أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - اريك هوبزباوم - ربيع الشعوب















المزيد.....



ربيع الشعوب


اريك هوبزباوم

الحوار المتمدن-العدد: 6571 - 2020 / 5 / 23 - 11:51
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


أرجو أن تقرأ الصحف بعناية تامة. فهي تستحق القراءة هذه الأيام … هذه الثورة ستغير شكل الأرض – وذلك هو ما يتوجب وينبغي عليها أن تفعله!- عاشت الثورة!
الشاعر غيورغ ویرث (Georg Weerth) إلى والدته، 11 آذار/ مارس 1848.

الحقيقة أنني لو كنت أكثر شبابا وأكثر ثراء ما أنا عليه الآن مع الأسف، لكنت هاجرت إلى أمريكا اليوم. لا جبناً. لأن الأيام لا يمكن أن تلحق بي ضرراً أشد مما سألحقه بها – بل للتغلب على إحساسي بالاشمئزاز إزاء الفساد الأخلاقي الذي، على حد قول شكسبير، تتصاعد روائحه النتنة إلى عنان السماء.
الشاعر جوزيف فون آيخندورف (Joseph von Eichendorff)

إلى مراسل، الأول من آب/ أغسطس 1849(1).

I





في أوائل عام 1848، وقف المفكر السياسي الفرنسي البارز ألكسيس دو توكفيل (Alexis de Tocqueville) في مجلس النواب ليعرب عن المشاعر التي كانت تخالج أكثر الأوروبيين: «إننا نرقد على فوهة بركان … ألا تلاحظون ارتجاج الأرض من جديد؟ إن رياح الثورة أخذت بالهبوب، والعاصفة تكتسح الأفق». وفي الوقت نفسه، كان اثنان من الألمان المنفيين: کارل مارکس ذو الثلاثين عاما، وفریدریخ إنجلز البالغ ثمانية وعشرين عاما، يبثان مبادئ الثورة البروليتارية التي كان دي توكفيل يحذر زملاءه منها، في البرنامج الذي كانت الرابطة الشيوعية الألمانية قد طلبت منهما أن يضعا مسودة له قبل ثلاثة أسابيع، ونشر غفلا من التوقيع في لندن يوم 24 شباط/ فبراير 1848 تحت العنوان (الألماني) بيان الحزب الشيوعي (Manifesto of the Commutisr Party) ، الذي سينشر باللغات الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، والفلمنكية، والدانماركية(2)، وفي غضون أسابيع، بل في غضون ساعات في حالة «المانيفستو»، كانت آمال المتنبئين ومخاوفهم على وشك التحقق. لقد أطاحت انتفاضة بالملكية في فرنسا وأعلنت الجمهورية، وبدأت الثورة الأوروبية.

نشبت ثورات عديدة أكبر من تلك في العالم الحديث، وثورات عديدة أخرى أكثر نجاحا. غير أن أيا منها على الإطلاق لم يندلع بمثل هذه السرعة وبمثل هذا الاتساع، ولم ينتشر انتشار النار في الهشيم عبر الحدود والأقطار وحتى المحيطات، ففي فرنسا (3)، أعلنت الجمهورية في24 شباط/ فبراير. وفي الثاني من آذار / مارس، اندلعت الثورة في جنوب غرب ألمانيا، ثم 6 آذار / مارس في بافاريا، و11 آذار / مارس في برلين، و13 آذار / مارس في فيينا وفي هنغاريا في الوقت نفسه تقريبا، وفي 18 آذار / مارس في ميلان ومن ثم إيطاليا (حيث كانت ثورة مستقلة قد قامت في صقلية). وفي ذلك الوقت، لم يكن بوسع الخدمة الإعلامية الأسرع في متناول أي شخص (وهي بنك روتشیلد)، أن تنقل الأخبار من باريس إلى فيينا في أقل من خمسة أيام. وإن هي إلا أسابيع حتى كانت أركان كل الحكومات قد تزعزعت في مناطق أوروبا التي تقوم فيها، جزئياً، أو كلياً، عشر دول (4)، بالإضافة إلى المضاعفات الأقل حدة في عدد من البلدان الأخرى. وعلاوة على ذلك، شهد عام 1848 أول ثورة ممكنة على الصعيد العالمي، لأننا يمكن أن نتلمس آثارها المباشرة في انتفاضة 1848 في برنامبوكو (البرازيل) وفي كولومبيا النائية بعد ذلك بسنوات عديدة. وبمعنى من المعاني، كانت تطرح منظومة المعطيات التي تمثل «الثورة العالمية» التي أصبح الثوار منذئذ يحلمون بها، ويعتقدون أن بوسعهم تحقيقها، ولا سيما في لحظات نادرة مثلما حصل في أعقاب الحروب الكبرى. والواقع أن مثل هذه الانفجارات المتزامنة قلما تحدث على الصعيدين القاري أو العالمي، فالثورة في أوروبا عام 1848 هي الوحيدة التي امتدت إلى البقاع «المتقدمة» والمتخلفة في القارة على حد سواء. وكانت هي الأوسع انتشارا والأقل نجاحا من الثورات كلها، ففي غضون ست سنوات، كان انهيارها التام متوقعاً تماما، بل إن أنظمة الحكم التي أطاحت بها كانت، عدا واحدة منها، قد استعادت عافيتها بعد ثمانية عشر شهرا من سقوطها. وكانت تلك الحالة الاستثنائية – (وهي الثورة الفرنسية) قد نأت بنفسها، قدر المستطاع، عن الانتفاضة التي تدين لها بوجودها أصلا.

إن ثورات 1848، إذاً، تقف في مفارقة غريبة إزاء مضمون هذا الكتاب. غير أن حدوثها، أو التخوف من تجدد حدوثها، كان سيغير مسار التاريخ الأوروبي تغييرا كاملا خلال السنين الخمس والعشرين اللاحقة. إن السنة الثامنة والأربعين بعد ثمانمئة وألف كانت بعيدة كل البعد عن كونها «المنعطف الذي أخفقت أوروبا في الوصول إليه». وما أخفقت أوروبا في فعله هو الانعطاف على نحو ثوري. وحيث إنها لم تفعل ذلك، فإن سنة الثورة تلك تقف وحدها بمعزل عما حولها، بوصفها مدخلا لمسرحية لا تتواصل وقائعها وحلقاتها، وبوابة لطراز من المعمار لا تشي بما يمكن لعابريها أن يتوقعوا مشاهدته وهم يجتازون الممرات والمعابر واحداً بعد الآخر.

II

لقد انتصرت الثورات التي اندلعت في البؤرة الكبيرة الوسطى في أوروبا، لا في محيطها، وشملت بلدانا كانت من البعد أو العزلة في تاريخها بحيث لم تكن مهيأة للتأثر بها، على نحو مباشر أو فوري، بأي صورة من الصور (مثل شبه الجزيرة الآيبيرية، والسويد، واليونان)، أو كانت من التخلف بحيث لم تكن فيها طبقات متفجرة سياسياً في بيئة ثورية (مثل روسيا والإمبراطورية العثمانية، إلا أنها أيضا لم تطل بلدانا صناعية كانت اللعبة السياسية تجري فيها وفق قواعد مختلفة، مثل بريطانيا وبلجيكا). بيد أن النطاق الثوري الذي ضم، أساسا، كلا من فرنسا، والكونفيدرالية الألمانية، والإمبراطورية النمساوية، وامتد إلى عمق المناطق الجنوبية الغربية من أوروبا وإيطاليا، كان يتسم بالتنافر وعدم الانسجام؛ فقد كان يضم مناطق متفاوتة التخلف والاختلاف مثل کالابریا وترانسلفانيا، وأخرى نامية مثل الراينلاند وسكسونيا، وبقاعاً يشيع فيها العلم مثل بروسيا، وأخرى تنتشر فيها الأمية مثل صقلية، أو مدناً متباعدة بعضها عن بعض مثل کییل وباليرمو، وبیرینیان وبوخارست. وتخضع أكثر هذه المناطق لملوك أو أمراء يحكمون، على العموم، حكما مطلقاً، غير أن فرنسا كانت آنذاك مملكة دستورية بورجوازية. والجمهورية الوحيدة التي كانت ذات شأن في ذلك الوقت هي الاتحاد السويسري الذي استهل السنة الأولى من الثورة بحرب أهلية قصيرة في أواخر عام 1847. وتراوحت أحجام الدول التي تأثرت بالثورة بين فرنسا التي كان عدد سكانها نحو 35 مليون نسمة، والمقاطعات المتناهية الصغر في وسط ألمانيا التي لم يكن تعداد سكانها يزيد على بضعة آلاف، وتفاوتت مكانتها لتشمل الدول المستقلة الكبرى في العالم، والبلدان والإقطاعيات التابعة والخاضعة لقوى أجنبية، وتنوعت أنماطها بين إدارة مركزية موحدة، وتجمعات إدارية مترامية الأطراف.

وفوق هذا وذاك، فإن التاريخ – أي البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسات قد قسمت النطاق الثوري إلى قسمين متباعدين لا يكاد يجمعهما جامع؛ ذلك أن البنية الاجتماعية فيهما كانت تختلف كل الاختلاف، باستثناء الحالات العامة التي كانت الغلبة فيها لأهل الريف على أهل المدن، أو للبلدات الصغيرة على المدن الكبيرة. وكثيرا ما يجري إغفال هذا الأمر؛ لأن السكان الحضر، ولا سيما في المدن الكبرى، هم الأكثر نفوذا إلى درجة متعاظمة في المجال السياسي (6). وكان الفلاحون في المناطق الغربية أحراراً من الوجهة القانونية، بينما كانت الإقطاعيات الكبيرة قليلة الأهمية؛ أما في الشرق، فكان الفلاحون أرقاء، كما أن ملكية الأرض كانت تتركز، إلى حد بعيد، في أيدي النبلاء الملاك (انظر الفصل العاشر من هذا الكتاب). وفي الغرب، كانت «الطبقة الوسطى» تعني أصحاب البنوك، والتجار، والرأسماليين أصحاب المشروعات الاقتصادية، والذين يزاولون «المهن الحرة»، وكبار المسؤولين (بمن فيهم أساتذة الجامعات)، على الرغم من أن بعض هؤلاء كانوا يشعرون بأنهم ينتمون إلى طبقة عليا (Haute bourgeoisie) مستعدة لمنافسة النبلاء الملاك، وعلى الأقل في الإنفاق. أما في الشرق، فإن ما يعادل الطبقة الحضرية كان يتألف أساسا من فئات وطنية محلية متميزة عن السكان الأصليين، مثل الألمان، واليهود، وكانت هي الأقل عدداً في الأحوال كلها. أما المعادل الحقيقي لـِ «الطبقة الوسطى»، فكان يضم قطاع المتعلمين و/ أو ذوي العقلية التجارية من وجهاء الأرياف وصغار النبلاء. ويمثل هؤلاء طبقة عريضة إلى درجة مدهشة في بعض المناطق (7).. وقد جمعت الدائرة المركزية الوسطى الممتدة من بروسيا شمالا إلى شمال وسط إيطاليا في الجنوب، وهي التي كانت تمثل، على نحو ما، بؤرة النطاق الثوري، خصائص المناطق «المتقدمة» والمتخلفة على السواء، وفي أكثر من ناحية.

من الوجهة السياسية، كان النطاق الثوري متغاير الخصائص بالقدر نفسه، فباستثناء، فرنسا، لم يكن بيت القصيد يتمثل في مضمون الدول السياسي والاجتماعي فحسب، بل في شكل هذه الدول أو حتى وجودها أصلا. لقد جهد الألمان لبناء «ألمانيا» ما – وهل هي وحدوية أم فیدرالية؟ – من مجموعة من المقاطعات الألمانية العديدة المتفاوتة الأحجام والخصائص. وحاول الإيطاليون بالمثل أن يحولوا ما وصفه المستشار النمساوي میترنیخ (Metternich)، بازدراء ولكن بحق، بأنه «مجرد تعبير جغرافي»، إلى إيطاليا موحدة. وتميز الاتجاهان، بما فيهما من تحيز للرؤية القومية بعنصر مشترك هو استدراج شعوب لم تكن، في أكثر الأحيان، تعتبر نفسها ألمانية أو إيطالية خلافا لما كان يشعر به التشيكيون. لقد وجد الألمان، والإيطاليون، بل الحركات الوطنية كلها التي شاركت في الثورة، ما عدا الفرنسيين، أنفسهم يواجهون جبروت إمبراطورية آل هابسبيرغ الضخمة المتعددة الجنسيات التي امتدت إلى ألمانيا وإيطاليا، وأخضعت كذلك جانبا من التشيكيين، والهنغاريين، وجمهرة مهمة من البولنديين، واليوغوسلافيين، والشعوب السلافية الأخرى. ورأى بعض هؤلاء، أو الناطقون السياسيون بلسانهم على الأقل، أن «الإمبراطورية» كانت أكثر جاذبية من الانصهار في تجمع قومي توسعي مثل الذي يدعو له الألمانيون أو المجريون. وروي عن البروفيسور بالاكي (Palacky)، الناطق بلسان التشيكيين، قوله «لو لم تكن النمسا موجودة، لكان من الضروري اختراعها». وعبر هذا النطاق الثوري، كان النشاط السياسي، إذا، يعمل بصورة متزامنة على مسارات عدة.

صحيح أن الراديكاليين طرحوا حلا بسيطا: جمهورية ديمقراطية مركزية موحدة في كل من ألمانيا، وإيطاليا، وهنغاريا، أو أي دولة أخرى، تقوم على أساس المبادئ المجربة للثورة الفرنسية على أنقاض حكم الملوك والأمراء، وترفع راياتها الخاصة الثلاثية الألوان، على غرار النموذج الفرنسي كالمعتاد، الذي سيكون هو الأساس لعلم وطني (8). أما المعتدلون، من جهة أخرى، فقد انخرطوا في شبكة من الحسابات المعقدة التي تنطلق في أساسها من التخوف من الديمقراطية التي كانت، في نظرهم، مرادفة للثورة الاجتماعية. وبما أن الجماهير لم تقم بالانقضاض على حكم الأمراء، فليس من الحكمة تشجيعها على تقويض النظام الاجتماعي. أما إذا كانت قد أطاحتهم، فإن من المرغوب فيه إزاحتها وطردها من الشوارع، وإزالة تلك المتاريس التي تمثل الرموز الأساسية لعام 1848. من هنا، كان السؤال المطروح هو: من من الأمراء، الذين أصابهم الشلل ولكن الثورة لم تطحه بعد، يمكن إقناعه بدعم القضية العليا؟ كيف يمكن، بالتحديد، بناء ألمانيا أو إيطاليا فيدرالية وليبرالية، وإقامتها على أي صيغة دستورية، وتحت ظلال أي سلطة؟ هل يمكن أن تضم ملك بروسيا وإمبراطور النمسا (كما كان يعتقد المعتدلون المؤمنون بإقامة «جرمانيا العظمى» – وينبغي ألا نخلط بينهم وبين الراديكاليين الديمقراطيين الذين كانوا، بحكم التعريف، من دعاة “جرمانيا الصغرى”، أي إن النمسا لا تكون جزءا منها؟ وبالمثل، مارس المعتدلون في إمبراطورية هابسبيرغ لعبة ابتكار دساتیر فیدرالية لدول متعددة القوميات – وهي اللعبة التي لم تتوقف إلا عند نهاية تلك الإمبراطورية 1918. وعند اندلاع الثورة أو نشوب الحرب، لم يكن ثمة وقت لمثل هذه التأملات الدستورية. وعندما لم تكن ثمة ثورة ولا حرب، كما كانت الحال في أغلبية ألمانيا، فإن هذه التأملات بلغت حدودها القصوى. وحيث إن جانباً كبيراً من الليبراليين المعتدلين هناك كانوا من أساتذة الجامعات والموظفين الحكوميين – إذ إن 68 في المئة من النواب في الجمعية العامة في فرانكفورت كانوا من المسؤولين، و12 في المئة من العاملين في مجال «المهن الحرة» – فإن المداولات في ذلك البرلمان القصير الأجل لم تكن أكثر من جولات من اللغو الذكي العقيم.

إن ثورات 1848، إذا، تستدعي دراسة تفصيلية لكل دولة، وكل شعب، وكل إقليم على حدة، ولا مجال لذلك في هذا الكتاب. غير أن هذه الثورات تشترك في جملة من الخصائص ليس أقلها أنها حدثت بصورة متزامنة تقريبا، وأن مصائرها مترابطة وأخذ بعضها برقاب بعض، وأن طبائعها وأساليبها كانت متماثلة، واكتنفتها أجواء رومانطيقية – يوتوبية وارتفعت فيها شعارات خطابية متشابهة اخترع الفرنسيون لها مصطلح الثمانربعینات (quarante – huitard). ويتعرف كل مؤرخ إلى رموزها من أول وهلة: اللحى، وربطات العنق المنسابة والقبعات العريضة الجوانب التي كان يعتمرها المناضلون، والرايات الثلاثية الألوان، والمتاريس المنتشرة في كل مكان، والإحساس الأولي بالتحرر، وبالأمل الغامر، والارتباك المتفائل. لقد جسدت تلك الفترة “ربيع الشعوب”، وكانت، كالربيع، قصيرة الأجل. وعلينا الآن أن نستعرض بإيجاز القسمات المشتركة لتلك الثورات.

ولا بد من الإقرار، بادئ ذي بدء، أن تلك الثورات قد حققت نجاحا سريعا، ثم منيت أيضا بفشل ذريع سريعاً. لقد اندحرت الحكومات كلها في النطاق الثوري في الأشهر الأولى وأصيبت بعجز كامل، وانهارت كلها أو تراجعت من دون أن تبدي أي مقاومة تقريبا. غير أن الثورات فقدت خلال فترة وجيزة نسبياً روح المبادرة في كل مكان، في فرنسا بحلول نهاية نيسان/ أبريل، وفي أنحاء أوروبا الثورية الأخرى خلال الصيف، وذلك على الرغم من أن الحركة احتفظت بما تبقى من قدرتها للقيام بهجوم معاكس في فيينا، وهنغاريا، وإيطاليا. وكان المؤشر الأول على انبعاث النزعة المحافظة في فرنسا هو الانتخابات التي جرت في أواخر نيسان/ أبريل. فالاقتراح العام، الذي أسفر عن فوز أقلية قليلة من الموالين الملكيين، أرسل إلى باريس أغلبية عريضة من المحافظين صوت لها فلاحون غير رجعيين بل لا خبرة سياسية لديهم، في وقت لم يكن اليسار الحضري الصافي يعرف فيه أساليب الاستئناف.

(والحقيقة أن المناطق «الجمهورية» واليسارية في الريف الفرنسي، كما هو معروف في أوساط دارسي السياسات الفرنسية في تلك الآونة، كانت بحلول عام 1849 قد اتضحت معالمها. وأبدت تلك المناطق، ومنها بروفانس على سبيل المثال، مقاومة مريرة لإلغاء الجمهورية عام 1851). وتجلى المؤشر الثاني في عزلة العمال الثوريين وهزيمتهم في باريس في انتفاضة حزيران/يونيو (9).

في وسط أوروبا، جاءت نقطة الانعطاف عندما سمح لجيش هابسبيرغ، الذي ازدادت قدرته على المناورة بهرب الإمبراطور في أيار/ مايو، بأن يعيد تنظيم نفسه ويهزم انتفاضة رادیکالية في براغ، بمساعدة من الطبقة الوسطى المعتدلة – التشيكية والألمانية، فاستطاع بذلك استعادة أراضي بوهيميا التي تمثل النواة الاقتصادية للإمبراطورية، وتمكنت بعد ذلك بوقت قصير من استعادة السيطرة على شمال إيطاليا، وقضى التدخل الروسي والتركي على ثورة متأخرة قصيرة الأجل في مقاطعات الدانوب.

في الفترة الممتدة بين صيف ذلك العام ونهايته، استعادت أنظمة الحكم القديمة سلطتها في ألمانيا والنمسا، مع أنه كان من الضروري إعادة إخضاع مدينة فيينا الثورية بقوة السلاح في تشرين الأول/ أكتوبر بعد أن دفع أكثر من أربعة آلاف شخص حياتهم ثمنا لذلك. وبعد ذلك، استجمع ملك بروسيا قواه وأعاد سيطرته على أهالي برلين المتمردين ثم على بقية ألمانيا من دون صعوبة باستثناء بعض المعارضة في الجنوب الغربي، وترك البرلمان الألماني، أو بالأحرى الجمعية الدستورية، والمجالس الأخرى التي انتخبت في الربيع الحافل بالأمل، والمجالس البروسية والأخرى الأكثر رادیکالية، تتداول الرأي في ما بينها بانتظار حلها. وبحلول الشتاء، لم يكن تحت سيطرة الثورة غير إقليمين اثنين، هما أجزاء من إيطاليا وهنغاريا. إلا أنهما أخضعا مرة أخرى في أواسط ذلك العام بعد أنشطة ثورية متواضعة في ربيع 1849.

بعد استسلام الهنغاريين وأهالي البندقية في آب/ أغسطس 1849، لفظت الثورة آخر أنفاسها. وباستثناء فرنسا، كان حكام العهد السابق جميعهم قد استعادوا سلطاتهم، بل إنهم في بعض الحالات، مثل إمبراطورية الهابسبيرغ، ازدادوا سطوة، وتشتت الثوريون في المنافي. وفيما عدا فرنسا، مرة أخرى، تبددت وتلاشت التغيرات المؤسسية كلها، وكل الأحلام السياسية والاجتماعية التي ازدهرت في ربيع عام 1848، بل إن النظام الجمهوري في فرنسا نفسها لم يكن له من بقية العمر غير سنتين ونصف السنة. ولم يبق سوى تغيير أساسي واحد لا عودة عنه، ألا وهو إلغاء نظام القنانة في إمبراطورية الهابسبيرغ (10). وباستثناء هذا الإنجاز المفرد، على أهميته، فإن عام 1848 كان هو الثورة الوحيدة في تاريخ أوروبا الحديث الذي جمع، في آن معا، الوعد الأعظم، والمجال الأوسع، والنجاح الأولي الفوري الأكبر، والإخفاق الذريع السريع غير المشروط. لقد كانت، على نحو ما، مشابهة للظاهرة الجماهيرية الأخرى في أربعينيات القرن التاسع عشر، وهي الحركة الميثاقية في بريطانيا؛ ذلك أن أهدافها المحددة تحققت فيما بعد، ولكن ليس عن طريق الثورة أو في سياق ثوري. كما أن تطلعاتها الكبرى لم تتبدد، إلا أن الحركات التي تبنتها ودعت إليها كانت تختلف تماما عن تلك التي برزت عام 1848. ولم يكن من قبيل المصادفة إذا أن تكون الوثيقة التي أصدرت تلك السنة وأحدثت الأثر الأبلغ والأبقى على تاريخ العالم هي البيان الشيوعي.

اتسمت تلك الثورات كلها بصفة أخرى مشتركة ساهمت، إلى حد بعيد، في فشلها. لقد كانت، في واقع الأمر أو على مستوى الآمال المعقودة عليها آنذاك، ثورات اجتماعية لمصلحة الكادحين الفقراء. وقد أفزعت لذلك الليبراليين المعتدلين الذين دفعهم هؤلاء الكادحون إلى مواقع السلطة والنفوذ، ومنهم بعض السياسيين الراديكاليين، وحتى بعض أنصار أنظمة الحكم القديمة. وقد وضع الكونت كافور (Cavour)، حاکم بیدمونت الذي أصبح هو المهندس الرئيسي للوحدة الإيطالية، إصبعه على موطن الضعف هذا قبل ذلك ببضع سنين (1846):

“إذا قُدّر للنظام الاجتماعي أن يتعرض لخطر حقيقي، وإذا قدر للمبادئ العظيمة التي قام على أساسها أن تواجه مخاطرة جسيمة، فإننا نعتقد أن كثيرا من أشد المعارضين صلابة، وأكثر الجمهوريين حماسة، سيكونون أول من ينضمون إلى حزب المحافظين” (11).

إن القائمين بالثورة الآن هم، بلا شك، الكادحون الفقراء، فهم الذين لقوا مصرعهم على المتاريس في المراكز الحضرية: في برلين كان هناك خمسة عشر ممثلا من ممثلي الطبقات المتعلمة، ونحو ثلاثين من أرباب الحرف، من أصل الضحايا الثلاثمئة في مسيرة آذار / مارس. ومن أصل الثلاثمئة وخمسين قتيلا في انتفاضة ميلانو، كان ثمة اثنا عشر طالباً وعاملا من ذوي الياقات البيض أو ملاك الأراضي فحسب (12). والجوع الذي كانوا يعانونه هو الذي ألهب التظاهرات التي تحولت إلى ثورات. وكانت الأرياف في مناطق الثورة الغربية هادئة نسبيا، على الرغم من أن المقاطعات الجنوبية الغربية من ألمانيا شهدت من الانتفاضات الفلاحية أكثر بكثير مما هو مدون في العادة، إلا أن التخوف من الثورة الزراعية في الأماكن الأخرى كان من الحدة بحيث أصبح أكثر قوة من الواقع. ومع ذلك، فإن الفلاحين في مناطق عديدة، مثل جنوب إيطاليا، قاموا بالفعل بمسيرات تلقائية رفعوا فيها الرايات وقرعوا الطبول مطالبين بتقسيم الإقطاعيات الكبيرة. بيد أن الخوف وحده كان كافيا ليجمع بين قلوب ملاك الأراضي ويوحد صفوفهم على نحو مدهش. لقد أفزعتهم شائعات كاذبة عن قيام الأقنان بتمرد واسع تحت زعامة الشاعر س. بیتوفي (S. Petafi) (1823 – 1849)، فأقدم مجلس الدايت (البرلمان) الهنغاري المؤلف في معظمه من الملاك، على إلغاء نظام القنانة فورا في وقت مبكر من أواسط آذار/ مارس، ولكن قبل أيام قليلة من إصدار الحكومة الإمبراطورية، التي كانت تسعى إلى عزل الثوريين عن قواعدهم الفلاحية، مرسوماً بإلغاء القنانة كليا في غاليقيا، وإلغاء السخرة والعمل القسري والالتزامات الإقطاعية الأخرى في الأراضي التشيكية. ولم يكن ثمة شك في أن «النظام الاجتماعي» كان في خطر. ولم يكن بهذه الحدة نفسها في المناطق كلها، فقد كان بوسع الحكومات المحافظة، كما حصل بالفعل، شراء ولاء الفلاحين، وبخاصة عندما ينتمي القيمون على أمرهم من الملاك، أو التجار، أو الدائنين إلى جنسية أخرى غير «ثورية»، سواء أكانت بولندية، أم هنغارية، أم ألمانية. ولم يكن من المعقول أن الطبقات الوسطى الألمانية، بمن فيها رجال الأعمال الذين كان يشقون طريقهم بثقة في الراينلاند، كانت تخامرها المخاوف والهواجس من شيوعية بروليتارية وشيكة أو حتى سلطة بروليتارية مؤثرة إلا في كولون (التي اتخذها مارکس مقراً له) وفي برلين التي قام فيها عامل المطبعة ستيفان بورن (Stefan Born) بتنظيم حركة ذات شأن في أوساط الطبقة العاملة. ولكن مثلما كانت الطبقات العاملة الأوروبية تعتقد في أربعينيات ذلك القرن أنها تعرف طبيعة المشكلات الاجتماعية التي تنتظرها في المستقبل في شتاء لانكشير الممطر الملبّد بالدخان، فإنها كانت تعتقد أنها تعرف شكل المستقبل الذي ينتظرها خلف متاريس باريس – وهي المهد الذي ترعرعت فيه الثورة وشعت منه في شتى الاتجاهات. ولم تكن ثورة شباط/ فبراير «البروليتارية» فحسب، بل ثورة اجتماعية واعية. ولم يكن هدفها إقامة جمهورية ما، بل «جمهورية ديمقراطية اجتماعية». وكان قادتها اشتراكيين وشيوعيين، بل إن حكومتها الانتقالية ضمت عاملاً حقيقياً، هو الميكانيكي ألبرت. ولم يكن مؤكداً خلال أيام عديدة ما إذا كان علمها مثلّث الألوان أم أنه كان علم الثورة الاجتماعية الأحمر نفسه.

وفيما عدا المجالات التي كانت فيها قضايا الحكم الوطني والاستقلال موضع نظر، فإن المعارضة المعتدلة في أربعينيات ذلك القرن لم تكن ترغب في الثورة أو تسعى إلى اندلاعها بصورة جدية، بل إن المعتدلين كانوا يؤثرون المفاوضات والأساليب الدبلوماسية على المواجهة حتى في القضايا الوطنية. ولا ريب في أنهم كانوا يفضلون المزيد في هذا الاتجاه، غير أنهم كانوا مستعدين للقبول بتنازلات يمكن القول إن أكثر أرباب السلطة المطلقة غباء وثقة بالنفس سيضطر إلى منحها، إن عاجلا أو آجلا، أو القبول بتغيرات عالمية قد ترضى بها عصبة «القوى العظمى» صاحبة الأمر والنهي إن آجلا أو عاجلا كذلك. وبعد أن دفعتهم إلى الثورة قوى الفقراء و/ أو مثال باريس، حاولوا بطبيعة الحال أن يوجهوا وضعاً مواتياً لم يتوقعوه وجهة تحقق لهم المنفعة القصوى. غير أنهم في التحليل الأخير بالتأكيد، بل منذ البداية في معظم الأحيان، كان ينتابهم القلق من الخطر الذي يمثله اليسار أكثر من التهديد الذي تمثله أنظمة الحكم القديمة. ومنذ اللحظة التي ارتفعت فيها المتاريس في باريس، غدا الليبراليون المعتدلون (وكذلك، كما لاحظ کافور، نسبة معتبرة من الراديكاليين) قوة محافظة مضمرة. وفيما كانت مواقف المعتدلين تتقلب من جانب إلى آخر على نحو متسارع أو تختفي كلياً، كان العمال، الذين يمثلون العناصر المتحررة في أوساط الراديكاليين الديمقراطيين، يعانون العزلة أو ما هو أدهى من ذلك، وهو مواجهة تحالف ضم المحافظين، والقوى المعتدلة السابقة التي وقفت إلى جانب النظام القديم: إنهم، على حد وصف الفرنسيين يمثلون “حزب النظام العام”. لقد فشلت ثورة 1848 لأنه تبين أن المواجهة الحاسمة لم تكن بين أنظمة الحكم القديمة و«قوى التقدم» المتحدة، بل بين «النظام» و «الثورة الاجتماعية». ولم تحدث هذه المواجهة الفاصلة في باريس شباط / فبراير بل في باريس حزيران/ يونيو، عندما تعرض العمال للهزيمة وللمذبحة، بعد أن أرغموا على القيام بانتفاضة معزولة عزلاء. لقد حاربوا ولقوا مصرعهم بعد نضال مرير، وسقط 1500 منهم في قتال شوارع – وكان نحو الثلثين منهم إلى جانب الحكومة. وكان من السمات المميزة لشراسة الأغنياء وحقدهم على الفقراء أن نحو ثلاثة آلاف شخص ذبحوا ذبحاً بعد الهزيمة، بينما اعتقل اثنا عشر ألفا، ونفي أكثرهم إلى معسكرات العمل في الجزائر (13).

لقد حافظت الثورة بالتالي على ما فيها من زخم عندما كان الراديكاليون من القوة ومتانة الروابط مع الحركة الشعبية بحيث دفعوا المعتدلين إلى الأمام أو استغنوا عنهم نهائيا. وقد حدث ذلك على الأغلب في البلدان التي كان التحرر الوطني هو القضية الأساسية التي كان من الضروري حشد الجماهير وتعبئتها لتحقيق هذا الغرض. ولهذا السبب، كانت الثورة هي الأطول عمرة في إيطاليا، وأكثر من ذلك في هنغاريا (14).

وفي إيطاليا، تصدر المعتدلون الكفاح ضد الحكم القمعي، بعد أن استمالوا ملك بيدمونت المعادي للنمسا، وانضمت إليهم، في أعقاب انتفاضة ميلان، بعض المقاطعات الصغيرة بعد تحفظ ضمني واضح.

وكانوا في تلك الأثناء يتوجسون شرّاً من الجمهوريين ومن الثورة الاجتماعية. غير أن الجيش النمساوي الذي أعاد تنظيم صفوفه ألحق بهم هزيمة منكرة في کستوزا في تموز/ يوليو، جراء الضعف العسكري للدول الإيطالية، وتردد بیدمونت، وربما، فوق ذلك كله، رفضهم لطلب المعونة من الفرنسيين الذين كان من المعتقد أنهم سيعززون موقف الجمهوريين. ويمكننا في هذا السياق أن نلاحظ أن الجمهوري الكبير ج. ماتزيني [G. Mazzini) [1805 – 1872)، بغريزته التي لا تخطئ في انتهاج السبل العقيمة سياسياً، قد عارض توجيه نداء استغاثة للفرنسيين. وقد شوهت الهزيمة سمعة المعتدلين، ووضعت قيادة التحرير الوطني بين أيدي الراديكاليين الذين آلت إليهم السلطة في دول إيطالية عديدة. وتمكن هؤلاء في أوائل عام 1849 من إقامة جمهورية في روما، ما أتاح لماتزيني الفرصة للغلو في رفع الشعارات الطنانة. (وكانت البندقية، بقيادة المحامي الحصيف دانييل مانین [Daniele Manin) [1804 – 1857)، قد أعلنت جمهورية مستقلة، ما جنبها الكثير من المتاعب والصعوبات إلى أن لقيت مصيرها المحتوم عندما أعاد النمساويون غزوها، حتى بعد أن سبقهم إلى ذلك الهنغاريون، في نهاية شهر آب / أغسطس عام 1849). ولم يكن الراديكاليون يضاهون النمسا قوة عسكرية؛ فعندما أعلنت بیدمونت الحرب مرة أخرى عام 1849، حقق النمساويون نصراً سهلا عليهم في نوفارا في شهر آذار/ مارس. كما أنهم، على الرغم من كونهم أكثر تصميماً وإصراراً على طرد النمساويين وتوحيد إيطاليا، كانوا يشاركون المعتدلين تخوفهم من الثورة الاجتماعية. بل إن ماتزيني، الشديد التعلق بالناس العاديين، كان يفضل أن يقصروا اهتمامهم على الشؤون الروحية. كما أنه كان يمقت الاشتراكية ويعارض أي تدخل في الملكية الخاصة. ومن ثم فإن الثورة الإيطالية ظلت، بعد فشلها الأولي، تلعب في الوقت الضائع. ومن المفارقات أنه كان من بين من قمعوها جيوش فرنسا التي كانت قد فقدت طابعها الثوري آنذاك، وأعادت السيطرة على روما في أوائل أيار/ أيار. وكانت الحملة على روما محاولة لتأكيد نفوذ الدبلوماسية الفرنسية على شبه الجزيرة الإيطالية مقابل النمسا. كما أنها تمتعت بميزة إضافية هي شعبيتها في أوساط الكاثوليك الذين كان يعتمد عليهم النظام السابق على الثورة.

خلافا لإيطاليا، كانت هنغاريا كيانا سياسياً موحداً بشكل أو بآخر (أراضي تاج سانت ستيفن)، وذات دستور فاعل، ودرجة عالية من الاستقلال الذاتي، واجتمعت فيها، في واقع الأمر، أكثر العناصر اللازمة لدولة ذات سيادة ما عدا الاستقلال. أما موطن الضعف فيها فهو أن الأرستقراطية المجرية التي حكمت تلك المناطق الشاسعة والأراضي الزراعية في أغلبها لم تمارس سلطتها على الفلاحين المجريين في السهول العريضة فحسب، بل على شعب يمثل ستين في المئة منه خليط من الكرواتيين، والسلوفاكيين، والرومانيين، والأوكرانيين، بالإضافة إلى أقلية ألمانية ذات شأن. ولم تكن هذه الجموع الفلاحية مجافية للثورة التي حررت الأقنان، إلا أن روح العداء استشرت بينها جراء رفض أكثر الراديكاليين في بودابست تقديم أي تنازلات لاختلاف أصولهم ومنابتهم الوطنية عن المجريين. كذلك فإن الناطقين باسمهم قد استثيرت حفيظتهم بسبب سياسة «التهجير» الكاسحة، وإدماج الأقاليم الحدودية التي كانت تتمتع بما يشبه الاستقلال الذاتي ضمن نطاق دولة مجرية موحدة ومركزية الإدارة. وقد دعمهم البلاط في فيينا، تنفيذا للسياسة الإمبراطورية المعهودة التي ترتكز على قاعدة «فرق تسد». غير أن جيشا كرواتياً، يقوده البارون يللاتشيك، صديق رائد القومية اليوغوسلافية غاي، هو الذي قاد الهجوم على فيينا الثورية وهنغاريا الثورية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الثورة، في المنطقة التي تحتلها هنغاريا تقريبا في أيامنا هذه، حافظت على التأييد الجماهيري من جانب الشعب (المجري)، لأسباب وطنية واجتماعية على السواء. فقد رأى الفلاحون أن من منحهم الحرية لم يكن الإمبراطور بل الدايت (البرلمان) الهنغاري.

وكانت هنغاريا هي المنطقة الوحيدة في أوروبا التي نشبت فيها في أعقاب هزيمة الثورة انتفاضة فلاحية أشبه بحرب عصابات تزعمها قاطع الطريق المشهور ساندور روسزا لسنوات عديدة. وعندما اندلعت الثورة، فإن الدايت، المؤلف من هيئة تشريعية عليا تضم الأقطاب المهادنين أو المعتدلين، ومجلس نيابي يسيطر عليه أعيان الريف والمحامون الراديكاليون، استعاض عن العمل المباشر بالاحتجاج فقط. وقد لجأوا إلى هذا الموقف فوراً لأغراض عملية، بزعامة محام قدير وصحفي وخطيب مفوه هو لویس کوسوث (Louis Kossuth) (1802 – 1894) الذي أصبح من الشخصيات الثورية المعروفة عالمياً عام 1848. وقد بقيت هنغاريا، بقيادة حكومة ائتلافية بين المعتدلين والراديكاليين الذين اعترفت بهم فيينا على مضض، دولة مستقلة إصلاحية، حتى تمكنت أسرة هابسبيرغ من إعادة السيطرة عليها على الأقل. ولم تتمكن من ذلك إلا بعد معركة كوستوزا. وبعد أن قامت بإلغاء قوانین آذار/ مارس الإصلاحية الهنغارية، خيرت فيينا الهنغاريين بين الاستسلام أو التطرف الراديكالي، فإن هنغاريا، بزعامة كوسوث، أحرقت مراكبها، وعزلت الإمبراطور في نيسان/ أبريل 1849 (ولكنها لم تعلن الجمهورية رسمياً). وقد تضافرت المساندة الشعبية وقدرة الجنرال جورجي (Gorgei) العسكرية ومكنت الهنغاريين من الصمود والتصدي للجيش النمساوي. ولم يمنوا بالهزيمة إلا عندما أقدمت فيينا اليائسة على استدعاء ترسانة الرجعية العظمى وهي الجيش الروسي الذي أدى الدور الحاسم. وفي 13 آب/ أغسطس، استسلمت فلول الجيش الهنغاري، لا للنمساويين، بل للقائد الروسي. وبين الثورات كلها التي حدثت عام 1848، كانت الثورة الهنغارية هي الوحيدة التي لم تسقط، بل لم تكن تبدي أعراض الانهيار بسبب مواطن الضعف أو الصراعات الداخلية، بل بسبب الغزو العسكري القاهر. وغني عن البيان، بطبيعة الحال، أن تحاشي مثل هذا الغزو بعد انهيار كل شيء آخر كان أمرا محالا.

ترى، هل كان ثمة بدائل لهذه النكسة الشاملة؟ كلا بالتأكيد، فمن بين الفئات الاجتماعية الرئيسية التي شاركت في الثورة، اكتشفت البورجوازية، كما رأينا، أن من الأفضل لها المحافظة على النظام العام بدلا من اغتنام الفرصة لتنفيذ برنامجها كاملا إذا كان في ذلك تهديد لأملاكها، فقد رص الليبراليون المعتدلون والمحافظون صفوفهم في مواجهة الثورة «الحمراء». وفي فرنسا، أوقف «الوجهاء»؛ أي زعماء العائلات المحترمة الثرية المتنفذة الذين كانوا في سدة الحكم، المناحرات التي كانت تدور بين مناصري أسرة البوربون، وأسرة أورليان، وحتى الجمهوريين، ونما في أوساطهم وعي طبقي وطني عبر تنظيم جديد ناشئ هو «حزب النظام العام». وكان من بين الرموز الرئيسية في حكم أسرة هابسبيرغ التي استعيدت سلطتها وزير الداخلية ألكسندر باخ (Alexander Bach) (1806 – 1867)، وهو انتهازي من الليبراليين المعتدلين سابقا، وكذلك ك. فون بروك (k. Von Bruck)، وهو من أساطين الشحن والتجارة، وشخصية بارزة في ميناء تریيست الآخذ بالازدهار. وكان أصحاب البنوك وأرباب المشروعات الممثلون للبورجوازية الليبرالية البروسية في الراينلاد يفضلون إقامة نظام ملكي دستوري محدود، غير أنهم اكتفوا وارتاحوا لأدوارهم بوصفهم من أركان بروسيا المستعادة التي تنأى بنفسها في الأحوال كلها عن الاقتراع الديمقراطي. ومقابل ذلك، كانت الأنظمة المحافظة المستعادة مستعدة تماما لتقديم تنازلات في المجالات الاقتصادية والقانونية، وحتى الليبرالية الثقافية لأصحاب الأعمال طالما أن هذه التنازلات لا تتضمن أي تراجع سياسي. وكما سنلاحظ لاحقا، فإن خمسينيات القرن التاسع عشر الرجعية ستكون، من الوجهة الاقتصادية، هي سنوات التحرير التجاري المنهجي. ولهذا السبب، حقق الليبراليون المعتدلون في عامي 1848 و1849 اكتشافين مهمين في أوروبا الغربية: أولهما أن الثورة كانت خطيرة، وثانيهما أنه يمكن تلبية جانب من مطالبهم الأساسية (وبخاصة الاقتصادية منها) دونما ثورة. ومن ثم لم تعد البورجوازية قوة ثورية.
لقد تشكلت قوة ثورية ذات شأن، ولكنها قلما طرحت کبدیل سیاسي. وضمت هذه القوة في صفوفها القطاع العريض للشرائح الدنيا من الطبقات الوسطى، والحرفيين الساخطين، وصغار التجار… وغيرهم، وحتى المزارعين الذين كان المثقفون ولا سيما الشباب والمهمشون وزعماؤهم الناطقون باسمهم. وكان هؤلاء على العموم يقفون في معسكر اليسار الديمقراطي. وطالب اليسار الألماني بانتخابات جديدة؛ لأن التيار الراديكالي بينهم كان قد أثبت حضوراً قوياً في مناطق عديدة في أواخر عام 1848 وأوائل عام 1849، مع أنه كان بعيدا عن مراكز المدن الكبرى التي تولى الرجعيون موقع الصدارة فيها مرة أخرى. وفي فرنسا، حصل الديمقراطيون الراديكاليون على مليوني صوت، مقابل ثلاثة ملايين للملكيين، وثمانمئة ألف للمعتدلين. وقد دفع المثقفون بنشطائهم إلى الساحة، على الرغم من أن «كتائب الأكاديميين» لم يشكلوا قوة قتالية ضاربة فعلياً إلا في فيينا. وثمة خطأ فادح في اعتبار 1848 عام «ثورة المثقفين». فلم يكن بروز هؤلاء في تلك الثورة أكثر من ظهورهم في أكثر الثورات الأخرى التي تحدث غالبا في بلدان متخلفة نسبيا يتألف فيها الجانب العريض من الطبقات الوسطى من أشخاص يتميزون بقدر من التعليم وبالتمكن من الكتابة، من بينهم: خريجو الجامعات على اختلافهم، والصحافيون، والمدرسون، والموظفون الحكوميون. إلا أنه كان ثمة مثقفون بارزون لا ريب، وشعراء مثل بيتوفي في هنغاريا، هيرفيغ (Herwegh) وفريلغراث (Freiligrath) في ألمانيا (وكان في هيئة التحرير لصحيفة مارکس Nete Rheinische Zeitung)، فيكتور هوغو (Victor Hugo) والمعتدل الدائم لامارتین (Lamartine) في فرنسا، والأكاديميون بأعداد كبيرة (وخصوصا في صفوف المعتدلين) في ألمانيا (15)، والأطباء مثل س. ج. جاکوبي (1804 – 1851) في بروسيا، وأدولف فيخوف (Adolf Fischhof) (1816 – 1893) في النمسا، والعلماء من أمثال في. ف. رأسبیل (V . Raspail) (1794 – 1878)؛ وأعداد ضخمة من الصحافيين والدعاة الذين كان کوسوث هو الأشهر، وماركس هو الأخطر بينهم آنذاك.

كان بوسع هؤلاء الأشخاص، بوصفهم أفرادا، أن يؤدوا دوراً حاسماً؛ ولكن ليس بوصفهم أعضاء في طبقة اجتماعية معينة أو ممثلين للبورجوازية الصغيرة الراديكالية. كان هؤلاء “الرجال الصغار” يؤمنون بديمقراطية حقيقية، على الرغم من أن الأزمة الاجتماعية التي هددت أسلوب الحياة لدى الحرفيين الفنيين وأمثالهم، والكساد الاقتصادي المؤقت قد أضفيا على هذه النزعة الديمقراطية طابع المرارة. وقد وجد التيار الراديكالي تعبيرا عنه في المطالبة بـ “دستور ديمقراطي للدولة، سواء أكانت دستورية أم جمهورية. يعطي الأغلبية لهم ولحلفائهم الفلاحين، وكذلك حكماً محلياً ديمقراطياً يمكنهم من السيطرة على الأملاك البلدية، وعلى سلسلة من المهمات التي يقوم بها البيروقراطيون” (16). أما المثقفون، فإن جذور الراديكالية لديهم كانت أقل عمقا، فقد بنيت أساسا على عجز المجتمع البورجوازي الجديد قبل عام 1848 (وهو عجز مؤقت كما تبين في ما بعد) عن إيجاد وظائف مناسبة في السلم الاجتماعي للمتعلمين الذين خلقتهم بأعداد غير مسبوقة، وكانت المكافآت الممنوحة لهم أدنى بكثير مما كانوا يطمحون إليه. ما الذي حدث لطلاب 1848 الراديكاليين في سنوات الازدهار في الخمسينيات والستينيات من ذلك القرن؟ لقد اختطوا لحياتهم السبيل المعهود المألوف في القارة الأوروبية؛ إذ زرع أولئك الأولاد البورجوازيون بذور نزعاتهم السياسية والجنسية الجامحة عندما كانوا في ريعان الشباب، ثم “استقروا” فيما بعد. وتوافرت لهم فرص عديدة لهذا الاستقرار، ولا سيما أن تقهقر فئة النبلاء القدامى وتحول البورجوازية الاقتصادية إلى الكسب المالي قد فتحا مجالا واسعا أمام من كانت مؤهلاتهم دراسية وأكاديمية في المقام الأول، ففي عام 1848، كان عشرة في المئة من معلمي المدارس الثانوية [الليسيه] الفرنسية من أبناء «الوجهاء»، ولكن هذه النسبة انخفضت إلى الصفر عام 1877. وكان عدد خريجي المدارس الثانوية (Bacheliers) في فرنسا عام 1868 يقارب عددهم في ثلاثينيات ذلك القرن أو يكاد. غير أن أعداد أكبر من ذلك بكثير كانت تدخل مجالات العمل في البنوك، والتجارة، والصحافة الناجحة، ثم، بعد عام 1870، السياسة الاحترافية (17).

وإضافة إلى ذلك، كان حتى الديمقراطيون الراديكاليون، عند اقتراب الثورة الحمراء، يلجأون إلى الشعارات الخطابية الطنانة، بعد أن غدوا في حيرة من أمرهم بين التعاطف مع «الشعب» من جهة، وحرصهم على أملاكهم وأموالهم من جهة أخرى. وخلافا للبورجوازية الليبرالية، لم تتقلب مواقفهم بين هذا وذاك، بل إنهم راوحوا في موقفهم، من دون أن يتطرفوا في ميلهم إلى اليمين.

أما الكادحون الفقراء، فقد كانوا يفتقرون إلى التنظيم، والنضج، والقيادة، وربما الأهم من ذلك كله إلى لحظة التأزم التاريخية اللازمة لتمكينهم من طرح البديل السياسي. لقد كانوا من القوة بحيث أظهروا أن مستقبل الثورة الاجتماعية يبدو في ظاهره حقيقياً وحافلا بالمخاطر، غير أنهم كانوا أيضا من الضعف بحيث اقتصروا على إفزاع أعدائهم فحسب. على أن قوتهم كانت فاعلة بصورة لا تناسب فيها؛ لأن انتشارهم تركز في أوساط الجماهير الجائعة في المناطق الأكثر حساسية من الوجهة السياسية، وهي المدن الكبيرة، وبخاصة العواصم. وقد أخفى ذلك بعض مواطن الضعف الأساسية، ومنها ضآلة عددهم – إذ إنهم لم يشكلوا على الدوام الأغلبية في المدن التي كانت بدورها لا تضم إلا أقلية متواضعة من السكان. ومن هذه العيوب كذلك فجاجتهم السياسية والأيديولوجية. فقد كانت الشريحة الأنشط والأكثر وعيا من الوجهة السياسية بينهم تضم الحرفيين الفنيين قبل الصناعيين (ونحن نستخدم هذا المصطلح بالمعنى البريطاني المعاصر الذي يشمل عمال المياومة البارعين، والحرفيين، والعمال اليدويين المهرة في المشاغل غير المُمكننة، وغيرها). وقد جرفتهم الأيديولوجيات الثورية الاجتماعية، وحتى الاشتراكية والشيوعية في ما تبقى في فرنسا من تيارات اليعاقبة اللامتسرولين فغدت أهدافهم الجماهيرية متواضعة بصورة متميزة في ألمانيا – وذلك ما اكتشفه صاحب المطبعة الشيوعي ستيفان بورن في برلين. ذلك أن الفقراء والمهرة في المدن، وكذلك جمهرة البروليتاريا في المصانع والمناجم في بريطانيا، لم يكن قد ترعرعت بينهم بعد أي أيديولوجيا سياسية. كما أن النزعة الجمهورية في المنطقة الصناعية من شمال فرنسا لم تكن قد شهدت أي تحركات قبل نهاية الجمهورية الثانية. وعام 1848، كانت مدينتا ليل وروبيه منشغلتين بمشكلاتهما الاقتصادية، ولم يستهدف مثيرو الشغب فيهما الملوك والبورجوازية، بل وجهت ضد العمال البلجيكيين المهاجرين الذين كانوا أكثر إملاقاً وجوعا منهم.

إن سكان المراكز الحضرية والبروليتاريين الجدد في حالات نادرة، أصبحوا قوة سياسية، باعتبارها حركات شغب على الأقل، حالما دخلوا دائرة الأيديولوجيا اليعقوبية أو الاشتراكية أو الجمهورية الديمقراطية أو اختلطوا، كما كانت الحال في فيينا، بأوساط الطلبة النشيطين. (وكانت مشاركتهم بالانتخابات ضئيلة ومتقلبة حتى ذلك الحين، خلافا للأوضاع في سكسونيا وبريطانيا التي كان العمال الريفيون المعوزون فيهما يتميزون بنزعة رادیكالية عارمة). ومن المفارقات أن مثل هذه الأوضاع كانت نادرة في فرنسا اليعقوبية خارج باريس بينما كانت الرابطة الشيوعية التي تزعمها ماركس في ألمانيا تمثل العناصر اللازمة لإقامة شبكة تشمل اليسار المتطرف، أما خارج دائرة النفوذ تلك، فإن الكادحين الفقراء لم تكن لهم أهمية تذكر من الوجهة السياسية.

وعلينا بالطبع أن لا نقلل من قدرة «بروليتاريا» عام 1848 باعتبارها قوة سياسية فتية، على ما فيها من عدم النضج، مع أنها لم تكن حتى ذلك الحين قد طورت وعيها لنفسها باعتبارها طبقة اجتماعية. بل إن طاقتها الثورية آنذاك كانت، على نحو ما، أقوى مما أصبحت عليه في وقت لاحق. وبعد انتشار الإملاق والتأزم قبل عام 1848، لم تقتنع إلا قلة قليلة بأن الرأسمالية ستؤدي، أو يجب أن تؤدي إلى مستويات معيشية لائقة. بل إنها ستكون قادرة على البقاء والاستمرار. وكانت الطبقة العاملة غريرة وضعيفة الجناح وتترعرع آنذاك في أوساط جماهير الكادحين الفقراء وكبار الحرفيين المستقلين وصغار التجار. وحالت هذه الأوضاع كلها دون التركيز على مطالبهم الاقتصادية، ولا سيما في المناطق المعزولة التي يعمها الجهل. غير أن المطالب السياسية التي لا تقوم من دونها الثورة حتى وإن كانت مجرد ثورة اجتماعية، قد تنامت في هذه الأوضاع. وكانت الأهداف الشعبية عام 1848، وهي «الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية»، اجتماعية وسياسية على حد سواء. وقد أدخلت فيها تجربة الطبقة العاملة، وبخاصة في فرنسا، عناصر مؤسسية جديدة تنطلق من ممارسات النقابات العمالية والتعاونيات على الرغم من أنها لم تخلف عناصر فيها من الجدة والقوة ما في السوفياتات التي نشأت في روسيا في أوائل القرن العشرين.

من جهة أخرى، تميز التنظيم، والأيديولوجيا، والقيادة بالتخلف الشديد، بل إن أبسط أشكال التنظيم، وهو النقابة، لم يكن يضم إلا بضع مئات أو بضعة آلاف من الأعضاء في أحسن الحالات. وكانت جمعيات رواد العمل النقابي المدربين تظهر أول مرة خلال الثورة – مثل نقابة عمال المطابع في ألمانيا، وصانعي القبعات في فرنسا. وكان عدد الاشتراكيين والشيوعيين المنظمين أكثر هزالا، بضع عشرات أو بضع مئات على أكثر تقدير. ومع ذلك، كانت ثورة 1848 هي الأولى التي شارك فيها الاشتراكيون بل الشيوعيون؛ لأن اشتراكية ما قبل 1848 كانت حركة محايدة سياسياً إلى حد بعيد، ومعنية بإقامة التعاونيات اليوتوبية. وقد تصدر هؤلاء مقدمة المسرح منذ البداية. ولم تكن 1842 هي سنة كوسوث، و أ. ليدرو – رولان (Ledru – Rollin ) (1807 – 1874)، وماتزینی فحسب، بل كانت كذلك سنة کارل مارکس (1818 – 1883)، لويس بلانك Louis Blanc) (1811 – 1882)، ول. أ. بلانکی (A. Blanqui) (المتحرر الصارم الذي لم يكن يغادر السجن الذي أمضى فيه جل حياته إلا عندما تحرره الثورات لفترات وجيزة)، وباکونین (Bakunin)، وحتی برودون (Proudhon). ولكن ما الذي كانت تعنيه الاشتراكية للملتزمين بها غير كونها اسماً لطبقة عاملة واعية لنفسها تتطلع إلى إقامة مجتمع مختلف بعد الإطاحة بالرأسمالية؟ بل إن دعاة الاشتراكية لم يكن لهم تعريف واضح، فقد كثر الحديث في ذلك الوقت عن «طبقة عاملة» بل عن «بروليتاريا». غير أن الحديث لم يتطرق خلال الثورة نفسها إلى «الرأسمالية» على الإطلاق.

ترى، كيف كان المنظور السياسي لطبقة عاملة اشتراكية؟ إن کارل مارکس نفسه لم يكن يعتقد أن ثمة ثورة بروليتارية على الأبواب. وحتى في فرنسا، «كانت بروليتاريا باريس عاجزة عندئذ عن تجاوز حدود الجمهورية البورجوازية إلا في الفكر، وفي الخيال». «إن احتياجاتها الفورية المعلنة لم تدفعها إلى الرغبة في تحقيق النصر بإطاحة البورجوازية بالقوة، ولم تكن قادرة على ذلك». وأقصى ما يمكن إنجازه آنذاك هو إقامة جمهورية بورجوازية تكشف النقاب عن طبيعة نضال المستقبل الحقيقية – بين البروليتاريا والبورجوازية. وتجمع بدورها بقية الطبقات الوسطى والعمال سويا «لأن أوضاعها ستصبح فوق قدرتها على الاحتمال، وعداءها للبورجوازية سيغدو أكثر حدة» (18). لقد كانت أول الأمر جمهورية ديمقراطية، ثم تحولت إلى انتقال من بورجوازية ناقصة إلى ثورة شعبية بروليتارية، ثم، في نهاية المطاف، إلى دكتاتورية البروليتاريا أو، وفق التعبير الذي لا بد أن مارکس استعاره من بلانكي الذي يدل على مدى التقارب المؤقت بين الثوريين العظماء في أعقاب عام 1848 مباشرة، إلى «الثورة الدائمة». بيد أن مارکس، خلافا لما فعله لينين (Lenin) عام 1917، لم يفكر في الاستعاضة عن الثورة البورجوازية بثورة بروليتارية إلا بعد هزيمة 1848؛ وعلى الرغم من أنه تبنّى يومذاك وجهة نظر قريبة من موقف لينين لاحقا بما فيها «مساندة الثورة بطبعة جديدة من حرب الفلاحين» على حد قول إنجلز، فإنه لم يتمسك طويلا بهذا الرأي؛ ذلك أن 1848 لم تتكرر في طبعة جديدة في أواسط أوروبا وغربها. وسرعان ما أدرك عنده أنه لا بد للطبقة العاملة من أن تسلك طريقاً مختلفة.

لقد هبت ثورات 1848، إذا، واندلعت باعتبارها موجة عظيمة، ولم تترك وراءها إلا الأسطورة والوعد. «وكان عليها أن تكون» ثورات بورجوازية، غير أن البورجوازية انسحبت منها. وربما عززت إحداها الأخرى بزعامة فرنسا عن طريق منع أو تأجيل استعادة الحكام السابقين لمقاليد السلطة، والتصدي لقيصر روسيا. بيد أن البورجوازية الفرنسية آثرت الاستقرار الاجتماعي الداخلي وفضلته على المكاسب أو المخاطر التي قد ينطوي عليها كونها «الأمة العظيمة» (La Grande nation). من هنا فإن زعماء الثورة المعتدلين ترددوا في المطالبة بتدخل الفرنسيين ولم يكن ثمة قوة اجتماعية أخرى قادرة على مساندتهم وتعزيز حماستهم، باستثناء حركات النضال ضد القوى المهيمنة سياسياً من أجل تحقيق الاستقلال الوطني. بل إن هذه الحركات قد فشلت كذلك؛ لأن حركات الكفاح الوطني كانت معزولة، وفي الحالات كلها أضعف من أن تصمد أمام قوة الدول الكبرى العسكرية. وقد أدت شخصيات 1848 البارزة المعروفة أدواراً بطولية على المسرح الأوروبي لشهور عدة، ثم اختفت إلى الأبد، ما عدا غاريبالدي، الذي قدر له بعد اثنتي عشرة سنة أن يشهد أياما أكثر تألقاً وعظمة. أما كوسوث وماتزيني، فقد عاشا ما تبقى من العمر في المنفى، ولم يسهما إلا بالقليل لتحقيق الاستقلال أو الوحدة لبلديهما، مع أنهما احتلا مكانة كريمة وعالية في الوطنية. ولم يعرف لیدرو – رولان وراسبيل لحظات أخرى تستحق الاحتفاء والتمجيد مثل الجمهورية الثانية، وعاد الأساتذة الفصحاء في برلمان فرانکفورت إلى دراساتهم ومحاضراتهم، وفي خمسينيات ذلك القرن، ومن جملة المنفيين المتحمسين الذين كانوا يضعون الخطط، ويشكلون في المنفى وفي ضباب لندن حكومات منافسة لحكومات بلدانهم، لم يبق من الآثار إلا ما وضعه اثنان من أكثر الناس عزلة وخروجاً عن المألوف، وهما کارل مارکس وفريدريخ إنجلز. غير أن 1848 لم يكن مجرد حادث تاريخي وجيز من دون تداعيات. فقد كانت التغيرات التي أفضى إليها عميقة كل العمق، حتى وإن لم تكن هي التي سعى إلى تحقيقها الثوريون، أو التي يمكن تحديدها في نطاق الأنظمة السياسية، والقوانين، والمؤسسات. لقد شكل ذلك العام، في غرب أوروبا على الأقل، نهاية للتقاليد السياسية التي توهمت الأنظمة الملكية أن شعوبها باستثناء الطبقات الوسطى الساخطة ستقبل، بل سترحب بها، ونهاية للسلالات الحاكمة التي اعتبرت نفسها ظل الله على الأرض وقيّماً على مجتمعات مقسمة وفق تراتب طبقي، بمباركة من المؤسسات الدينية التقليدية، ونهاية للإيمان بالحقوق والواجبات الأبوية التي يتمتع بها السادة المتفوقون اجتماعياً واقتصادياً. وعلى حد تعبير الشاعر غريلبارزر (Grillparzer)، الذي لم يكن ثورياً؛ بأي حال من الأحوال، في قصيدة ساخرة يفترض أنه وضعها – عن ميترنيخ:



هنا يرقد، بعد أن آلت أمجاده إلى الزوال
دون كيخوته فقيه الشرعية الشهير
الذي دأب على تزييف الحقائق والوقائع
واعتقد أنه هو رمز الحكمة.
وانتهى به الأمر إلى تصديق الأكاذيب التي اخترعها؛
هذا المخرف العجوز،
الذي كان مخادعة وغدا في شبابه:
كان أعجز من أن يدرك الحقيقة (19).

من هنا، كان على قوى المحافظة والامتيازات، والثورة أن تدافع عن نفسها بانتهاج وسائل جديدة. فخلافا لما درج عليه الناس، حتى الفلاحون العابسون الجهلة في جنوب إيطاليا قبل خمسين سنة، فإنهم توقفوا في ربيع 1848 عن تمجيد الحكم المطلق. وعندما زحفوا لاحتلال الأرض، لم يعربوا إلا لماما عن عدائهم تجاه «الدستور».

لقد تعين على المدافعين عن النظام الاجتماعي أن يتعلموا السياسات التي يؤمن بها الشعب. وكان ذلك هو الابتكار الرئيسي الذي نجم عن ثورات 1848، حتى إن أعضاء الأرستقراطية الإقطاعية البروسية المغرقين في الرجعية اكتشفوا تلك السنة أنهم بحاجة إلى صحيفة قادرة على التأثير في «الرأي العام» – وهو، بحد ذاته، مفهوم مرتبط بالليبرالية ومناقض للتراتبية الهرمية التقليدية. وقد شرح أذكى الرجعيين البروسيين عام 1848، أوتو فون بسمارك (1815 – 1898)، في وقت لاحق، فهمه الواضح لطبيعة السياسات الخاصة بالمجتمع البورجوازي وبين تمكنه من أساليب تطبيقها. غير أن فرنسا هي التي شهدت أكثر الابتكارات أهمية في هذا المجال.

كانت هزيمة انتفاضة الطبقة العمالية هناك في حزيران/ يونيو قد أسفرت عن قيام «حزب النظام العام» القوي، القادر على دحر الثورة الاجتماعية والعاجز، في الوقت نفسه، عن كسب التأييد من الجماهير، وحتى من كثير من المحافظين الذين لم يريدوا من دفاعهم عن «النظام» أن يمثل التزامات من جانبهم بنوع محدد من التيار الجمهوري المعتدل الذي كان في سدة الحكم آنذاك. وكانت حالة التحشيد في الأوساط الشعبية تحول دون السماح بتقييد الانتخابات، فلم يتم حتى عام 1850 حرمان قسم مهم من «الجمهرة الشريرة» من حق الاقتراع. وكان هؤلاء يمثلون الثلث في فرنسا، ونحو الثلثين في باريس الراديكالية. وإذا كان الفرنسيون في كانون الأول/ ديسمبر قد انتخبوا سياسياً معتدلا لرئاسة الجمهورية، فإنهم، على الأقل، لم ينتخبوا رئيسا رادیکالياً. (ولم يكن ثمة مرشح ملكي). وكان الفائز بأغلبية ساحقة تبلغ خمسة ملايين ونصف مليون مقترع من أصل سبعة ملايين وأربعة أعشار المليون من جملة الناخبين، هو لویس نابليون، ابن شقيق الإمبراطور العظيم. وعلى الرغم من أنه أثبت فيما بعد دهاءه السياسي، فلم يكن له عند مجيئه إلى فرنسا في أواخر أيلول/ سبتمبر أي موارد غير اسم العائلة الطنان، والدعم البنكي الذي قدمته له عشيقته الإنجليزية المخلصة. ومن الواضح أنه لم يكن ثورياً اجتماعياً، ولم يكن محافظاً كذلك؛ بل إن أنصاره لعبوا على وتر حساس هو ولعه في شبابه بالسان سيمونية، وتعاطفه المزعوم مع الفقراء. غير أنه فاز في الانتخابات؛ لأن الفلاحين صوتوا لمصلحته بقوة تحت شعار: «لا ضرائب بعد اليوم، ليسقط الأغنياء، لتسقط الجمهورية، يحيا الإمبراطور». وبعبارة أخرى؛ فإن العمال، كما لاحظ مارکس، صوتوا له ضد جمهورية الأغنياء؛ لأنه كان في نظرهم يعني عزل كافينياك (Cavaignac) [الذي قمع انتفاضة حزيران/يونيو]، وإزالة النزعة البورجوازية الجمهورية، وإلغاء انتصار حزيران/يونيو (20)، والبورجوازية الصغيرة؛ لأنه لم يكن، على ما يبدو، يمثل البورجوازية الكبيرة.

دل انتخاب لویس نابليون على أنه يمكن حتى للديمقراطية وحق الاقتراع الشامل، والمؤسسات المرتبطة بالثورة أن تنسجم والمحافظة على النظام الاجتماعي. ولم تكن جمهرة الأغلبية الساخطة ملزمة بانتخاب حكام يعتزمون القيام بـ «انقلاب مجتمعي». ولم تجر الاستفادة من الدروس الكبيرة المستقاة من تلك التجربة على الفور؛ لأن لويس نابليون سارع إلى إلغاء الجمهورية، وسمى نفسه إمبراطوراً، مع أنه لم ينس الميزات والفوائد المترتبة على حق الاقتراع العام – الذي أعاد إقراره مجددا – إذا أحسنت إدارته. لقد كان أول رئيس للدولة في العصر الحديث يحكم لا بقوة السلاح فحسب، بل بنوع من الغوغائية والعلاقات العامة التي تسهل إدارتها من قمة الدولة أكثر من أي طرف آخر. ولم تقتصر تجربته على التأكيد بأن مفهوم «النظام الاجتماعي» يمكن أن يتنكر ويغدو قوة مؤثرة قادرة على استهواء أنصار «اليسار»، بل إنه يجب التعامل مع هذا المفهوم على هذا النحو في بلد وعصر يحشد فيهما المواطنون للمشاركة في الأنشطة السياسية. لقد بينت ثورات عام 1848 أن الطبقات الوسطى، والليبرالية، والديمقراطية السياسية، والقومية، وحتى الطبقات العاملة، إنما تمثل كلها الملامح الدائمة للمشهد السياسي. وقد تفضي هزيمة الثورات إلى إخفائها عن الأنظار بعض الوقت، بيد أنها، عندما عادت إلى الظهور، حددت المواقف التي اتخذها حتى رجال الدولة الذين لم يظهروا أي تعاطف معها في الماضي.

________________

(1) المصدر نفسه، ص 666.
(2) لقد ترجم في الواقع كذلك إلى البولندية والسويدية خلال تلك السنة، مع أن الإنصاف يقتضي القول إن أصداءه السياسية لم تتردد خارج أوساط الثوريين الألمان الضيقة إلا بعد أن أعيد إصداره في أوائل السبعينيات من القرن الثامن عشر.

(3) انظر الفصل السادس، ص 120 من:Eric John Hobsbawm, The Age of Revolution: Europe 1789-1848 (London: Weidenfeld and Nicolson, 1962).
(4) فرنسا، ألمانيا الغربية، النمسا، إيطاليا، تشيكوسلوفاكيا، هنغاريا، جانب من بولندا، يوغوسلافيا، ورومانيا. [بحسب الواقع الجيوسياسي لأوروبا عند تأليف الكتاب عام 1975 (المترجم)]. ويمكن كذلك القول إن الآثار السياسية للثورة كانت جسيمة في بلجيكا، وسويسرا، والدانمارك.
(5) كذلك كانت حالة بولندا، التي تقاسمتها منذ عام 1796 كل من روسيا، والنمسا، وبروسيا. وكانت ستشارك في الثورة لولا أن حكامها الروس والنمساويين نجحوا في تأليب الفلاحين ضد الوجهاء (الثوريين). انظر ص 47 – 48 من هذا الفصل.
(6) من بين المندوبين الأعضاء في «البرلمان التمهيدي» من الراينلاند، كان ثمة خمسة وأربعون ممثلا من المدن الكبيرة، وأربعة وعشرون من البلدات الصغيرة، وعشرة فقط من الأرياف التي كان يقيم فيها 73 في المئة من السكان. انظر: ,Konrad Repgen=
Märzbewegung und Maiwahlen des Revolutionsjahres 1848 im Rheinland, Bonner = historische Forschungen Bd. 4 (Bonn: L. Rohrscheid, 1955), p. 118.
(7) Hobsbawm, Ibid., pp. 16, and 183-184
(8) المصدر نفسه، ص 128-129.
(9) انظر ص 48 وما يليها من هذا الفصل.
(10) يمكن القول، بصفة عامة، إن إلغاء نظام القنانة والسخرة وحقوق السيادة على الفلاحين في بقية أنحاء أوروبا الغربية والوسطى (بما فيها بروسيا)، قد بدأت خلال الثورة الفرنسية والحروب النابليونية (1789 – 1815)، مع أن بقية الأنظمة التبعية قد ألغيت في ألمانيا عام 1848. واستمرت القنانة والسخرة في روسيا ورومانيا حتى ستينيات القرن الثامن عشر (انظر الفصل العاشر من هذا الكتاب).
Rinascita, Il 1848, Raccolta di Saggi e Testimonianze (Rome: (n. pb.), (11) 1948). Ruth Hoppe and Jürgen Kuczynski, «Eine Berufs- bzw. Klassen- und
(12) für Jahrbuch Berlin in 1848 Märzgefallenender Schichtanalyse Wirtschaftsgeschichte, vol. IV (1964), pp. 200-276, und D. Cantimori, in: François Fejtö, ed., The Opening of an Era, 1848: An Historical Symposium, With an Introd. by A. J. P. Taylor (London: A. Wingate, [1948]).
(13) قتل في ثورة شباط/ فبراير في باريس نحو 370 شخصا. انظر: ,Roger Ikor

L’Insurrection ouvrière de juin 1848 ou la première commune, épisodes et vies révolutionnaires. Nouv. série (Paris: Bureau d’éd., 1936).
(14) لم تكن قضايا الوحدة الوطنية والاستقلال من جملة القضايا المطروحة في فرنسا. أما القومية الألمانية فسعت إلى توحيد العديد من الدول المتباعدة. غير أن ما حال دون تحقيق ذلك لم يكن الهيمنة الأجنبية، بل موقف دولتين عظميين كانتا تعتبران ألمانيتين، وهما بروسيا والنمسا. وكانت التطلعات القومية السلافية تقف موقف المعارضة منذ البداية من الشعوب. «الثورية» مثل الألمان والمجر، ومن ثم قمعت هذه التطلعات إلا ما كان منها مناوئاً للثورة. بل إن اليسار التشيكي كان يعتبر إمبراطورية الهايسبيرغ حامية لهم من الانصهار في دولة ألمانية وطنية. أما البولنديون، فلم يقوموا بأي دور لهم على الإطلاق في هذه الثورة.
(15) كان المدرسون الفرنسيون، وهم موضع شبهة من جانب الحكومات، قد التزموا الصمت خلال فترة الحكم الملكي، إلا أنهم سرعان ما انضموا إلى صفوف المدافعين عن “النظام العام” عام 1848.
Karl Marx, Karl Marx, Friedrich Engels. Werke (Berlin: Dietz, 1956-), (16) vol. VII, p. 247: Adress to the Communist League (March 1850).
Paul Gerbod, La Condition universitaire en France au XIXe siècle, (17) publications de la faculté des lettres et sciences humaines de Paris. Série recherches 26 (Paris: Presses universitaires de France, 1965).
(18) Karl Marx, The Class Struggles in France 1848 to 1850, in: Marx, Ibid., vol. VII, pp. 30-31.
Franz Grillparzer, Sämtliche Werke, ausgewählte Briefe, 4 vols. (19) (Munchen: C. Hanser, [1960-1965}), vol. 1, p. 137.
(20)Marx, Ibid., vol. VII, p. 44 .

هذا النص هو القسم الأول من كتاب “عصر رأس المال” (1848 – 1875) لمؤلّفه اريك هوبزباوم




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,823,621,267
- ربيع الشعوب


المزيد.....




- المهمشون والفقراء هم الاكثر تضررا والحكومة لا توفر الحصة الت ...
- بيان صادر عن الحزب الشيوعي الأردني
- ذوي شهداء الناصرية يتظاهرون للمطالبة بمحاسبة قتلة المتظاهرين ...
- الشرطة الأمريكية في مواجهة المتظاهرين.. يد تضرب ويد تغسل الح ...
- جورج فلويد، أرقد بعظمة!
- الشعبية تُعبّر عن تضامنها مع الشعب الأمريكي في مواجهة العنصر ...
- شاهد.. أغلى سيارات المرسيديس تحترق بيد المتظاهرين في أمريكا! ...
- العدد الجديد 362 من جريدة النهج الديمقراطي
- افتتاحية: حتى لا تضيع البوصلة
- شاهد: رجال الشرطة يقدمون تحية احترام للمتظاهرين الغاضبين في ...


المزيد.....

- أزمة الاتجاه التطوري في السوسيولوجيا، والاتجاهات المعادية لل ... / مالك ابوعليا
- التفكير بجائحة كورونا … ك-مفترق طريق-: نحو الإطاحة بالرأسمال ... / مسعد عربيد
- لماذا تراجع الاهتمام بمحطة 08 مايو 1983 النضالية، في أفق الت ... / محمد الحنفي
- ربيع الشعوب / اريك هوبزباوم
- اسس الشيوعية العمالية (الندوة الاولى) / منصور حكمت
- الجذور الحضارية والمجتمعية للتسلطية في سورية القسم الثاني / محمد شيخ أحمد
- إشكالية الهوية والمواطنة في الدول التسلطية - سورية نموذجاً / محمد شيخ أحمد
- الماركسية هي فلسفة الدولة لا البروليتاريا / عادل العمري
- ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟ / جون مولينو
- الدولة في الفكر القومي والديني: عبد الإله بلقزيز / محمد علي مقلد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - اريك هوبزباوم - ربيع الشعوب