أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - 1 تموز 2006 - العلاقة المتبادلة بين العلمانية والدولة والدين والمجتمع - حسن كامل - حول امكانية الانتقال الى الديمقراطية العلمانية















المزيد.....



حول امكانية الانتقال الى الديمقراطية العلمانية


حسن كامل
الحوار المتمدن-العدد: 1624 - 2006 / 7 / 27 - 11:24
المحور: ملف - 1 تموز 2006 - العلاقة المتبادلة بين العلمانية والدولة والدين والمجتمع
    


قد لا نجانب الصواب إن قلنا إن المشكل الرئيسي في مجتمعاتنا تكمن في آلية الانتقال إلى الدولة العلمانية. نظراً إلى حجم المعيقات التي تختزنها هذه المجتمعات من تراكمات مذهبيةـ وطائفيةـ وعرقيةـ وقومية. لم تسنح لها الفرصة خلال ما مضى من الزمن لكي تعبر بها عن ذاتها وتفرغ مضمونها ومخزونها الثقافي في لحمة المجتمع.ناهيك عن الفشل الذي لحق بالإنماء وعلى جميع الأصعدة الاقتصادية منها والاجتماعية.
هو مشكل حقيقي عملية الانتقال إلى العلمانية بالنظر أيضاً إلى التعقيدات التي تواجهها مجتمعاتنا إن كان على الصعيد الداخلي والتي تتجسد بالممانعة من قبل السلطة السياسية و السلطة الثقافية "الإسلو قومية" المهيمنة على المجتمع. أو على الصعيد الخارجي والتي تتجسد ببعده السياسي الاقتصادي.
إن عملية الانتقال إلى العلمانية عملية مركبة وتأخذ طابع "الظاهرة الواحدة المكتملة"، في عملية ترسيخ القيم العلمانية في المجتمع، كمفهوم ورؤية، وبالتالي كقيمة أخلاقية معرفية تتمدد على حساب لائحة الثقافة الماضوية، مما تفرضه هذه القيمة الثقافية من مواجهة عنيدة وفعلية من قبل السلطتين التي لا ترى في العلمانية إلا مزاحم خطر على كل إنجازاتها ومكاسبها الخاصة.
من هذه الحيثية يمكن النظر إلى العلمانية على إنها احد الشرور التي تستجر لنفسها البلاء باتهام مسبق لا بل ومتفق عليه من قبل السلطتين السياسية والثقافية.
إنما هذا لا يمنعنا من السؤال كيف يمكن الانتقال إلى العلمانية؟!!. وما هي السبل الممكنة لذلك؟!!.
وخاصة نحن ننتمي إلى المجتمعات ما قبل الرأسمالية الصناعية أو إلى المجتمعات التي تعتمد على اقتصاد دولة. وهذه المجتمعات لا تتوافق ولحظة ولادة العلمانية في المجتمعات الأوربية الناهضة مع التطور الصناعي العلمي، حيث كانت العلمانية إحدى إفرازاتها الحداثوية.
من هذه الزاوية يصح النظر بالتوافق مع بعض المعادين أو المعترضين على العلمانية..بيد إن العلمانية وكنظام معرفي وقيمي ينافي النظر إليه من حيث ولادته فقط،أو بالتوافق ودرجة تطور المجتمع ببعده الاقتصادي والسياسية وحسب.
كون العلمانية قد أسست لذاتها منظومة قيمية سيادية عبر الزمن، واستوحت معارفها من خلال تجربتها التي باتت تصلح لكل المجتمعات دون "استثناء"، طالما (إي هذه المجتمعات)، ترفض و تقاوم الرؤية الأحادية التي تحمل في مضمونها الهيمنة على المجتمع. أي إن المعادلة تصح لو إننا إختزلناها بالتالي: العلمانية بمواجه رغبة رفض الاستبداد.
والمقصود برغبة رفض الاستبداد بمفهومه السوسيولوجي، هو إنضاج الشروط الموضوعية في المجتمع تهيئ لعملية الفرز، لقوى الرفض بحيث تكون قادرة على التعبير عن ذاتها بعيدة عن السلطة الاستبدادية. ومع تطور رغبة الرفض تندرج البرامج المتوافق مع تطلعاتها لتطرحها على المجتمع..وإبعاد كل ما هو غير متوافق مع ضرورات هذا البناء في الدولة ـ المجتمع.
إلا إن هذه الرؤية، تطرح في ذاتها وتحمل في مضمونها، فكر انقلابي ثوري، طالما إنها تسعى إلى الإطاحة واستلام السلطة..لذا يبقى السؤال يدور حول إمكانية هذه القوة في تحقيق تطلعاتها، وإيمانها بالعلمانية كخيار لا بديل عنه أو مرد له في المجتمع.
هل انو جدت هذه القوى العلمانية في مجتمعاتنا؟!!.
وان انوجدت ما هي سماتها وخصائصها البرنامجية للمجتمع؟!!.
بالتأكيد لا نستطيع الرد عن هذه الأسئلة إن لم تكن استشعاراتنا المجتمعية (حسب تعبير د.أسعد عربي درقاوي)، قد حسمت الخيار على إن الثقافة الديمقراطية العلمانية قد سادت عند السواد الأعظم من المجتمع، لتكون كفيلة في تحديد منظومتها الديمقراطية العلمانية، في التداول و حرية التعبير وقبول الأخر بغض النظر عن جنسه أو دينه أو عرقه.
إن هذه الاستشعارات لا تكتفي عند مرحلة رفض للسلطة..وخاصة في المجتمعات التي تحكمها سلطات غير أصيلة أو منتخبة، كونها انوجدت بحكم الانقلابات، وفرضت دون الرجوع إلى صناديق الاقتراح الحر، فاكتفت بالاستفتاءات الروتينية.
هذه السلطات تقع حكماً في بوتقة الرفض العام من قبل المجتمع. لذا ثقافة الرفض للسلطة لن تكون مؤشرة أو محددة عن حالة النضوج للثقافة الديمقراطية بعينها، إنما هي تحمل دلالة التأكيد على إنها المؤشر على عجز السلطتين "الاستبدادية"، عن إنجاز مهامها التنموية والثقافية.
بيد إن ثقافة الرفض هي مدعاة لنشر ثقافة الضد لما هو سائد. وهذا مؤشر مهم بحد ذاتها عن خاصية استقطابية، تدخل ضمن سياقات التأطير والتنظيم في خندق الرفض.. أي تخطي حاجز القدسية ـ والخوف للسلطة..وهذه تكون العتبة الأولى كخطوة مبدئية لتقبل المجتمع للجديد من الأفكار والحلول عن أزمتهم الناتجة لفلسفة الرفض للسلطة. مع التأكيد، لا يقصد بثقافة الرفض على إنها تؤسس وعلى الدوام لثقافة ديمقراطية سمحة..
أن السمة الأساسية لثقافة الرفض أو فلسفة الرفض في المجتمع تتمحور حول عدم الانسجام فيما بين المتبنين لهذه الثقافة. كون فلسفة الرفض لا تقتصر على فئات مجتمعية محددة أو قومية مذهبية بعينها. فهي تشمل من كل الشرائح والقوميات والأعمار مع اختلاف انتماءاتهم العقائدية.
وبمعنى أشمل إن ثقافة الرفض متبناة من كل من لم تكن له مصلحة مباشرة مع السلطة أو مستفيد من وجودها واستمرارها، بل بالعكس متضرراً منها بشكل من الأشكال، لذا هي ثقافة لحالة عامة وغير منسجمة شرائحياً ببعدها الطبقي ولا عقائدياً ببعدها الأيديولوجي، كل منهم ينطلق في اختيار اللغة التي تناسب وعيه وقناعاته في التعبير عن حالته الرافضة للسلطة، إلا إنها تتفق في المآل الأخير على مفهومية الرفض للسلطة.
غير إن هذا لا يعني القول على إن انتشار ثقافة الرفض، قد تخلق حالة انتفاضية رافضة في المجتمع. أبداً إنما بالتأكيد توسع من دائرة الاستقطاب بعد الأنخاب لتشكل النواة المحرضة للرفض.
السمة الثانية لثقافة الرفض هي ثقافة دائمة الاستمرار وملازمة لوجود الدولةـ السلطة، بغض النظر عن هوية هذه الدولة ـ السلطة وطبيعتها، وتأخذ هذه الثقافة أشكال متنوعة في التعبير عن نفسها والإفصاح عن مكنونها التي تختزنه في داخلها كجزء من حركتها التعبيرية عن رفضها للسلطة.
ومن خلال المراقبة للغة التعبير عن ثقافة الرفض يتحدد لدينا مقدار التضاد التي تحملها في مضمونها وبغض النظر عن مستوى التعبير، قد يكون التعبير بنكتة ساخرة أو بفعل تحمل دلالة العدوانية اتجاه كل ما هو عام أي تابع للدولة، وربما تأخذ الشكل العدواني العنيف في لحظات الغضب التي تعتمر العامة..الخ.
إي ما نود الوصول إليه علينا التمييز معرفياً ما بين ثقافتين في المجتمع. ثقافة الرفض والثقافة الديمقراطية . ثقافة الرفض هي الثقافة التي تجمع العام وتنبع منها دون أي شكل من أشكال التأطير أو التنظيم.
في حين الثقافة الديمقراطية هي ثقافة النخب المؤطرة والممنهجة أي المؤسسة على مبادئ وقيم محددة تحمل خصوصية كل شريحة لتعبر من خلال أدواتها عن ذاتها.
غير إن هذا الفرق لا ينفي عن إن ثقافة الرفض، هي التي تؤسس للثقافة الديمقراطية إن أحسنت "القوى الديمقراطية" التدبير في رفع سوية فلسفة الرفض لدى العامة إلى مستوى النهوض بها من حالتها السلبية إلى الحالة الاجتماعية الديمقراطية العامة، لتدخل ضمن إطار التجديد والتطوير لخطابها ومن ثم التأطير الديمقراطي المعلن والموضح في نهجها السياسي.
من خلال ما أوردناه من التوضيح نعود إلى صياغة أسئلتنا من جديد لنعطيها الدقة المراد منها في البحث ونتساءل عن:
ـ ماهية القوى الديمقراطية في المجتمع؟!.
ـ هل انو جدت هذه القوى؟!!.
ـ ما هي سماتها وخصائصها البرنامجية للمجتمع؟!!.
ليبقى السؤال الأخير يدور حول إمكانية التغيير الديمقراطي العلماني لهذه القوى في المجتمع!!. وما هي آليتها؟!!.
إن هذه الأسئلة التي نطرحها، هي أسئلة "قديمة جديدة" ونستطيع الجزم على إنها أسئلة دائمة الاستمرار. تلازم كل قوى الرفض في المجتمعات اللاديموقراطية، وازدادت من سرعة تواترها وبشكل خاصة، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومعه سقوط نموذج سلطة الحزب الواحد الذي كانت أولويات برنامجه تقتصر على التنمية الاجتماعية ببعدها الاقتصادي، على حساب الديمقراطية، مما أوقع هذا النموذج في مخالب البيروقراطية والفساد الإداري، فأتت عليها ومن دون عودة.
مما استدعى ذلك على أن يتمحور السؤال على كيفية الانتقال إلى الديمقراطية العلمانية؟!!. وبات هذا السؤال هو الشغل الشاغل لجميع قوى الرفض المؤمنة بالعملية الديمقراطية كآلية حل لكل إشكالاتها ومعاناتها ومعبر في البحث عن الحلول العملية وبصيغ ديمقراطية للمخلفات الانتكاسية لحكومات الاستبداد وعلى جميع الأصعدة.
عند البحث في آلية الانتقال إلى الديمقراطية، لا بد لنا من البحث أو التدقيق فيما تراه السلطة من عملية التغير، ومدى استجابة السلطة لتطلعات التغيير الديمقراطي العلماني؟!. لحسم الخيار فيما إذا كانت السلطة جازمة بالتغيير والانتقال إلى الديمقراطية!. لأن أحد الخيارات للانتقال إلى الديمقراطية تكمن في تقبل السلطة بفكرة الانتقال إلى الديمقراطية. وهذه تكون من أفضل الطرق وأنجعها وأسلمها وأقصرها للمجتمع.
صحيح لم تعطنا التجارب السابقة مؤشرات مشجعة إلا فيما ندر للسلطات التي انتقلت سلمياً إلى الديمقراطية، غير إن هذا الاحتمال وعلى قلة ندرته يبقى أحد الخيارين.
إما أن تقبل السلطة في الانتقال السلمي إلى الديمقراطية أو صعود القوى العلمانية وفرض الديمقراطية على السلطة بعد إزاحتها عن سدة الحكم.
عندما نقلب صفحات التاريخ لنتمعن في التجارب لمجموعة من الدول في المجتمعات اللاديموقراطية، ونقرأ ما كانت تدعيه حكومات تلك الدول عن الانتقال التدريجي للسلطة إلى الديمقراطية، نصاب بالتأكيد بخيبة أمل حقيقية من كل تلك الدعوات حيث مضى على البعض منها أكثر من ثلاثين عام وهي تدعي الانتقال السلمي التدريجي إلى الديمقراطية "المغرب مثلا"،... وتلت تلك الدعوات لدى غالبية قوى الاستبداد في السلطة وكأنها تكتيك يراد به الإطالة في عمر السلطة، للالتفاف على الدعوات الديمقراطية والتي باتت تتزايد وترتفع حدة المطالبة بها، مثل ما حل بمصر المحروسة. في خطاب القسم الذي أتلاه الرئيس حسني مبارك عند استلامه الحكم على أثر اغتيال الرئيس محمد أنور السادات..
أعلن عن الانتقال السلمي والتدريجي إلى الديمقراطية كخيار استراتيجي لتوسيع آفاق التنمية الاقتصادية لشعب مصر..وها قد انقضى أكثر من ربع قرن على هذا الخطاب، وما زال الحزب الوطني من خلال المؤسسة العسكرية، هو الحاكم على مقدرات الديمقراطية في المجتمع المصري، والرئيس مبارك هو الملهم لهذا الحزب "المجتمع".
وكذلك الرئيس زين العابدين بن علي..حاكم تونس بعد الانقلاب الوردي على سلفه، لا يتوانى ومنذ لحظة استلامه السلطة منذ أكثر من ربع قرن إلا وأن يذكرنا بالانتقال التدريجي والسلمي في ترسيخ الديموقراطية..ناهيك عن ما يردده حاكم اليمن أو حاكم الجزائر..أو ما يروج له في دول الخليج من تشكيلات للمجالس الوطنية، أو ما يجري في سوريا وما تحاك من دعوات ووعود و....الخ.
جل ما يمكن أن يقال هو أن هذه الحكومات الاستبدادية تخدع شعوبها في كل ما توعده وعلى جميع الأصعدة..إن كان على صعيد التنمية أو الوعود الخيرة في ازدياد فرص العمل..أو في دعواتها في التطوير والتحديث وما على شاكلتها من دعوات، أو عن رغبتها في السعي باتجاه دمقرطة المجتمع، والعمل على استنساخ آلية تعبيرية ديمقراطية للمجتمع كما هي الحال في آخر إبداعات الحكم في سوريا ومن خلال منظريهم حول الاقتصاد الاجتماعي(!!!). لترسيخ الديمقراطية الشعبية.
عند التمعن بهذا الخيار والمراهنة عليها كاحتمال في الانتقال إلى الديمقراطية سرعان ما سنكتشف زيف هذه الدعوات التي لا تتوافق ولا تنسجم إطلاقاً مع طبيعة السلطة البيروقراطية الاستبدادية الحاكمة.
هذه الحكومات عاجزة بنيوياً على الانتقال إلى الديمقراطية، وإن حاولت فلا ضمانة لترسيخها، لأنها غير مأمولة النتائج ومهدد في كل لحظة أن تكون عرضة لانقلاب عارض ليعود الحكم ثانية إلى قبضة الجيش.
لذا قبل طرح هذا الاحتمال علينا قراءة طبيعة السلطة، وتحديد خصوصيتها ومدى استجابتها لهذا الانتقال..وما هي حواملها، ومن هم دعاتها داخل السلطة، وإلى أي درجة يمكن المراهنة عليها.
أي أن يتم مسح كامل لهرمية السلطة لتحديد مراكز القوى الفاعلة أو المنسجمة مع فكرة الانتقال إلى الديمقراطية. ليتعدل السؤال وبشكل عملي إلى:
من مِن مراكز القوى الفاعلة في السلطة مهيأ فعلياً على التنازل عن مكتسباته داخل السلطة والتضحية بكل امتيازاته لصالح الانتقال إلى الديمقراطية!!!!.
إن جدل التضاد بين الديمقراطية كمنظومة والتي تتأسس على:
ـ مفاهيم حقوق الإنسان والمساواة وما ينتج عنها من الحق في الحريات وعلى مستوياتها التعبيرية والمحاسباتية، وكذلك قيام دولة المؤسسات السياسية والمدنية التي تعلو على الأفراد وميزاتهم ومراتبهم وانتماءاتهم العرقية والقومية والمذهبية الدينية. مع حفظ حق الأقليات إلى أن تصل إلى حق تداول السلطة في المؤسسات والدوائر لتصل إلى أعلى هرمية السلطة على أساس حكم الأغلبية الديمقراطية ـ.
إن هذه المنظومة، تتعارض بالتأكيد مع طبيعة السلطات التي أخذت شكل الحكم المطلق لشريحة أو طبقة أوعائلة، وباتت هي الدولة التي تنفرد بمصلحتها المطلقة في الحكم دون مساعدة أو تدخل أو حتى الاستشارة لخارج إطارها الملتحم مع السلطة ـ الدولة دون أي فصل فيما بينهما.
ناهيك عن موضوع المحاسبة أو تداول السلطة، التي تعتبر بحق خط لا يمكن الاقتراب منه أو المساس به حتى لو أدى ذلك إلى أن تفتح "الحكم ـ السلطة"، وبأشرس ما تمتلك من الأسلحة، الجبهات للمواجهة، الواحدة تلو الأخرى وعلى كافة الأصعدة الداخلية منها والخارجية إن تطلب الأمر.
وإذا ما تجرأ أحد من أركان السلطة على الانقلاب عليها أو الانشقاق منها وبغض النظر عن الدوافع، بالتأكيد سيقام عليه الحد"كما يفعل الإسلاميون"، إنما بصيغة مغايرة شكلاً، إذ يعتبر خائن وطنياً وخارجا من الإطار القومي.
وهذه ليست بدعة أتهامية لدى السلطات المستبدة والمنفردة بالحكم فقط. أبداً بل إنها قناعة مطلقة وتامة لدى أركان الحكم على إنهم هم الوطن، والوطن يتجسد في مصلحتهم، وهم رعاتها، لذا ما نراه من مظاهر التبني لكل ما ينجز من مشاريع وبحكم الضرورة الملحة ترجع إلى مفهوميه العطاء والتكرم من الحاكم نفسه.
لذا تعود هذه المشاريع كلها بمسمياتها إلى الحاكم وعائلته ولا فضل لأحد سواهم عليها. لاحظ كيف تتعامل السلطة مع موظفيها على إنهم خدم يعملون في ممتلكاتهم، تحركهم كما تشاء" مظاهرات تأيد..مظاهرات شجب..أو في الاستفتاءات..الخ. وإن أعترض أحدهم في عدم المشاركة لفعالياتهم يطرد من الوظيفة دون الرجوع إلى أي دائرة قضائية. هذا إن لم يتهم بجناية ما(؟!!).
ما نود تلخيصه هو بالقول: إننا لسنا أمام ظاهرة حكم بعينه، إنما نحن أمام ظاهرة مركبة ومرتبطة دون انفصام للحكم ـ السلطة من جهة، مع الدولة المجتمع من جهة أخرى. أي باختصار الحكم يعني المجتمع. وهذا يترجم بالمعنى العملي للتغيير إن أي خلل تصاب السلطة به، سينعكس ذلك حكماً وفي مصاف الأخير انهيار الدولةـ المجتمع. من هنا ينبع المشكل الرئيسي في الدعوى بالانتقال إلى الدولة العلمانية، مع السلطة "الحكم" في المجتمعات اللاديموقراطية.
غير إن هذا الإشكال وهو ما نعتقده حقيقي، لا تكون محاذيره مقتصرة على المجتمع وقوى الرفض الديمقراطية فقط. إنما نستطيع الجزم على إنها ومن وجهة مغايرة مطروحة على السلطة وبشكل حقيقي. وإنما بصيغة وشكل آخر، وهذا ما سنوضحه في الفقرة القادمة.

ـ السلطة وإشكالية الديمقراطية العلمانية.
لقد ـ وقعت ـ السلطات في المجتمعات اللاديموقراطية، أمام جملة من المتغيرات فرضت عليها، منذ أواخر القرن الماضي، من ما نتج عن الوضع الدولي الجديد، وما أفرزته على الصعيد الخارجي ومنعكساته، أوصلت هذه الحكومات إلى قناعة تامة ـ بأن الشروط الخارجية التي كانت تحيط بها وتسندها في الانفراد بالسلطة قد زالت ـ، وتحديداً منذ انهيار (الاتحاد السوفيتي ومنظومته البنائية والأيديولوجية في الدولة والمجتمع)، وبذلك أدركت هذه السلطات بانهيار جهازها ألمفاهيمي التي كانت تقيّم به المجتمع والدولة في آن واحد، ابتداءً من أحقية الهيمنة للحزب الواحد، وانتهاءً بالتنمية الشعبية، ومروراً بالديمقراطية المركزية، والوحدة الوطنية.. وأهمها سقوط مفهوم الوحدة القومية. التي كانت حجة مركزية لتعطيل الديمقراطية في المجتمع.
ومع ترسيخ مفهوم القطرية وزوال السند الخارجي..استحدثا ذلك استنهاض في الدعوات التحديثية للمجتمع بعودة المفاهيم التغيرية مثل "الديمقراطية ـ والعلمانية ـ والمجتمع المدني ـ والحقوق المدنية والانتشار المفرط للمنظمات اللاحكومية.."، بعدما استفاقت من سباتها، والتي اعتبرت بحق مقلقة للسلطة، وباتت عاجزة عن إيقافها بحكم سرعة تداولها من جهة، والاستجابة المفرطة من قبل المجتمع لتقبلها من جهة أخرى ـ.لتشكل ثقلاً معرفياً تحريضياً وفي بعض أنساقه استقطابياً يتنامى يوماً بعد الأخر ليضع (السلطةـ الحكم)، في موقع القلق الجدي أكثر من أي وقت مضى، لا لأنها باتت مدرجة على لائحة المطالب لقوى الرفض الداخلية، ورسخت على إنها جزء رئيسي للبرامج الوطنية المطلبية فقط. إنما لأنها باتت متجاوبة مع السمة الأساسية التي تطبع عصرنا "عالمنا" التي حلت أكثر من أي وقت مضى متشابك الأجزاء ومتداخل المصالح..
وأصبحت هذه الحكومات، عاجزة عن الحيلولة دون تسرب التأثيرات الخارجية الإرادية منها، كالتدخلات الأجنبية ونفوذ الدول الكبرى، واللاإرادية كتداخل الثقافات وانتقال الأفكار والأيديولوجيات. هذا فضلاً عن المصالح الاقتصادية التي أصبحت تطغى على العلاقات بين الدول وبالتالي تعلو جميع أنواع الحدود بين الدول.
إذاً هذه المتغيرات ألزمت "الحكم" بالأخذ بها، والبحث عن أنجع السبل للتكيف معها، شريطة تحقيق معادلة قد تبدو وللوهلة الأولى على إنها ممكنة، تتلخص المعادلة بـ: التعامل مع المتغيرات والتي أخذت شكل "الاستحقاقات الدولية" بما يتناسب مع استمرارها بالسلطة. واستخلصت هذه الحكومات إن أنجع طريقة لتحقيق هذه المعادلة تتلخص:
بإتباع أسلوب المماطلة في تحقيق هذه الاستحقاقات، ومن ثم الأخذ بها والعمل على تفريغها من مضامينها الفعلية وتقديمها بالشكل الذي تراه مناسباً لها ومتوافقاً مع مصلحة "الوطن ـ الحكم"، باختيار الآليات التي تستحدثها السلطة بذاتها لتفعيل ما هو مناسبا وممكناً لها من كل تلك الشعارات التي "تراها دخيلة ومفروضة عليها بشكل ما"، دون خسائر تذكر على صعيد تقويض مكاسبها.
لا خيار أمام السلطة إلا بإتباع هذا الأسلوب ـ أي المماطلةـ كخيار وحيد لها، معتقدة على إنها ستنجح من خلال كسب الوقت في انجاز برامجها،(!!!)، التي لا تكف عن الإعلان عنها وهي برامج قديمة جديدة، إنما النوعي فيها تطرح هذه البرامج وهي مغلفة بمفاهيم ومصطلحات تناسب المرحلة. مثل التحديث والتطوير والشفافية وحق المشاركة..الخ. والنوعي أيضاً (ولكي لا نصادر لهم حق)، إنها باتت تقدم كل من يخالفها الرأي إلى المحاكم المدنية، عوض عن المحاكم الاستثنائية، مع الحفاظ على القوانين الاستثنائية والعرفية منها بشكل خاص. بهذا المقدار تتفهم سلطة الاستبداد التغيرات وبهذه الآلية تسعى إلى انجازها والسير بها.
إن التلكؤ والمماطلة في تنفيذ الاستحقاقات الدولية إن كان على الصعيد الديمقراطي ـ الاجتماعي أو على الصعيد السياسي ـ الاقتصادي، لا ينبع من قصور في القراءة السياسية للسلطة، أو تعند غير مفهوم من قبلها، إنما ينبع من عدم مقدر هذه السلطات التكيف من حيث هرميتها مع منعكسات هذه الاستحقاقات. وهنا يكمن الإشكال الجوهري؟!.
إن المشكل الحقيقي للحكومات الفردية، تكمن في توزع مراكز القوى داخل السلطة، ومتصلة بشكل غير قابل للانفصال عن هرمية الدولة ـ المجتمع، وباتت لها مصالح حقيقية في المجتمع، من خلال مواقعها ومراكزها الحساسة داخل هرمية السلطة، لتشكل ثقلاً حقيقياً في المعادلة السياسية، وبالأخص ببعدها العسكري أي أنها قوة ضاربة يحسب حسابها، لذا تراها تتدخل بكل شاردة وواردة في المجتمع وتسيّرالأمور على هوى مصالحها الذاتية، لأنها تعتقد على إنها صاحبة الحق المطلق في هذه الدولةـ، وبالتالي "المجتمع"، حيث هي برسم ممتلكاتها لوحدها ولا يحق للغير مشاركتهم بها.
ومن هنا أيضاً نستطيع أن نتفهم السبب الحقيقي وراء الوعود التي تبدو كاذبة عندما تصدر من قبل رأس السلطة.. لأن حقيقة الأمر ليس هو لوحده صاحب القرار الأخير في أي أمر استراتيجي يؤخذ حيز التطبيق في المجتمع.
وبناءً على ما تقدم نستنتج على إن "السلطةـ الحكم" في المجتمعات اللاديموقراطية عاجزة على التكيف بنيوياً مع أللانتقال إلى الديمقراطية العلمانية. ونستطيع الجزم على إنها ستقاوم هذا البناء (العلماني) بكل ما تراه مناسباً لها ودون هوادة. حتى لو عملت على تفريغه من مضمونه لتقدمه نموذجاً يناسب هواها.
ليبقى السؤال المحوري إلى متى ستستمر هذه السلطات في المماطلة والتسويف في إنجاز هذا الاستحقاق بشقيه الديمقراطي المجتمعي والسياسي الاقتصادي؟!!. وخاصة وكما أكدنا بأن الشروط التي كانت تعيق الانتقال إلى الديمقراطية قد اندحرت دون رجعة وبات الاستحقاق الديمقراطي مطلباً دولياً؟!!.
هذا السؤال سيعيدنا في البحث عن قوى الرفض الديمقراطية في المجتمع ومدى نضجها أو قل إرادتها في فرض برنامجها الديمقراطي العلماني على السلطة مخيرة إياها أما بالقبول و المباشرة في إنجاز العملية الديمقراطية أو إزاحتها من السلطة لتفسح المجال في تطبيق برنامجها.
ويبقى الاحتمال الثاني يتحدد على مدى التوافق التي تبديه تلك الحكومات من الاقتراب مع النظام الدولي الجديد. وهذا ما سنتطرق إليه في الفقرة التالية.

1ـ حول قوى الرفض الديمقراطي العلماني.
ما يثير الغبطة للمتابع للخطاب السياسي أو المعاصر، وخاصة في العقدين الأخيرين، يلاحظ دون أدنى شك النفحة الديمقراطية وهي تتمدد يوماً بعد الآخر على مساحة المحتوى، في الخطاب السياسي للقوى بأجملها ودون استثناء.
وهذا التمدد لم يكن مقتصراً على القوى القومية أو اليسارية أو الوطنية، إنما تخطتها إلى القوى الإسلامية التي لم تكن من الديمقراطية بشيء سوى الموقف السلبي.
لا جدال في أن المطالبة بالديمقراطية آخذة بالانتشار والاتساع، لدرجة يمكن القول فيه بأنه الشعار الوحيد الذي يرفع جهاراً، دونما يستدعي ذلك العناء أوالحاجة إلى الدفاع عن مشروعيته أو مصداقيته..بل ولا حتى شرح مضامينه، وكأن هذه الشعارات أو المفاهيم الديمقراطية هي جزء معلوم ومهضوم في الثقافة الشعبية، لا تستدعي أي عناء لإيصالها إلى الجماهير.
من المعلوم أيضاً، أن الشعوب التي تظللت بالقمع ولفترات طويلة تحتاج ولكي تتعود على الجديد والمخالف لثقافة أنظمتها اللاديموقراطية، فترة من الزمن لتتدرب، ولتتشرب حقوقها الديمقراطية من خلال نشر الثقافة الحقوقية وبشقيه الإنساني والسياسي، وهذا الجهد يحتاج إلى عمل منظم ممنهج تساهم فيه كل الفعاليات المدنية والحكومية. غير إن هذه الثقافة تستدعي وقبل أن تصبح جماهيرية أي ملك لوعي كل المجتمع أن تكون ثقافة متأصلة لدى قوى الرفض أولاً وهنا: من الحيوي أن نتساءل إذ كانت الديمقراطية قد تأصلت في إرادة القوى التي ترفعها كشعار وتتبناه كنهج ووعي عميقين بضرورة الديمقراطية، وهم على استعداد مطلق في تقديم التضحيات التي لا بد منها من أجل تحقيقها في المجتمع؟!!.
أم إنها نابعة عن رغبة آنية للتخلص من حكم العائلة أو القبيلة أو الحكم الفردي المطلق؟!!.
أم إنها كمطلب للمعارضة لقطع الطريق أمام السلطة دون أن تعي ممارستها في الحياة السياسية؟!!.
هل تقتصر الديمقراطية فعلاً ببعض المقولات التي لا تتعدى احترام الأقليات واحترام حقوق الإنسان وحق الانتخاب دون وعي للمنظومة المعرفية الشاملة للديمقراطية العلمانية؟!!.
هل الذين يرفعون شعار الديمقراطية يمارسونها قولاً وفعلاً في الحياة اليومية والسياسية والتنظيمية بشكل خاص مع كوادرهم ومنتسبيهم؟!!.
إننا لا نود من طرح هذه الأسئلة لإيثاره الاتهامات، بقدر ما نود منها الدخول إلى معرفة تكوّن الإرادة الحقيقية للديمقراطية، والتي بدورها تدخلنا إلى معرفة الوعي بضرورة الديمقراطية ومدى تأصلها في الفكر والثقافة الجمعية لدى قوى الرفض الديمقراطية.
من المعلوم بأن الخطاب السياسي وعلى مر العقود، كان في مصاف الضد على الديمقراطية، أما بصورة صريحة وواضحة أو بشكل ضمني، أي وبشكل من الأشكال لم تكن الديمقراطية واردة في البرامج القوى الرافضة، لا القومية منها ولا اليسارية أو السلفية، ولم يكن ينظر إلى الديمقراطية كمطلب أو كمدخل لحل المشاكل العالقة في مجتمعاتهم، القومية منها أو الاجتماعية العامة.
وهنا يكمن السؤال الجوهري هل استطاعت قوى الرفض القومية منها أو السلفية أو الماركسية، أن تصل إلى حد القطيعة المعرفية لكل ثقافاتها الماضية، وانتقلت بعد قراءة نقدية علمية إلى تبني الديمقراطية العلمانية كمنظومة فكرية، وخيار لا بديل عنه لحل المشاكل المتعلقة، القومية منها أو الاجتماعية أو السياسية لمجتمعاتها؟!!.
من دون شك، ولكي نقترب بالبحث إلى المضامين، علينا الكشف أولاً عن المنظومة الفكرية التي كانت توظف بصورة أو بأخرى في التأجيل، أو بصرف النظر عن الديمقراطية، لتسنح لنا فرصة للدخول إلى البواطن للكشف عن درجة القطيعة التي قد وصلتها تلك القوى بالاقتراب من الديمقراطية العلمانية.
ـ أما القوى السلفية فلم تكن ترى في الديمقراطية إلا "بدعة إفرنجية"، مفروضة من الغرب لتقضي بها على مفهوم "الشورى"، لذا فالديمقراطية كانت مرفوضة جملة وتفصيلة.
مع العلم إن السلفية "الإسلامية" تدرك على إن الشورى في الفقه السياسي الإسلامي غير ملزمة لأمر الحاكم، رغم إن المجلس ـ أو مجالس الشورى، تتكون من أهل "الحل والعقد"، من رؤساء العشائر وأكابر القوم ووجهاءها وشيوخها..أي من هم من مناصب المجتمع ،الذين يساهمون في البيعة للحاكم إن صح التعبير، إلا إنهم لا يستطيعون في فرض رأيهم على الحاكم فيقتصر مهامهم على المناصحة فقط. ولم يأتينا الإسلام السياسي بصيغة أكثر توضيحاً من مفهومهم للشورى.
ـ أما القوى القومية، لم يكن يستبعد الحرية كمفهوم عن برنامجه، إنما.. كان له في تفسير الحرية (الديمقراطية)، خصوصية نادرة في التحليل والتطبيق، وخير مثال عن ذلك التجارب النيابية التي طغت وكل فترة حكمهم.. نستطيع القول بأن القوى القومية لم تهتم قط بالديمقراطية وكانت تعتبرها مطلباً مؤجلاً لغاية تحقيق الوحدة القومية القادرة على إنجاز كل المطالب الشعبية، ومن خلال ديمقراطية الدولة المتحررة من نير الاستعمار. لذا الديمقراطية بالنسبة للتيار القومي كانت مؤجلة وغير منفية.
إنما. جوهرية الفكر القومي ومفهوميته, لا يتردد على الطعن بالديمقراطية السياسية، ويثر الشك بجدوى مآربها العدوانية على غالب التحليل، وكانوا يفضلون مفهوم الديمقراطية الشعبية، أسوة بدول التي كانت تسمى "بالاشتراكية"، من حيث التطبيق برلمانات، طلائع، نقابات، وشبيبة الثورة، لتصل إلى تشكيل لجان الأحياء أو مجالس البلديات في المدن والبلدات..
رغم هذه التكونات الاجتماعية والتي انوجدت على أطراف هرمية الدولة بقيت أسيرة السلطةـ السياسية، وأيديولوجية الحزب الحاكم، التي لا تقتنع حتى بجدوى التفعيل الديمقراطي الشعبي إلا من خلال إتمام مرحلة الوحدة القومية.
ـ أما القوى الماركسية أو الاشتراكية أو اليسارية، لم تكن رؤيتهم تتعدى الفهم اللينيني للديمقراطية المركزية في الحزب، ومنه تسحب على المجتمع بكامله إلى أن تزول الدولة. لذا كانوا قد صرفوا النظر عن الديمقراطية لأنها مرتبطة بمفهوم الدولة البرجوازية المستعبدة للطبقة الكادحة.
حاولنا و"بتكثيف"، من خلال ما وضحناه سابقاً أن نلفت النظر إلى الكيفيات(المرتكزات الأيديولوجية)، التي كانت تنطلق منها قوى الرفض لتبني لذاتها الاستعدادات الفكرية التي تنبثق من مناصرتها لجملة مفاهيمها و بشكل أدق لمنظوتها الفكرية التي أسست لرؤيتها البرنامجية للمجتمع، لا لغاية التذكير على إنهم ومن خلال ما مارسوه وعبر عقود من الزمن كان فعلاً مساهماً ومقصودا (أي ممارسة عبر قناعة تامة)، وموازياً لفعل السلطة في نشر ثقافة الضد للديمقراطية.
إنما هي دعوى. ولكي نكون مقربين من حقيقة الأصالة التي تم تبنيها كإرادة تندفع باتجاه الديمقراطية. نتساءل؟!!.
هل حقاً تم التخلي عن المرتكزات الأيديولوجية السابقة في فكر قوى الرفض بغض النظر عن مرجعياتهم الفكرية؟!!
هل اقتنعت قوى الرفض بأهمية الديمقراطية وعلى علاتها بأنها أهم من الديكتاتورية أو حكم الفرد ـ العائلةـ القبيلة؟!!
هل حقاً، تراجع القوميون عن مبدأ أولوية الوحدة القومية على الحرية؟!!
هل يمكن انجاز الوحدة القومية من خلال حرمان القوميات الأخرى من ممارسة حقوقها؟؟!.
وما هو موقفهم من القوميات؟!!.
هل اقتنع الإسلاميون بمبدأ حق المواطنة الحرة.. دون تمييز لا لدينه أو جنسه أو قوميته؟!!
وملزمين بالدفاع عن حق فصل الدين عن الدولة؟؟!.
وأخيراً وليس آخر هل من مكانة حقيقية لمفهوم تداول السلطة في فكر قوى الرفض وهم على خلاف توجهاتهم الفكرية؟!!.
هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة، التي تعتبر معبراً للديمقراطية العلمانية في المجتمع، على قوى الرفض أن ترد عليها وتعمل على نشرها لكي تؤسس لثقافة ديمقراطية لا شائبة تشوبها، لتكون البناء الحقيقي للمجتمع من خلال بناء عقد اجتماعي جديد تقوم على احترام حق التعبير، والتنظيم، والدفاع والمساواة بالمواطنة الحرة، أي الإنجاز التام لشرعة حقوق الإنسان والقوميات والأديان كحق مقدس.
أسئلة برسم قوى الرفض إن كانت فعلاً تسعى إلى بناء مجتمع ديمقراطي حر.
إن الانتقال من مجتمع لا ديموقراطي إلى مجتمع ديمقراطي لا يحتاج إلى تغييرات دستورية وسياسية فقط، على الرغم من أهميتها. وإنما تستدعي هذه النقلة إلى ـ ثورة ثقافية كبرى ـ ثقافة ديمقراطية علمانية، تعلمه حقوقه وواجباته ولتنقل المواطن، من الحالة السلبية والخوف واللامبالاة أو بعبارة مختصرة من حالة الاغتراب في المجتمع، إلى حالة من الايجابية الفعالة، وهذه النقلة النوعية والكيفية من شأنها أن تجعل من المواطن الذي كان في ظل الشمولية مجرد رقم وغالب الأحيان رقم سلبي، إلى فرد له استقلاليته وله شخصيته، وقدرة على المبادرة والمبادأة، والفعل الايجابي كفرد له الحق في الرفض والاختيار والمحاسبة، وتقبل الغير.
مما لا شك فيه أن هناك علاقة بين الديموقراطية الحالة الاقتصادية للمواطن، فشيوع الفقر قد يدفع المواطنين إلى قبول الرشاوى الانتخابية فتفسد العملية السياسية ذاتها، وقد تغري الأثرياء من الذين يتسابقون للحصول على مقاعد المجالس النيابية إلى إغداق الملايين على الدعاية وعلى الأنصار، مما يصيب العملية الانتخابية في مقتل.
كما أن الظروف الاجتماعية، والتي قد تتمثل على سبيل المثال في شيوع الأمية بمعدلات مرتفعة، قد تؤدي إلى عجز الجماهير عن التمييز بين البرامج المختلفة للأحزاب السياسية، ويتحول الاختيار بالضرورة من البرامج إلى الأشخاص، وبذلك تفقد الممارسة الديموقراطية احد أسسها.
ومن ناحية أخرى هو انتشار التفكير الخرافي وغياب التفكير العلمي، فان المرشحين الذين يرفعون في الانتخابات شعارات دينية غامضة مثل "الإسلام هو الحل" قد يجدون من يصوت لهم بغير معرفة دقيقة بأفكارهم السياسية الحقيقية.
من أجل ذلك، تحتاج المجتمعات اللاديموقراطية إلى ثورة ثقافية جبارة وهذه الثورة "النقلة" تحتاج إلى الجهد والمثابرة من خلال التبني لإستراتيجية واضحة المعالم والأهداف، تتبناها قوى الرفض الديمقراطية، كمشروع وطني للتحول الديموقراطي، واضعة نصب غايتها، الانتقال بالفرد من بنيته السلطوية إلى البنية الديمقراطية.
هذه الإستراتيجية الثقافية الديمقراطية، لا تتنافى مع المطالبة والسعي لإنجاز التغيرات الدستورية والسياسية بالعام. إنما المحظور، لو إن قوى الرفض ـ"وكما هو قائم فعلياً في الكثير من المجتمعات اللاديموقراطية"ـ تركز على المطالبة السياسية الدستورية على حساب نشر الثقافة الديمقراطية في المجتمع، معتقدة بأن مهمتها في التحقيق الديمقراطي ينتهي عند هذا الحد من المطالب. أو ربما تعتقد وتبرر لذاتها على إن مرحلة ما بعد انجاز التحقيق الديمقراطي على مستوى السلطة سيتبع ذلك نشراً مركزياً للثقافة الديمقراطية.
ولأننا لا نريد في الخوض وفتح السجال حول الأولويات وأهميتها في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية سنختم فقرتنا هذه بمقولة لـ آلان تورين: إذ يؤكد في حواراته على إنه من المستحيل استمرار الديمقراطية في المجتمع دون أن تكون الثقافة الديمقراطية قد سبقتها إلى أعماق السلطة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- حول منظمات المجتمع المدني والعقد الاجتماعي
- -الحالة- الكردية والاستراتيجية الإسرائيلية


المزيد.....




- السيسي: لا يوجد أي معتقل سياسي في مصر
- مجلس الأمن يستعد لتمديد التحقيق في الهجمات الكيميائية بسورية ...
- أطباء يدعون لإنقاذ حياة توأم ملتصق في قطاع غزة
- رسالة الخارجية الأمريكية لحكومتي بغداد وكردستان
- مدير الـ (CIA) السابق ينصح ترامب
- المغرب.. نواب يستعطفون الملك للعفو عن معتقلي -احتجاجات الريف ...
- التربية الأخلاقية... منهاج مدرسي في الإمارات
- المدير في إسرائيل والموظفون في غزة
- كاميرا وقصة: مدمنات عربيات يحاولن الإقلاع
- تيلرسون: المعركة ضد داعش مستمرة والخلاف بين أربيل وبغداد سيح ...


المزيد.....

- ما بعد الإيمان / المنصور جعفر
- العلمانية والدولة والدين والمجتمع / محمد النعماني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف - 1 تموز 2006 - العلاقة المتبادلة بين العلمانية والدولة والدين والمجتمع - حسن كامل - حول امكانية الانتقال الى الديمقراطية العلمانية