أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد المعين الملوحي - مقدمة عبد المعين الملوحي لأعماله الشعرية الكاملة التي لم تنشر






















المزيد.....

مقدمة عبد المعين الملوحي لأعماله الشعرية الكاملة التي لم تنشر



عبد المعين الملوحي
الحوار المتمدن-العدد: 1663 - 2006 / 9 / 4 - 10:20
المحور: الادب والفن
    


مقدمة عبد المعين الملوحي لأعماله الشعرية الكاملة التي لم تنشر
عبد المعين الملوحي
تمهيد لا بد منه: (بقلم: شاهر أحمد نصر)
من المؤسف أنّه لم يتم نشر الأعمال الشعرية الكاملة للأديب والمفكر والشاعر الموسوعي عبد المعين الملوحي حتى الآن، بل نشر بعضها في دواوين متفرقة، وبعضها في الصحف والمجلات، وأكثرها محفوظ في أدراج مكتبته لم ير النور بعد، وكان لنا شرف التعرف على تلك أعماله الشعرية كاملة، ولمسنا مدى الخسارة التي تصيب مكتبتنا العربية من عدم نشر تلك القصائد التي يحمل أغلبها بالإضافة إلى قيمتها الفنية والفكرية قيماً اجتماعية وتاريخية فائقة الأهمية..
أجل إنّ أحد أشكال الظلم الذي لحق بالملوحي عدم نشر أعماله كاملة، بما فيها أعماله الشعرية.. إنّه ما زال مجهولاً حتى من أقرب المقربين إليه، ولم تصدر حتى الآن دراسة وافية تسبر أعماقه وجوهره.. فرجوناه أن ينشر أعماله الشعرية كاملة، ولعلّه تفاجأ من الرجاء.. فمن حق المدافع عن المظلومين أن يجد من يدافع عنه.. وقد صارحته أكثر من مرة أنّه نفسه يظلم نفسه..
وأعود وأفكر بأنّه "ربما يريد بحدسه أن يعطينا درساً بأن الإنسان العظيم لا يتوانى في ظلم نفسه، لا يتوانى في سجن نفسه إن كان في ذلك حرية شعبه"...
وما زلت أذكر كيف وضع رقيب في وزارة الثقافة خطاً تحت الجملة السابقة، الواردة في كتابنا "الأصالة والإبداع في شعر عبد المعين الملوحي" الصادر عن مطبعة المنارة بطرطوس عام 2002، ولعل الرقيب استكبر رأينا في أن الملوحي يعطينا كإنسان عظيم درساً في عدم توانيه عن ظلم نفسه، إن كان ذلك يصب في صالح وطنه وشعبه!! ويوجد من يتهمني بالتعصب للملوحي نتيجة حبي له... كلا، إنّه ليس تعصباً، ولطالما سعيت كي أكون موضوعياً في حياتي وآرائي، ولإزالة اللبس سأورد بعض التفاصيل:
جرى نقاش بيني وبين شاعرنا عبد المعين الملوحي بدءاً من عام 2000 حول ضرورة نشر أعماله كاملة ، واقتنع بذلك ونضدت وأخرجت بشكل نهائي وأصبحت جاهزة للنشر ، إلاّ أنّ الأحداث التي عصفت بالعالم أخيراً، والنظرة المشوهة للإسلام من قبل أعداء الشعوب التقليديين، ومأساة الشعب الفلسطيني، جعلته يضع علامات استفهام ذاتية حول إمكانية نشر أعماله كاملة ـ بما فيها قصيدة "بهيرة" ـ في هذه الظروف .. وإمكانية استغلالها من قبل أعداء الإسلام .. في الوقت الذي يضحي العرب الفلسطينيون بأرواحهم ويستشهدون دفاعاً عن شرفنا ومستقبلنا ، فمن غير الصحيح ولا المعقول أن ننشر أي عمل ينال من معنوياتهم أو يفسر في غير صالحهم أو يحسب في صالح العدو ..
لقد قال:
"ـ ليس منطقياً نشر أعمالي الشعرية، من غير نشر قصيدة "بهيرة" ضمنها. وكيف تريدني أن أنشرها الآن، وأبناء الشعب العربي الفلسطيني، بمن فيهم المسلمون والمتدينون يخوضون صراعاً مريراً ضد الصهيونية... ألن يفسر ذلك كطعنة في ظهر شبابنا المؤمن المناضل ضد الصهيونية العنصرية؟"
وأتساءل: أليست هذه تضحية ذاتية في سبيل صالح الأمة؟!
في بداية عام 2006 اتفقنا على نشر أعماله الشعرية الكاملة، مع اقتراح بأن نترك فراغاً في مكان الأبيات التي تثير الشك في "بهيرة"... أرسلنا الديوان إلى وزارة الثقافة للحصول على الموافقة على النشر، وحصلنا على الموافقة... وناقشنا مسألة الطباعة والنشر مبدئياً مع دار السوسن بدمشق، وأبلغت شاعرنا على الخطوط العريضة لمشروع النشر في آخر لقاء لنا في منزله بتاريخ 7/3/2006، فطلب مني أن أدقق النسخة النهائية من التنضيد قبل عرضها عليه، لأنّه كان ممنوعاً من القراءة... في اليوم التالي، وفي حوالي الرابعة بعد الظهر اتصل بي هاتفياً، وقال:
ـ" يا شاهر، البارحة لم أستطع النوم."
ـ عسى الأمر خيراً. ـ سألته.
أجابني:
ـ" لقد أقلقني ديواني طوال الليل. لا أريد لديواني الشعري بعد هذا العمر أن يصدر مقطوع الرأس."
ـ لم أفهم. ـ أجبته.
ـ "بهيرة." قال لي، ثم أردف: "الأمر لا يتعلق بالكلفة المالية. سأترك لك مبلغاً من المال، بعد أن أموت، لتطبع ديواني كاملاً في بيروت."
كان ذلك آخر كلام جرى بيننا. وأتاني الخبر الأليم، وأنا أدقق النسخة النهائية من أعماله الشعرية، التي مازالت محفوظة لدي، مع أصل مقدمته التي كتبها بخط يده، وموافقة وزارة الإعلام على الطباعة... وأنا محتار وعاجز عن تلبية هذه الوصية الشفهية حتى الآن...
وأعود لأؤكد أنّ في نشر أعماله بعض الرفع من الغبن الذي يحاصره ، بالإضافة إلى أنّ نشر هذه الأعمال خاصة الشعرية ، سيقدم أعظم فائدة للقارئ العربي الذي ستغني قراءته لها من حبه لقضايا العدالة الاجتماعية ، وتزيده وطنية وإنسانية ، كما سيحيي القضايا العادلة التي دافع عنها وعن المظلومين فيها .. وكأنني أسمع أصوات : يوسف العظمة، وسلطان باشا الأطرش، وهنانو، والقمرين: فارس الخوري وشقيقه، وفتحي كامل محمود، والسرطاوي، وعبد الرحيم بدر، وشعيب الجندلي، ومحمد إقبال، وبهيرة، وورود، وبردى، ووادي العاصي، وفقراء الهند، وفلسطين والعروبة والإنسانية.. وغيرهم، وغيرهم تناشد أن أخرجونا من رفوف مكتبة الملوحي ..
ونظراً لعجزي عن تحقيق وصية الملوحي بمفردي، أضعها بين أيدي الجهات المسؤولة في وزارة الثقافة، واتحاد الكتاب العرب وغيرهما، وأيدي أصدقاء ومحبي الملوحي والعربية، علنا جميعاً نستطيع رفع بعض الإجحاف الذي لحق بشاعرنا وأديبنا، وفي هذه المناسبة أجد لزاماً علي إطلاع القارئ على مقدمة الملوحي لأعماله الشعرية الكاملة التي كتبها بخط يده، والموجودة لدي مع موافقة وزارة الإعلام، والنسخة المنضدة من أعماله الشعرية الكاملة الجاهزة للنشر كما أسلفت.
الصفصافة 3/9/2006 شاهر أحمد نصر
Shaher5@scs-net.org
مقدمة
بقلم: عبد المعين الملوحي

تمهيد
هذه مقدمة أعمالي الشعرية الكاملة، حرصت على كتابتها بنفسي، خشية أن يكتبها صديق، فيرفعها فوق ما تستحق، أو يكتبها من ليس بصديق فيهبط بها دون ما تستحق.
ذلك أني قرأت كثيراً من النقد الأدبي العربي، فوجدته ـ ويا للأسف ـ لا يعدو العلاقة الشخصية بين الشاعر، أو الكاتب، والناقد، إيجاباً حيناً، وسلباً حيناً آخر، وكلا النقدين غير موضوعي، ولذلك آثرت أن أضع مقدمتي لشعري شخصياً، وأرجو أن أكون في تقديم هذا الشعر موضوعياً ـ قدر ما أستطيع ـ.
وأريد قبل البدء بالمقدمة أن أشير إلى أمرين:
1 ـ أولهما أنّ جودة الشعر لا تتعلق بسن الشاعر ولا بثقافته، بل تتعلق ـ في الدرجة الأولى ـ بالدفقة الشعرية التي تنبجس من روحه.
2 ـ وثانيهما أنّ قصائد الشباب ـ استناداً إلى ذلك ـ ليست بالضرورة أقل قيمة من قصائد الكهولة والشيخوخة، بل قد تزيد عليها أصالة وتألقاً، وذلك ما لمسته في شعري. فلي قصائد في شبابي إذا أعدت قراءتها اليوم عجبت كيف استطعت نظمها في تلك السن المبكرة، ومن هذه القصائد قصيدتي في رثاء أخويّ عبد الباسط الأول، وعبد الباسط الثاني، ومطلعها:

جمالك يا دنيا يثير متاعبي...... وربّ جمال كان عون المصائب
وقد أعطيتها عنوان "قصيدة"، وهي في الديوان ص376
وسيجد القارئ قصائد أخرى في الشباب ليست أقل منزلة من قصائد الكهولة.
* * *
والآن لنبدأ بالمقدمة:
هذه مجموعتي الشعرية الكاملة فيها كل حياتي:
فيها نزق الشباب وآماله، وفيها خيبته وآلامه، وطيشه ونزواته، وفيها حلم الكهولة، وحكمة الشيوخ، وفيها تجارب الحياة حلوها ومرّها، وينتظم في الديوان واقع ما في الحياة الإنسانية في الحاضر من شر وبؤس، وتوقع ما سيأتي به مستقبلها من خير وسعادة... وفيها صواعق مدمرة ترافقها بين حين وحين قطرات ناعمة من الندى.
أول قصيدة نشرتها كانت "الساقط في البكالوريا" على أثر إخفاقي في الامتحان، وقد نشرتها في جريدة (ألف باء) في دمشق عام 1936.
نشرت في هذه القصيدة أكثر قصائدي، وحذفت بعضها لأني لم أرض عن أسلوبها، وإن رضيت عن موضوعاتها، ومنها قصيدة في رثاء فتاة قتلها أهلها لأنّها أحبت، وأخرى في رثاء طفل غريق، وثالثة في وصف حريق، وكلها نظمتها وأنا في الثالثة عشرة من عمري.
سيرى القارئ كثيراً من الرثاء في المجموعة: رثاء زوجتي "بهيرة"، ورثاء ابنتي "ورود" ورثاء نفسي، ورثاء إخوتي وأصدقائي، ذلك أنّ الموت أولع بي كثيراً حتى إني ذكرت ذلك في قصيدتي (ثلاث رسائل من حمص إلى الصين) حين قلت:
لمَ هذا الموت مفتونٌ بأهلي وصِحابي؟
يصطفيهم ويخلّيني لشجوني واغترابي.
لمَ لا يأتي إليّا؟
لمَ لا يقضي عليّا؟
لمْ يَزَل طول البقاءْ
من نصيبِ الأشقياءْ.
والحق أني توقعت أن يكون الرثاء أكثر ديواني حين قلت منذ عام 1938، وأنا في العشرين من عمري، هذا البيت ذا الدلالة في رثاء صديق:
ما فيك يا ديوان شعري بسمة...... بل أنت قطر دم ونقع جهاد
وقد حققت حياتي ما توقعته، بل ربما زادت على ذلك.

فلنبدأ بالرثاء:
الرثاء
* رثاء بهيرة
أعرف سلفاً أنّ كثيراً من الناس سوف يزعجهم بعض رثائي، ولاسيما قصيدتي في رثاء زوجتي "بهيرة"، بل سيغضبهم هذا الرثاء، بل سيثورون عليّ وعليها، بل سيجدون فيهاّ كفراً يخجل من الكفر، ولهم الحق في ذلك، ولكن ماذا أفعل إذا كان مصابي أفقدني صوابي، فاندلقت عواطفي كالسيل الجارف لا يبقي ولا يذر، لتكون أبياتاً من شعر متمرد، ما أظن أنّ أحداً بلغ مستوى شدته وعنفه.
لقد كانت الظروف التي أحاطت بي في زواجها وموتها مرعبة حقاً:
1ـ كنت في الثلاثين من عمري، في أوج شبابي، أحببتها وفجعت بها.
2 ـ لم يمتد زواجنا إلاّ سنة واحدة وستة أيام.
3 ـ ظلّت مشلولة، طريحة الفراش، طوال أيام زواجنا.
4 ـ كانت مصابة بالسرطان في نخاعها الشوكي قبل أن نتزوج.
5 ـ كانت أوجاعها وصرخاتها مخيفة لو أصابت الحديد ذاب.
6 ـ تركت لي طفلة في الشهر الثالث من عمرها.
فكرت في حذف قصيدة "بهيرة" من أعمالي الشعرية الكاملة، لأرضي بعض الناس، وأغضب بعض الناس، ولكني رأيت في حذفها خيانة لمرحلة من أكثر مراحل حياتي تمرداً وقسوة. ولقد ساعدني على إعادة نشرها أني نشرتها من قبل في عام 1970 في ديوان "قصيدتان: بهيرة وورود". ولهذا قررت إبقاءها لتكون شاهدة على مرحلة سوداء من مراحل حياتي الشقية.
ونشرت بعدها قصيدة رثائي لابنتي (ورود)، وأرجو أن يحدث في نشر القصيدتين معاً ما يحدث في الأواني المستطرقة، حين يستوي فيها السائلان الأسود والأبيض.
ليست قصيدتي في رثاء ابنتي (ورود) تكفيراً عن قصيدتي في رثاء زوجتي (بهيرة)، ولكنهما كلتيهما تسجيل لمرحلتين من مراحل حياتي المتناقضة.
بدأت مرحلة عودتي إلى الإيمان حين بلغت الأربعين من عمري، وقد سجلتها في قصيدتي (على شاطئ الأربعين)، وهذا مطلعها:
نظرت إليّ الأربعون، وكاد عودي الصلب يكسر
فوقفت أنظر للسماء منادياً: اللــــه أكبــر
* * *
نظرت إليّ الأربعون (فأصرخت كالثلج شيبي)(1)
فوقفت أنظر للسماء منادياً: اللـــه ربــي

وقد امتدت هذه المرحلة من الإيمان إلى ما بعد فجيعتي بابنتي.
ولا بد لي وقد بلغت هذه النقطة من المقدمة أن أذكر التناقض في آراء بعض الإخوان والأدباء في هاتين القصيدتين:
زارني الأستاذان نهاد القاسم، وعادل شعبان، وهما قاضيان مستقيمان. قالا لي بالحرف الواحد:
ـ أنت يا عبد المعين مؤمن في قصيدة "بهيرة".
قلت:
ـ كيف تقولان ذلك وأنتما قاضيان عادلان منصفان.
قالا:
ـ لو لم تؤمن به، لما عاتبته هذا العتاب القاسي.
وهذه صورة أخرى من صور التناقض:
كنت أرى في قصيدة (ورود) أقصى درجات الإيمان، ومع ذلك:
كان لي صديق فلسطيني مثقف هو د. عصام السرطاوي ـ رحمه الله ـ كان يحمل في جيبه على الدوام ديوان (قصيدتان: بهيرة وورود). سافر إلى مصر وقرأها للشيخ (أحمد الشرباصي)، فقال له:
ـ إنّ قصيدة "ورود" أكثر كفراً من قصيدة "بهيرة".
هاتان صورتان متناقضتان لآراء النظر في تقويم القصيدتين، ولست أريد التعليق على هذا التناقض، ولكني أريد النظر إليهما من الناحيتين العاطفية والفنية، لأراهما ـ كما أظن ـ في مستوى واحد.
ولا يجوز لي أن أغفل رأي أستاذي الدكتور (جميل صليبا) ـ وهو أحد كبار المثقفين العرب، بل هو من أكابر المثقفين العالميين ـ فقد زرته في مكتبه في وزارة المعارف آنذاك، عقب نظمي لقصيدة بهيرة، فطلب مني نسخة منها فوعدته أن آتيه بها في الغد، فقال: بل إني أريد نسخها بيدي، وأخذ القصيدة إلى بيته ونسخها، وعندما جئت في اليوم الثاني لأسترد نسختي قال لي بالحرف الواحد:
ـ والله يا عبد المعين لم أقرأ لشاعر شرقي، ولا غربي، ولا قديم، ولا حديث أعظم من هذه القصيدة. لقد ضمنت لها الخلود.
وأردف: لقد قالت لي زوجتي: ليتني مت، ورثيتني بهذه القصيدة يا جميل.
ثم سألني: أتعرف ما مزية هذه القصيدة؟ وأراد أن يستطرد فقاطعته، وقلت له:
ـ عفواً يا أستاذي، ميزتها أني قبضت على نفسي أثناء الهيجان.
ووافقني ـ رحمه الله ـ على رأيي.
* رثاء "ورود"
أما قصيدة "ورود" فلها حديث آخر:
ولدتْ عام 1957 وتوفيتْ عام 1970 أي أنّها كانت بنت ثلاثة عشر عاماً.
أرسلتها أمّها صباحاً في اليوم الذي ماتت فيه لتأتيها من الصيدلية بدواء، فسقطت على الدرج، وأصابت حافة الدرجة رأسها فأصيبت بنزيف داخلي... عادت بالدواء، فأكلت وشربت، وشاركت عبد الحليم حافظ في الغناء، ورقصت، وذهبت إلى المدرسة.
بعد دقائق رنّ جرس الهاتف، قال: هنا بيت عبد المعين الملوحي؟ قلت: نعم، أنا عبد المعين. قال: يا أستاذ سقطت ابنتك في الشارع... شارع الصالحية...
كنت ألبس عباءتي، فهرولت إلى الشارع، لأجد صاحب الحانوت وقد أدخلها إلى حانوته وأجلسها على كرسي، والظاهر أنّها أخبرته باسم أبيها، ورقم هاتفه قبل أن يغمى عليها.
حملت ابنتي بين يدي وصعدت بها إلى طبيب تقع عيادته في الطابق الرابع، فاعتذر عن عدم إسعافها، فحملتها إلى المستشفى فماتت في الطريق.
وهكذا في ساعة واحدة فقدت زهرة عطرت نفسي، وبيتي.
* عبد المعين الملوحي يرثي نفسه
بعد إحالتي إلى التقاعد عام 1976 طلبت مني سفارة الصين بدمشق السفر إلى الصين لأعمل فيها، وسافرت إليها عام 1977، وفي نيتي أن أبقى فيها عشر سنوات، أنقل أدبها إلى اللغة العربية، وأنقل الأدب العربي إليها، ولكنّ الأقدار جرت، وتجري على عكس ما يريد الإنسان، فقد أصبت بجلطة دماغية، وبقيت أكثر من شهر بين الحياة والموت، وظننت أني لن أعيش فبدأت قصيدتي في رثاء نفسي، وأنا في المستشفى، وأتممتها في دمشق.
غادرت الصين عام 1978 بعد سنة من إقامتي فيها، وأنا آسف لأني تركت تلامذتي الأذكياء في جامعة بكين، وتركت أصدقائي الأوفياء الذين أعطوني لقب "أستاذ شرف" في جامعة بكين.
وفي دمشق عدت، برحمة الله، إلى الحياة رويداً رويداً، وبفضل مكتبتي التي ساهمت في شفائي:
كنت أستدعي أبا العلاء المعري، فيلبي دعوتي، نتفلسف.
كنت أنادي أبا تمام، فيهبّ ويحدثني عن امرأة عربية صاحت: وامعتصماه، فلباها المعتصم.
كنت أهيب بديك الجن الحمصي، فيقص قصة مأساته في حب "ورد".
وقلت في نفسي:
لقد رثيت زوجتك، وابنتك، وأخوتك، وأصدقاءك، فلماذا لا ترثي نفسك؟ وأتممت القصيدة ونشرتها في كراس عنوانه "ديوان في قصيدة"
في هذه القصيدة سجلت حياتي ومبادئي: جدي، ولهوي في شبابي وكهولتي، حبي للحياة في شيخوختي، إيماني بأمتي وبشعوب الأرض، حقدي على المستبدين والمستعمرين، فجيعتي بما تقاسيه أمتي العربية من ذل وتفرق، وأخيراً وصيتي بعد موتي، وأختمها بحنيني إلى مسقط رأسي "حمص":
ويا وادي العاصي وكنت دوحـة.... أناجي بها الأحباب، حييت واديا
لئن فرقت أيدي السياسة شملنـا..... فمازال قلبي صادق الود صافيا
سأدفن في أحجارك السود أضلعي..... فلا يك ـ مثل الناس ـ قلبك قاسيا
(فإنّ أستطع في الحشر آتك زائراً)(2).... ولو خطرت حور الجنان أماميا
ولو خيروني لثم ثغر حبيبتـي ..... ولثم ثرى (حمصي) لثمت ترابيا
اعتذار
يلاحظ القارئ أني افتتحت مقدمتي لأعمالي الشعرية الكاملة بحديثي عن المراثي، فأثرت شجونه، وأنا أقدم له اعتذاري عمّا جنيت. ولكن الذي دفعني إلى ذلك أني أعتبر المراثي ـ ويا للأسف ـ خير ما في الديوان، وهي التي دفعت صديقي الأديب الأستاذ "شاهر أحمد نصر" إلى إصدار كتابه "عبد المعين الملوحي أمير شعراء الرثاء"، وإن كنت أرى أنّه أعطاني فوق ما أستحق.
* والآن هيا بنا إلى أغراض الديوان الأخرى.
في الديوان قصائد وطنية كثيرة تتناول نضال الشعوب العربية في سبيل تحقيق حريتها واستقلالها، ومنها شعبنا العربي السوري.
نشأت في بيئة دينية وطنية، وكان بيت أبي ـ رحمه الله ـ وهو إمام الجامع النوري الكبير في حمص، ملجأ للثوار، وقد ذكرت ذلك على الخصوص في كتابي (من أيام فرنسا في سورية). كنت طفلاً في الثامنة من عمري عام 1925، حين رأيت الثوار يعيشون وينامون وهم يحتضنون أسلحتهم، كما يحتضن العاشقون حبيباتهم، وشهدتهم عندما جاءنا إنذار بأنّ الفرنسيين جهزوا حملة قادمة إلينا، شهدتهم وهم يتسلقون الجدران، ويصعدون إلى السطوح، لينتقلوا إلى دارة أخرى تحميهم.
وشهدت واحداً منهم، هو الشهيد "عمر المجرص" محمولاً وهو ميت على ظهر حمار، تقرع حجارة الشارع رأسه فيهم بالنهوض، وتقطر الدماء من قدمه في الجانب الآخر من جثته، لقد قتله الفرنسيون وهو يضحي بنفسه ليضمن سلامة رفيقيه في الثورة، وقد وصف هذه الواقعة في مسرحيته "معركة في طاعون" صديقي "مراد السباعي" ـ رحمه الله ـ.
وزرت مساجين الثورة في سجن حمص، وكان منهم أخي أنيس، وسمعت خبر (القديسة العارية) التي حمت الثائر في غرفتها الوحيدة، بخلع ثيابها والاغتسال في عتبتها، وخبر زوجها ـ عامل النول ـ الذي قال عنها عندما سمع قصتها هذه الكلمة الصاعقة:
"الله يستر عرضك مثلما سترت عرضي".
هذا بعض ما شهدته في طفولتي، فنشأت نشأة وطنية وقومية حين رأيت العلم العربي بألوانه الأربعة يتصدر بهو دارنا وقد رسمه أخي أنيس قبل اعتقاله، وأيقنت أنّ وطن العرب واحد، وأنّ أمتي العربية واحدة، وأنّ فلسطين درة العالم العربي، وأنّ الاستعمار عدو الشعوب كلها، وعدو الأمة العربية على الخصوص.
وقد أطلقت في شعري شعار الأمة العربية الواحدة حين قلت عام 1941:
وطن واحدٌ لنا عربي.....العلا والفخار من أسمائه
واحتلت مأساة فلسطين جانباً غير قليل من شعري الوطني، ومن أوائل قصائدي قصيدة "ثورة فلسطين" التي هاجم الإنكليز فيها قرية صغيرة عند الفجر، ودخلوا مسجدها وقتلوا شيخاً يصلي فيه، وأختمها بهذين البيتين:
في غد تهتف الشعوب جميعاً .....قبح الله أمة الســكسـون
أمة فاض نتنها في البرايـا ..... مثلما فاض من رفات الدفين
(ص88)
ومن هذه القصائد ـ وليست آخرها ـ قصيدتي "الحرب والحب" التي أعتز بها، والتي أختتمها بهذين البيتين:
حياتي كأسان: حرب وحبّ ..... وكلاً شربت نـهـالاً نـهـالا
ولولا النضال جهلت الهوى ..... ولولا الهوى ما عرفت النضالا
(ص94)
الشعر الاجتماعي
الوطنية من دون مضمون اجتماعي، وطنية فارغة، وفي ديواني يترافق الوطني والاجتماعي، فلا يفترقان.
ومن القضايا التي يعالجها هذا الشعر:
1 ـ إنكار الاستعمار، والاستبداد، والدعوة إلى السلام العالمي.
2 ـ حق العمال والفلاحين في ثروة الوطن وخيراته.
3 ـ الحملة على البرجوازية والإقطاعية المتعاونتين مع الاستعمار.
4 ـ دعوة الشعوب إلى التمسك بحقها في تقرير مصيرها.
5 ـ الدعوة إلى الحرية، حرية الفرد والمجتمع.
6 ـ الدعوة إلى الاشتراكية، وإلى القضاء على الفقر والجوع.
وتتجلى هذه القضايا الاجتماعية على الخصوص في قصيدتي في رثاء صديقي المصري "فتحي كامل محمود"، رغم أني أدرجتها في شعر الرثاء لا في الشعر الاجتماعي لغلبة عنصر الرثاء عليها.
الشعر الذاتي
ولننتقل الآن إلى الشعر الذاتي.
يقول المثل الشعبي: ما من شجرة لم تهزها الريح.
وأعترف أني في حياتي ـ رغم ما عانيت منها ـ لم أكن قديساً ولا بعض قديس. أحببت كما أحبّ أكثر العاشقين صدقاً وعمقاً، ولهوت كما يلهو أكثر الغواة ضلالاً وإسرافاً.
كانت حياتي سلسلة من المآسي والملاهي، يوازيها عمل جاد مستمر في الدراسة والثقافة والنتاج الأدبي من تحقيق للتراث، وتأليف لكتب الأدب، ونظم للشعر، وترجمة للآداب الأجنبية المتنوعة.
لقد أحببت الجمال في البيض والسود والصفر، وهمت بالطبيعة في ثلوج جبال الهملايا، وملتقى النيلين العجيب في السودان، وغابة الأحجار في الصين، وبحيرة جنيف في سويسرا، ووقفت خاشعاً أمام الجهد الإنساني للدفاع عن الوطن في سور الصين العظيم، وأمام تاج محل الآية المعمارية في الذوق التي بناها حبيب لترقد فيها حبيبته إلى الأبد، وليدفن إلى جوارها إلى الأبد، وصعدت على الأهرامات التي بناها ومات فيها آلاف الرجال لتدفن في كل واحد منها عظام فرعون واحد، وأمام معبد الكرنك في مصر، وأعمدة تدمر في سورية، وأمام معابد الآلهة في اليونان.
لم ينسني طعم الحياة الحلو، ولا سحر اللهو اللذيذ واجبي نحو نفسي وأهلي ووطني، ولست أدري كيف استطعت حفظ التوازن بين كل هذه المتناقضات، ولكني حفظته في شجاعة، وصنته في كرامة، وسجلته في رثائي لنفسي حين قلت:
رشفتُ شبابي قطرةً بعد قطــــــرةٍ
وشبت فلم يعتبْ عليّ شبابيــــــــا
وَردْتُ الثغور الظامئات مناهـــــلاً
وطفت الصّدور الناهدات مجانيــــــا
تهيم بهن الروح روحاً فإن طغــــتْ
وأَزكتْ دمي أطفأت في الجسم ناريــــا
إذا الحبُّ أرضى الرُّوح والقلـــبَ أوَّلاً
تسامى فأرضى الجسم والدَّم ثانيـــــا
وقد تذبل الأرواح يحرمن قبلــــــةً
كما تذبل الأزهار يحرمن ساقيــــــا
ولم يَرَني الإمساءُ أَرْقُدُ خاليــــــا
ولم يرني الإصباحُ أنهضُ صاحيـــــا
ولم ينسني لهوُ الحياةِ مشاغلــــــي
ولم يُنسني جِدُّ الحياة الملاهيـــــــا
ويعجَبُ منّي الليل تصحو نجومــــه
وتَغفو تراني دارساً ثم لاهيـــــــا
وخيرُ السَّجايا أن توزع منصفـــــاً
حياتك : شطريها حليماً و غاويــــــا

وما زلت وأنا في الخامسة والثمانين من عمري أحب الحياة، وأعجب بالجمال، وما زلت في الوقت نفسه أتعلم لأني جاهل، وأعمل لأني حي:
وقالوا : " سئمت العيش " قلت : أحبــه
ولو كنت في كوخ من القش ثاويـــــا
أصوغ أحاسيسي وأشدو قصائــــدي
وأقرأ في ضوء النجوم كتابيـــــــا
وأرسل صوتي في الفلاة مدوّيـــــاً
وأضحك وحدي في دجى الليل هاذيــــا
أحب حياتي ، وهي كالصّاب مــــرةً
وأكره موتي ، وهو كالشهد حاليــــا
جنوني أصيل لا أريد فراقـــــــه
وعقلي أصيل لا يريد فراقيـــــــا
هذا الجد وذلك اللهو، هذا العمل المثمر وذلك الفراغ المجدب، تلك الحياة بمختلف مذاقاتها وألوانها تجدها كلها في شعري الذاتي، تسعدك حيناً وتحزنك حيناً، وتعجبك في كل حين.
لست أدعي أن شعري يستحق أكثر مما أجد فيه:
أجد إنساناً بسيطاً تقلب بين الخير والشر، وبين ملاك الرحمة وشيطان الضلال، ولقي في حياته صنوفاً من الحوادث: منها ما هو أليم، ومنها ما هو سعيد، فصاغها كلها في أمانة وصدق، فأنت تجد في هذا الشعر تشاؤم الشباب، وحكمة الشيوخ، ولهو الصبا، ووقار الكهولة؛ إنّه حقاً ذوب روحي أعرضها على الناس.
يا قصائدي:
رافقتني طوال حياتي، منذ كنت في الثالثة عشرة من عمري أقرزم الشعر حتى شاب رأسي، وانحنى ظهري، فأنا اليوم حين أقرؤك أستعيد كل مراحل حياتي.
يا قصائدي
كنت حزيناً، فإذا أنت حزينة.
وكنت سعيداً، فإذا أنت سعيدة.
وكنت مفجوعاً، فإذا أنت جدول من دم ودموع.
وكنت آسى على آلام وطني، فإذا أنت تضمدين جراح هذا الوطن الحزين.
وكنت وما أزال مؤمناً بأمتي العربية، فإذا أنت كوكب أمل.
وكنت وما أزال مؤمناً بالشعوب، فإذا أنت في معاركها وقود.
وكنت منكراً للاستعمار والاستبداد، فإذا أنت نار على المستعمرين والمستبدين.
وكنت حليفاً للمستضعفين في الأرض فإذا أنت يد رحيمة تمتد إليهم وتشد أزرهم.
آمنت بحق الشعوب في تقرير مصيرها، فآمنت به أنت.
آمنت بحق الفلاحين في أرضهم، فآمنت به أنت.
آمنت بحق العمال في مصانعهم، فآمنت به أنت.
أحببت مراراً، فشاركتني حبي في جحيمه ونعيمه.
ولهوت مراراً، فلهوتِ معي.
كنتِ جزءاً مني، وكنت جزءاً منك.
فلست أنكركِ، ولست تنكرينني.
فسلام عليك يا قصائدي.
دمشق 27/10/2001 عبد المعين الملوحي
ــــ
(1) الفقرة للشاعر البحتري في قصيدته التائية.
(2) الشطر الأول لأبي العلاء المعري






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,517,459,268
- نظرة في كتاب: الدولة والمجتمع المدني
- إلى صديقي ناظم حكمت
- تحية إلى ثورة أكتوبر
- رسول حمزاتوف/ من القصائد الأخيرة / ترجمة: شاهر أحمد نصر
- إنجي أفلاطون 1924 ـ 1989 مناضلة شيوعية على المستوى العالمي


المزيد.....


- البصرة مدينة لا مرئية / عبدالكريم كاصد
- كتابة على الأرض للمخرج الإيراني علي محمد قاسمي إدانة الإرهاب ... / عدنان حسين أحمد
- سلاما لك يا وطني . مع الفجر .. مع الصباح تأتي الولادات / مريم نجمه
- صورة تشبهني / مهند صلاحات
- ما يعنيني من نجيب محفوظ / حازم العظمة
- حسد / قصة قصيرة / امنة الذهبي
- قانصاتُ اللحظة، مُباغتاتُ المنازل، واهياتُ القلوب / أزهار أحمد
- قدمان مائيتان / عايد سعيد السراج
- مسرحية لم يمثلها فؤاد سالم / فراس عبد المجيد
- قصة قصيرة جدا......فسحة صغيرة من الحرية / محمود جلبوط


المزيد.....

- وليم كارلوس وليمز: ضرب من الغناء -
- (الأيام) البحرينية تستعرض الإنجازات الكبرى التي حققها المغرب ...
- من مقر الامم المتحدة.. المغرب يدعو إلى الوقف الفوري للعدوان ...
- من هو الفنان الأعلى أجراً في هوليود هذا العام؟
- الناقد الفني جميل ضاهر: مريام فارس فشلت وهيفاء تفوقت و" ...
- معوقات أمام الأدب العربي للطفل
- عبده وازن: الكتابة للطفل صعبة وممتعة
- وزير السياحة المصري يدعم مهرجان الموسيقى الصوفية
- مخاطر التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني
- مساهمة المغرب "لا محيد عنها" لبناء جسور بين الولايات المتحدة ...


المزيد.....

- الفن والايديولجيا / د. رمضان الصباغ
- زخات الشوق الموجعة / الحكم السيد السوهاجى
- اعترافات عاشق / الحكم السيد السوهاجى
- التيمة: إشكالية المصطلح وامتداداته / ليلى احمياني
- الضحك والحرية لميخائيل باختين / سعدي عبد اللطيف
- مالفن ؟ / رمضان الصباغ
- رواية نيس وميس / ضياء فتحي موسى
- (الصيدلاني ( عقاقير -الصمت والحلم والنسيان - شعر و فوتوغراف ... / ناصر مؤنس
- رواية فؤاد المدينة / كرم صابر
- زجاجتان في خاصِرة القلب / ايفان الدراجي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد المعين الملوحي - مقدمة عبد المعين الملوحي لأعماله الشعرية الكاملة التي لم تنشر