أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف مفتوح بمناسبة الذكرى الخامسة لاحداث 11 سبتمبر 2001 - عبد الغني اليعقوبي - بعد 11 سبتمبر....إلى أين ؟















المزيد.....



بعد 11 سبتمبر....إلى أين ؟


عبد الغني اليعقوبي
الحوار المتمدن-العدد: 1674 - 2006 / 9 / 15 - 08:17
المحور: ملف مفتوح بمناسبة الذكرى الخامسة لاحداث 11 سبتمبر 2001
    


قبل سنوات كتب المؤلف المعروف بيرترام كروس ان الفاشية ستأتي الى الولايات المتحدة بوجه ودود: من دون محاكمات نورنبورغ، او مبادئ التفوق العنصري، من دون احزاب ممنوعة رسميا، او إبطال للدستور، او إزالة الفروع الثلاثة للحكومة، لكن بنفس الحماس القومي، والقوانين الدكتاتورية الاعتباطية، والغزوات العسكرية العنيفة.
إن علامات دولة البوليس في الولايات المتحدة واضحة في كل مكان. فآلاف المواطنين من اصول شرق اوسطية تم اعتقالهم من دون اتهامات، وقد وصمت ممارسة حقوقهم في انتقاد السياسة الاميركية في الشرق الاوسط على انها دعم للإرهاب. وهذه المذبحة المدبرة حرض عليها وشجعها الموظفون الحكوميون، وخصوصا الشرطة المحلية والفيدرالية، وأيضا جماعات المحنكين Veterans Groups المتجانسين والسياسيين الديماغوجيين. لقد امر الرئيس قوى دكتاتورية، باقامة محاكم عسكرية مجهولة الاسم للتحقيق مع مهاجرين وأجانب > يمكن ان يكونوا مخطوفين ومعرضين للتحقيق في الولايات المتحدة، وتم تعليق الاوامر القضائية. فيما اجبر تلاميذ المدارس على غناء اناشيد شبه دينية والالتزام بالولاء للعلم. والكثير من الموظفين الذين انتقدوا الحرب او انتقدوا دعم الولايات المتحدة لاسرائيل او شجبوا المجازر الاسرائيلية ضد الفلسطينيين تم تجميدهم او فصلهم. جميع الرسائل، والايميلات، والمكالمات الهاتفية هي الآن تحت المراقبة من دون اي تفويض من القضاء. كما ان وسائل الاعلام الجماهيرية تتقيأ دعاية حكومية وقصصا شوفينية، وتصمت نسبيا عن الجرائم الخارجية والقمع الداخلي.
إحدى دمغات النظام الشمولي هو خلق دولة من الشك المتبادل يتحول فيها المجتمع المدني الى شبكة من المخبرين السريين. بعد 11 شتنبر مباشرة حض مكتب التحقيق الفيدرالي (FBI) كل مواطن اميركي على التبليغ عن اي سلوك مريب يقوم به اصدقاء، وجيران، وأقرباء، ومعارف، وغرباء. وما بين شتنبر ونوفمبر تم تسجيل ما يقارب سبعمئة الف اتهام. آلاف الشرق اوسطيين من الجيران وأصحاب المحلات التجارية المحلية والموظفين وجهت اليهم التهم، مثلما حدث مع العديد من المواطنين الاميركيين الآخرين. لم تقد اي من هذه التهم الى اي معتقل او حتى الى معلومات متعلقة ب11 شتنبر. وحتى الآن قامت الشرطة الفيدرالية بالتحقيق مع مئات وآلاف من الاشخاص الأبرياء ومضايقتهم. عشرات الملايين من الأميركيين اصيبوا بهوس الخوف من > في عملهم اليومي، وأثناء التسوق وخلال فترات الراحة. لقد احجم الناس عن نقد الحرب او الحكومة، حتى لو كان بألطف العبارات، خوفا من ان يوصموا بمؤيدي الارهاب، او ان تكتب التقارير بحقهم، او ان يتعرضوا للتحقيق، او ان يفقدوا عملهم.
تقوم الفاشية الودودة بإلقاء المسؤولية على العرب وهي تعتقلهم وتحقق معهم وتتهمهم وتستهدفهم بينما ينادي خطابها الشعبي بفضائل التسامح والتعددية. ليست مبادئ التمييز العنصري واضحة للعيان، لكن التصوير العنصري لـ > هو نهج عملي ثابت ومقبول تقوم به الشرطة الفيدرالية، والحكومية، والمحلية. إن الكثافة العالية للجماعات العربية، كما هي الحال في ديربورن، وميتشيغان، يظهر كأنهم يعيشون في غيتو، بانتظار مذبحة تدبر لهم وتحل بهم. ويعتبر رئيس مكتب التحقيق الفيدرالي ان جميع الجمعيات العربية الخيرية والأهلية وغيرها تدعم
الارهاب، وهي موضوع تحقيق وأعضاؤها اهداف للاعتقال. لقد خلقت الحملات العنيفة لمداهمة بيوت ومخازن ومكاتب الجماعات الأهلية عقلية حصار، وأثارت حملة رجال الشرطة اشد الغرائز عنصرية وحرضت اندفاع الاهانات والعداوات الأهلية.
القوى الدكتاتورية التنفيذية
في الدول الاستبدادية يستولي القائد الرمز على القوى الدكتاتورية، ويعلق العمل بالدستور (استشهاد من >) مطلقا العنان للبوليس السري، ويختار المحاكم بعناية للاعتقال الاعتباطي والحكم على المتهمين بالسجن او الاعدام. في 13 نوفمبر من العام الماضي اتخذ الرئيس بوش خطوة حاسمة تجاه القوى الدكتاتورية المتغطرسة، ودون استشارة الكونغرس، قرر اعلان حالة الطوارئ. وهذه الحالة تتيح للحكومة فرصة اعتقال كل من ليس لهم صفة المواطنة ليحاكموا بمحاكم عسكرية. المحاكمات سرية، والمدعون غير ملزمين بتقديم الدليل اذا كان <<في مصلحة الأمن القومي>>. ويمكن للمتهم ان يعدم حتى لو عارض ثلث القضاة العسكريين. ان تقوم القوى الدكتاتورية بسجن او اعدام المشبوهين من دون اللجوء الى القضاء هو جوهر الحكام الاستبداديين.
في منتصف نوفمبر رفض قسم العدالة الكشف عن هويات وأوضاع اكثر من الف ومئة شخص تم اعتقالهم منذ 11 شتنبر. وكما هي الحال في الانظمة الاستبدادية، يتم باستمرار استجواب السجناء السياسيين من دون محامين ومن دون تهم من قبل مكتب التحقيق الفيدرالي بقصد انتزاع الاعترافات.
في 26 اكتوبر وقع بوش على القانون المسمى <<العمل الوطني الأميركي>> الذي عزز سلطة البوليس على المجتمع المدني بشكل واسع. ووافق الكونغرس بالاجماع تقريبا توسيع سلطات الشرطة السرية (وأغلب اعضاء هذا الكونغرس لم يقرأوا القانون ابدا) علما بأن كل عبارة في هذا القانون تنتهك الدستور الاميركي. وفي ظل هذا القانون: اولا، يمكن لأي وكالة فيدرالية قانونية تنفيذية ان تدخل اي منزل او مكتب عمل وتأخذ الدليل، من دون ابلاغ المواطن المتواجد في المدخل، ثم تستخدم الدليل (الذي تم الاستيلاء عليه او زرعه) لإدانة القاطن بجريمة ما. ثانيا، اي وكالة شرطة مخولة لمراقبة حركة الانترنيت والرسائل البريدية الالكترونية، ولها ان تعترض المكالمات الهاتفية الخليوية لملايين <<المشبوهين>> من دون اذن بذلك. ثالثا، يمكن لأي وكالة شرطة فيدرالية ان تعتدي على اي مبنى اعمال وتصادر جميع السجلات على قاعدة انها <<متعلقة>> بتحقيق ارهابي، والمواطنون الذين يحتجون علانية على هذه الاعمال البوليسية الاستبدادية يمكن ان يعتقلوا.
إن قانون <<العمل الوطني الاميركي>>، مثل نظرائه من القوانين الاستبدادية، يحمل تعريفا مبهما وفضفاضا لـ <<الارهاب>> يسمح بقمع اي منظمة معارضة واي نشاط احتجاجي. وتبعا للفقرة 802 من هذا القانون فإن الارهاب معرف بوصفه <<انشطة تشمل افعالا خطيرة على الحياة البشرية وتنتهك القوانين المعتمدة في الولايات المتحدة... والقصد منها تخويف او إرغام السكان المدنيين (او)... التأثير على سياسة الحكومة من طريق نشر الرعب والقهر>>. إن إي احتجاج ضد العولمة، مثل الذي حدث في سياتل، يمكن ان يوصف الآن ب <<الارهاب>>، وقد تم اعتقال قادته والمشاركين فيه، كما تم تفتيش منازلهم ومكاتبهم، ومصادرة الوثائق، ومن لا يتمتع منهم بصفة المواطنة اقتيد الى محاكم عسكرية. وهذه المراسيم والقوانين الطارئة ستظل سارية المفعول حتى عام 2005 وما بعده اذا بدأت التحقيقات قبل نهاية العام.
من المحتمل، عندما تعاد دمقرطة البلد وينحسر مد التعصب القومي ويتم استبدال الآلات الدعائية الحالية التابعة للدول بوسائل الاعلام التعددية وذات السمعة الطيبة، ان نكتشف الحقائق المرة. عندما سيتم فتح ملفات الشرطة السرية ربما سنكتشف ان الكثير من الناس الجديرين بالاحترام والتقدير قد اتهموا جيرانهم واصدقاءهم لأسباب تتعلق بالثأر الشخصي، وقد كتب المحترفون التقارير السرية عن زملائهم الذين انتقدوا اسرائيل.
كما ان مكتب التحقيق الفيدرالي تجسس على ملايين المواطنين الاميركيين التقدميين، الذين يحترمون القانون، لأن ايديولوجيات الجناح اليميني سعت للقضاء عليهم. وبدراسة التسجيلات والمخطوطات وأشرطة الفيديو التي تتضمن الرسائل التي يبثها الاعلام الجماهيري، سنتمكن من رؤية السهولة والسرعة والكلية التي تحول بها هذا الاعلام الى اسلحة دعائية للدولة الفاشية الودودة.
سيتعجب الباحثون ويصدمون بفساد اللغة السياسية: قصف هائل للمدن الكبرى باسم <<محاربة الارهاب>>. عبارات لطيفة لتبرير المجازر. قتل جماعي لأسرى الحرب يوصف بعبارة <<قُتلوا اثناء التمرد داخل السجن>>. سيلاحظ المؤرخون ايضا غياب اصوات النقاد، وغياب اي تقارير عن الضحايا المدنيين. باحثو المستقبل وهم يشاهدون تصريحات وزير الدفاع الاميركي <<المزيّح>> رامسفيلد عن <<قتل جميع الارهابيين>> لن ينضموا الى الصحافيين الذين يضحكون في الصالة، وهم يتذكرون اكوام جثث الذين اعدموا بدم بارد على ايدي المرتزقة المكلفين بذلك.
سيناقش المؤرخون في ما اذا كان صمت الشعب الاميركي على القصف والاعدامات كان انعكاسا للدعاية المتواصلة والغامرة او اذا كانوا يريدون ان يكونوا شركاء في جرائم القتل. سيناقش الفلاسفة والمحللون النفسيون في ما اذا كان المحتفلون برفرفة علم النظام العالمي الجديد متأثرين بالوجوه الباسمة والبلاغة المولعة بالقتال لقادتهم او محبين للفاشية الودودة بسبب ما لديهم من البارانويا والخوف والقلق الذي تثيره اصوات السلطة وتضخمه وسائل الاعلام.
هذه الرؤية تفترض ان الاصوات النقدية ستبقي المرحلة الحالية للفاشية الودودة على قيد الحياة وتبني حركة لتحدي سلطتها. وبإمكان المرء ان يأمل وان يؤمن بأن ذلك سيحدث لأن، خلاف ذلك، يعني ان اكاذيب الحاضر وجرائمه ستمضي من دون جواب لها.
تعريب: ناصر ونوس – جريدة السفير اللبنانية
(عن مجلة Z (اميركية شهرية) ومناهضة لسياسات الولايات المتحدة في الشرق الاوسط والعالم، وغالبا ما تعيد نشر مقالات لادوارد سعيد ونعوم تشومسكي وروبرت فيسك).

11 سبتمبر

سنة واحدة مدة زمنية كافية بالكاد للمجازفة بتفسير أثر حدث، حتى من حجم 11 سبتمبر، على مجرى الأمور. لكن بما انه يتوجب تقديم فرضية، فان الفكرة التي سنعرض لها هنا هي أن 11 سبتمبر لم يرسم منعطفا جذريا لكنه سرع تطورات كانت بدأت في العقد السابق أو زاد بروزها وجلائها.
ويعطى مؤتمران دوليان يفصلهما عقد من الزمن، «قمة الأرض» في ريو دي خانيرو و«قمة التنمية المستديمة» في جوهانسبورغ ، لمحة مدهشة عن الطريق المجتاز .
فقبل عشر سنوات كان التفاؤل سائدا بين النخب السياسية والاقتصادية. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد استبعدت، بحرب الخليج، مخاطر عدم الاستقرار التي جعلها نهاية القطبية الثنائية وسقوط الاتحاد السوفياتي ممكنة. وانتصرت الرأسمالية، لا سيما أن الحركة العمالية كانت قد شهدت تراجعات في سنوات 1980، وبدا ممكنا تقديم إجابات عن مشاكل العالم بفضل تعدد الأطراف والعمل المشترك للدول ولمجتمع مدني تمثله في المقام الأول المنظمات غير الحكومية.
كانت قمة جوهانسبورغ نقيض قمة ريو. فخيبة الأمل معلنة في كل مكان، وأدى الرفض الأمريكي توقيع نص محدود كبروتوكول كيوتو الى تعذر أي تقدم في مسائل البيئة،وامتنعت بلدان الشمال عن توفير الوسائل الضرورية لتنمية الجنوب. وكانت المأساة الفلسطينية ومخاطر التدخل ضد العراق حاضرين في كل الأذهان، اما «المجتمع المدني» فقد كان ممثلا من طرف الشركات متعددة الجنسية العاملة في قطاعات المناجم والطاقة والماء وقامت أهم المنظمات غير الحكومة بالتنديد بتلك المسخرة وتظاهرت الى جانب الحركات الاجتماعية الأفريقية الجنوبية.
تحولات كبرى ثلاث تتيح فهم هذا التغير

أولها تحول الرأسمالية نفسها. ففي نفس اللحظة التي كانت فيها«العولمة الليبرالية» تفرض نفسها بمنح المنشآت متعددة الجنسية سلطة غير مسبوقة، كانت جملة أزمات تكشف ضعف النظام:الأزمة المالية المنطلقة في آسيا سنة 1997، و الأزمة الاقتصادية وانفجار ُفقاعة المضاربات في الأسهم ابتداء من سنة 2000، وأخيرا أزمة تسيير المنشآت مع مصير إنرون أو وورلدكوم .
وثانيها تحول السياسة الأمريكية. فقد شهدنا منذ السنة الثانية من رئاسة كلينتون تبدد الحلم الويلسوني حول عالم تسيره مؤسسات دولية محترمة وقوية، وعبرت القوة الأمريكية الفائقة عن نفسها مباشرة من خلال تدخلات عسكرية في البلقان بوجه خاص، كما على الصعيد السياسي والاقتصادي. وكانت الأحادية الأمريكية تنسف كل تقدم نحو «حكم عالمي» من شأنه أن يشكل ثقلا موازنا للعولمة الاقتصادية وفق ما كانت تدافع عنه بعض المنظمات غير الحكومية وبعض الحكومات لاسيما بأوربا.
كما كان انتعاش دورة تعبئة على الصعيد العالمي انطلاقا من سياتل ، التي مثل المضربون الكوريون والفرنسيون او الزاباتيون في تشياباس تباشيرها، أساسا للتحولات التي نشهدها. وبات اتهام جذري للعولمة الليبرالية يعبر عن نفسه سواء بوجه القمم الدولية أو ضد الإجراءات الليبرالية التي تتخذها الحكومات او تفرضها المؤسسات الدولية، وتتمثل أحدث الأمثلة في الإضرابات العامة بإيطاليا وإسبانيا او حركة الاحتجاج في الأرجنتين.

جلي أن 11 سبتمبر سرع هذه السيرورات وزاد حدة بعض التناقضات

يحيل إرساء الولايات المتحدة الأمريكية لطور حروب دائمة إلى أسباب أعمق من إرادة إعطاء ضمانات لسكان أمريكيين صدمتهم التفجيرات. تتميز الإمبراطورية الأمريكية بعدم سعيها الى إلى غزو الأراضي او إقامة « سلم روماني» "pax romana" من شأنه ضمان الاستقرار على المدى الطويل. فأهدافها محدودة أكثر: تأمين منافذ و أسواق لمنشآتها والحفاظ على حرية مناورة كبيرة على الصعيد السياسي والعسكري دون عرقلة من أي اتفاق او أي مؤسسة. لكن أمام التمرد العام الذي لا بد ان تستثيره سياسة من هذا القبيل، ما من شيء اثمن من تقديم خطر عالمي يبرر التفوق الأمريكي وتبعية حلفاء تعوزهم وسائل التصرف من تلقاء أنفسهم .لقد اشتغلت هذه المنظومة بشكل جيد مادام الاتحاد السوفياتي قائما، اذ كانت القطبية الثنائية والحرب البادرة تتيحان لكلا الخصمين السيطرة في معسكره دون منازع ولا اعتراض فعلي. وشكل زوال الاتحاد السوفياتي نهاية تلك الحقبة وصادفت إعادة تأكيد القوة الأمريكية التامة، بعد محاولات خجولة متعددة الأطراف، البحث عن عدو جديد يبررها. هكذا ظهر في ظل رئاسة بيل كلينتون مفهوم «الدول المارقة» التي تهدد استقرار العالم. وأتاحت تفجيرات 11 سبتمبر للولايات المتحدة الأمريكية إعادة تدوير هذه النظريات وشهدنا جورج بوش يدخل في «محور الشر» ثلاث دول كانت ضمن قائمة «الدول المارقة» كما حددتها إدارة كلينتون. لكن مواصلة هذه السياسة تجري بدرجة أكبر اذ شهدت الميزانية العسكرية زيادة قوية وتكاثرت التدخلات العسكرية.
يؤدي التصعيد العسكري الأمريكي والضغط السياسي لإدارة بوش الى نتائج متناقضة. فأولا يسود الاصطفاف. فقبل 11 سبتمبر كانت المؤسسات الدولية تسعى الى إيجاد سند خارج الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي غاليا ما كانت تتهم تلك المؤسسات وتضع في المقدمة بزوغ «المجتمع المدني» المكون من الشركات متعددة الجنسية ومن المنظمات غير الحكومية على حد سواء. وكما حدث في دوربان بمؤتمر الأمم المتحدة حول العنصرية في غشت 2001 أمكن مشاهدة قمم دولية تصادق على مقررات في غياب الولايات المتحدة الأمريكية التي قررت مغادرة الجلسة. و في السنة الأخيرة انمحت تلك الميول الطفيفة الى الاستقلال وشهدنا تلك المؤسسات والمجموعة الدولية، في مؤتمر الأمم المتحدة حول «تمويل التنمية» في مونتري Monterrey في مارس او في جوهانسبورغ في غشت، وهي تخضع للرغبات الأمريكية. لكن هذه التبعية قد تكون قصيرة الأمد ومن مؤشرات ذلك ما ُعبر عنه في العالم برمته من تحفظات على الحرب التي تعدها واشنطن ضد العراق.
لكن ذلك يستلزم عاملا حاسما متمثلا في نمو ونضج الحركة المناضلة ضد العولمة الليبرالية. وقد تصادف 11 سبتمبر مع طور اتساع هذه الحركة. كان للحركة من سياتل الى جينوة او كيبيك ، في أبريل من نفس السنة ، في ما يخص القارة الأمريكية، اثر سياسي قوي لكنها كانت محدودة عدديا، وكانت تشتغل شيئا ما على طراز « حركة بالتفويض » وفق التعبير المستعمل بشأن إضرابات 1995 بفرنسا حيث كان أجراء القطاع الخاص، العاجزين في الغالب عن الإضراب، يساندون مضربي القطاع العام. ومثلت كيبيك وجينوة قفزة كمية وبالتالي نوعية اذ أن قدوم مئات آلاف الشباب وأيضا نقابيين ومناضلين في الجمعيات بدل طبيعة الحركة نفسها، .وقد أمكن التحقق من ذلك في الأشهر التالية من خلال نجاح الإضرابات العامة في إيطاليا وإسبانيا المعترضة على إجراءات إضفاء المرونة على سوق العمل المطبقة في كل مكان باسم متطلبات العولمة. وباستثناء الولايات المتحدة حيث لم تقطع بعد غالبية النقابات مع السياسة العسكرية لحكومتها، ولا تشارك بعد في حركة معادية للحرب متنامية بين الشباب، أحسنت هذه الحركة ربط المعركة لاجل السلم بالمعركة ضد العولمة الليبرالية. وستكون المواضيع الثلاث للمنتدى الاجتماعي الأوربي في فلورانس هي النضال ضد النيوليبرالية والنضال ضد العنصرية وكره الأجانب والنضال ضد الحرب. كما كانت«الحركة» قادرة على التدخل في المسألة الفلسطينية بالمشاركة الواسعة في «البعثات المدنية» في الميدان مما أتاح إقامة تضامن على مستوى لم يشهده نزاع مسلح من قبل.
يمكن التيقن أن تصلب السياسة الأمريكية سيؤدي الى تنامي«الحركة» وتجذرها. وقد رأينا مؤشرا عن ذلك في أفريقيا الجنوبية يوم 31 غشت خلال مؤتمر جوهانسبورغ الذي شهد مظاهرتين: الأولى من تنظيم المؤتمر الوطني الأفريقي و كوزاتو Cosatu نقابة أفريقيا الجنوبية الكبيرة بدعم من المنظمات غير الحكومية الأكثر مأسسة، والثانية من تنظيم عديمي الأرض ولجان مناهضة الخوصصة في سويتو واحياء أخرى من المدينة بدعم من فيا كامبيسينا وحركات اجتماعية دولية أخرى. وفوجئ الجميع بحجم المظاهرة الأكثر راديكالية التي كانت بحجم ثلاث أضعاف الأولى ونجحت في ضم منظمات غير حكومية عديدة مثل أصدقاء الأرض والسلام الأخضر و Lega Ambiente او Sierra Club . ان التحدي الذي ستواجهه الحركة كامن في التزود بمحاور ومطالب مشتركة وجدول زمني للتعبئة الفعالة . ذلك ما سيكون في جدول أعمال المنتدى الاجتماعي في فلورانس في نوفمبر وبورتو اليغري في يناير 2003 .
الإمبريالية الأمريكية بعد 11 شتنبر


منحت تفجيرات 11 شتنبر 2001 إدارة بوش ما كانت ستعثر عنه في جميع الأحوال من مبررات لتطلق من جديد عنان النفقات الحربية على نطاق يفوق ما بعد حرب كوسوفو، ولتنشر جهازها العسكري على صعيد عالمي في شبه القارة الهندية وآسيا الوسطى والفليبين وكولومبيا.لا يمكن فصل هذه السياسة عن علاقات النهب الضارية التي تقيمها الولايات المتحدة الأمريكية، والرأسمال المالي الذي يجد فيها سنده الرئيسي، مع القسم الأعظم من بلدان العالم ومناطقه.
بوسعنا، بعد بضعة أشهر من التفجيرات التي استهدفت مركز التجارة العالمي والبانتاغون، تحليل العدة التي نصبتها إدارة بوش .
قام المعلقون الأوربيون المعجبون بنجاحات النموذج الامريكي، لكن المحتارون مع ذلك بوجه سلوك الولايات المتحدة الفظ إزاءهم ، بالمماحكة حول تغيير الموقف الذي كانت إدارة بوش سائرة فيه: قد يضع تشكيل« تحالف ضد الإرهاب» حدا لنزعة الانعزالية الأمريكية. نكتفي بالتذكير أن هذه الانعزالية المزعومة انعكست خلال سنوات 1990 (بالتالي في ظل إرادة كلينتون إلى حد بعيد) في عمليات نشر للقوات المسلحة الأمريكية بالعالم فاق عددها ما شهدته فترة 1945 – 1990 بكاملها.
منذ 11 شتنبر وسلوك إدارة بوش يرسم استراتيجية إمبريالية في أبعادها العسكرية والاقتصادية على السواء. لقد تبدلت طبعا أشكال السيطرة السياسية قياسا بما كانت عليه خلال الاستعمار، كما تبدلت بعض الأشكال «الاقتصادية» لسيطرة الرأسمالية قياسا على تلك التي حللها الماركسيون في بداية القرن العشرين.
ترمي الزيادة الهائلة في الميزانية العسكرية والأهداف التي رسمتها الولايات المتحدة بوضوح إلى جعل الحرب – حتى إن ُوصفت بالتدخل الإنساني – استمرارا للسياسة بوسائل أخرى حسب قول كلاوزفيتز المأثور. إن ما يسمى«أحادية» الولايات المتحدة الأمريكية، أي ما وهبت نفسها من حق تدخل بكل مكان بالعالم تعتبره مهددا لمصالحها، قد كان يوصف في زمن سابق بالسلوك الإمبريالي. أما الأهداف «الاقتصادية» للدولة الأمريكية فهي تطابق في أوجه عديدة خصائص الإمبريالية التي حللها هيلفردينغ و بوخارين و لينين أو روزا لوكسمبورغ. ويتعين أن نلاحظ من جهة أخرى انه ذا تخلى عن لفظ الإمبريالية بعض الكتاب المنتسبين للماركسية لصالح لفظ الإمبراطورية، فان اللفظ الأول عاد منذ 11 شتنبر على الأقل مرتين في في الصحافة البريطانية الخاصة بالأوساط المالية.هكذا فسرت فاينايشل تايمز ضرورة العودة إلى « إمبريالية خيرة» لأجل وضع حد للفوضى العالمية.
ميزانية عسكرية لأجل فرض سيطرة دون منازع
بعد 11 شتنبر انخرطت إدارة بوش والكونغرس في زيادة هائلة للميزانية العسكرية. سنة 2001 بلغت الميزانية العسكرية 307 مليار دولار. وارتفعت ميزانية سنة 2002 الى 339 مليار دولار،واقترح الرئيس بوش في رسالته حول دولة الاتحاد (فبراير 2002) رفع ميزانية سنة 2003 إلى 379 مليار دولار، أي بالدولار الثابت نفس مستوى حرب فيتنام بأوجها سنة 1967. كما اقترح مضاعفة النفقات المخصصة لـ«الأمن الوطني» لتصل إلى 37.7 مليار دولار سنة 2003. أي زيادة للميزانية العسكرية بنسية 26% بين سنتي 2001 و2003 وابتغاء بلوغ مستوى 451 مليار دولار سنة 2007. وبذلك سيتم بين 2002 و 2007 إنفاق مبلغ 2144 مليار دولار لأغراض عسكرية.
والواقع أن ما قررته إدارة بوش من زيادة بعد 11 شتنبر كان مبرمجا من قبل. فخلال الحملة الانتخابية الرئاسية لسنة 2000 ارتأى«خبراء» المنظومة العسكرية-الصناعية وجوب إنفاق 50 الى 100 مليار دولار إضافية في السنوات القادمة. وبالتالي فقد بلغوا مبتغاهم. ويجب أخيرا التذكير بأن دورة الارتفاع الجديدة في ميزانية للولايات المتحدة العسكرية بدأت سنة 1999 في ظل الدارة كلينتون. فقبل بداية ضربات حلف شمال الأطلسي لصريبيا ببضعة اشهر، أعلنت إدارة الديمقراطيين زيادة نفقات التجهيز لفترة 1999-2003 بمبلغ 110 مليار دولار (1998). طبعا يجب اعتبار فروق التقييم بين الحزبين الأمريكيين الكبيرين لكن دون اعتقاد وجود فروق كبيرة في برامجهما السياسية.
يمكن توضيح التفوق الأمريكي ببعض المعطيات التالية. ففي سنة 1999 حققت الولايات المتحدة 37 % من النفقات العسكرية العالمية ، وبإضافة حلفائها في حلف شمال الأطلسي تصل النسبة 64 % [1]. وتعادل ميزانيتها العسكرية ستة أضعاف نظيرها لدى روسيا التي كانت سنة 2000 ثاني بلد في العالم في النفقات العسكرية. وتفوق الولايات المتحدة أكبر من ذلك فيما يخص إنتاج السلاح والبحث والتنمية (R&D): تقوم خمس بلدان بالقسم الأساسي من البحث-التنمية، وينجز بلد واحد (الولايات المتحدة) لوحده ثلثي النفقات العالمية من هذا النوع. وتفيد نفقات البحث-التنمية في وضع وتحسين التكنولوجيات العسكرية. لكن المثير، أكثر من المعطيات الإحصائية، هو ما تخصصه الولايات المتحدة منذ عقدين من جهد كبير لصنع أنظمة تسليح جديدة. فبدون التخلي عن تفوقها في مجال الأسلحة النووية – التي ذكرت في تقرير حديث أنها تحتفظ لنفسها بحق استعمالها بما في ذلك بخرق اتفاقات القانون الدولي - وضع مسؤولو البانتاغون سلسلة كبيرة من البرامج التي تستخلص أقصى الفوائد من تكنولوجيات الفضاء ومن الالكترونيك المجهري ومن تكنولوجيا الإعلام وبإصرار مؤكد منذ 11 شتنبر من الإمكانات التي تقدمها تكنولوجيا الأحياء. وفي هذا السياق يجب وضع الحروب التي خاضتها الجيوش الأمريكية. فالحرب في أفغانستان، وكذا الحروب الكبرى التي خاضتها القوات المسلحة الأمريكية في عقد التسعينات ( العراق-صربيا- أفغانستان)، أفادت في اختبار وتحسين منظومات الأسلحة التي طورتها مكاتب الدراسات بشركات الدفاع. هكذا كانت حروب عقد التسعينات مجالات هائلة للابتكار التكنولوجي بالنسبة للصناعيين ومختبرات البحث الأمريكية وابتكار عملياتي بالنسبة لهيئات الأركان الحربية. يجب تفادي الاستهانة بدور الحروب، طالما أن « مفاعيل التعلم» هامة لصنع تكنولوجيات جديدة ضرورية لاعداد الحروب القادمة.
لكن لهذه الحروب هدف آخر، هدف تلبية حاجات منظومة عسكرية-صناعية تهيكلت بعمق خلال سنوات 90 (بين 1993 و1997 بوجه الدقة). وقد جرت سيرورتان متكاملتان. فمن جهة بلغت درجة التركز الصناعي مستوى غير مسبوق مع تشكل خمس مجموعات كبرى تتلقى أكثر من 40% من طلبات التجهيز والبحث-التنمية من البانتاغون. ومن جهة أخرى بلغت صناديق التوظيف، كما في الصناعات الأخرى، نفوذا حاسما في التحكم بمجموعات التسلح. ولقيت طلبات هذه الصناديق المنادية بمزيد من«القيمة المحدثة لصالح مالك الأسهم» آذانا صاغية. وليست الزيادة في الميزانيات،انطلاقا من 1999، وتسريعها من طرف جورج بوش غير استجابة لهذه الطلبات. يجب اخذ الجزم التالي لفاينايشال تايمز(الذي يخفي بصعوبة حماسه) مأخذا من الدرجة الاولى:« قد يبدو جنائزيا البحث عن المستفيدين من صراع كوسوفو. لكن البورصات ليست عاطفية» [فاينايشال تايمز، 12 أبريل 1999]. كما يجد السباق الجديد نحو التسلح تفسيره في تضافر فعل صناديق التوظيف المالي، هذه الأشكال السائدة للرأسمال المالي المعاصر، من جهة والمنظومة العسكرية- الصناعية التي انغرست بعمق منذ خمسة عقود في الاقتصاد والمجتمع والجهاز السياسي الأمريكي، من جهة أخرى. وإن سياق 2002 مغاير تماما لسياق عقود ما بعد الحرب. فآنذاك كانت اغلب التحاليل، ومنها تلك المنتسبة للماركسية، ترى أن وظيفة الميزانية العسكرية، في إطار السياسات الماكرواقتصادية المسماة كينزية، هي أيضا «دعم» الاقتصاد الأمريكي ومده بـ«حافز» عند اقتراب الانكماش. تفضي تلك التحاليل في العمق الى محو الآثار الطفيلية الجلية اكثر فاكثر خلال سنوات 60 و70 أو في جميع الأحوال بخس قدرها بخسا جديا. ليس لزيادة الميزانية العسكرية الأمريكية المقررة مؤخرا حتى هذا الادعاء«الكينزي». وستكون نتائجه «المفيدة» مركزة أساسا على المجموعات المتعاقدة مع وزارة الدفاع وعلى صناديق التوظيف المالية التي هي المالك الرئيسي لأسهمها.
نجدة وول ستريت
ذلك لأن هجوم بوش العسكرتاري جاء أثناء بلوغ التوترات أوجها داخل النظام المالي الأمريكي، بعد زوال انتفاخ الفقاعة المضاربية المرتبطة بـ«الاقتصاد الجديد» (على مؤشر ناسداك) وتراجع قوي في وول ستريت سنة 2001. وفي هذا السياق جاء إفلاس إنرون، وقد بدأت ُتعرف العمليات التي أتاحت ازدهار إنرون، سابع مجموعة أمريكية حسب ترتيب مجلة فورتشن[2]. إن مجموع مؤسسات الرأسمال المالي هي المعنية مباشرة، من بنوك، ومكاتب افتحاص(أوديت)، ومحللين ماليين،واقتصاديين مرموقين مصدر الضمانة الإيديولوجية[3]. لكن مؤسسات الدولة والكونغرس(الذي صادق سنة 1995 على قانون يجعل المتابعات الجنائية في حق المستشارين والقانونيين الماليين بالغة الصعوبة، هذا على سبيل المثال) متهمان أيضا بشكل مباشر وبنفس القدر. وتكشف قضية إنرون الى أي حد لا تشكل أواليات خلق ما يسميه ماركس«الرأسمال الوهمي» عناصر أساسية لسير عمل البورصة و«السواق المالية» وحسب، بل أيضا أواليات لسير«الاقتصاد الفعلي». إن أواليات الإنتاج (مثلا في البرازيل وفي الهند، حيث حصلت إنرون بالرشوة على تفويض الخدمات العمومية للتزويد بالكهرباء لتنهبها وتخربها) ومكافأة قوة العمل(إفلاس نظام التقاعد) هي المعنية مباشرة.
طبعا ليس المطروح على إدارة بوش «تطهير» النظام المالي لأن ذلك قد يؤدي إلى إنقاص كبير لقيمة ذلك الرأسمال الوهمي وقد يؤدي فورا إلى انهيار أقسام كاملة من النظام المالي الأمريكي. كما أن الزوبعة قد تجرف مجموعات صناعية عديدة تشكلت في سنوات 90 بواسطة عمليات اندماج-تملك. إن عمليات الاندماج- التملك، وثيقة الارتباط بـ«الُفقاعة المالية» التي شهدتها وول ستريت خلال سنوات 90، كانت في الواقع مبنية إلى حد كبير على تقييمات مشكوك فيها مؤسسة على ممارسات حسابية –قانونية طبعا- تتيح صنع رأسمال وهمي على نطاق واسع عبر تضخيم حسابات المنشآت والمجموعات. وكانت بعض تلك المجموعات أكثر من مجرد رمز لـ«الاقتصاد الجديد»، فقد كانت تمثل واقعه. لذا فان تعريض أصولها الوهمية الى حد بعيد لإنقاص كبير قد يزعزع أسس «الاقتصاد الجديد» وكذا إمكان استمرار هذه المجموعات المالية في ممارسة نهبها الريعي على الصعيد العالمي.
ترمي تصريحات بوش الحربية المستندة على الزيادات في النفقات العسكرية إلى «طمأنة» وول ستريت. إنها تسعى إلى إعادة ثقة كل من صناديق التوظيف المالية وأسر الطبقات العليا والمتوسطة في قدرة الأسواق اللامتناهية على السير نحو الارتفاع ومعاودته. ذلك لأن الأمر متعلق بإحدى خصائص سير الرأسمالية الخاضعة منذ سنوات 90 للرأسمال المالي. زادت "الأسواق" المالية (أسواق البورصة والنقد والصرف والمواد الأولية ،الخ) بشكل كبير سطوتها حتى قياسا على بداية القرن، أولى فترات السيطرة المباشرة للرأسمال المالي. وتتمثل إحدى النتائج في الدور الذي تقوم به تغيرات سعر الأصول المالية (الأسهم، السندات، لكن أيضا أسعار الصرف). وليست المنظورات طويلة الأمد الخاصة بنشاط المنشآت هي حافز مالكي الرأسمال المالي (إذ تقل مدة حيازة الأسهم عن سنة في أكبر بورصات العالم)، بل منظورات فائض القيمة البورصية وتسليم ربيحات الأسهم الدورية و إعلان خطة تسريحات. تأتي هذه الدخول المالية في آخر المطاف من اقتطاعات من القيمة التي خلقتها قوة العمل (في المنشأة) أو أساسا من الأجور (ضرائب مقتطعة لسداد فوائد الدين العمومي). إن قوة العمل، المأجورة أو تلك التي تعمل في بلدان«الجنوب» بشكل متسع أكثر فأكثر في شروط «لاشكلية»(أي دون أي حق) هي التي تتحمل في آخر المطاف وزر مواصلة «إنرون-اقتصاد» الذي يوجد مقره السياسي في تكساس(هوستون)، الولاية التي كان جورج دابليو بوش حاكمها. تأمين سيطرة الرأسمال الريعي على الصعيد العالمي
يعني قرار إدارة بوش خوض حرب ضد«محور الشر» أن الولايات المتحدة تهب نفسها فصاعدا حق التدخل في كل نقطة بالكوكب حيث تعتبر مصالحها مهددة. وستكون محاربة الإرهاب ذريعة. والهدف سياسي في المقام الأول بالمعنى الأساسي للكلمة، متمثل في استعمال القوة وتحطيم أعدائها المحتملين او الفعليين بالحرب..إن نظام الدفاع المضاد للصواريخ والإجراءات البليغة المتخذة منذ 11 شتنبر غير موجهين الى كوريا وغيرها من« الدول المارقة » حسب التعبير الأمريكي، بل الى الصين التي لا تبدي الولايات المتحدة أدنى استعداد لقبول صعودها بصفتها قوة رأسمالية، ولا حتى جهوية في العقود المقبلة. كما أن «محاصرة» روسيا غربا بتوسيع حلف شمال الأطلسي ليشمل هنغاريا وبولونيا والجمهورية التشيكية سيتواصل بانضمام أعضاء جدد(جمهورية البلطيق، أوكرانيا؟) ويتواصل منذ 11 شتنبر شرقا وجنوبا، في القوقاز، ويتمثل آخر طارئ( مؤقتا) في حضور العسكريين الأمريكيين في جورجيا. وتؤدي القرارات المتخذة منذ سبتمبر الى زيادة هامة في اختلال موازين القوى إزاء البلدان الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية في حلف شمال الأطلسي أو المرتبطة باتفاقيات أخرى (اليابان).وذلك فحوى المخاوف، العقيمة كليا، التي عبر عنها وزير الخارجية فيردين. ترمي إذن إدارة بوش إزاء الحلفاء الى مفعول استعراضي. فالمقصود مثلا تذكير الحكومات الأوربية بوزنها السياسي الفعلي(أي الضئيل) في الشؤون الدولية. وطبعا تستند الإدارة الأمريكية على موازين القوى تلك لتعزيز مواقع الرأسمال الأمريكي. ويزداد سقوط المنظمات الدولية، صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة، تحت تبعية الإدارة الأمريكية.ويأتي هجوم إدارة بوش في السياق المطبوع بانهيار الأرجنتين. وليست لعلاقة التورط العسكري الأمريكي المتنامي بالأزمة الأرجنتينية عرضية. إذ تمثل تعبئة الشعب الأرجنتيني والمطالبة بإلغاء دين خارجي جرى تسديده مرارا وتستفيد منه المجموعات المالية بالبلدان المتطورة والنخب القومية خطرا بالغا على القادة وعلى الرأسمال المالي الأمريكي. وأدركت الإدارة الأمريكية وجوب التصرف على وجه السرعة وبقوة فائقة لمنع امتداد ما يجري بالأرجنتين الى مجموع القارة الأمريكية الجنوبية.ولاجل ذلك بعثت رسالة إلى الرئيس دوهالدي تأمره بتقديم خطة لسداد الدين تكون «ذات مصداقية وممكنة التحمل»(فاينايشل تايمز 29 يناير 2002) وهو ما يعني بلغة بالكاد ديبلوماسية: يتوجب عليكم مواصلة أداء خدمة الدين مهما تكن النتائج المأسوية على الشعب الأرجنتيني. وأسبوعا بعد التوصل بتلك الرسالة ، يوم 29 يناير 2002، حل وزير المالية الأرجنتيني بواشنطن لاجل«إقناع واشنطن بأن حكومته لن تزيح البلد عن لبرلة الأسواق» (فاينايشل تايمز 29 يناير 2002).
وقد شارك في النقاش مع وزير مالية الأرجنتين أعضاء ديوان الرئيس وكاتب الدولة والممثل التجاري زويليك والمستشارة في الأمن القومي رايس التي تقوم بدور أساسي في إعادة تحديد أهداف الأمن القومي للإدارة الجمهورية. وقد كانت بوجه خاص أحد محرري تقرير هام نُشر أشهرا قبل الانتخابات الرئاسية في إطار « لجنة حول مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية» ،وقد كان ذلك التقرير يذكر بوجوب إدخال الدفاع عن العولمة أي«الحفاظ على استقرار واستمرار الأنظمة المعولمة المتمثلة في شبكات التجارة والمال والطاقة والبيئة» ضمن أهداف الأمن القومي التي ترهن«المصالح الحيوية للبلد» والتي قد تستدعي تدخلا عسكريا. وتحيل الإشارة الى أل أنظمة الشاملة للطاقة إلى البترول طبعا. وان لدى الولايات المتحدة الأمريكية تقليد عريق في التدخل العسكري المباشر وغير المباشر (دعم للجيوش القومية) كلما كانت مصالحها البترولية مهددة. فقد كانت رائحة البترول قوية في الحرب ضد العراق وضد صربيا، وما زالت قوية في الحرب الدائرة بأفغانستان. ومن جهة أخرى، حسب جريدة أوساط الأعمال الفرنسية، ليزيك ليوم 18 أكتوبر2001 :«ترتقب أوساط صناعة البترول نهاية الصراع الأفغاني» وبعد ثلاثة اشهر عنونت نيويورك تايمز(9يناير 2002) أن«الولايات المتحدة الأمريكية تقيم قواعد عسكرية في أفغانستان والبلدان المجاورة لأجل معركة طويلة الأمد». وتدل كل القرائن أن آسيا الوسطى والقوقاز يشكلان قطعة أساسية في رقعة الشطرنج الأمريكية الكبرى للقرن 21 وفق ما حللها برزيزنسكي.
ليست الأنظمة الشاملة للطاقة –والبترول في المقام الأول- وحدها المعنية. إذ أصبحت حماية «الأنظمة المالية الشاملة» – أي بصريح العبارة أمن الرأسمال المالي- هدفا أساسيا ضمن أهداف الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية.لا غنى إذن عن التذكير بأن رفض حكومة ما مواصلة دفع فوائد دين عمومي، بمثابة ريع دائم حقيقي يتعين سداده للرأسمال المالي، سُيعتبر تهديدا حيويا لصناديق التوظيف الأمريكية. ومن المحتمل في سياق الهيمنة الأمريكية واستعمال تفجيرات 11 شتنبر ألا تقتصر العقوبات على الصعيد الاقتصادي. ويمثل التدخل المباشر للقوات المسلحة الأمريكية، بذريعة وجود مجموعة إرهابية، ودعم قوات مسلحة قومية بتلك البلدان أو مجموعات شبه عسكرية تخلقها أجهزة الدولة، بعضا من السبل التي استكشفتها إدارة بوش في حال قيام مخاطر كبيرة ضد الرأسمال المالي الأمريكي.
هل حلت «الإمبراطورية» مكان الإمبريالية ؟
إن تفجيرات 11 شتنبر 2001 والكيفية التي أعادت بها إدارة بوش منذئذ نشر جهازها العسكري، ومن خلال نفس الحركة إعادة تأكيد أهداف سيطرة الرأسمال الأمريكي، تشكل تكذيبا جديا للاطروحات حول نهاية« سيادة الدول لصالح آلة عسكرية –آلة الرأسمالية العالمية» كما صرح توني نيغري في مقابلة بجريدة لوموند(4 أكتوبر 2001).و تشكل هذه الملاحظات صدى للكتاب الذي نشره بمعية مايكل هاردت بعنوان"الإمبراطورية". فحسب الكاتبان ستلي الإمبراطورية الإمبريالية كما حللها لينين و روزا لوكسمبورغ. وتكمن إحدى الفروق الكبرى بين المرحلتين التاريخيتين بالضبط في انتقال سيادة الدول-الأمم لصالح«جهاز حكم منزوع الطابع المركزي والترابي» .الإمبريالية انتهى أمرها. .ومن الآن فصاعدا لن تصبح أي أمة قوة عالمية كما كانت الأمم الحديثة» لاجدوى إذن من البحث عن مركز مسيطر، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية.«لا تشكل الولايات المتحدة الأمريكية مشروعا إمبرياليا وفي الواقع ليس بوسع أي دولة-أمة أن تفعل ذلك اليوم".
على عكس هذا الموقف، يذكر سلوك الإدارة الأمريكية بعد 11 شتنبر 2001 بأنه لا غنى للرأسمال، بغية الحفاظ على سيطرته، من جهاز سياسي تشكلت مؤسساته (القضائية، العسكرية، الخ) وتعززت وتحسنت في إطار دول البلدان الرأسمالية السائدة. هذا ما يجعل «الرأسمالية العالمية»، بالمعنى الذي قدمه نيغري في مقابلته مع لوموند،غير موجودة. ثمة ميل للرأسمال، بما هو علاقة اجتماعية، الى تجاوز الحدود القومية وباقي الحواجز(أشكال التنظيم الاجتماعي-السياسي مثلا).لكن اكتسى توسعه العالمي وما يزال سيماء مرتبطة بشكل لا ُيفك بموازين القوى بين الدول. بإعادة وضعها في دينامية تاريخية طويلة، يتضح أن المرحلة الجديدة من حركة تدويل الرأسمال المنطلقة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية غير قبالة للفصل عن التفوق النهائي الذي حققته الإمبريالية الأمريكية بوجه منافسيها الأوربيين واليابانيين.لقد أصاب نيغري وهاردت بتأكيدهم على هذا الميل لدى الرأسمال الى السعي الى تجاوز كافة الحواجز، الترابية والفضائية والاجتماعية المعترضة لحركته . ويمكن التذكير بأن ماركس وانجلز أشارا منذ 1848 في بيان الحزب الشيوعي إلى أن «البرجوازية أعطت، باستغلالها للسوق العالمية، طابعا عالميا لانتاج جميع البلدان واستهلاكها». لكن ماركس أكد مرارا على الطابع المتناقض لـ«عملية إضفاء الطابع الكوني» هذه (وهي صيغة اصح من العولمة). هكذا يشعر الرأسمال بكل حد بما هو عرقلة ويقوم بتجاوزه بطريقة مثالية لكنه لا يتجاوزه في الواقع … وتجد الكونية التي يجنح إليها الرأسمال بلا كلل حدودا في طبيعته بالذات، التي تكشف في في مستوى معين من تطوره أنه هو نفسه أكبر عقبة بوجه هذا الميل، وتدفعه بالتالي الى إلغاء ذاته»
إن المرحلة الرأسمالية الجديدة التي بديات قي سنوات 1980، لكنها شهدت ازدهارها الكامل في 1989-1991(سقوط جدار برلين وزوال الاتحاد السوفياتي)، تبرز بحدة جديدة التناقض بين ميل الرأسمال الى تشكيل السوق العالمية، ومن الأفضل قول «إضفاء الكونية على سيطرته» والتناقضات التي يتجلى فيها هذا الميل. كتب نيغري وهاردت انه « بدا لملاحظين ُكثر- في بداية الحرب العالمية الأولى – وبالأخص لنظريي الماركسية حول الإمبريالية - أن الأجراس قد قرعت وان الرأسمال بلغ عتبة كارثة نهائية . .. ومع ذلك توجد الرأسمالية، ونحن نكتب هذا الكتاب والقرن العشرون مشرف على النهاية، في وضع جيد بإعجاز ويشهد تراكمها قوة شديدة غير مسبوقة". انه جزم قابل جدا للجدل ما عدا عند الانخداع بسراب «الثورة المعلوماتية» و«الاقتصاد الجديد». في الواقع، إن الفوضى الاقتصادية والمأساة الاجتماعية الناتجين عن عولمة الرأسمال تستلزمان بحدة غير مسبوقة وجود جهاز عسكري-أمنى لفرض احترام نظام الملكية الخاصة أي أيضا معايير الحق التي يسعى الرأسمال بدفع من حاجاته الى «عولمتها.
لا يتناقض توطيد أجهزة الدولة هذا بالبلدان المسيطرة مع أهداف الرأسمال المدعومة بالسياسات النيوليبرالية المتمثلة في نزع تقنين الصناعات والأسواق وخوصصة الأنشطة ومنها حفظ النظام. وتمثل الشركات الخاصة المكلفة بحماية الملكية الخاصة (المرتزقة) خاصية بارزة في السنوات الأخيرة. وهي ناتجة في بعض مناطق الكوكب(أفريقيا وأمريكا اللاتينية) عن انهيار أجهزة الدولة الذي سرعته سياسات التقويم الهيكلي وتشكل طغمات متنافسة، لكنها مستجيبة أيضا لحاجة مجموعات البلدان المتطورة المستثمرة بتلك المناطق إلى مواصلة القدرة على ممارسة أنشطتها رغم الحروب الأهلية وغالبا بفضلها. وفي البلدان المتطورة يعبر صعود شركات الحراسة، وميليشيات أحيانا، عن صعود الأبارتهايد الاجتماعي نتيجة الوضع الذي فرضه الرأسمال على الشباب والحاجة الى تكميل عمل الشرطة والاستعاضة عنه أحيانا. لكن خوصصة بعض الوظائف العسكرية والقمعية لا تدل بأي وجه على نهاية أجهزة إكراه الدولة.
لا تتيح تفجيرات 11 شتنبر 2001 بأي وجه استنتاج نهاية « الحدود»،لأن تلك التفجيرات أُعدت داخل التراب الامريكي، ربما بتواطؤ نشيط أو ضمني داخل مؤسسات الدولة الأمريكية نفسها من أشخاص في وضع سوي تماما من وجهة نظر القانون الأمريكي واستعملوا الشبكات المالية القائمة في الولايات المتحدة الأمريكية. فتلك التفجيرات لم تضعف سيطرة الدولة الأمريكية لا داخل ترابها ولا خارجه. بل يسرت حملة وسائل الإعلام التي كانت تستهدف تعزيز المشاعر المؤيدة للإمبريالية وللنزعة القومية داخل السكان الأمريكيين، كما أتاحت للإدارة الأمريكية وللكونغرس توسيع وتوطيد وجود القوات العسكرية الأمريكية في كامل الكوكب.و لم يبلغ أبدا الوجود العسكري الأمريكي في العالم منذ الحرب العالمية الثانية ما بلغه اليوم. وبلغت السطوة العسكرية العالمية للقوة القومية للولايات المتحدة الأمريكية مستوى من القوة فاق ما كانت عليه منذ عقود. ولا ُتستعمل تلك السطوة لفرض متطلبات الرأسمال المالي على شعوب وطبقات« العالم الثالث» وحسب، بل أيضا لفرض مصالح الرأسمال القومي الأمريكي على الرأسماليات المنافسة (ثمة طبعا أكثر من مجرد المصادفة بين إحياء ذكرى انقضاء 6 اشهر على التفجيرات وإجراءات حماية صناعات الصلب التي اتخذتها الولايات المتحدة وأعلنتها يوم 11 مارس 2002)
«الأمة التي لا غنى عنها » وحلفاؤها
هكذا كانت اولبرايت تصف دور الولايات المتحدة الأمريكية أشهرا قبل ضربات حلف شمال الأطلسي لصربيا. و لم يكن ذلك مجرد تصريح متغطرس، بل تعبيرا عن واقع لا جدال فيه. لم يعد الدفاع عن النظام الدولي مرتكزا، كما في العقود التالية للحرب، على القوتين العظميين العالميتين وعلى مساومة كانت تقوم على تقاسم العالم الى مناطق سيطرة. حتى بالنظر من زاوية « تنافسهما» لم يكن بوسع الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن تنتصر على الاتحاد السوفياتي بالنظر إلى مأزق نمط تسيير الاقتصاد السوفياتي، والى المستوى الهائل للنفقات العسكرية التي ضخمت الشريحة السائدة واستنزفت موارد البلد، والى المأزق الذي ُزجت فيه حركات التحرر الوطني والحركات المنتفضة بفعل التحكم السياسي، و المادي غالبا، الذي مارسه الكريملين.
لقد وضعت سنوات 1990 المسؤولية المركزية للدفاع عن النظام العالمي على كاهل الولايات المتحدة التي كانت في موقع سيطرة غير مسبوق في تاريخ القرنيين الأخيرين بلا شك. وتندرج سيطرتها الحالية في مواصلة سيرورة منطلقة مع تمزق الإمبرياليات الأوربية خلال الحرب العالمية الأولى. هذه السيرورة التي قام تروتسكي بتحليلها تعززت خلال الحرب العالمية الثانية ثم خلال العقود اللاحقة. يبقى أنه في بداية هذا القرن تطرح هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على نحو مغاير لما كان في بداية القرن العشرين شكل موازين القوى بين القوى الرأسمالية العظمى وشكل الطبقات السائدة. خلال طور سيطرة الرأسمال المالي ذاك اعتبر نظريو الماركسية حول الإمبريالية (هيلفردينغ، بوخارين، لينين) أن سيطرة الرأسمال المالي «تنصهر» الى درجة متفاوتة مع جهاز دولتـ"ـه" القومية. ان تعبير الدول الريعية، الذي استعمله لينين والرائج من جهة أخرى في الأدب الاقتصادي لتلك الحقبة، يعبر جيدا عن فكرة فضاءات قومية وطبقات موحدة حول دولتها والتي لا يمكن إلا أن تتمازق في الحروب. ويحتفظ هذا التعبير بكامل قيمته. لكن يجب ألا يؤدي الى طمس التغيرات الحاصلة في ما اكتساه الرأسمال المالي من أشكال وفي علاقات منظمات الرأسمال المالي بدولته القومية ولا التغيرات الحاصلة في العلاقات بين الدول الرأسمالية المسيطرة. ولا يعنى هذا القول بأي وجه مماثلة الوضع الراهن بوضع «إمبريالية عليا» كما افترضها كاوتسكي، ولا اعتبار أننا إزاء «إمبريالية أحادية » من باب ملاءمة تخمين كاوتسكي مع الوضع المعاصر. لا يعني الموقع المركزي للولايات المتحدة الأمريكية ان هذا البلد قد أخضع الرأسماليات الأوربية واليابانية وانه يتملك، في علاقة استغلال، القيمة المحدثة في تلك البلدان. ولم «تستعمر» الإمبريالية الأمريكية شريكيها الأوربي والياباني على نحو تملك إمبرياليات بداية القرن العشرين لتراب الكوكب.
لم ترفع عولمة الرأسمال أيا من التناقضات التي أغرقت الاقتصاديات الرأسمالية في الأزمة بدءا من سنوات 1970. لقد كانت تشكل محاولة للرد على تلك التناقضات وهي في الواقع لم تفعل غير زيادة حدتها. تحتد المنافسة بين المجموعات الصناعية والتجارية للرأسماليات المسيطرة قصد الحفاظ على حصصها من السوق، ومن اجل تملك القيمة التي ينتجها الأجراء، وذلك في سياق تراكم ضعيف. كما تحتد المنافسة بين منظمات الرأسمال المالي لأجل الحفاظ على الاقتطاعات من موارد ميزانية البلدان« الصاعدة» برسم أداء الدين وحتى زيادتها إن أمكن. لكن إن لم تخف المنافسة الدولية فانه تظل مؤطرة بالهيمنة الأمريكية.
ومن جهة أخرى لا يعني الحديث عن الهيمنة تجاهل أو حتى بخس قدر عوامل الهشاشة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية الأكبر مما يزعم «الاقتصاد الجديد». فما زالت الولايات المتحدة الأمريكية تابعة بقوة للتزود بالبترول وباقي الموارد الإستراتيجية من مجموعات متعددة الجنسية. وتطالب هذه المجموعات بتدخل عسكري متنام على الصعيد العالمي.
ترتكز حيوية الابتكار التكنولوجي وحيوية مجالات هامة من البحث الجامعي (في علوم الهندسة مثلا) على «استقطاب للأدمغة» يمثل، شأنه في ذلك شأن تمويل أشكال العجز الأمريكي، إسهام « باقي العالم» في النمو الأمريكي.
تجريم المقاومة الاجتماعية
يؤدي هذا الوضع المتشكل من تركيب للتنافس المحتد بين الإمبرياليات والهيمنة الأمريكية إلى خلق ما سميته « كتلة الدول العابرة للأطلسي» . ويتكون هيكل هذه الكتلة من الولايات المتحدة الأمريكية التي تتكتل معها أساسا الدول الأوربية واليابان وباقي الدول المرتبطة عسكريا بالولايات المتحدة الأمريكية ( نيوزيلندة، استراليا، بوجه خاص). ويجب أن تضاف إلى هذه الكتلة المنظمات الدولية ذات الطبيعة الاقتصادية (صندوق النقد الدولي، البنك العالمي، المنظمة العالمية للتجارة، منظمة التجارة والتنمية الاقتصادية) والعسكرية (حلف شمال الأطلسي). وخلافا لما قيل بعد 11 شتنبر 2001 ، لم يصبح حلف شمال الأطلسي منظمة بالية. فلأول مرة منذ تأسيسه أثار حلف شمال الأطلسي البند الخامس القاضي باعتبار أي هجوم على بلد عضو بالحلف هجوما على كافة الأعضاء. إن كون الولايات المتحدة الأمريكية قد خاضت بمفردها بشكل أساسي الحرب في أفغانستان لا ينقص بأي وجه الدلالة السياسية للقرار الذي اتخذه حلف شمال الأطلسي في شتنبر 2001. فقد عزز هذا القرار الهجوم الذي شنته اللجنة الأوربية. اذ نشرت هذه الأخيرة تقريرا يرمي إلي تحديد جملة الأفعال الموصوفة بـ«الإرهاب». هكذا ُتدرج التشريعات الجديدة ضمن الأعمال الإرهابية « الاحتلال غير القانوني أو الخسائر الملحقة بالتجهيزات العمومية ووسائل النقل العمومي والبنيات التحتية والأماكن العمومية وكذا الملكية»، هذا علاوة على اعتبار« عرقلة أو وقف اشتغال التزويد بالماء والكهرباء والهواء أو أي من الموارد الأساسية» وكذا « أعمال عنف مدينية» أعمالا إرهابية ومعاقبتها تبعا لذلك.
ان تجريم أعمال المقاومة الجماعية للأجراء والعاطلين، ومعاملتها معاملة أمنية عسكرية، أمر يندرج في إعداد «الحروب المدينية»، وهي في الحقيقة حروب ضد السكان المدنيين، التي يوليها الخبراء الأمريكيون أهمية متزايدة (لاسيما بأمريكا اللاتينية).و تحتاج الولايات المتحدة الى حلفاء لخوض هذه المعركة بدءا بأوربا التي يتعين ألا تشوب شائبة تضامنها في تأكيد «نفس القيم الغربية» والعزم على الذهاب لاستكمال العمل في الميدان (باسم التدخل الإنساني عند الضرورة).
يجري تشكيل عناصر دفاع أوربي بشكل طبيعي في ظل الخضوع لحلف شمال الأطلسي، وهو ما يفسر الضغوط القوية لدفع البلدان الأوربية بدورها إلى زيادة النفقات العسكرية والأمنية.و ليس للولايات المتحدة الأمريكية ما تخشاه من انخراط عسكري متنام للاتحاد الأوربي بل ستكسب كليا. فهي ستكسب اقتصاديا( تتحكم في القسم الأساسي من الصناعات الحربية) وسياسيا(ليس قادة بلدان الاتحاد الأوربي على استعداد لأي «عمل طائش» إزاء الولايات المتحدة الأمريكية) .قد تؤدي النزعة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية الى جر أوربا وراءها. وفي هذه القارة من المحتمل بقوة استعمال محاربة الإرهاب، المعروف انه غالبا ما كان في الماضي القريب من تنظيم أجهزة الدولة نفسها (إيطاليا)، ذريعة لـ«تجريم» مقاومة الأجراء والعاطلين وغيرهم من ضحايا مخططات الرأسمال





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- اه...آه لو كلنا حنظلة؟؟؟؟
- شخصيات الكاريكاتور عند ناجي العلي: فاطمة المرأة الوطن
- ما هي الستالينية؟
- التفاوت الاجتماعي والتفاوت الطبقي
- عن الثورة الاجتماعية
- مارسيل خليفة -ممنوع- في تونس لإهدائه أغنية للسجناء السياسيين
- عولمة البطالة والفقر
- البطالة في المغرب
- الاستغلال الاستعماري بالمغرب
- الامبريالية الامريكية بعد 11 شتنبر....إلى أين ؟
- النساء والاضطهاد المزدوج
- اضطهاد المرأة عبر التاريخ
- الاصلاحات في ظل الحركة الوطنية المغربية
- الحركة الوطنية المغربية من الاصلاحات الى المسلسل الديمقراطي


المزيد.....




- التلفزيون السوري: مقتل 14 مدنيا وإصابة 32 آخرين بغارة للتحال ...
- بالصور والفيديو.. الجيش السوري يتقدم باتجاه -المحطة الثانية- ...
- ليبرمان: القصف على الجولان جاء دون علم الأسد
- "فيفا": جائزة "الأفضل" لرونالدو لاعبا ول ...
- إسرائيل باعت أسلحة لميانمار تمّ استخدامها ضدّ الروهينغا
- دنفورد: سنواصل عملياتنا في النيجر رغم الهجوم الدامي ضد جنودن ...
- الملك عبد الله للصدر: يجب تغليب الحوار للحفاظ على سلامة العر ...
- خمس طرق لتحسين قدرتك على التركيز
- رونالدو.. حاصد جوائز يلتهم ميسي
- قتلى من فصيل موال لتنظيم الدولة في غارات بدرعا


المزيد.....



الصفحة الرئيسية - ملف مفتوح بمناسبة الذكرى الخامسة لاحداث 11 سبتمبر 2001 - عبد الغني اليعقوبي - بعد 11 سبتمبر....إلى أين ؟