إصابات الغدد الليمفاوية وسرطان الدم(30). ونشرت صحيفة "الانديبندنت"، في عام 1999، سلسلة مقالات حول الأدلة المتزايدة على الصلة بين تفشي مرض السرطان في العراق واستخدام قذائف اليورانيوم الناضب، بالاستناد إلى تقارير أعدها علماء، مما زاد من القناعة "لا يمكن للمرء إلا أن يستنتج بان التلوث باليورانيوم الناضب طاول السكان والبيئة في العراق وأجزاء من الكويت"(31).

واصبح من المؤكد بأن "سنوات طويلة سوف تمر قبل أن تتضح أبعاد ما أصاب البيئة في الكويت ومنطقة الخليج العربي من أضرار"(32)، لاسيما وان العلماء والمختصين يتوقعون مصيبة أعظم، مؤكدين بان "التلوث الإشعاعي الناتج عن ذخيرة اليورانيوم المستنفد قادر على البقاء في الأراضي التي يلوثها لفترة تقدر بـ 4 ملايين سنة"(33). ولعل ما قاله الباحث الدكتور جون دانكر، وهو طبيب واحد ابرز الباحثين البيئيين في برنامج الأمم المتحدة لمكافحة التلوث، ويدير جمعية لمساعدة ضحايا التلوث في العالم، من أن متوسط الأعمار سيكون الأكثر تأثراً بانتشار التلوث في هذه المنطقة من الناحية الديموغرافية(34)، ينطوي على دلالة بالغة، خصوصاً وان الإصابات السرطانية والتشوهات الولادية والوفيات الناجمة عن التلوث باليورانيوم المذكور قد طالت، لحد الآن، مئات الآلاف من السكان.


دعوات حريصة بحاجة للتعضيد
إدراكاً منه لحجم المخاطر البيئية والصحية والحياتية، الراهنة والمستقبلية، وأبعادها الكارثية، وبالاستناد إلى بحوث ودراسات ميدانية عديدة أجراها في العراق، أوصلته الى نتائج خطيرة، وجه العالم وطبيب الأطفال غونتر نداءات حارة وملحة، لإجراء دراسات واسعة ومكثفة في العراق، للوقوف على حجم الأضرار الرهيبة التي سببها استخدام ذخيرة اليورانيوم على السكان المدنيين، وخاصة الأطفال(35).

وبعد توفر الكثرة الكاثرة من البراهين والقرائن عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بآلاف المواطنين العراقيين، أعرب العالمان في ميدان دراسة آثار اليورانيوم الناضب: هاري شارما – الأستاذ في الكيمياء ودونغ روككَ - الباحث في الهندسة البيئية والفيزياء النووية، في أواخر عام 1999، أمام "لجنة الدفاع" التابعة للبرلمان البريطاني، عن أملهما بتوفير رعاية طبية لجميع الأشخاص الذين تعرضوا لتأثير اليورانيوم الناضب، وطالبا بضرورة تنقية الوسط المحيط من كل آثاره. وتوجها بذات الوقت بنداء لحظر استخدام قذائف اليورانيوم الناضب(36).

وفي مطلع العام الجاري دعا السير تاونسند - السياسي البريطاني ومدير مجلس تحسين التفاهم العربي - البريطاني (CAABU)، الحكومة البريطانية الى أن تعلن فوراً أنها ستجري تحقيقاً شاملاً وجدياً في التأثيرات الناجمة عن استخدام اليورانيوم الناضب، وربما بالتعاون مع بلدان أخرى كالولايات المتحدة، وان تجري، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، تحقيقاً دقيقاً في أية صلات محتملة بين تفشي مرض السرطان في منطقة الخليج واستخدام اليورانيوم الناضب من قبل القوات البريطانية، مؤكداً بان من شأن خطوة كهذه أن تعطي للسياسة الخارجية البريطانية البعد الأخلاقي الذي وعدت به الحكومة، مشيراً إلى العديد من المصادر التي كشفت عن الصلة بين انتشار الأمراض السرطانية واستخدام ذخيرة اليورانيوم الناضب(37). وأبدى تاونسند استغرابه من أن وزيرة "التنمية العالمية" في الحكومة البريطانية السيدة كلير شورت غير ملمة، لحد الآن، بتأثيرات استخدام الأسلحة التي تحتوي على اليورانيوم الناضب. واعترفت الوزيرة، في رسالة له، قائلة: "نحن في الواقع لا نجري أي أبحاث في التأثيرات الصحية للقذائف التي زودت رؤوسها باليورانيوم الناضب، ولا علم لنا بمثل هذه الأبحاث".

ومع أن السير تاونسند لم يدن استخدام هذه الذخيرة من قبل القوات العسكرية الأميركية والبريطانية، التي "تشكل جريمة بحق البيئة البشرية والطبيعية، تستحق الإدانة الواسعة باعتبارها مواد محرمة دولياً"(38)، لكن دعوته الحريصة الى الكشف عن تأثيرات استخدام هذه الذخيرة في منطقتنا، تستحق الثناء والتقدير! فقد جاءت داعمة لمطالبة العالمين شارما وهوككَ وغيرهما.

وعقب زيارة ميدانية للعراق، في نيسان 2000، دعا الكاهن الفرنسي جان ماري بنجامين، إلى تنظيم مؤتمر دولي، وإرسال بعثات علمية الى العراق، لدراسة آثار ذخائر اليورانيوم الناضب، معلناً بأنه شاهد في المستشفيات العراقية أعداداً كبيرة من الأطفال المولودين بتشوهات خلقية ومصابين بسرطان الدم(39).

وفي حرم جامعة جنيف، وأمام مقر الأمم المتحدة هناك، طالبت منظمات غير حكومية، أثناء انعقاد الدورة السنوية للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، بدراسة آثار استعمال اليورانيوم المنضب على مستقبل الشعب العراقي، محذرة من أن نسله يواجه تشوهات في الجينات الوراثية، مستعينة بتأكيدات أطباء وعلماء وخبراء أجانب في هذا المضمار(40).

وكان سكوت بيترسون قد أشار الى: "أن تدهور الوضع الصحي في العراق دفع بمنظمة الصحة العالمية للعمل على النظر في موضوع دراسة ومسح عمليات تأثير اليورانيوم الناضب على العراق، وتنتظر المنظمة مصادقة الحكومة العراقية قبل الشروع بالدراسة"(41)، بينما زعمت الحكومة العراقية، على لسان وزير صحتها د. اوميد مدحت أن المنظمة المذكورة "لم تستجب لطلبها بتقديم المساعدة في الحصول على الأجهزة اللازمة لفحص المرضى والإشعاعات"(42)..


مهمة إنسانية كبيرة
منذ خمس سنوات ونحن نلفت الانتباه الى خطورة الوضع القائم، صحياً وبيئياً، الناجم عن استخدام ذخيرة اليورانيوم في منطقتنا، وحذرنا من عواقب التباطؤ في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة الكارثة. وتساءلنا، اكثر من مرة لمصلحة من التكتم والسكوت على جريمة ذخيرة اليورانيوم. ودعونا حكومات المنطقة، والمختصين المعنيين فيها، الى الاهتمام الجدي، والمبادرة العاجلة لدراسة أضرار تلك الذخيرة في المنطقة، والى اتخاذ التدابير الفعالة المطلوبة للحد منها، بمساعدة منظمة الصحة العالمية، ومراكز الأبحاث المعنية، الدولية والإقليمية والوطنية. ونبهنا الى انه ليس من مصلحة الشعوب العربية الصمت والتكتم على الكارثة أكثر وأن مهمة الكشف عن تأثيرات استخدام تلك ذخيرة في المنطقة العربية قد تأخر إنجازها كثيراً. وكنا نتوخى إثارة النقاش حول الكارثة وأبعادها، وكي يلتفت المعنيون الرسميون، أصحاب القرار السياسي في المنطقة، للمخاطر المحدقة، الراهنة والمستقبلية، ويعجلوا بتلافي ما حصل من تقاعس وتقصير، على أمل أن تنطلق مبادرة جادة وعاجلة للنهوض بهذه المهمة الوطنية والقومية والإنسانية الملحة.. إلا أن الموقف الرسمي لم يتغير. سوى أن صحيفة "الوطن" الكويتية حركت الموضوع أخيراً، وان كويتيا مختصاً بالعلاج الإشعاعي والأورام، شاطرنا الرأي على صفحاتها، مؤكداً بان "التقارير حول هذا الموضوع كثيرة، سواء من داخل العراق، أو من المنظمات الدولية، وحتى الآن لم تتحرك الكويت بصورة جدية لدراسة هذا الموضوع، بل أن المسؤولين في الكويت، ولاسيما في وزارة الصحة، يميلون الى نفي الخطر، والى طمأنة المواطنين، وكأنهم بذلك سوف يبعدون الخطر الكامن في الصحراء، والذي تصفه التقارير ببذور السرطان المنتشرة هناك"(43). ودعا إلى دراسة المعضلة جدياً. وقال: على المسؤولين أن ينتبهوا للحقيقة، التي عليهم مواجهتها عاجلاً أم آجلا.

إن مهمة الكشف عن تأثيرات استخدام ذخيرة اليورانيوم المستنفد في المنطقة العربية، ومعالجتها، بقدر ما هي مهمة وطنية ملحة، إلا انه لا يمكن لبلد واحد، مهما امتلك من إمكانيات، ولا حتى للوكالة الدولية لمكافحة السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية، ولا غيرها، إنجازها لوحدها. كما ضاعف التأخر في معالجتها طيلة عقد كامل من تعقيد إنجاز المهمة. لذا فان كل يوم يمر يزيد من التعقيدات، ويفاقم التلوث وما ينجم عنه، ويصعبَّ على الأطباء معالجة المصابين. وإذا ما بوشر بالمهمة فان العمل سيجري في مواقع ملوثة، تلوثاً إشعاعياً وسمياً واسعاً وخطيراً. وهذا بحد ذاته يخلق مشاكل وصعوبات وعراقيل جمة إضافية أمام إنجاز المهمة، وبخاصة أمام القائمين بها. فاستناداً إلى دانييل فاهي (المسؤول حالياً عن الأبحاث في المركز الوطني الأمريكي لمعلومات حرب الخليج، والذي أجرى دراسة مكثفة على اليورانيوم المستنفد، أكدت أن التعرض للتلوث الإشعاعي الناتج عن اليورانيوم المستنفد يشكل خطراً على الجنود، وعلى السكان المدنيين، ما لم يكونوا متدربين، ومجهزين بالملابس الواقية) فان "تنظيف المنطقة من اليورانيوم المستنفد ستكون صعبة جداً ومكلفة، حيث يجب تغليف جميع العربات العسكرية الملوثة بغلاف واقي من القماش الثقيل Tarpaulin، ثم تؤخذ الى أماكن خاصة لتخليصها من التلوث. بالإضافة إلى ذلك يجب إزالة الطبقة السطحية من التربة الملوثة بعمق قدم، حيث توضع في حاويات ليتم التخلص منها بشكل مناسب. وهذا يشمل القذائف التي أضاعت أهدافها، حيث يجب الكشف عنها والتخلص منها بشكل مناسب"(44). وفي هذا المضمار أشارت تقارير الى أن نحو 90 من القنابل التي تساقطت أثناء الحرب أخطأت أهدافها. وقال خبير عسكري أمريكي: "يقدر أن ما لا يقل عن 600 قنبلة وصاروخ وقذيفة مدفعية أُسقطت أو أُطلقت يومياً أثناء حرب الخليج ولم تنفجر، وتشكل خطراً مستمراً في مكان ما في منطقة القتال السابقة"(45). وإدراكاً للمخاطر، دعا البرفسور روككَ الى وجوب تخليص المناطق التي استخدمت فيها ذخائر اليورانيوم المستنفد، ومهما كانت كميتها، من التلوث، وكذلك من جميع القذائف الملوثة، وإلا سيبقى التلوث الى الأبد، محذراً من أن عدم تزويد العاملين في هذه العملية بالتجهيزات الوقائية الكافية والتدريب المناسب، سيعرضهم لمشاكل صحية خطيرة وكل هذا يشكل عقبات كبيرة إضافية، سواء من حيث ضرورة توفير المستلزمات الخاصة المطلوبة، والتي من دونها لا يمكن العمل إطلاقاً لكونه مجازفة خطيرة على حياة العاملين، أو، ارتباطا بالمشكلة الأخيرة، عند توفير المساهمين بإزالة التلوث ومسبباته في مثل هذه الظروف، خصوصاً من قبل الخبراء والمختصين الأجانب. ومما يثبط الهمم، ولا يشجع على المساهمة الجدية في هذه المهمة، بقاء بواعث القناعات المشروعة لدى الكثيرين، أجانبَ وعرباً، بان الحكام العرب المعنيين غير مكترثين لما حصل، وغير متحمسين لإنجاز المهمة، ولن يتحركوا من دون تلقي "التوجيهات" من "الحماة" الأمريكيين والبريطانيين. ولابد من مطالبة الحكومتين الأمريكية والبريطانية بان تقوم وزارتا دفاعهما بتقديم الخرائط الكاملة والمفصلة عن مواقع استخدام ذخيرة اليورانيوم، ومناطق التلوث بها والعمل على إرغام الحكومتين على تحمل القسط الأكبر من الأموال المطلوبة، لتوفير الأجهزة والمعدات والكوادر العلمية والفنية، وغيرها من الأمور اللازمة لتنفيذ مهمة الكشف عن أضرار السلاح الذي استخدمته قواتهما، وكذلك لمعالجة المتضررين، وإصلاح ما لحق بالبيئية من خراب ودمار شاملين..

بعد هذا نتساءل: أما آن الأوان، بعد عقد كامل، لأن تعي الأوساط الرسمية المعنية في المنطقة العربية خطورة المعضلة القائمة، لاسيما وهي على علم بان النتائج الأولية التي تكشفت خلال السنوات المنصرمة، تؤشر، بما لا يقبل الشك، إلى كارثة بيئية وبشرية مروعة، لم يشهد تاريخ المنطقة مثيلاً لها.





الهوامش

(1) راجع، على سبيل المثال كتاب: Metal Of Dishonor, International Action Center, New York, 1997. Depleted Uranium,

(2) "نضال الشعب"، إشعاعات اليورانيوم الناضب تطارد الجنود الأمريكيين، العدد 666، في 11/3/199.

(3) سكوت بيترسون، مزاعم متضادة حول دور اليورانيوم الناضب في تدهور الوضع الصحي في العراق والكويت، "الشرق الأوسط"، العدد 7465، في 7/5/1999.

(4) "نضال الشعب" - مصدر سابق.

(5) "دير شبيغل"، أشعة في الصحراء، في 23/3/1998، ترجمة: مرتضى الشيخ حسين، "العراق الحر"، العدد 100.

(6) David Allbright, “The Desert Clows with Propaganda", Bulletin of The Atomic Scientists, May 1993, pp 11-12.

(7) برنامج حول حرب الخليج الثانية، الجزء الثاني، بثته قناة "الجزيرة" الفضائية مساء 12/11/1998.

(8) Metro ,Stocholm, “Allierades atomsopor strålningshot mot Irak”, 6 Desember 1999.

(9) Fact sheet 2, Stichting LAKA, Ketelhuisplen 43, 1054 RD Amsterdam, Netherlands.

(10) سكوت بيترسون، مزاعم متضادة – مصدر سابق.

(11) "قناة الجزيرة"، برنامج حول حرب الخليج - مصدر سابق.

(12) هيثم الزبيدي، اليورانيوم الناضب: في الخليج، نعم، في أوربا..؟، "العرب"، في 30/4/1999.

(13) جيف سيمونز، التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998.

(14) Eric Hoskins, Depleted Uranium Shells Make the Desert Glow. In book: Metal of Dishonor, IAC, NY, 1997.

(15) "دير شبيغل"، أشعة في الصحراء - مصدر سابق.

(16) "الشرق الأوسط"، تحذيرات دولية من مواقع سقوط قذائف اليورانيوم الناضب في البلقان، العدد 7627، في 16/10/1999.

(17) مصدر سابق Fact Sheet 2, Stichting LAKA, Ketelhuisplein 43, 1054 RD Amsterdam,Netherlands.

(18) Felicity Arbuthnot, "Allies”, Shells Leave Deadly Radiation, Scotland on Sunday, 18 March 1991.

(19) كفاية اولير، استنشاق دقائق اليورانيوم الناضب..، "الشرق الأوسط"، العدد 7655، في 13/11/1999.

(20) "دير شبيغل"، أشعة في الصحراء - مصدر سابق.

(21) جيف سيمونز، التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة - مصدر سابق.

(22) "دير شبيغل"، أشعة في الصحراء - مصدر سابق.

(23) Nick Cohen, "Radioactive Waste Left in Gulf by Allies", The Independent on Sunday, London, 10 Nov.1991.

(24) "دير شبيغل"، أشعة في الصحراء - مصدر سابق.

(25) Siegwart - Horst Guenther, "Haw Du Shell Residues Poison Iraq, Kuwait, and Saudi Arabia" in book, Metal of Dishonor, International Action Center, New York, 1997.

(26) Metal of Dishonor, Depleted Uranium, The Pentagons Secret Weapon, IAC, New York, 1999.

(27) عزام مكي، "معدن الخسة، استعمال اليورانيوم المستنفد في حرب الخليج، "الثقافة الجديدة"، العدد 288، أيار - حزيران 1999.

(28) John R. Mac Arthur, Second Front: Censorship and Propaganda in the Gulf War, New York, Hill and Wong, 1992.

(29) جيف سيمونز، التنكيل بالعراق - مصدر سابق.

(30) - د. نافع عزيز العاني، في تصريح لصحيفة، العراق، في 4/12/1998.

(31) السير سيريل تاونسند، مرض السرطان في الخليج، "الحياة"، العدد 13450، في 6/1/2000.

(32) زكريا عبد الجواد، البيئة دفعت ثمناً باهظاً، "العربي"، العدد 463، حزيران/ يونيو 1997.

(33) عزام مكي، حرب بدون نهاية أو مخلفات الحرب، "رسالة العراق"، العدد 60، كانون الأول/ ديسمبر 1999.

(34) داليا شريف، تقرير للأمم المتحدة.. انخفاض مروّع في متوسط الأعمار بين العراقيين، "بغداد"، العدد 363، في 13/1/1998.

(35) راجع مثلاً: Siegwart - Horst Guenther, "Haw Du Shell Residues Poison Iraq, Kuwait, and Saudi Arabia” - مصدر سابق

(36) "الشرق الأوسط"، آثار قذائف اليورانيوم الناضب تسبب أمراض السرطان، العدد 7691، في 19/12/1999.

(37) السير سيريل تاونسند، مرض السرطان في الخليج، "الحياة"، العدد 13450، في 6/1/2000.

(38) د. علي حنوش، ملف "تلوث البيئة في العراق"، "المؤتمر"، العدد 174.

(39) "الزمان"، كاهن فرنسي: الحظر حوّل العراق إلى معسكر اعتقال، العدد 596، في 13/4/2000.

(40) امتياز دياب، القرارات الصادرة عن لجنة حقوق الإنسان نتيجة للسياسات الدولية.. "الحياة"، العدد 13571، في 8/5/2000.

(41) سكوت بيترسون، مزاعم متضادة حول دور اليورانيوم الناضب - مصدر سابق.

(42) "الشرق الأوسط"، وزير الصحة العراقي: المندوبان الأميركي والبريطاني في لجنة العقوبات يعرقلان، عدد يوم 12/2/2000.

(43) د. خالد احمد الصالح، الخطر الإشعاعي القادم، "الوطن" الكويتية، في 22/10/2000.

(44) Mojo Wire, J.J.Richardson اليورانيوم المستنفد: التهديد غير المرئي، ترجمة: "رسالة العراق"، العدد 62،شباط/ فبراير 2000.

(45) The Washington Post, March 3, 1991.

مجلة "الثقافة الجديدة"،العدد 296،أيلول-تشرين الاول 2000




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,821,509,240





- العربي للطفولة يطلق حملة توعية لمواجهة تفشي كورونا
- الصحة الإيرانية: تسجيل 63 وفاة و2516 إصابة جديدة بكورونا خلا ...
- عمان.. حصيلة الإصابات اليومية بكورونا تقفز إلى أكثر من ألف
- مكياج عيون على طريقة هيفاء وهبي بالصور
- فيروس كورونا: آخر المستجدات لحظة بلحظة
- اميركا... الطب الشرعي يفجر مفاجأة بشأن مقتل جورج فلويد
- المتحدث باسم وزارة الصحة الايرانية: ارتفاع حصيلة وفيات فيروس ...
- فيروس كورونا: لماذا جعلت جائحة مرض كوفيد-19 الفئران أكثر عدو ...
- فيروس كورونا: آخر المستجدات لحظة بلحظة
- وفيات كوفيد-19 في البرازيل من بين الأعلى في العالم والإصابات ...


المزيد.....

- موسوعة الكون / كارل ساغان
- مدخل الى نظرية التعقيد و التفكير المنظومي Introduction To Co ... / فياض محمد شريف
- الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية / جواد بشارة
- نشوء علم الذكاء البصري / محمد عبد الكريم يوسف
- مادّتان كيميائيّتان تتحكّمان في حياة الإنسان / بهجت عباس
- أشياء يجب أن تعرفها عن الفيزياء الكمية / محمد عبد الكريم يوسف
- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - كاظم المقدادي - الكشف عن تأثيرات اليورانيوم الناضب مهمة إنسانية آنية ملحة !