أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف مفتوح بمناسبة الذكرى الخامسة لاحداث 11 سبتمبر 2001 - فرانسوا باسيلي - حساب الربح والخسارة: من سقوط البرجين الي سقوط بغداد















المزيد.....

حساب الربح والخسارة: من سقوط البرجين الي سقوط بغداد


فرانسوا باسيلي
الحوار المتمدن-العدد: 1699 - 2006 / 10 / 10 - 10:00
المحور: ملف مفتوح بمناسبة الذكرى الخامسة لاحداث 11 سبتمبر 2001
    


ما هي محصلة حساب الربح والخسارة في الصراع بين الولايات المتحدة والقوي المعادية لمخططاتها في الشرق الاوسط؟ من الرابح ومن الخاسر؟ وماذا وكيف ربح الرابحون.. وماذا وكيف خسر الخاسرون؟
ان القيادات العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والشرائح المحيطة بها الفاعلة والمتفاعلة معها، لا تجيد حساب الربح والخسارة الذي يتطلب فكرا تجريديا موضوعيا صارما وباردا برودة الارقام والمعدلات، وليس انفعالا عاطفيا تلقائيا ملتهبا التهاب الكلمات والعبارات، فالثقافة العربية ما تزال ثقافة كلامية لغوية وليست رقمية حسابية، ثقافتها اللغوية تفرز تقلبات عاطفية وانفعالات مزاجية وشطط تخيلي واندفاعات غريزية، تدفع بها الي الخلط بين الممكن والمستحيل، وبين الواقع والوهم، وبين الارتواء العاطفي اللحظي الذي يشفي غليلا وقتيا في التو واللحظة، والانجاز الاستراتيجي طويل الامد الذي يحقق اهدافا واضحة محسوبة مقدما بحكمة واحكام.
فلو كانت القيادات العربية بمستوياتها المتعددة تجيد حساب الربح والخسارة لما تكررت وتراكمت هزائمها الهائلة علي هذا الكم والكيف المأساويين علي مدي نصف القرن الماضي علي الاقل، منذ نكبة فلسطين والي سقوط بغداد، وهي احدي العواصم العربية الاصيلة ذات البعد التاريخي والزخم الحضاري الكثيف، والتي كانت تمثل احد الاعمدة الاساسية لمشروع بناء حضارة عربية جديدة بهية كانت تلهب خيال الاجيال الصاعدة علي مدي الوطن العربي من المحيط الي الخليج. فالثقافة اللغوية المسيطرة علي القادة والمقودين معا تجعل من الصعب عليهم حساب موازين ما يجري حولهم واستخلاص محصلاته ودروسه بل حتي فهم طبيعته ومنطقه، ولهذا ليس غريبا علي هذه الثقافة ان تختلط عليها الوقائع والاحداث بشكل هائل، وتلتبس الامور والمسببات والنتائج عليها في خلط خطير.
فاذا بأشد المواجهات تهافتا وبؤسا يطلق عليها ام المعارك، وافدح الهزائم تنعت بأعظم الانتصارات، واكبر الكوارث واكثرها خرابا ودمارا توصف بانها اعلي مراتب البطولات والتضحيات. وهكذا تنخرط الثقافة العربية اللغوية بكاملها في اعظم عملية خداع جماعي للنفس في التاريخ، فلا نعرف شعوبا اخري في تاريخ البشر اعتبرت هزائمها بطولة ونصرا، واستمرأت تخدير ذاتها بمعسول الوهم الكاذب الي هذا الحد الفاضح، وكأن النموذج الاعلي للثقافة العربية والنعامة التي تدرأ عنها الاخطار التي تراها قادمة نحوها بدفن رأسها في الرمال، ويستخدم الانسان العربي، قائدا ومقودا ومثقفا ـ ركام الكلمات من ثقافته اللغوية لاهالة اكبر قدر من الرمال علي رأسه وعقله، في اكبر عملية دفن للعقل في الارض عرفتها امة في التاريخ.
الي هذه الثقافة الصوتية اذن يصبح تقديم رؤية مجردة لحساب الربح والخسارة نوعا من المغامرة مشكوكة الجدوي، ومع ذلك فخطورة اللحظة الحاضرة تقتضيها، تلك اللحظة التي ما تزال تتأرجح بين الحدثين المزلزين: سقوط البرجين وسقوط بغداد، فلنحدد اولا طبيعة الصراع واطرافه، ثم نقدم كشف حساب الربح والخسارة لكل طرف.

طبيعة الصراع واطرافه

يذهب الذين يخلطون الدين بالدنيا والانساني بالالهي الي تفسير كل ما يجري حولهم من امور صغيرة وكبيرة تفسيرا دينيا، وهم عاجزون عن غير هذا لانهم ركنوا الي التفكير بدينهم وليس بعقولهم، واراحوا عقولهم وانحوا بها جانبا، واستغنوا عن مشقة التفكير العقلاني واستعاضوا عنها بالراحة النفسية والجسدية التي يمنحها الركون الي التفسيرات الجاهزة للنصوص التي يقدمها لهم آخرون يفكرون بالنيابة عنهم. وليس غريبا ان الفكر الديني الاصولي ـ في مختلف الاديان ـ يفسر الايمان علي انه تسليم كامل للارادة الانسانية وتواكلها التام علي المشيئة الالهية التي يفسرها الفكر الاصولي علي انها هي التي سترسل الجنود السماوية والملائكة النورانية لتفعل كل شيء من اجلنا بل ولتحارب معنا. تتطلب هذه الرؤية الدينية المتطرفة طاعة شاملة من اتباعها وعاطفة متأججة نحو دينها من جانب وضد الاديان الاخري واتباعها من جانب اخر، ويتطلب ذلك منظومة من الافكار العدوانية نحو الاخر ومعتقداته وآلهته ومقدساته تتضمن تكفيره ومحاربته.
وفي الصراع الحالي رأينا الاصوليين علي الجانبين ـ سواء كانوا مسيحيين ويهود في بعض المحيطين بالادارة الامريكية ومسانديها في قوي اليمين الانكلو ـ انجيلي ـ صهيوني، او كانوا مسلمين من جماعات الاسلام المسيس وجماعات التطرف الديني علي الجانب العربي، رأينا هؤلاء واولئك يهرعون الي تفسير الصراع علي انه صراع ديني بين الاسلام والمسيحية ـ اليهودية، واعطي هذا التفسير ـ وما يزال ـ زخما وعاطفة واندفاعا ومبررات عالية الوهج تتلفح باعلام الجهاد والخلاص واللاهوت والملكوت الاخر والدفاع عن المقدسات، فراح اليمين الامريكي يهاجم الاسلام ويتهمه بتفريخ الارهاب ويفتش في نصوصه المقدسة التي تدعم رؤيته، وراح اليمين العربي يصف الامريكيين المسيحيين بالكفار ويصب لعناته الابدية علي الكفار من اليهود والنصاري ورأينا علي الجانب الامريكي مثقفا مثل صمويل هانتنغتون يصف صدام الحضارات الحالي بانه صراع بين الغرب وبين الاسلام، وجاءت ضربة البرجين لتثبت صحة رؤيته لدي البعض، كما رأينا الكثيرين من الكتاب العرب يسقطون في نفس الهوة ويستعيرون مفردات التكفير والحروب الدينية لتفسير ما يجري.
وفي هذه الاجواء الملتهبة لهبا دينيا عاطفيا هائجا تغيب حقيقة ان هذا الصراع، مثله مثل كل صراع بشري اخر حتي الصراعات العائلية ـ هو صراع مصالح اساسية تضرب بجذورها في صراع الوجود والبقاء، فصراع الوجود هو اساس كل اشكال الصراع التي تتسربل باردية ملونة مخادعة من دينية الي عرقية الي ثقافية الي وطنية، صراع الوجود هذا لا تجدي معه العواطف الدينية ولا الشعارات القومية، ولا الاحلام والاوهام، لا تجدي معه سوي الحسابات الدقيقة لمواطن القوة والضعف في الاطراف المتصارعة صراعا وجوديا من اجل البقاء والتأثير والفاعلية، وفي نهاية الامر يربح الصراع من يمتلك قوي وجود وقدرات بقاء وتأثير اكبر واعظم من الطرف الاخر، وليس من يمتلك الشعار الاعلي صوتا ولا العاطفة الدينية الاكثر تأججا.
وهذه ليست دعوة للطرف الاضعف للاستسلام للطرف الاقوي، وانما هي دعوة لدراسة مواطن القوة والضعف الحقيقية وفهم مفاتيح تقدم الامم وتخلفها واكتشاف الاسباب الضرورية لصنع الحضارة دون الوقوع في لغو صوتي فارغ او شطط ديني مدمر.

سقوط البرجين

كان ضرب واسقاط البرجين في نيويورك ـ وضرب البنتاغون في واشنطن ـ ضربة قاسية لهيبة امريكا ولنظرتها لنفسها ولمكانتها العالمية، كما كان ضربة للاقتصاد الامريكي وقطاعاته الهامة في الطيران والسياحة والفنادق والمواصلات، وخسرت الولايات المتحدة عشرات البلايين من الدولارات بسبب الكساد الاقتصادي الذي تفاقم اثر الضربة.. بالاضافة الي الخسائر البشرية لمقتل حوالي ثلاثة الاف من المدنيين.
هذه تمثل بلا شك خسائر للجانب الامريكي علي المدي القصير ـ اي علي مدي خمس سنوات او نحوها ـ وقد اعتبرت القوي الاصولية الاسلامية التي اشتركت في هذه العملية او ساندتها انها انتصار عظيم لها راح بعضهم يضحك نشوة وطربا له في شرائط الفيديو المسجلة، وراح اخرون يرقصون فرحا له في بعض الشوارع العربية.
ولكن حساب الربح والخسارة يمنحنا نتائج مختلفة، اذ ان الخسائر المادية للاقتصاد الامريكي ليست دائمة وانما عابرة، وقد تعرض الاقتصاد الامريكي لما هو اسوأ منها في السبعينيات من القرن الماضي وتجاوزها، وها قد استعادت البورصة الامريكية معدلاتها السابقة لسقوط البرجين وتجاوزتها، وبدأت تلوح بشائر صحوة الاقتصاد بشكل عام، وسيبدأ قريبا مشروع اعادة اعمار منطقة البرجين بمختلف اشكال المعمار التجاري والثقافي والتذكاري ـ الانساني وعلي احدث الابداعات المعمارية، وتشير التقديرات انه لن يكون لضربة البرجين اثر ظاهر او فاعل بأي شكل في غضون خمس سنوات من تلك الضربة، ولن يتبقي منها سوي ذكري وتاريخ لا ينسي ـ مثل ضربة اليابانيين للاسطول الامريكي في بيرل هاربر، ولكنها لن تكون معوقا لمسيرة التطور اللاهث للمجتمع الامريكي واندفاعاته المتزايد نحو تسليح الذات بقدرات التكنولوجيا للسيطرة علي مقدرات وجوده المهيمن علي هذا الكوكب وافتتاحه لمغامرات الوصول الي كواكب اخري تنتظر وصول التجربة الانسانية المثيرة اليها.
نعم كانت ضربة البرجين وسقوطهما الهائل ضربة قاسية لهيبة امريكا، ولكنها في النهاية لا تختلف كثيرا عن قيام صبي مراهق بالقفز لضرب معلم الحارة في بعض الافلام المصرية علي قفاه ضربة مهينة امام الجميع ثم الاسراع بالاختفاء.
هذه ضربة قد تهز من هيبة المعلّم وقد يضحك لها المارة في لحظة سريعة قصيرة، ولكن ما فائدة كل هذا عندما يبدأ المعلّم في ملاحقة كل الصبية وآبائهم ومداهمة مساكنهم وتغيير مناهج تعليمهم والسيطرة علي مصادر ارزاقهم؟
فاذا اعطت هذه الضربة لسيد الحارة مبررا للسيطرة الكاملة علي مقدرات كل المناطق التي جاء منها هؤلاء وتدمير ما بنوه فيها علي مدي عشرات السنوات فهل كان ربحهم ربحا ام خسارة؟ هذا سؤال لا تملك الثقافة العاطفية اللغوية القدرة علي فهمه قبل الاجابة عليه، ولا تجابهه سوي بمزيد من العاطفة والصراخ والشكوي والوعيد واللعنات.. دون فكرة عقلانية واحدة تقدم اية فرصة لربح حقيقي كبير مثير طويل النفس والامد.

سقوط بغداد

كان سقوط بغداد هو التجلي الاكثر وضوحا، والتتويج الاعظم صدمة وزلزلة، لمسلسل الانهيارات العربية المستمر علي مدي الثلاثة عقود الماضية، ليس فقط بسبب ما احاط بهذا السقوط نفسه من مظاهر بؤس الثقافة العربية اللغوية الخاوية الخربة التي انتجته، وتجلياتها في طقوس الفوضي والتهافت التي صاحبت عملية الدفاع عن عاصمة الرشيد ـ او علي الاصح عدم الدفاع عنها ـ وما صاحب ذلك من شعائر اطلاق التبريرات المعتادة والاتهامات بالخيانة والارتشاء وبيع الاوطان والتواطؤ مع الغزاة وبقية مفردات تبريرات الهزائم العربية التي عشناها بعينها وحذافيرها ونفس بذاءاتها في هزائمنا العربية السابقة.. ليس لهذا فقط، ولكن كان سقوط بغداد هو الاعلان الاعلي لسقوط النظام العربي بأكمله في كافة صوره وصيغه ومصوغاته، ملكيا كان ام جمهوريا وراثيا، ثوريا كان ام رجعيا، بدويا كان ام حضريا، بكافة هذه التنويعات الفردية علي نغمة النظام العائلي العشائري العربي الاستبدادي الواحد الاوحد
.
كان سقوط بغداد هو الاعلان الاعلي لسقوط النظام العربي، ليس في شكل مؤسساته القيادية الحكومية الحاكمة وحدها، وانما في صميم كيانه النفسي والمجتمعي ذاته، سقوط تركيبة ومكونات هذا الكيان، سقوط نمطه ونموذجه واسلوبه ومثاله، سقوط عاداته وافكاره وقيمه ومنظوماته، وسقوط ثقافته اللغوية الصوتية الفارغة من اي محتوي حقيقي متماسك مؤثر مبتكر، وكما هو منتظر من هذه الثقافة فاقدة المحتوي، فان زلزال سقوط بغداد لم يؤد الي اية بشائر لاستيقاظ منتفض رافض ينهض نفسه بنفسه ويعيد ولادة ذاته ولادة جديدة تماما. فالثقافة اللغوية ما تزال تنظر الي ما جري بنفس منطقها المعوج ولغوها اللغوي الفارغ، تملأ الدنيا صخبا وضوضاء وضجيجا بلا طحن او طحين، توزع الاتهامات واللعنات علي الغير من الكفار والظلمة والظالمين، دون تحرك غاضب لمحاسبة الذات وكسر السلاسل وهدم المعتقلات والتحرر من الطغاة.. والطغاة هؤلاء يقبعون اولا في داخل الذات وفي طبيعة الخمول والعبودية والاستسلام والتواكل علي الجاهز من الغيبات والتفسيرات والتبريرات.
ولم يعد كافيا تبرير هذا كله بان الشعوب محكومة بالقمع والاستبداد، فالحقيقة هي ان القمع والاستبداد قابع في الذات وفي الثقافة، ولو كانت الشعوب افضل من قادتها لثارت عليها وحررت نفسها منها كما ثارت كل الشعوب الاخري علي مستعبديها، فلماذا هي الشعوب العربية وحدها تنتظر ثلاثين عاما علي نظام باطش كنظام صدام ولا تتخلص منه بنفسها؟
لقد كان ضرب بغداد واحتلالها نتيجة مباشرة لضرب البرجين وسقوطهما، تلك العملية التي رأت فيها القوي التي نفذتها وساندتها اعظم انتصار لها وتهدد بالمزيد منها.. والذين يقولون ان ضربة البرجين ليست السبب في احتلال بغداد بادعاء ان خطط ضرب بغداد كانت جاهزة قبل سقوط البرجين لا يدركون ان وجود هذه الخطط لا يثبت شيئا، فالادارات الامريكية واجهزتها المتخصصة لديها مئات الخبراء المتفرغين لوضع مئات الخطط لكافة الاحتمالات في كل مكان في العالم، هؤلاء قوم يخططون لكل شيء بالتفصيل قبل وقوعه.
ولكن وجود خطة لضرب واحتلال العراق لا يعني انه كان في مقدور الادارة الامريكية تنفيذ هذه الخطة بدون مبررات قوية تمكنها من تسويقها للشعب والكونغرس الامريكي، ولولا سقوط البرجين لما استطاعت ادارة بوش الحصول علي موافقة الكونغرس لشن الحرب علي العراق، وعليه فقد قدم الذين ضربوا البرجين، والثقافة اللغوية العاطفية الدينية الانفعالية التي تساندهم، قدموا اعظم خدمة لعدوهم. فهل سأل احد من هؤلاء ما هي اثار مثل هذه الضربة وما فائدتها لمستقبل العرب؟ وما هي عواقبها المحتملة؟ المشكلة ليست هي ان لدي الادارات الامريكية خططا مبيتة لمهاجمة هذا او ذاك من الخصوم وقت الحاجة، المشكلة هي غياب مثل هذه الخطط التي تعمل علي تحقيق المصالح العربية من ادراج المسؤولين العرب، نعم ان الادارات الامريكية تخطط وتخطط، فلماذا لا تخططون انتم ايضا؟
وهل ستمنح الارض ثمارها والحضارة اسرارها للنائمين الخاملين المتقاعسين عن التخطيط والفعل الذين اختلطت عليهم امور الدين والدنيا والماضي والحاضر والوهم والواقع؟ هل ستبقي لهم مدن قائمة لا تسقط او مجتمعات سوية لا تتفكك وتتهاوي فشلا وفسادا واستبدادا؟

ولكن هل كان احتلال بغداد ربحا لامريكا؟ المحصلة النهائية لهذا الفعل لم تحسم علي المدي الطويل بعد، وان كانت الدلائل حتي الان تشير الي ان الغزو الامريكي للعراق سيكون خسارة امريكية. الخسارة الاولي تتعلق باهتزاز المصداقية في السياسة الامريكية، لتصرفــــها بدون الشرعية الدولية في بداية الامر، ثم لافتضاح تهافت معلوماتها الاستخبارية، مع الاتهامات التي تلاحقها من خارح امريكا، من حلفائها وخصومها علي السواء، ومن داخل امريكا من اقطاب الحزب الديمقراطي، بانها بالغت او لفقت الخطر العراقي واختلقت اسطورة اسلحة الدمار الشامل لتبرير احتلال العراق لمصالحها الخاصة في المنطقة ولمصلحة اسرائيل وانصار الليكود في واشنطن.
ثم هناك الخسائر البشرية والمادية التي تتكبدها امريكا بسبب المقاومة والوضع المتفجر الذي خلقته في العراق وفي النهاية هناك احتمال الخسارة الاعظم اذا ما انتهت العملية كلها بتنصيب نظام ديني شيعي علي الاطار الايراني في العراق، وهو ما سيحدث لو وقعت انتخابات حرة كما كانت تبشر الادارة الامريكية، لكي تكون نموذجا ديمقراطيا ينير بانواره علي المنطقة بأسرها..
كل هذه خسائر امريكية وقع بعضها بالفعل وقد يقع بعضها الاخر علي مدي الاشهر او السنوات القادمة، وربما في المقابل يحدث بعض ما يحلم به المخططون الامريكيون من اقامة نظام غير مستبد وغير ديني مع ازدهار اقتصادي يخفف من مساويء ارتباط ذلك النظام بوجود عسكري امريكي يحميه، وان كنت شخصيا اري ان هذه رؤية ساذجة لا تختلف كثيرا في بعدها عن الواقع عن الرؤية الدينية المتطرفة التي تري في الدولة الدينية الحل الامثل لمجتمعاتها.

من الرابح في النهاية؟

الذين يرون في المأزق الامريكي في العراق بداية النهاية للعصر الامريكي بأكمله يفكرون بمنطق الثقافة اللغوية العربية التي رأت في هزائمها اعظم الانتصارات، فحـــتي لو هزمت الولايات المتحدة ولاذت بالفرار من العراق فلن تكون مغامرتها في العراق بأسوأ او اكثر فشلا وخسارة من مغامرتها الفاشلة في فيتنام، فهل ضعفت الولايات المتحدة بعدها؟ الذي حدث هو ان خصمها الاساسي في الصراع العالمي ـ الاتحاد السوفييتي ـ هو الذي انهار بينما اصبحت هي القوة الاوحد في العالم. فكيف امكن لها هذا؟ وكيف ستكون الولايات المتحدة هي الرابحة علي المدي الطويل مهما كانت نتائج مغامرتها في العراق؟
ستكون الرابحة لان ثقافتها العقلانية ومجتمعها المنفتح ونظامها الديمقراطي سيمكنها من تجاوز هزائمها واخطائها بسرعة، فتأتي ادارة جديدة بفكر جديد يستوعب الدروس ويغير النفوس فيظل قابضا علي مفاتيح انتاج القوة والحضارة والتقدم.
وستظل الثقافة العربية هي الخاسرة ما دامت تبقي عاطفية لغوية دينية تخلط الدين بالدنيا وتخسر الاثنين معا، وما دامت تكبل نفسها بنصوص تفكر نيابة عنها وتظل هي ملتحفة بأغطية الاسلاف ومكبلة باصفاد الاستبداد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- دعوة لتنصيب الرئيس مبارك ملكا على مصر
- في ذكري رحيل عبد الناصر: الملك المقامر والضابط الثائر
- بابا روما والإسلام: حوار الأديان أم حوار الطرشان؟
- هل تصبح إيران زعيمة العالم العربى؟
- حزب الله ضد شعب الله
- مزامير نجيب محفوظ
- التفسير النفسى للسحر الكروى: كأس العالم : دروس للحكومات والش ...
- طظ في مصر
- كلما رأيت امرأة
- المساحة الزمنية بين الاسلام والمسيحية: لماذا تقدم الغرب وتخل ...
- الكاتب العربي بين السيف والكلمة
- الصدمة والترويع المصرية
- ماذا نفعل بالاخوان المسملين ؟
- أربع سنوات على الحدث الزلزال: هل تعلّم أحد شيئاً من 11 سبتمب ...
- حوار الاديان ام حوار الطرشان
- هل الاسلام هو الحل ؟ -العلمانية العربية بين المقدّس والمسدس


المزيد.....




- رئيس فنزويلا يصف الحكومة الكندية بالحمقاء ويدعو الكنديين إلى ...
- الجيش السوري يطوق -داعش- بمدينة دير الزور
- ماذا كان اقوى تهديد وجهته بغداد إلى أربيل؟
- مقتل 71 شخص بهجومين متزامنين بأفغانستان
- زاخاروفا: قناة RT لا تفبرك الأخبار
- -بروغريس- تغرق في المحيط!
- الأزمة الكاتالونية تتصاعد: مظاهرات غضب في برشلونة والحكومة ت ...
- قاض أمريكي يتحدى ترامب ويعرقل قانون حظر السفر بصيغته الجديدة ...
- الدنمارك: تطبيق هاتفي جديد لتفادي تبذير الطعام
- قاض أميركي يعلق العمل بآخر مرسوم لترامب حول الهجرة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف مفتوح بمناسبة الذكرى الخامسة لاحداث 11 سبتمبر 2001 - فرانسوا باسيلي - حساب الربح والخسارة: من سقوط البرجين الي سقوط بغداد