أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مصطفى بريش اسملال - -مفهوم النسق المخزني: السيرورة والتجليات-















المزيد.....


-مفهوم النسق المخزني: السيرورة والتجليات-


مصطفى بريش اسملال
الحوار المتمدن-العدد: 1735 - 2006 / 11 / 15 - 12:06
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تم تناول النسق المخزني في العديد من الدراسات التاريخية والسوسيولوجية من طرف باحثين مغاربة وأجانب ومن جنسيات مختلفة حاولوا مقاربة هذا الموضوع الشائك والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها سواء على المستوى المعرفي أو على المستوى التاريخي بتمفصلاته وتمظهراته العديدة في الأنساق الثقافية والسياسية والاجتماعية المغربية، من خلال الارتكاز على مجموعة من الضوابط المنهجية والنظريات المعرفية في تناول هذا المفهوم، مما يؤكد أن المقاربة الأحادية المعتمدة على علم دون آخر تبقى محكوما عليها بالفشل، إذا لم يتم استحضار المقاربة الشمولية المتوزعة على العلوم الإنسانية من أنثروبولوجيا وسوسيولوجيا وتاريخ... فالطبيعة البنيوية للموضوع واستمرارية هذا النسق في المعمار السياسي المغربي – وإن بأشكال أخرى أخذت بعين الاعتبار مقومات العصر- وتشكيله للمخيال الجمالي بواسطة أسسه ومرتكزاته الرمزية تعبر بشكل واضح عن أهمية دراسة هذا النسق للتعبير بشكل أوضح عن هموم ومشاكل وحلول الفترة الراهنة بكل التباساتها محاولة إيضاح ونفض الغبار عن مجموعة من البنى التي أصبحت ثوابت مع مرور السنوات باعتبار أن تاريخ البشر يشبه إلى حد كبير تاريخ الكرة الأرضية من حيث إنتاج طبقات جيولوجية متراصة، لكن تاريخ البشر يتحرك بشكل أسرع من تاريخ الأرض لكنه يولد هو الآخر طبقات سميكة تحتاج إلى البحث والحفر والتنقيب.

 تحديدات مفاهيمية:
- في تحديد مفهوم النسق: يستخلص من المعاجم العربية القديمة أن كلمة نسق تفيد ما كان على طريقة نظام واحد، ونسقه نظمه على السواء. وتفيد ضم الأشياء بعضها إلى بعض.
وغالبا ما يفسر النسق بالنظام، لكن النظام لا يفسر دائما بالنسق، مما يدل على أن النسق أعم من النظام، أما التعريف البنيوي للنسق فهو: "مجموعة من العناصر المتقابلة فيما بينها".
بالإضافة إلى تعريف آخر يقول أن النسق: "وحدة كلية منظمة لعلاقات داخلية بين العناصر التي قد تكون أفعالا أو أفرادا". ويمكن القول أن الأبحاث المتقدمة حاليا في نظرية الأنساق قد حاولت أن تطور المحاولات المختلفة والمتنوعة التي تعاملت مع مفهوم النسق إما بالجمع بين مختلف الأنساق أو بتوسيع المفهوم والتدقيق فيه.
- في تحديد مفهوم المخزن: المخزن مصدر ميمي لفعل خزن بمعنى احترز ومسك المال مثلا في خزانة، وفي المجاز أطلب من خزائن رحمة الله تعالى، وأخزن لسانك وسرك، وبالتالي فهو بداية كان يشير إلى المكان الذي يخزن فيه المال من ضرائب شرعية وضرائب موجهة لبيت المال، رغم ذلك فالمصطلح مازال عائما وفضفاضا وسريع التجدد، نظرا لديناميكية تجديد ذاته وقدرته على التكيف مع مختلف الأوضاع والظروف الطارئة ضمن مؤسسات معقلنة وحداثية. وقد كان الاصطلاح في الأول دالا على التنظيم المالي ثم تطور ليدل على الدولة، وهو ليست له دلالة اقتصادية فحسب بل يستوعب مضمونا دينيا واجتماعيا واقتصاديا... وهذا يعني أن البحث عن نوعية المخزن في الدولة المغربية وخصائصها البنيوية يتطلب اتجاها يجمع بين الاقتصادي والاجتماعي... وفي القرن 19 كانت الوثائق تورد لفظة المخزن مرادفا لاسم السلطان أو أحد ممثليه.

طبيعة وسياق ظهور المخزن وتعدد مناهج مقاربته:
نسجت عدة نظريات حول هذه المؤسسة وهذا النظام الاجتماعي والسياسي كل حسب خلفياته السياسية والإيديولوجية والفكرية، من طرف مؤرخين وسوسيولوجيين وكانت الفترة التاريخية التي تم فيها هذا التناول فترة حرجة اتسمت بالصراع من أجل نيل الاستقلال والخروج من سيطرة المستعمر. هذا الأخير مثله مجموعة من الدارسين مثلوا ما يسمى بالنظرة الكولونيالية استطاعت هذه المدرسة أن تفرض نفسها على المؤرخ الوطني المغربي الذي لم يكن يمتلك الآليات والأدوات التي تجعله يدحض بعض التوجهات المغرضة.
فالفرنسي "كوتييه" في كتابه "ماضي إفريقيا الشمالية، القرون المظلمة" وبمعية المؤرخ "هنري طيراس" قالا بنظرية "المخزن – القبيلة" واستقياها من المؤرخ "ابن خلدون" في مقدمته الذي يربط السلطة السياسية وممارساتها بالمجتمع القبلي، وهذه النظرية تظهر ذلك التناقض الذي يظهر على مستوى العلاقات بين سكان البوادي الرحل والمستقرين مما يؤدي إلى قيام السلطة السياسية أي المخزن، إلى جانب هذه النظرية هناك تصور "روبير مونطاني" في كتابه "البربر والمخزن" الذي كان يرى أن نفوذ الجهاز المخزني ينحصر في ما يسمى ببلاد المخزن بينما يظل قسم كبير منه خارج نفوذه تتصرف فيه قبائل السيبة.
أما الأمريكي "كلينورد كيرتز" فقد هاله أهمية الزوايا بالمغرب وأدوارها الطلائعية فاستخلص ثنائية "المخزن – الزاوية-. إذ يقول أن المخزن المرابطي أو الموحدي انطلق من رباطات دينية أو زوايا تطلعت للسلطة السياسية وأنشأت بنيات إدارية واجتماعية كونت مخزنا.
فيما يشير "عبد الله العروي" في مجمل تاريخه إلى ارتباط ظهور أجهزة المخزن ببذور فكرة الدولة بمفهومها العصري إذ كانت تطلق الكلمة على هيئات إدارية وتراتيب اجتماعية وعلى سلوكات ومراسيم، وأظهر "محمد الحبابي" أن الجهاز المخزني كان يتمتع بجميع مقومات الدولة ويمارس سيادته الكاملة ويستمد تشريعاته من الأمة المغربية التي يمثلها العلماء، ويرى "محمد داوود" أنه: "إن لم تكن للدولة المغربية في القرن الماضي – أي القرن 19- حكومة منظمة... بل كان السلطان هو الكل في الكل".
المخزن وتمظهراته في تاريخ المغرب:
لقد كانت فكرة المخزن الجماعي موجودة لدى سكان شمال إفريقيا منذ القديم وهو ما يعرف بأكادير لكن المفهوم تغير جذريا مع الغزو العربي من مستوى مفهوم أكادير كتعبير عن تنظيم قبلي إلى مفهوم أكادير كتعبير عن توحيد الأمة، ولذلك فرق الأمازيغ في أعرافهم المكتوبة بين اختصاصات أكادير القبلية واختصاصات المخزن فمنعوا بذلك تخزين النقود في أكادير.
1- المخزن في الفترة "الإسلامية" (من الأغالبة حتى الدولة العلوية):
يبدو أن أول من استعمل لفظ المخزن بالمعنى الحكومي هم الأغالبة، إشارة منهم إلى المكان الذي تكدس فيه الأموال المجباة بأمرهم في شمال إفريقيا، ثم لما صارت عرى التبعية بين مركز الخلافة وإيالات شمال إفريقيا إلى الارتخاء والانفصام، فإن مصطلح المخزن ترسخ في المغرب الأقصى وإن كان يجهل كيف حصل ذلك بعد الأغالبة ومتى كان ذلك, هل بفضل الدولة الفاطمية أو على يد المرابطين. والثابت هو أن الكلمة صارت جارية في الكتابات الرسمية على عهد الدولة الموحدية ولما كانت الدول التي توالت على حكم المغرب قامت على التركيبة الاجتماعية والقبلية بالإضافة إلى النسب الشريف، فمن الواضح أن هذا المفهوم نافع من مفهوم بيت المال الإسلامي ونابع أيضا من التراث القبلي الأمازيغي.
ومصطلح المخزن كثيرا ما ورد في أمهات النصوص بصيغة الجمع إشارة إلى مختلف مخازن الدولة التي منها بيوت المال الناس وبيوت المال العين ومخازن السلاح ومخازن الحبوب... والأمثلة أكثر من أن تحصى، فقد ذكرت رسالة موحدية ما وسق من ثياب المخزن، وورد الحديث عن مخزن إشبيلية، وجاء في ثالثة "ما تضمنته الأوامر المطاعة من الاحتياط على المخازن".
إن المصادر ظلت لأمد طويل تميز بين الدولة وبين مخزنها بصفة كون لفظة المخزن مفردا دالا على الجنس، ولكن لا ذكر عند "ابن خلدون" أو "ابن الخطيب" مثلا لهذا المصطلح مرادفا للدولة. ولم يحصل ذلك ولم ينطلق به لسان العامة إلا مع انتشار موجة التعريب واستيطان القبائل العربية للسهول الأطلسية، وكانت هي العمود الفقري من جيوش الدولة منذ الموحدين فكانت هي المستفيدة الأولى من بيت المال أو المخزن المركزي فترتب على ذلك خلط بين مفهوم الدولة ومفهوم المخزن لاختلاط مفهوم الدولة القائمة مع مفهوم وظيفتها الكبرى التي هي جمع أموال الجماعة. وهكذا سرت في الناس عبارات مثل "اللهم اجعل البركة في المخزن"، يقولها كل من يتنازع مع جاره فيدعوه إلى دار المخزن للفصل في الدعوى.
بدأت عبارة " المخزن الشريف" تأتي في المراسلات أو الظهائر وعند المؤرخين مرادفة لعبارة "الدولة الشريفة" مع بداية الدولة العلوية التي صار فيها المخزن دولة قائمة بذاتها عندما استقر أمرها وتكرس بذلك الخلط المطلق بين مفاهيم الدولة والمخزن والحكم السياسي والجهاز المعتمد للقيام بالأعمال.
2- الأسس والمرتكزات التنظيمية لمؤسسة المخزن:
-أ- البنية المركزية: يوجد عليها السلطان المعين بمقتضى البيعة التي تجعل منه صاحب القرار الأول والأخير، فدار المخزن تسير بسيرته لكونه يقبض السلطات الدينية والدنيوية فهو أمير المؤمنين وخليفة الله في الأرض، شخص مقدس وبركته مرجوة وأمره مطاع، ولذلك فهو محاط بمنتهى العناية والرعاية داخل قصره وخارجه بجيش من الخدام ذكورا وإناثا مرتبين ترتيبا دقيقا، وهو القاضي الأعلى في البلاد الساهر على سيادة الشرع الإسلامي، والقائد الأعلى للجيش داخليا لقيادة الحملات ضد القبائل وخارجيا لقيادة الجهاد المتصرف الأعلى في الدولة ومنظم لكل مستويات المجتمع المدني.
وهناك الحاجب الذي يعد أول مسؤول في الدولة بعد السلطان سواء عند الأشراف السعديين أو العلويين، يشرف على القسم الداخلي من "دار المخزن" أي القصر السلطاني في كل ما يهم الحياة الخاصة للسلطان والعائلة السلطانية، وهذه المكانة جعلت منه صلة الوصل بين الخليفة وباقي الوزراء والكتاب ومسؤولي الدولة، وبذلك يحظى بالثقة الكاملة من لدن السلطان ففي القرن 19، كان الحجاب يتمتعون بنفوذ سياسي قوي كالحاجب "باحماد" الذي أضحى الآمر والناهي في الإيالة الشريفة بعد موت المولى الحسن الأول وتولى ابنه عبد العزيز، وتوارث هذه الوظيفة يجعل الحديث ممكنا عن عائلات أو سلالات احتكرتها واستفادت منها طويلا.
قائد المشور وهو موظف يسهر على أمن دار المخزن وبالتحديد القسم الخارجي منه فهو المكلف بالعلاقة بين الحاجب وعموم الزائرين ويمارس مهامه عن طريق المشاورية أو مكاتب الوزراء وكبار المسؤولين هذا إلى جانب طائفة من المسخرين. وفي المشور مجلس السلطان للنظر مع كبار رجال الدولة مدنيين وعسكريين في الشؤون العامة، وفيه يتلقى الوفود التي تفد للتهنئة بالأعياد والسفارات الأجنبية، وفيه يسمع إلى التظلمات ويصدر الأحكام بمساعدة الكتاب.
يأتي بعد ذلك في الترتيب وزراء الحكومة الشريفة الذين يشاركون في تحضير القرارات السلطانية وتبليغ أوامر السلطان للمعنيين بها وكذا السهر على مراقبة تطبيقها من لدن السلطان غير المتمركزة وقد يباشرون بعض الاختصاصات بتفويض من السلطان وتحت مراقبته، والوزراء هم:
- الصدر الأعظم أو الوزير الأعظم: له الحق في التقرير والبث في الأمور السياسية لكونه لم يكن رئيسا للحكومة وكان مكتبه يعرف بـ "البنيقة الكبرى"، ويشرف خاصة على نشاط القضاة ونظار الأحباس ونقباء الأشراف، ومراقبة رجال السلطة المحلية من باشوات وقواد، تحرير الظهائر والمراسيم المولوية...
- وزير البحر: ظهر هذا المنصب في عهد الحسن الأول وانحصرت وظيفته في جمع وفحص شكاوي الجاليات والوفود الأجنبية وكذا الاهتمام بقضايا المحميين القنصليين وتحضير مشاريع الاتفاقيات والمعاهدات مع الدول الأجنبية.
- وزير الشكايات: هو "صاحب المظالم" عند السعديين ويتكلف بتلقي شكاوي الرعايا والقبائل ثم رفعها للسلطان قصد الفصل فيها.
- الغلاف الكبير: لم يكن وزيرا للحرب بل المكلف الأول بتموين الجيش والسرايا والحركات وتجهيزه بالسلاح والعتاد ومنحه الأجور، كما كان يشرف على المصاريف الشهرية لمخازنية البلاد الداخليين.
- أمين الأمناء: ووظيفته تشبه وظيفة وزير المالية الحالي.
-ب- البنيات الجهوية الغير الممركزة: لم يكن النظام المحلي قبل الحماية نظاما موحدا، فسلطة المخزن لم تكن تسري إلا في "بلاد المخزن" حيث القبائل خاضعة خضوعا تاما للمخزن ومن يمثلونه في مجالها، بينما لم تقر القبائل "السائبة" إلا بالسلطة الروحية للسلطان وبالتالي فالامتدادات المحلية للمخزن السلطاني لم تقم له قائمة إلا فوق تراب القبائل الخاضعة.
- خليفة السلطان: يختار عادة من أبناء السلطان أو إخوته... ويعين على رأس الأقاليم المهمة ويعد ممثلا رئيسا للسلطان من الناحية الرمزية والسياسية والإدارية والعسكرية.
- الباشا: كان يعين عادة على رأس مدينة، حتى إبرام عقد الحماية حيث ستطلق السلطات الاستعمارية على بعض قواد القبائل لقب الباشا ويعين من طرف السلطان لأجل المحافظة على النظام العام في المدن عن طريق "المقدمين".
- القائد: يعين على رأس القبيلة التي ينتمي إلى إحدى عائلاتها العريقة ذات النفوذ السياسي فيها، ويقوم القائد بثلاث مهام أساسية: تحصيل الضرائب العادية والقضاء ثم القيام بالحملات العسكرية واستقطاب الجند، ويساعده في مهامه الشيوخ والمخازنية.
- المحتسب: هو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بتفويض من السلطان في أسواق المدن، يسهر على وضع ومراقبة أثمان البضائع وجودتها والموازين وحماية المستهلك، مطبقا أحكام الشريعة وما اتفق عليه العرف والممارسة.
أما "بلاد السيبة" أو "مناطق العرف" فالحكم هنا ذاتي، يتم بواسطة "لجماعت" التي تضم أعيان القبيلة على شكل مجلس يقرر في جميع الميادين، وتعين عضوا منفذا لقراراتها يدعى "أمغار" وقد يحدث إن ساعدت الظروف السياسية أن ينصب السلطان أحد أعضاء الجماعة قائدا على قبيلته، وفي هذه الحالة يمثل القائد الجديد المعين السلطة الروحية – الدينية للسلطان، وليس لسلطته الدنيوية، ويظهر هذا الاستقلال في رفض القبيلة تأدية الضرائب للمخزن، في حين تعترف له بالسلطة الدينية. هذا الاعتراف الذي يخول له لعب دور تحكيمي.
الأسس والمرتكزات الرمزية للمخزن المغربي:
كتب "ليفي ستروس" مقدما أعمال "مارسيل موس": "بأنه من طبيعة المجتمع أن يعبر عن عاداته رمزيا". إن حقل الخيال الرمزي للمجتمع المغربي هو حقل يولد وينتج ويروج الرموز كما تروج السلع، من هنا يكون الإسراع نحو امتلاك واحتكار الرموز الهامة من إحدى الشروط للوصول إلى السلطة، وفي هذا الإطار لن يكون غريبا أن يصبح تراكم الرأسمال الرمزي، والمكون أساسا من الشرف والبركة أحد الوسائل الأكثر نجاعة للوصول إلى السلطة.
ففي دراسة "لعبد الله حمودي" لزاوية "تمغرت" يقول: "هناك ثلاث مؤهلات لتأسيس الزاوية وجود أصل شريف، ثم وجود قبيلة أو قبائل قوية في مناطق بعيدة عن المراكز الحضرية الكبرى، وفي وقت يكون فيه حضور الدولة ضعيفا أو منعدما. وأخيرا وجود صورة للتقوى والعلم".
نتساءل إذن، ألا تنطبق المؤهلات نفسها التي ذكرها "حمودي" على قيام الدولة الشريفة بالمغرب؟ عندما ندرس طبيعة سلطة السلطان ومن ورائه المخزن في القرن 19 نجد أن مسألة المشروعية لا تطرح بإلحاح لأنها مسألة تبدت في جوهرها كظاهرة مشروعة منذ قيام الدولة العلوية، لقد فرضت هذه المشروعية نفسها كمسألة غير منازع فيها على إثر ظروف اقتصادية وسياسية عرفها القرن 16. لقد كونت هذه العوامل الظروف المواتية لازدهار حركات دينية متعددة تتنافس فيما بينها من أجل احتكار السلطة مما خول لنخبة دينية فرصة الاستيلاء على السلطة بمساندة المجموعات القبلية واستطاعت هذه النخبة من أن تحافظ على استمراريتها عبر أربعة قرون (السعديون والعلويون).
1- البيعة: وفق شرح ابن زيدان بيع يجمع بين طرفين تهمهما البيعة والطرف الأول هو السلطان أما الطرف الثاني فهم أهل الحل والعقد، وهي عقد مكتوب بين طرفين بمحضر شاهدين عدليين، يضمن تبادلا بينهما، طرف يعطي السلطة وهم أهل الحل والعقد – لأن سلطة السلطان لا تتم إلا عندما تتم البيعة- وطرف يعطي النفوذ والحماية وهو السلطان، وتكون هذه العملية المرحلة الأولى من البيعة. أما الثانية، فتتجلى في قيام النخبة الحضرية بجمع البيعات الأخرى أي بيعات القبائل وباقي المراكز.
وعلى هذا الأساس فالبيعة منظومة عقدية، تعد إعادة إنتاج لنموذج من الحكم ثبتت أسسه المشروعة عامة منذ قيام الدولة على أساس الشرف، وكلما طرحت مساءلة البيعة إلا واتجهت المساعي إلى توظيف هذه الثروة الرمزية، كما أن المخزن يقول "العروي" "يحث الفقهاء على مباركة الإمام، وباقي الزعامات المحلية على الاعتراف به".
2- الزاوية والمخزن: يقتضي الحصول على صفة الشيخ التوفر على صفات معينة تميز صاحبها عن العامة وأكثر هذه الصفات شيوعا هي الشرف إذ يقول "بيل": "إن الشرف الذي أغرى البربر منذ مغادرة إدريس الأول في القرن 7م أصبح لقب نبل اتخذه معظم رؤساء الزوايا والصوفيين". يكون إذا الأصل الشريف عادة مبدأ الإغراء كضرورة من ضرورات البداية، لكن في غياب الشرف قد يكون العلم ولما لا الهذيان أو غير المألوف، هو الذي يؤهل الشيخ للقيام ببعض الكرامات؟
إن وضع الغرابة يضاهي وضع المقدس، بل إن إحدى وظائف القداسة هي إدماج الغرابة داخل المقدس والقرآن نفسه استوعب هذه الغرابة حسب محمد أركون.
إن ظاهرة الزوايا على الرغم من تحفظات وانتقادات العلماء حول مشروعيتها تشكل عنصر استمرارية للأسس الرمزية التي يقوم عليها المخزن، بحيث ظلت تعمل على ترسيخ تلك الأسس داخل القبائل. ويتجلى ذلك في ارتباط الأصل الشريف بمؤسس الزاوية تعمل هذه الظاهرة على تقريب وترسيخ مبدأ وتصور الشرف في الوعي القبلي، وتجسد بالتالي الحضور الروحي للسلطان كشريف وكصاحب بركة وسط هذه القبائل.
إن الزاوية ليست نقيضا إيديولوجيا للمخزن، بمعنى أن تعاليمها وقيمها لا تتضمن مشروعا مضادا، إلا أنها مع ذلك قد تكون طرفا ينافس المخزن أحيانا في مجال السلطة ذلك ما يفسر كون أن لهذه الأخيرة موقفين من الزوايا: موقف مبدئي يرفض الزاوية باعتبارها مخالفة لتعاليم الإسلام، وموقف عملي في نفس الوقت، يتجلى في تعزيز وجودها بظهائر التوقير والاحترام الذي يضمن لها عدة امتيازات، هذا التدخل يراد منه مراقبة الزاوية من خلال تدخل المخزن في تنظيم تعاقب مناصب المقدمين في شؤونها الداخلية لإضعافها إذا قويت وذلك بإحداث أو تشجيع زوايا أخرى تنافسها في مجالها الترابي أو بإحداث انشقاق داخلها.
3- مؤسسة الجيش: شكل الجيش نواة قوية في المعمار السياسي المخزني، حيث يقول "ميشو بيلير": "تكوين مؤسسة مركزية مستبدة يفرض حضور بنية إدارية وسياسية وعسكرية ذات جدوى في التدبير اليومي وجمع الضرائب"، وبذلك يحدد وظيفته في الدفاع عن النظام وحمايته من وسط اجتماعي معاد. وكذا القيام بالجهاد ضد أعداء الإسلام وخارج فترات الجهاد يقوم الجيش بدور الشرطة.
وتعتبر السياسة العسكرية السعدية باكورة تأسيس الجيش على فكرة "الوحدة الوطنية" وإن كان ذلك سيأخذ وقتا طويلا وذلك لما ستؤول إليه الأوضاع بعد وفاة المنصور سنة 1603، وبعدها الأسرة العلوية في القرن 17 حيث ستشهد البلاد حسب هنري طيراس: "أزمة حادة خلخلت أعماق كيانه"، لكي يتمخض عنها أخيرا ما يمكن تسميته بالمغرب المعاصر، كان فيها للجهاز العسكري الدور الحاسم.
4- المؤسسة الجبائية: "ريش الطير قبل ما يطير" هكذا لخص "فضول غرنيط" سياسة المخزن الجبائية، لقد كان من حق السلطان أن يجبي عددا من الضرائب، إلا أنه نادرا ما كان هذا الحق يقبل من طرف السكان دون معارضة، بل كانت القبائل والزوايا والشرفاء يقومون بتحالفات لرفض ضرائب السلطان أو لمساندة مطالب بالعرض ينافس السلطان في منصبه، لذلك كان الجيش يهتم بتوطيد سيادة السلطان أكثر مما يعبأ لمواجهة الخطر الأجنبي وأصبح العنف المستمر نظاما دائما، تصرف الضرائب لتمويل الجيش والذي يستخدم لسحق القبائل. من هذه الزاوية نظر "ميشو بيلير" للاستغلال الجبائي المخزني كبنية مادية لإعادة إنتاج ذاته وكممارسة/مقياس، تقاس بها طبيعة ونوعية العلاقات الرابطة بين المخزن والقبائل.
خاتمة: من خلال جرد كل هذه الأحداث المتعلقة بالنسق المخزني، فإنه تطرح أسئلة متعلقة من مثل: هل حدثت قطيعة مع آليات المخزن وكيفيات اشتغاله في مغرب ما بعد الحماية؟ أم أنها تغلغلت في الأنساق المتعددة ومغلفة بمؤسسات حداثية أدت إلى ازدواجية البنى والذهنيات؟... أسئلة مقلقة تحتاج إلى دراسات متأنية، ولنا عودة لذلك.

المراجع:
1- عمر آغا: مسألة النقود في تاريخ المغرب في ق19. سوس 1822/1906.
2- المفاهيم تكونها وسيرورتها: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
3- أحمد التوفيق: المجتمع المغربي في ق19، إيتولتان 1850-1912، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط.
4- رحمة بورقية: الدولة والسلطة والمجتمع: دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب.
5- هند عروب: المخزن في الثقافة السياسية المغربية، منشورات وجهة نظر.
6- معلمة المغرب: ج21، مجموعة من الكتاب.
7- 1996عبد الله حمودي: الشيخ والمريد، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر .
طالب باحث في التاريخ المغاربي المقارن جامعة ابن طفيل القنيطرة





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,048,335,957
- مساهمة في نقد القبلية على مستوى السلوك السياسي الأمازيغي


المزيد.....




- الجبير: لا علاقة لولي العهد السعودي بمقتل خاشقجي
- المغرب.. جدل الساعة الجديدة؟!!
- وزير الأمن الإلكتروني في اليابان لم يسبق أن استخدم حاسوبا!! ...
- الجبير: لا علاقة لولي العهد السعودي بمقتل خاشقجي
- الجبير: السعودية لم تكن تريد الحرب في اليمن
- رغم إعلان أردوغان تسليمها للمملكة.. السعودية تطالب تركيا بتس ...
- من -موت إثر شجار- إلى -موت بإبرة مخدرة-.. كيف قُتل خاشقجي؟
- أوغلو يرد على النيابة السعودية: إجراءاتكم غير كافية ويجب محا ...
- الجبير عن خاشقجي: ثمة أسئلة بلا أجوبة وطلبنا من تركيا تقديم ...
- شاهد: نقاش حاد بين ماي وكوربين وصيحات استهجان في البرلمان ال ...


المزيد.....

- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي
- القرامطة والعدالة الاجتماعية / ياسر جاسم قاسم
- مفهوم الهوية وتطورها في الحضارات القديمة / بوناب كمال
- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني
- الحركة القرمطية / كاظم حبيب
- لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغر ... / ادريس أقبوش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مصطفى بريش اسملال - -مفهوم النسق المخزني: السيرورة والتجليات-