أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - حسام أبو حامد - ثقافة - البسطة- وأزمة اليسار العربي















المزيد.....

ثقافة - البسطة- وأزمة اليسار العربي


حسام أبو حامد

الحوار المتمدن-العدد: 1590 - 2006 / 6 / 23 - 11:11
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
    


بات فوز الإسلامويين في الانتخابات المتنوعة ظاهرة مألوفة في المشهدين السياسيين العربي والإسلامي، خصوصا منذ تسعينيات القرن الماضي. ونستطيع بداية أن نضع يدنا على مفارقة مفادها: أنه في الوقت الذي يتعارض فيه الإسلام بصيغته المتشددة المكرسة على الطاعة مع الديمقراطية، فقد أستطاع الإسلامويون الوصول إلى المشاركة في السلطة السياسية من خلال ما رفضوه مرارا وتكرارا بوصفه بضاعة غربية، وما اختزلوه دائما في مجرد مفهوم الشورى الأرستقراطية.
في مجتمع عربي وإسلامي لا يزال ينتج ويعيد إنتاج أيديولوجيا الطاعة، فإن وصول الاسلامويين إلى السلطة السياسية كان نتيجة متوقعة من وجهة نظر البحث الاجتماعي التاريخي. فقد اتسم تعامل الدولة القطرية العربية وأجهزتها مع الإسلامويين بالازدواجية والتناقض. ففي الوقت الذي جرى فيه قمعهم على الصعيد السياسي كانت تتم عملية زرعهم أيديولوجيا واجتماعيا، موفرة لهم كافة المنابر الإعلامية الممكنة، والتي ربما كان أخطرها المؤسسات التربوية لاسيما المراحل الأدنى في السلم التعليمي ابتداء من دور الحضانة ورياض الأطفال. ما حدث في فترات تاريخية متعددة هو نوع من التواطؤ التاريخي غير المعلن. فمن جهة، استفادت النظم العربية الحاكمة من الصيغة المتشددة للإسلام في تكريس خطاب الطاعة وعملت على ترويجه من خلالهم من أجل مزيد من الإخضاع لقطاعات واسعة من الجماهير، ولتشكل نوعا من التوازن في وجه حركات المعارضة التي كانت في غالبيتها ذات توجهات يسارية وعلمانية. من جهة ثانية، حقق الإسلامويون حضورا جماهيريا وفعلا اجتماعيا طالما كان ديدنهم المصالحة والتواطؤ المعلن أو غير المعلن مع السلطة السياسية. وفي الوقت الذي كان فيه الطرفان ( السلطة والإسلامويون) يفشلان في الحفاظ على حالة التوازن تلك، كان العنف هو الحكم بين الطرفين، لتدفع الشعوب العربية ومجتمعاتها ثمنه غاليا. نتيجة لهذا التواطؤ، وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة القطرية العربية بحاجة لإجراء بعض التحولات المحدودة ذات الطابع الديمقراطي، لأسباب مختلفة، باتجاه مشاركة شعبية وجماهيرية محكومة بالأفق المرسوم لها سلفا، استند الإسلامويون على ذلك الرصيد الاجتماعي والجماهيري ليحصدوا نتائج الانتخابات بأشكالها المختلفة من بلدية ولجان محلية و نيابية.
ولم يكن للإسلامويين إحرازهم لتلك الانتصارات المتتالية لولا الفراغ الكبير في المجال السياسوسيولوجي نتيجة انحسار المد اليساري العربي والذي ترافق مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المنظومة الاشتراكية العالمية، معلنا تراجعه أمام الأطروحتين الدينية والليبرالية الجديدة، سواء تلك الوافدة من الخارج والتي تعلن نهاية التاريخ بانتصارها النهائي، أم تلك النسخة العربية منها والمنتجة بشكل مشوه. وكانت جملة من العوامل الموضوعية والذاتية قد أسهمت في ذلك التراجع المذكور لليسار العربي.
موضوعيا: افقد انهيار المنظومة الاشتراكية الأحزاب والحركات اليسارية قدرا كبيرا وهاما من الدعم المادي والمعنوي. ناهيك عن تزايد القمع الذي مارسته السلطة السياسية على حركات اليسار العربي بسبب توجهاتها الراديكالية والغير محافظة على الأقل، كما تقول أدبيات وكتيبات هذه الحركات والأحزاب. لكن هذه الأسباب الموضوعية وغيرها لم تكن هي الحاسمة مقارنة بالعوامل الذاتية التي مني بها اليسار العربي نفسه، وذلك أن الخارج، أيا يكن هذا الخارج، لا يستطيع أن يؤثر في داخل ما إلا بالقدر الذي يتيح له هذا الداخل نفسه وبتوجيه منه. من هنا يمكن القول أن الانهيار قد جاء نتيجة لتراكمات قد بدأت قبل سقوط المعسكر الاشتراكي وقد وصلت مع سقوطه إلى النقطة الحرجة. فقد أخفقت الأحزاب والحركات اليسارية العربية، ولاسيما تلك التي تقدم نفسها كأحزاب ماركسية لينينية، فكرا وممارسة وبنية تنظيمية وأهدافا.
فلم تكن الماركسية كفلسفة على يد الماركسيين العرب، في العموم الغالب، طريقة مفتوحة في التفكير تتمسك بالعقلانية في مواجهة المسلمات الجامدة والإيمان الأعمى، بحيث تحكم على الأشياء وفق الأدلة المتوفرة لديها. ولم تكن هذه الفلسفة على يد هؤلاء مستعدة دوما للتفكير وإعادة التفكير من جديد حين تثبت الخبرة والتجربة زيف وعقم المسلمات القديمة. وبذلك تحولت الماركسية إلى ما يشبه الدوغمائية المدعمة(Reinforced Dogmatism). وإذا كان ماركس أعلن ذات مرة أنه: (إذا كانت الماركسية مذهبا فأنا لست ماركسيا) فإن المنطق الأصولي الذي حكم البنية الذهنية للماركسية العربية يذهب إلى أبعد من ذلك في كل مرة تظهر فيها بوادر الفشل وتحين فيها لحظة المواجهة مع الذات. فانطلقت كل عمليات المراجعة الفكرية والنظرية من منطلق: (لم يكن الخطأ في النظرية بل الخطأ في التطبيق). مما أصاب عملية المراجعة والنقد الشجاع للذات بالعقم والإخصاء الفكري. وهكذا امتد الإخفاق والقصور ليشمل نقد الماركسية كتجربة فجاء النقد أيضا مأزوما وملوثا بأزمة طرائق التفكير ذاتها والياته.
ولعلنا لا نبالغ حين نقول أن نسبة كبيرة من المثقفين الماركسيين قد كونت ثقافتها الماركسية على أساس الشروحات والتلخيصات والكتب الحمراء ذات الأسعار الزهيدة التي انتشرت أمام الحوانيت ومكتبات الأزقة وما يشار إليه بالعامية " البسطات"، وقلة منهم أتيحت لهم الفرصة للإطلاع على مؤلفات ماركس وانجلز ولينين وغيرها من الكتب الأمهات، وعلى تحليلات كبار الماركسيين المعاصرين. لذلك لم تستطع ثقافة "البسطة" أن تتجاوز ذاتها بالنقد والتبرير. إن أي نقد للماركسية سيكون محدودا وضحلا بقدر محدودية وضحالة الوعي بالماركسية.
يمكن لنا أن نميز في الماركسية جانبين، الأول: جانب وضعي يدرس الواقع ليصف ويفسر الواقع كما هو عليه ويكشف القوانين مطلقا أحكام وجود. أما الثاني: هو قيمي معياري يقترح ما ينبغي أن يكون في ضوء مثل أعلى ويصدر أحكام وجوب أو أحكام قيمة. تمثل الجانب الأول في كشف ماركس للتشكيلات الاجتماعية الاقتصادية التي ظهرت عبر التاريخ وقوانينها الناظمة، والتي كان أهمها النظام الرأسمالي كما كان قد تشكل حتى عهد ماركس، ومكامن قوته وضعفه وأزماته والقوانين والمقولات التي حكمته كفائض القيمة وتراكم رأس المال... وغيرها، وذلك بالاعتماد على الديالكتيك كمنهج. بينما تمثل الجانب الثاني في التصورات التي اقترحها ماركس للحل والوصول إلى مجتمع لا طبقي تتحقق فيه العدالة ويستعيد فيه الإنسان إنسانيته، إنه المجتمع المثال أو ما ينبغي أن يكون. تحول الديالكتيك على يد الماركسية العربية إلى نتائج جاهزة، فتجاهلت ضرورة إخضاع مجتمعاتها لهذا المنهج لتصل إلى نتائج محددة. وفي ما يتعلق بالجانب الثاني اكتفت بتبني ما ينبغي أن يكون ماركسيا(نسبة إلى ماركس نفسه) ونسيت أو تناست أن الماركسية كمعرفة محكومة كغيرها من أشكال المعرفة في تطورها ونسبيتها بالديالكتيك. إذ يبرز الديالكتيك دائما بوصف منهجا للتجاوز الدائم والمستمر.
ولعب غياب الديمقراطية فكرا وممارسة دورا هاما في عدم قدرة الأحزاب اليسارية على التطور والتطوير. فلم يستطع الحزب الماركسي أن يتطور حسب قرارات أعضائه، إذ استبدلت المركزية الديمقراطية بالديمقراطية المركزية، وابتعدت القيادات الحزبية عن القواعد الحزبية بقدر ابتعاد الأخيرة عن الجماهير البسيطة التي كان من الصعب عليها أن تهضم المقولات الماركسية وممارسات الكوادر الحزبية التي كانت بالنسبة للجموع الغفيرة من البسطاء والمعدمين عصية على الفهم والاستيعاب. فلم تتعامل الماركسية مع التدين كظاهرة اجتماعية يكون حلها من خلال عملية التحول الاقتصادي الاجتماعي. فكانت الممارسات المضادة للتدين أشبه بالاستفزاز الغير مدروس. فكان اليسار العربي عموما بعيدا عن أن يلامس بشكل حقيقي هموم الناس المعيشية بالرغم من الشعارات الكثيرة واليافطات العريضة التي رفعها. وعجز تاريخيا عن الربط بين النضال الوطني التحرري والنضال من أجل الديمقراطية. هنا يلتقي اليسار الماركسي العربي مع الاسلامويين في رفض الديمقراطية بوصفها بضاعة غربية ليبرالية.
نتيجة هذه الفجوة بين الحزب والجماهير تحولت العلاقة بينهما إلى ذاك النوع من العلاقات المبنية على الحذر والريبة المتبادلين، والتي لم تخل من التعالي واللوم الموجه إلى الجماهير بسبب جهلهم وتقاعسهم. وأسقط من الحسبان أن حزبا قويا فاعلا هو القادر على خلق قاعدة جماهيرية لا العكس. فالحالة الجماهيرية هي حالة عفوية شعورية بحاجة إلى تنظيم محكم قادر على قيادة هذه الجماهير بحيث تشكل هذه الأخيرة الحامل الاجتماعي السياسي الحقيقي والفاعل. فما حدث هو أن حالة التشتت والارتخاء التنظيمي والحزبي وعدم الوضوح الفكري والسياسي والعلاقات المصلحية والشخصية وسياسة الفرد وتحويل الحزب إلى مزرعة خاصة متوارثة لعبت فيه الكوادر دور الموظفين، كانت كلها عاجزة عن أن ترمي حجرا في بركة ماء ساكن. بالإضافة إلى ذلك حدثت حالة من العزلة والانقطاع لليسار العربي عن المنظومة الأممية التقدمية. ولم تكن اللقاءات بين أحزاب اليسار وأحزاب هذه المنظومة العالمية إلا نوعا من العلاقات العامة ذات الطابع الاحتفالي، كان أقصى ما أنجزته مجموعة من العناوين العريضة امتلأت بها الصحف والمنشورات الحمراء التابعة لهذا الحزب أو ذاك.
اليوم، تقع على عاتق اليسار العربي مهمة المراجعة الشاملة والشجاعة من أجل تجاوز أخطاء الماضي وتخطي الصعوبات والمعوقات الذاتية والموضوعية التي تحول دون ممارسته لدوره الفاعل، وإعادة بناء الذات على أساس برامج تنظيمية وفكرية واجتماعية سياسية تتناسب مع متغيرات المرحلة وفق آليات ديمقراطية حقيقية، لاسيما في هذه اللحظة الحرجة من لحظات تاريخنا المعاصر. إن أحزاب اليسار مدعوة اليوم إلى تحالف يساري شامل يكون بمثابة عقد اجتماعي سياسي على أساس برنامج عمل واضح وأهداف محددة ترسم في ضوء ما تقتضيه المرحلة الراهنة، وعلى أساس ما يقدمه كل طرف من أطراف العقد من جهود في ترسيخ هذا التحالف وتحقيق أهدافه. ففي ظل ما اعتبر اليوم انتصار لليبرالية الجديدة وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم واستمرار تحالفها عضويا ووظيفيا مع الصهيونية العالمية، تتحول الدولة القطرية العربية إلى نظام الخصخصة واقتصاد السوق، الأمر الذي سيبقي اقتصاديات هذه الدول اقتصاديات مشوهة وتابعة مما يزيد في خضوعها سياسيا أمام الضغوط الخارجية، مما سينعكس سلبا على الوضع الاجتماعي والاقتصادي مؤديا إلى مزيد من التفاوت الطبقي والحرمان لأعداد متزايدة من الجماهير. الأمر الذي سيوفر للإسلامويين المناخ المناسب والأرضية الخصبة للحراك الواسع لتستمر في تقديم نفسها على أنها المخلص الوحيد. ولا يزال أمام اليسار العربي فرصة كي يلعب دور النقيض الحقيقي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأيديولوجي لمشاريع الهيمنة الرأسمالية على المنطقة، وللمشاريع التسلطية ذات المصالح الضيقة للأنظمة العربية الشمولية، وللتيار الإسلاموي الأكثر أصولية وظلامية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,203,388
- أيديولوجيا الموت واغتيال عمر المختار
- التأويل ومسألة اليقين..والعلاقة بين المعرفي والأيديولوجي
- حق العودة وأزمة الخصوصية اللبنانية
- أبو حيان التنوحيدي: إغتراب المثقف بين باب الله وباب السلطان
- من النص القراني إلى الفلسفة العربية الإسلامية... ملاحظات منه ...
- المثقف العربي : من سياسة تدبير العوام و تدبير المتوحد إلى سي ...
- حركة -حماس- واستحقاقات مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من غ ...


المزيد.....




- بعد مقتل جندي تركي.. هل -وقف إطلاق النار- شمال سوريا لا زال ...
- السلطات المصرية تعلن وجود مومياوات بداخل التوابيت المكتشفة ح ...
- الإجهاد والشوكولاته وأشعة الشمس.. ما هو جيد وسيء لبشرتك؟
- ألعاب أطفال داخل مسجد سعودي تثير ضجة.. والسلطات تتدخل
- الخطوط الأسترالية "كانتاس" تسافر 20 ساعة دون توقف ...
- الخطوط الأسترالية "كانتاس" تسافر 20 ساعة دون توقف ...
- أكاديمي لبناني: النظام الطائفي وصل إلى طريق مسدود؟
- أمراء حرب وزعماء طوائف.. 6 رجال يتصدرون المشهد السياسي اللبن ...
- نائب لبناني: وجود وزرائنا في الحكومة لم يعد مفيدا ولن نكون ش ...
- لافروف: على روسيا وأمريكا استعادة عمل البعثات الدبلوماسية بش ...


المزيد.....

- الحزب الشيوعي العراقي... وأزمة الهوية الايديولوجية..! مقاربة ... / فارس كمال نظمي
- التوتاليتاريا مرض الأحزاب العربية / محمد علي مقلد
- الطريق الروسى الى الاشتراكية / يوجين فارغا
- الشيوعيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في ... / مازن كم الماز
- نحو أساس فلسفي للنظام الاقتصادي الإسلامي / د.عمار مجيد كاظم
- في نقد الحاجة الى ماركس / دكتور سالم حميش
- الحزب الشيوعي الفرنسي و قضية الجزائر / الياس مرقص
- سارتر و الماركسية / جورج طرابيشي
- الماركسية السوفياتية و القضايا العربية / الياس مرقص


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - حسام أبو حامد - ثقافة - البسطة- وأزمة اليسار العربي