أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - نادر قريط - الصورة وإعدام الكلمات














المزيد.....

الصورة وإعدام الكلمات


نادر قريط

الحوار المتمدن-العدد: 1794 - 2007 / 1 / 13 - 10:15
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


عذرا لأبي تمام وسيفه الذي كان أصدق أنباء من الكتب!! فالمسكين لم يعش ليرى الكاميرا والتلفزيون والموبايل وما تحدثه الصورة من وهم يكاد ينتصر على الحقيقة نفسها!!
في سبتمبر 2000 كان محمد جمال الدرة خارجا مع أبيه في شارع صلاح الدين بين نتساريم وغزة..وفي مشهد حيّ نقلته وكالة الأنباء الفرنسية التقطت الكاميرا
بمحض الصدفة مشهد إعدام هذا الطفل الفلسطيني،على يد جنود اسرائيليين .. إذاك كانت الفضائيات العربية ما تزال طفلا يحبو، فأخذت تعيد تلك الصورة بعبثية وانفعال، مما أحدث دويا هائلا هزّ قبور الموتى...بعد أقل من عام وقف العالم مذهولا ليرى انهيار برجيّ التجارة في منهاتن..وفي لغط الأحداث وبلبلتها نسيّ الجميع صورة الدرة، مع أنها كانت مفتاحا لكل الأبواب السريّة!! أقول ذلك ليس تبسيطا أواستخفافا بلعبة الأمم بل لقناعة وافرة ..فالصورة كانت ذات قوة بلاغية أسطورية، لخصت وحشية الرصاص الذي مزّق الطفولة..صورة الأب الذي أسند ظهره لمكعب اسمنتي والذي رفع يده طالبا نجدة القدر..لكن الرصاص هوى فانتفض جسد الصغير وترنح في حضن والده الذي هزّ رأسه بإيماءات تشبه الهذيان والجنون..إنها صورة تكاد تسحق الضمير وتمزقه لكونها تحولت من مأساة فردية إلى قدر وهستيريا جماعية وبركان للثأر والإنتقام، حينها قال كلينتون: أحسست وكأني أعرف والد الصبيّ.. ..لحظات خارقة أصبحنا فيها الأم والأب والأخ، نقتات من الصورة بمخيلتنا لتستقر في ذواتنا وهما جمعيا ورغبة عارمة بالقصاص..في ذلك الوقت تمنيّت لو أحصى أحد علماء السوسيولوجيا، عدد الألوف في العالم العربي، التي كانت مستعدة لثورة العدم والإنتقام...في تلك اللحظة أيضا تخيّلت بن لادن ورهطه من الإنتحاريين الدينيين وهم يبكون الدرة في قندهار، آملين أن يذيقوا أمريكا راعية أوسلو والمباركة جرائم اسرائيل، من نفس الكأس ..في تلك اللحظة من 30سبتمبر 2000م سقطت أبراج نيويورك بقوة المخيّلة، كما سقطت أسوار أريحا بأبواق كهنة يوشع!!
ماأردت قوله أن للصورة قوة، تأبد الحدث في الذاكرة وتؤسطره بآن معا..فمئات الأطفال قتلوا قبل وبعد الدرة، لكنهم لم يملكوا نفس الحظ أو تلك اللحظة القدرية المعبرة، فاستحقوا أن يغيبوا عن المشهد دون أن نعرف أسماءهم..لكن الصورة تملك أيضا القدرة على تحفيز المخيّلة وإخصابها بعدد لاحصر له من الصور ..خذوا مثلا صورة صدام حسين الذي أقتيد من ملثمين بدا وكأنهم من فرق الموت والمثاقب، التي تديرها أيدي خفية في حكومة الميلشيات الطائفية ..هذه الصورة وما رافقها من أصوات ذكرتنا أننا لانعيش في دولة حداثية تستعد لحكم القانون والشرعية، وعض الجراح، ونسيان الماضي، بل في مغارة مليئة بالعظام وجماجم الموتى، وشهوة القتل، مغارة تحكمها وجوه صفراء تقتات على تاريخ الثأر من سقيفة بني ساعدة إلى يومنا الحالي .. لكن المشهد ما كان ليكون مؤثرا بهذه الدرجة، لولا صدام نفسه الذي استطاع بما وهبته الطبيعة من ملامح شخصية وكاراكتر وأعصاب فولاذية ومعطف ولحية بيضاء أثقلت المشهد بالرمزية، وساعدته على تجاوز تلك اللحظات ليبدو قديسا مسيحيا يقاد في ساحات روما طعاما للأسود الجائعة..لابل أن زخم اللحظة أنسى العرب أنهم أمام صدام الذي رضع الحليب من فوهة مسدس، ليشاهدوا مشهد اسرائيل التي تقوم بإعدام السيدة فيروز بسبب أغنية زهرة المدائن !! إنها لحظة نادرة استجمع فيها الرجل كل طاقته وخبرته الطويلة أمام الكاميرا والحياة، ليحوّل المشهد إلى لعنة على شانقيه وإلى موت يحسده عليه الكثيرين، ويغفر له خطيئة الحفرة الوضيعة واللحيّة الشعثة، ويبرئه من الفظائع التي سجلها حكمه الدامي..إنه ببساطة رجل موهوب أستطاع أن يربح ورقة لوتو الموت ليخلد طويلا في الذاكرة..ربحها بسبب الغباء التاريخي للآخرين، الذين يجهلون لعبة الحياة بسبب إدامنهم على لعبة اللطم التاريخية!! التي عبر عنها الربيعي، وهو يبرر الرقص حول جثة القتيل، باعتباره جزءا من التراث العراقي .. ألم يذكرنا المشهد بوحشية تيمورلنكية تعودت حمل رؤوس القتلى على أسنّة الرماح، والرقص حولهم في فرح همجي وهستيري؟ أجل..لقد انتصر صدام على موته، لأن المخرج القابع الكواليس ساعده في ذلك!! لقد أراد لنا هذه الصورة دون غيرها، على أمل أن يزداد الحريق الطائفي سعيرا، وأن يمضي مسلسل التنظيف والتهجير، ليصبح تقسيم العراق ضرورة لامفر منها...إنها ببساطة صورة إعدام عبقرية..لكن السؤال الجوهري: هل نجح المخرج في عرضه أم أساء التقدير؟..سؤال ستجيب عنه قادمات الأيام





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,682,896,361
- المطأطئون وذهب رغد
- رسالة إلى حسن نصرالله..إعدام صدام مصيدة
- وداعا صدام!!
- هرطقات أبو سفيان 2
- هرطقات أبو سفيان
- أسئلة في لوح بابلي؟


المزيد.....




- قصر البارون يعود للحياة بعد سنوات من الإهمال..ومصر تعلن موعد ...
- في مشهد حالم بالسعودية.. الضباب يعانق برج الساعة في مكة
- فرنسا: بدء محاكمة مراد فارس المشتبه به في تجنيد جهاديين ناطق ...
- طرفا النزاع في ليبيا يتبادلان التهم بخرق الهدنة في طرابلس بع ...
- فلكي أردني: إطلاق اسم نهر الزرقاء على واد في المريخ
- القضاء الألماني يبدأ محاكمة مترجم للجيش متهم بالتجسس لصالح إ ...
- اكثر من خمس سنوات على بدء النزاع الدامي في اليمن
- بدء اجتماع أمني برئاسة عون إثر أحداث العنف في لبنان
- بومبيو يبحث مع السيسي -الوفاة المأساوية- للأميركي مصطفى قاسم ...
- دعوة لتحقيق دولي بعد مقتل العشرات بهجوم على معسكر مأرب


المزيد.....

- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكرأوالمقولة التي تأدلجت لتصير ... / محمد الحنفي
- عالم داعش خفايا واسرار / ياسر جاسم قاسم
- افغانستان الحقيقة و المستقبل / عبدالستار طويلة
- تقديرات أولية لخسائر بحزاني وبعشيقة على يد الدواعش / صباح كنجي
- الأستاذ / مُضر آل أحميّد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - نادر قريط - الصورة وإعدام الكلمات