أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - محمد عبد الشفيع عيسى - نظرات من نافذة -الاقتصاد السياسي- على عالم -ما قبل كورونا-















المزيد.....



نظرات من نافذة -الاقتصاد السياسي- على عالم -ما قبل كورونا-


محمد عبد الشفيع عيسى

الحوار المتمدن-العدد: 6534 - 2020 / 4 / 10 - 07:29
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


-1-
اقتصاد عالمي متشابك، في بيئة "جيوبوليتيكية" ملغومة


لن يكون عالم ماقبل كورونا مثل ما بعده؛ هكذا يقول الجميع. ولكن ماهو الذي كان (قبل كورونا)؟ و الحديث هنا عن الاقتصاد العالمي بالتحديد.
لقد كانت تلك مقامرة خطرة حقا- أن يحاول أحد أطراف اللعبة التي أسهم هو في وضع قواعدها المستقرة منذ عشرات السنين، أن يعصف بها ويضرب بها عرض الحائط، كما يقولون، ليحاول النأي بها عن قواعدها، ويذهب بها باتجاه "المباراة الصفرية" الخالصة. ذلك ما قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و إدارته الراهنة، في مضمار التجارة المتبادلة مع شركائه الأقربين، وخاصة الصين، حين (قلب رأس المجنّ) و انقلب على ما كان قائما، و إن كان معه، من وجهة نظره، بعض الحق أو شيء من ذلك .
خلال ثلاثين عاما أو يزيد، شرعت الولايات المتحدة أبواب التجارة والاستثمار أمام الشركاء القدامى (أوربا واليابان) والجدد نسبيا( بلدان الشرق الأقصى وبعض من أمريكا اللاتينية خاصة المكسيك والبرازيل والأرجنتين) والجدد (لا سيما الصين) مترددة بين الفتح والإغلاق و "المواربة"، قبل وبعد إقامة "منظمة التجارة العالمية" 1994.
وفي سبيل ذك مضت الرأسمالية العالمية مطلقة السراح تماما بعد انهيار المنظومة السوفيتية عام 1990 لتعيد تشكيل العالم على مثالها الاقتصادي و أنموذجها الثقافي، ولكن في أسوأ صور الرأسمالية؛ و إنها ما تسمّي "الليبرالية الجديدة" التي قامت منذ منتصف السبعينات من القرن المنصرم بالحلول محل مذهب تدخل الدولة و "دولة الرفاهة" في كل من الولايات المتحدة و أوربا الغربية بصفة خاصة.
ومنذ أوائل الثمانينات، مع انفجار "أزمة الديون العالمية" في الدول النامية، وخاصة المكسيك، كانت الدول الغربية الرأسمالية بالقيادة الأمريكية قد أوكلت إلى "صندوق النقد الدولي" –بالاشتراك مع "البنك الدولي" -مهمة القيادة الحثيثة للنظام النقدي والمالي الدولي، بما في ذلك تصميم وإنفاذ صفقات الديون وفق برامج "التكيف الهيكلي" حيث الاستدانة المشروطة بشروط معلومة تحقق الأهداف المبتغاة من "الصندوق" و "البنك".
عند هذه المحطات الانتقالية إذن، مضت الرأسمالية العالمية، وفي تواريخ تقريبية: من تدشين "الليبرالية الجديدة" 1975، إلى القيادة المشروطة للمنظمتيْن: الصندوق والبنك 1984، و سقوط الاتحاد السوفيتي 1990، ومن بعد ذلك: فرض "منطقة اليورو" وفق منطق سوق الليبرالية الجديدة في 2000، ثم الخروج من مأزق الأزمة المالية 2008-2009 باستعادة فجّة(في أوربا) أو غير فجّة(في امريكا) للرأسمالية الاحتكارية النهمة ذاتها...وصولا إلى "أزمة كورونا" 2019-2020.
على طريق الأشواك ذاك، مضت تلك الرأسمالية الاحتكارية النهمة، وفق نسخة" الليبرالية الجديدة" بقيادة المنظمتين، في أمريكا واوربا خاصة منطقة اليورو ، تستعيد ماضيها البعيد وغير البعيد، حيث الشركات العملاقة عابرة الجنسيات، تخدم، و تخدمها، حكومات قصيرة النظر دائما، تدير الأزمات ولا تعالجها، كما هو الشأن طوال التاريخ الرأسمالي للعالم الكوني في العصر الحديث. و كعهدها دائما قامت وتقوم بتدويل الإنتاج وفق صيغة لتقسيم العمل وتوزيع المهام، على النحو غير المتكافيء المعروف، الذي قد أنتج ما هو معلوم من ممارسات "الاستعمار القديم" طوال أربعة او خمسة قرون متطاولة منذ فجر العصر الحديث في مطلع القرن السادس عشر، و من خلال "الاستعمار الجديد" في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم (مابعد الكولونيالية) معها ومعه.
هذه كورونا إذن، تطل علينا، بعيون "الليبرالية الجديدة" حيث تغيب الحكومات الكبيرة لصالح الاحتكارات العملاقة، ويغيب منطق الوظيفة الاجتماعية لصالح منطق الربحية، وتُشيّد مصانع الأسلحة وتخاض الحروب بدلامن بناء المشافي والمدارس والجامعات من أجل الجميع. وهي تطل علينا وقد غاب المنافسون الحقيقيون و الأغيار (السوفييت، و صين ماو تسي تونج) ليحل محلهم شركاء تابعون عسكريا أو منخرطون اقتصاديا في سلاسل الإنتاج المدوّل والموسع على نحو غير مسبوق. سلاسل تعملقت لتلْتهِم الجميع كبارا وصغارا، من "الصين الجديدة" إلى سنغافورة، ومن كوريا الجنوبية إلى البرازيل والأرجنتين والمكسيك، مرورا بماليزيا وربما تركيا وغيرها عديد.
هذا هو العالم الاقتصادي الكوكبي، الرأسمالي العالمي، الذي أفرز أزمتين كوْنيّتيْن في أقل من عقد زمني واحد (بين 2009 و2019)، عالم جديد قديم، لا يرحم منطق السوق والربح فيه. يسعى إلى العالمية الموسعة للرأسمال-باسم العولمة، عابرا من فوق الأقاليم-باسم "الإقليمية الجديدة" New Regionalism مؤسّسا الاتحادات –باسم الفيدرالية، حتى في عقر دار أوربا (الاتحاد الأوربي) ومقيما مناطق "الأسواق الحرة" في كل مكان: أمريكا الشمالية والوسطى (نافتا وما بعدها) و امريكا الجنوبية (ميركسور وغيرها) و إفريقيا (كوميسا وما حولها وما بعد الجميع: منطقة التجارة الحرة الثلاثية TFT) وآسيا (آسيان) وشراكة عبر آسيا والباسيفيكي، وشراكة عبر الأطلنطي. بينما تختفي أو تشحب التكتلات (القديمة) القومية حقا (الجماعة العربية). ومن خلف المشهد وامامه، تطل من بعيد ومن قريب رايات الأنانية القومية لتسقط أوهام الاتحاد والكونية و "الأوروباوية"، حيث يسقط الاتحاد الأوربي في اختبار"بريكسيت"-خروج بريطانيا- ثم تحت سنابك كورونا على وقع أنين إيطاليا وأسبانيا، بينما تترك إفريقيا والمنطقة العربية وغرب آسيا للأقدار تقذف بها يمنةً ويسرةً، وإن كانت رفيقة بها حتى الآن، مع أقل قدر ممكن من ضحايا "الإصابات والوفيات".
تلك إذن هي كورونا، وهذا عالمها المهيب، الخائف المخيف، حيث الذي توقعناه من أثر هيمنة "الليبراليين الجدد" على المقادير، يصل إلى حد النذير بنهاية العالم الوشيكة، مع وصول التهديد البيئي والمناخي إلى أقصاه، بما يحمله من تهديد ممكن او فعليّ للأوبئة والمجاعات.
ذلك ما يمكن لنا أن نصفه بالتشابك الاقتصادي العميق، تحوطه بيئة "جيوبوليتيكية" ملغومة او مأزومة.
من أين و إلى اين إذن؟ ذلك ما نحاول السعي بين يديه الآن وغدا.
ولنبدأ بالسؤال من أين. فمن أين؟
عالم اقتصادي وصل بمنطق التوسع الرأسمالي المعولم، إلى أقصاه، إلى نقطة لم يبلغها من قبل، منطق السوق والثمن والربحية والاحتكارات، والنّهّم، وفيضان الأموال الهائمة الساعية، والنزوع إلى الهيمنة على أكبر رقعة جغرا-سياسية ممكنة، مع أنانية "قومانية" مفرطة في حقيقة الأمر. ذلك هو التشابك الاقتصادي الأقصى، تجسده سلاسل العرض Supply Chains سلاسل القيمة المضافة العالمية Global Value Added Chains تستأنف سيرة بدأتها منذ بدأت الرأسمالية كنظام عالمي خلال العصر الحديث. هو التشابك الذي لا يحدّه حدّ إلا منطق الربح، فتسعى إليه لاهثة (ولو في الصين..!) و تضحّي باعتبارات الاعتماد الذاتي، وتذهب إلى أبعد مكان على الكرة الأرضية لتخفض النفقة و تزيد الإيرادات وتعظّم العوائد الخالصة، وتكدس الأموال في خزائن الذهب الفيدرالية والبورصات العالمية واسواق المال المعولمة في أي مكان، و كل مكان.
هذا عالم ماقبل أو (قبيل كورونا): تشابكٌ مختلط بالأنانية القومية، و تمتزج فيه تيارات الأرباح المائجة، بسيل الدم المهراق في حروب بلا نهاية ولا لزوم لها: من الحرب الكورية في مطلع الخمسينات، إلى حروب الهند الصينية وفيتنام في الستينات، إلى حروب الكيان الصهيوني ضد العرب منذ الأربعينات، إلى حروب الخليج الثلاثة في الثمانينات، وأفغانستان، عدا عن جولات التدخل العسكري المتقطعة هنا وهنالك، خاصة في أمريكا اللاتينية (الفناء الخلفي للولايات المتحدة).
وفي قلب التشابك الاقتصادي العظيم قبل كورونا، يشتعل التوجس "الجيو سياسي" المقيم بين طرفيْه الأبعديْن الأقربيْن : امريكا والصين. حيث ربْح برائحة الدم فإذا هي (أرباح دموية) إن شئت، وتجارة ممتزجة بالحرب، فإذا هي حرب تجارية كما نشهد ونعلم من سيرة (دونالد ترامب).
قد جاءت كورونا إذن محملة بعبق مزيج من العطر والدماء، وخليط للأصوات المتنافرة من صليل السيوف و رنين الذهب الأصفر و خشخشة "الأوراق خضراء الظهر"— الدولارات. وقد تُخْفي كورونا كل ذلك وقتا، ولكن هل تخفيه أبدا..؟
ذلك ما نحن غير مُتيقّنين من كُنْهِهِ، في عالم يسوده "عدم اليقين" كما يقال. ولكن فلنحاول فحص الأمر بعقل بارد نوعا ما، فيما قد يلي من حديث.




-2-
من السياسة إلى الاقتصاد:
عودة إلى أطروحة "التطور غير المتكافيْ"

كم هو متشابك هذا الاقتصاد العالميّ في عصر (ما قبل كورونا)، عصر توسع الرأسمالية العالمية بقيادتها الدولية الغربية ، بمركزها الأمريكي، على الصعيد الكوكبي، فيما يطلق عليه "العولمة. عالم وعصر حركة التدويل المتعاظمة على نحو غير مسبوق. عالم وعصر المال الدوار الهائم بغير انقطاع على مدار الساعة، كما يقولون، سعيا إلى تعظيم الأرباح وفق القانون المعهود للنظام الرأسمالي فيما يقال له بالإنجليزية Profit Maximization . ومع الربح نزاعٌ ثم صراع، ومن بعده حرب وحروب. ذلك ديدن الرأسمالية منذ نشأتها الأولى اعتبارا من القرن السادس عشر، ومن ثم تحولها إلى نظام دولي أوربي، فنظام عالمي بانزياحها العنيف، عنفا اعتباطيا ثم منظما، على الصعيد العالمي وراء البحار باتجاه قارات آسيا وإفريقيا و أمريكا وكذلك الأوقيانوسيا (استراليا ونيوزيلندا). من الهند والصين إلى مصر والمنطقة العربية إجمالا، مضت الرأسمالية العالمية تشيد منظومتها الاقتصادية ذات القوة كليّة القدرة، عبر مئات السنين، من "التجارة البعيدة" في عصر الرأسمالية الزراعية و التجارية الناشئة، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، إلى الرأسمالية الصناعية المبكرة فالمتقدمة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ممتزجة في طورها المتقدم بالرأسمالية المالية منذ آخر القرن التاسع عشر حتى أعقاب الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن العشرين. تلك الرأسمالية المالية، رأسمالية المصارف الكبرى المشتغلة على نطاق كوني، بالإقراض الربوي، هي التي أطلق عليها "لينين" مسمّى "الامبريالية"؛ وهي التي كانت سمة الاستعمار الكلاسيكي، و من أبرز محطاته التاريخية في القرن التاسع عشر استعمار مصر بالرأسمال والديون و تأسيس الشركات.
و انظر إلى قصة إنشاءالسويس ثم احتلال مصر تدريجيا في عصر الخديوي إسماعيل والخديوي توفيق، تحت وطأة أزمة الديون، وصولا إلى فرض الحماية البريطانية عليها، وسلخها من رابطتها الرسمية مع الدولة العثمانية، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، إلى بقية التاريخ المعروف. ولم ينقذ مصر من مصيرها كمستعمرة ثم شبه مستعمرة بريطانية سوى قيام ثورة 23 يوليو 1952، كما هو معروف أيضا.
مع ما يمكن تسميته بالرأسمالية التكنولوجية، خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، انطلق التوسع الرأسمالي، على النطاق الكوكبي، ليتكيف مع "عالم ما بعد الحرب"، حيث انبثق مكوّنان آخران: المنظومة الاشتراكية السوفيتية، و مجموعة البلدان المستقلة حديثا في القارات الثلاثة لآسيا وإفريقيا و أمريكا اللاتينية، ذات الزعامات التاريخية الناهضة، على غرار جواهر لال نهرو و جمال عبد الناصر و أحمد سوكارنو و كوامي نكروما. ومنذ أول السبعينات أخذت تعتمل متغيرات في غير صالح معسكر التحرر الوطني ذاك والمنظومة السوفيتية، في نفس الوقت الذي أخذت فيه المنظومة الرأسمالية العالمية تستغل قوة التقدم التكنولوجي، وتوظف قوة الدولة الاجتماعية وفق المذهب الكينزي، لتحقيق القوة بمعناه الشامل وتذهب بها، في نفس الوقت، باتجاه التدخل العسكري خارج الحدود و الحرب. ثم أن هذه المنظومة الرأسمالية الغربية بقيادتها الأمريكية أخذت تتحول منذ منتصف السبعينات بعيدا عن "الكينزية" باتجاه "الليبرالية الجديدة"-النسخة الرديئة من الرأسمالية- وتنشرها في عموم البلدان النامية، تحت مسمى "الإصلاحات" الموصى بها من صندوق النقد الدولي وقرينه البنك الدولي. في نفس الوقت، أخذت مسيرة التداعي السوفيتي تفعل فعلها، ومعها تراجع الصين ناحية الفوضى بُعَيْد وفاة ماو تسي تونج، وقبل وفاته. ويصبح المسرح مهيأ للانهيار التدريجي للسوفييت وخاصة منذ اواخر الستينات، و كذا لانزياح الصينيين –المتنازعين مع السوفييت منذ 1957 برغم وحدة المذهب الإيديولوجي- باتجاه الوقوع في (حِجْر) الأمريكيين بقيادة (نيكسون-كيسنجر) في 1972-1973. حينذاك، تفاعلت قوة التكنولوجيا في الغرب الرأسمالي، مع قوة آلة العنف العسكري والحرب، لتصنع واقع الزعامة على الصعيد العالمي، في خضم التآكل السوفيتي –الصيني، وتصاعد النفوذ الإسرائيلي في أحد أهم مسارح الصراع القطبي على الصعيد العالمي، المسرح العربي والشرق الأوسطي، بعد حرب أكتوبر 1973، ليتكون من كل ذلك نسيج للقوة جديد. وبالسقوط (الرسمي) للاتحاد السوفيتي عام 1990، والتحول الجذري، ولكن التدريجي، للصين باتجاه التحالف الفعلي مع الغرب، تهيأ الظرف "الجيوبوليتيكي" لتقدم الولايات المتحدة الأمريكية و لتحتلّ موقع كرسيّها على العرش، بوصفها القوة العظمى الوحيدة Lonely super Power .
وعن طريق صيرورة النظام الرأسمالي النظام الوحيد على سدّة القيادة للاقتصاد العالمي، تجارةً ومالاً واستثماراتٍ وغير ذلك، وصيرورة الولايات المتحدة، قوة عظمى وحيدة، في ظل اختفاء السوفييت، و في ظل خاص لاستمالة الصين حت تحولت من عدو سابق جدا ومن خصم بعد ذلك إلى شريك استراتيجي تُضخّ نحوه "الاستثمارات الأجنبية المباشرة" في شطرها الأعظم على الصعيد العالمي، وتُصوّب ناحيتها أعين الشركات العملاقة عابرة الجنسيات، تنقل إليها من عقر ديار أمريكا وأوربا مرافقها الإنتاجية والتكنولوجية، ثم لتصير قوة تصديرية عظمى باتجاه الغرب –القديم الجديد، وتحلّ، بمعنى معين، محلّ شريكه وحليفه العتيد: اليابان.
هكذا، أصبح المسرح الاقتصادي-السياسي العالمي جاهزا تماما للتوسع غير المسبوق في التجارة متعددة الاتجاهات، والاستثمارات المعقدة تكنولوجيًّا، عبر مسار لم يكن سابقا يخطر على بال : مسار الصين-أمريكا، فيما قيل له من جانب البعض في لحظة ما: Chin America.
امتدت منذئذ سلاسل للعرض السلعي والخدمي بين أمريكا و آسيا وأوربا، أو "سلاسل الإمداد" في تعبير آخر؛ و لكن آسيا هي في المركز والمنتصف، آسيا الشرقية بالتحديد، و قلب آسيا الشرقية الصين، ومن حول الصين ترتفع رؤوس أبرزها اليابان، وحواليْها تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافوره وغيرها عديد. وهذه آسيا تحتكر لنفسها الشطر الأعظم من حركة المبادلات التجارية والمالية وتدفقات "الرساميل" والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة. و مع توسع السلاسل تنتقل التكنولوجيا، ويرتفع معدل النمو، في تلك المناطق والبلدان من آسيا الشرقية دون غيرها حصرا إلى حدّ بعيد. فكأن السلاسل تحرر البعض من القيود، بينما تسجن البعض الآخر وراء أسوار تحجب الاستثمار ومنافع التجارة وتدفقات التكنولوجيا، ومع كل هذا: ضعف النمو.
إنه اقتصاد جديد إذن، ولكنه لم يوجد من العدم، وإنما سبقه تاريخ طويل رعته الرأسمالية العالمية كما أشرنا على امتداد قرون وعقود، لتعمم اقتصاد المبادلة، وتطور من خلالها "مراكز" Centers بينما يتكرس التخلف النسبي للأطراف Peripheries، بعيدة كانت او قريبة. هذه إذن نظرية "المركز والمحيط" التي أقامت بنيانها كوكبة من مدرسة فكرية نُعِتت بمدرسة "التبعية" و معها "المركز والأطراف" و "التبادل غير المتكافيء"، من قبيل أعلام في مقدّمهم راؤوول بريبيش و و إيمانويل والرشتاين و سمير أمين، ولفيف قليل. ولم لا؟ و قد حدّثت الرأسمالية عتادها المادي والمعنوي بالتكنولوجيا والابتكارات و "البحث والتطوير"؛ جددت نفسها كما قال فؤاد مرسي. فليس بمستغرب أن يستعاد تجدد الأفكار من جانب اليسار العالمي ليعيد عرض أطروحة "التشابك" الاقتصادي الدولي من مدخل "التطور غير المتكافيء" ذاته، الذي طالما تسيّد ساحة الفكر التنموي الدولي كأطروحة قابلة لاختبار الصدق الأكيد.
في هذا العالَم الاقتصادي إذن، عالم الربح، و من منطق الرأسمال، عبْر منطلق الهيمنة الكونية، واللاتعادل، ترعرع عالم "الليبراليين الجدد" الذين لا يبالون في سبيل تعظيم الأرباح بالبيئة أو الإصحاح البئي، و بالمحيط الحيوي لعيش الإنسان، ولو تناوشت هذا الإنسان أخطار التغير المناخي، ونهشته مخاطر الأوبئة والمجاعات.
في هذا المحيط المسموم، نبتت وكبُرت ثم انتقلت فانتشرت، فيروسات "الإنفلونزا الآسيوية" و "إنفلونزا الطيور والخنازير" و عائلة الفيروسات التاجية من "سارس" إلى "كورونا"، فلمذا يكون العجب..؟ ولكن لا عجب هنالك؛ فمن فيروس الرأسمالية الرديئة، تولد جميع الفيروسات.



-3-
عن "سلاسل العرض" الممدودة بين أمريكا والصين..!

عن عالم (ما قبل كورونا) دائما نتحدث، إذْ ننتقل من مجال الفكر الاقتصادي المجرد نوعا ما، إلى مجال هو إلى علم الاقتصاد الدولي أقرب. ذلكم حديث ما يسمى بسلاسل العرض، أو – حسب ملفوظ آخر- "سلاسل الإمداد". ذلك أنه من بين أهم الاتجاهات السائدة في مجال الاستثمار الدولي في التكنولوجيا المتقدمة والمعقدة للمعلومات والاتصالات في الآونة الراهنة، و خلال العقدين الأخيريْن على الأقل، هيمنة نمط الاستثمار والتبادل المشترك بين عدة دول في وقت واحد، أقلها ثلاثة. هذا يعكس طابع التجزئة المتزايدة لعملية الإنتاج السلعي والخدمي؛ حيث تخضع السلعة أو الخدمة الواحدة لمراحل عديدة متعاقبة، تجري عملياتها في مواقع متناثرة على رقعة الجغرافيا الكوكبية، وفق القاعدة الذهبية للمزايا النسبية المكتسبة حسب الصيغة السائدة غير المتكافئة لتقسيم العمل الدولي: حيث تختص بلدان معينة، نامية على الأغلب، في الأجزاء البسيطة نسبيا، من السلسلة الإنتاجية والتكنولوجية، خلال مرحلة الإنتاج العيْني أو الصلب، الحلقة الوسطى من السلسلة، وهي البلدان الأعلى تطورا ضمن االبلدان النامية نفسها على كل حال، ومثالها الأبرز الصين، بينما تختص الدول الصناعية المتقدمة بعمليات "القلب" التكنولوجي الناعم، في مرحلتيْ ما قبل الإنتاج وما بعد الإنتاج، الحلقتين الأولى والأخيرة من السلسلة. فماذا يبقى للبلدان "القادمة أخيرا" Late Comers إلى الحلبة التكنولوجية بقمّتها المدببة في حقل المعلومات والاتصالات، تلك البلدان مثل مصر و معها الجمع الغفير من البلدان العربية و الإفريقية؟
هنا، تكشف الدراسات النظرية و الأعمال التطبيقية عن اتجاهات عديدة تصب في غير صالح عموم البلدان النامية، وخاصة البلدان العربية، بما فيها مصر، مثل تركز الاستثمارات التكنولوجية داخل حواضن السلاسل العالمية، في قلاعها الحصينة داخل أكثر البلدان النامية قوة من حيث معدلات النمو ودرجة "التصنّع" ومستوى التقدم التكنولوجي والابتكاري، كما على صعيد التطور العلمي كما في "البحث والتطوير" R&D، وعلى وجه التحديد في منطقة آسيا الشرقية، مما يهدد بقية البلدان النامية بالتهميش.
لقد بات يجرى أكثر من ثلثىْ التجارة العالمية عبر "سلاسل القيمة"، حيث يعبر الإنتاج حدود الدولة الواحدة، و يمرّ عبر عدة دول، قبل أن تدخل السلعة المتاجَر بها مرحلة التجميع النهائى ومن ثم تجهيزها للاستخدام الإنتاجى أو الاستهلاكى الأخير.

وفى عالمنا، إذْ يتكون معظم التجارة من الأجزاء والمكونات و "قطع الغيار"، فإن موازين التجارة الثنائية تتأثر إلى حد كبير بالطلب والعرض من أطراف (ثالثة)، في عصرنا، عصر سلاسل القيمة ، بالمقارنة مع الزمن الذى شهد سيادة تجارة السلع النهائية .

علماً بأنه يمكن تقسيم الناتج المحلى الإجمالى (بطريقة القيمة المضافة) إلى ما هو محلى محض ، وإلى ما يدخل فى التجارة التقليدية التى من خلالها يتم الإنتاج فى بلد معين ثم يقع الاستهلاك فى بلد ثانٍ ، وإلى التجارة البسيطة فى سلسلة القيمة التى من خلالها تعبر السلعة حدود دولة ما وتستخدم فى دولة أخرى، ثم إلى التجارة المعقدة لسلاسل القيمة التى يعبر من خلالها الإنتاج حدود دول عديدة .

ويلاحظ أنه بين عام 2000 و2007 توسعت سلاسل القيمة ، وخاصة المعقدة منها ، بمعدل أسرع من غيرها. وأثناء الأزمة المالية العالمية (لعام 2008) حدث بعض التباطؤ لسلاسل القيمة تبعه نوع من التعافى السريع بين عامى 2010 و 2011 ، ولكن بعد ذلك ، وباستثناء عام 2017 ، تباطأ النمو بشكل أساسي. وفى عام 2017 ذاك، كان توسع سلاسل القيمة أسرع من نمو الناتج المحلى الإجمالى، ومع ذلك فإن من المبكر القول ما إذا كان هذا اتجاهاً جديداً مستقراً أو مجرد تغير ظرفي خلال عام واحد .

وقد أدى النمو المرتفع للتجارة المرتبطة بسلاسل القيمة العالمية إلى إحداث نمو اقتصادى ملحوظ فى العديد من دول العالم عبر العقدين الماضيين، مدفوعاً بانخفاض تكلفة النقل والاتصالات وتقلص الحواجز التجارية . ولكن هذا النمو المرتفع صحبته آثار توزيعية سلبية من شأنها عدم وصول منافع التجارة للجميع، مما يدفع إلى توليد قوة مضادة للعولمة وتصاعد الحمائية وتهديد اتفاقات التجارة العالمية والإقليمية.
ولعل هذا يكمن، في جانب منه، من وراءالنزعة الحمائية المتصلبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الصين، وفق ما تكشّف من أزمة شركة الهواتف المحمولة "هاواوي".
فماذا حلّ بشركة هاواوي من جرّاء الإجراءات الحمائية العقابية..؟
فى مايو 2018 أدرجت وزارة التجارة الأمريكية العملاق التكنولوجى الصينى "هاواوي"، و 70 من الشركات التابعة لها، فى القائمة السوداء، حيث منعت الشركات الأمريكية من بيعها بعض المنتجات التكنولوجية بدون موافقة حكومية. وهذا قد سلط الضوء على عنق زجاجة مهم وهو الرقائق، فإن هواوى لا تستطيع العمل بدون الرقائق المصممة فى الولايات المتحدة.
وبالرغم من أن هواوى لديها ما يكفى أشباه الموصلات فإنها ما زالت تستورد معظم ما يلزمها من "الشرائح الدقيقة"، وقد أنفقت 11 مليار دولار في العام 2017على استيرادها من أمريكا . و تقوم الشركة الأمريكية كوالكوم Qualcomm، فى مدينة "سان دييجو"، بتصنيع حوالى نصف ما يوجد بالعالم من رقاقات ال "مودم" التى تدير الاتصالات اللاسلكية، ورقاقات المعالجات القاعدية.
كما أن شركة "إنتل" الأمريكية تصنّع عمليا كل الرقاقات الخاصة بالخوادم المستخدمة فى مراكز البيانات العالمية، وهي مصنّعة على أساس تصاميم مرخصة من قبل شركة بريطانية تسمى آ.ر.م ARM ، و قد أبدت هذه الشركة الاستعداد لتقييد المبيعات إلى "هواوي"، وذلك خشية السقوط في عواقب الحظر الأمريكي.
وفيما يخص شركتيْ كوالكوم و "آرم" ومصممى الشرائح الدقيقة الآخرين، فإنهم يعتمدون على مسابك متخصصة لتحويل السيليكون إلى معالجات صغيرة micro processors. وأكبر تلك المسابك تملكه “شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات" TSMC" وهى واحدة من أصل ثلاثة شركات فقط قادرة على تصنيع المعالجات الصغيرة الحديثة والمتطورة. والشركتان الأخريان هما إنتل ، و سامسونج من كوريا الجنوبية .
ويلاحظ أن المعالجات التى تستخدم فى هواتف (آى فون) مصنّعة فى (شركة تايوان) المذكورة TSMC.
وتعتمد "إنتل" و "سامسونج" و (شركة تايوان...) فى المقابل على مجموعة منتقاة من مصنّعي و مورّدي المعدات المتخصصة ، ومن هؤلاء شركة ASML الهولندية، وهى الوحيدة فى العالم المصنِّعة لمعدات الطباعة الحجرية، والتى تستخدم الأشعة فوق البنفسجية القصوى فى تصنيع ترانزيستورات صغيرة بالقدر الكافى لاستخدامها فى الجيل القادم من الرقائق المطورة. و قد أنفقت ASML مليارات الدولارات خلال عقود من أجل تصنيع هذه المعدات التكنولوجية، و إن الماكينة الواحدة العاملة في إنتاج هذا النوع من المعدات تزن 180 طنّا، وسعرها 120 مليون يورو (135 مليون دولار). و قد اشترت كل من إنتل وسامسونج و(شركة تايوان..) اشترت عددا منها ؛ كما أن شركة SMIC - وهى شركة صينية لصناعة الرقائق- قد طلبت واحدة منها. وإذا تم منع SMIC أو أى شركة صينية أخرى من شراء مثل هذه الماكينات فإن طموح الصين لتحقيق الاكتفاء الذاتى فى صناعة الرقائق المتطورةيمكن أن ينهار، حسب تقدير بعض المحللين الثقات.

و بعد كل ما سبق، هناك البرمجيات. فإن ثلاثة أرباع "التليفونات الذكية" فى العالم، بما فى ذلك هواوى تستخدم نظام تشغيل الموبايل "جوجل أندرويد". و برغم أن "هواوي" احتفظت بميزة استخدام نسخة أند رويد ذات مصدر مفتوح ، إلا أن "جوجل" الأمريكية تعهدت بأنها لن تقدم للشركة الصينية المميزات المخصوصة مثل "مركز التطبيقات" و "تحديثات الأمان"؛ و قد لا يُلحق هذا الحظر مزيدا من الأذى بمرافق شركة هاواوى داخل الصين، حيث أن هذه الخدمات مغلقة بالفعل، ولكنه سيؤثر عليها فى الغرب، حيث يعتمد عليها المستهلكون اعتمادا تامّا.
والحق أن ما جرى أمريكيا لشركة هاواوي يندرج في سياق أوسع، تمثله السيطرة النسبية للولايات المتحدة على المسارين العينى والمالى لسلاسل العرض العالمية بوجه عام. وتتأكد هذه السيطرة عمليا عن طريق الوجود والنفوذ العسكرى الأمريكي المباشر وغير المباشر، في مختلف مناطق العالم، من خلال مبيعات الأسلحة المتطورة و تكنولوجياتها المعقدة، و كذا ارتكازا إلى القواعد والنقاط العسكرية المتناثرة على أجزاء "رقعة الشطرنج" العالمية، على امتداد القارات، فى كل من أوربا (الغربية والشرقية والشمالية والجنوبية) و آسيا: شمالاً شرقياً (اليابان) ، وشرقياً (كوريا الجنوبية) وجنوبيا( الباكستان و أفغانستان)، وفي غرب آسيا أيضا. وفى هذه المنطقة الأخيرة لغرب آسيا مثلا، يمتد الوجود الأمريكى بمفهومه الواسع ليشمل المشاركة القيادية فى حماية منافذ نقل النفط، وخاصة مضيق هرمز. و أخيراً فى قارتيْ أفريقيا و أمريكا اللاتينية يتكثف ويتنوع الوجود النفوذ العسكرى والسياسى الأمريكي، بما يسمح للولايات المتحدة بسيطرة نسبية عالية على سلاسل العرض العينية إلى حد بعيد، برغم الوجود الاقتصادى الصينى المتزايد فى كل من القارتين.
أما عن السلسلة المالية الموازية لشبكات العرض، فإن السيطرة الأمريكية على آلية (سويفت) وأذرعها المالية تجلّت مؤخرا، على سبيل المثال، من خلال حملة الضغط على أوروبا للامتناع عن تفعيل آلية أوروبية بديلة لتحويل الأموال إلى إيران، لقاء مبيعاتها المحتملة من النفط والغاز الطبيعى إلى شركائها التجاريين (آلية "إنستكس") . فضلاً عما سبق، تميل شبكة المبادلات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، بوجه عام، لصالح الولايات المتحدة، حيث تقدر نسبة صادرات الصين إلى أمريكا حوالى 4% من الناتج المحلى الإجمالى للصين ، مقابل 0,5% كنسبة للصادرات الأمريكية إلى الصين من الناتج المحلي الإجمالى الأمريكي. ولكن من الملاحظ أن درجة التعرض المباشر للمخاطر التجارية عبر سلاسل العرض، تتسم بتماثل نسبي بين البلدين، أمريكا والصين. ذلك أن قطع السلسلة من الطرف الصينى باتجاه الولايات المتحدة ، كلياً أو جزئياً، يمكن أن يكلف الاقتصاد الأمريكى أعباء مرتفعة من جراء انقطاع الواردات من السلع الرخيصة المنتجة فى الصين، أو الحدّ منها ، سواء كمنتجات نهائية أو كسلع وسيطة، أو كآلات ومعدات وأجهزة مختلفة. وفي المقابل، فإن قطع السلسلة من إححى نقاطها الحرجة باتجاه الصين، يرجّح أن تكون له آثار محتملة قوية فى مجال الإمداد بالتكنولوجيا غير المجسدة، وبالمواد ذات الأهمية الخاصة لصناعة الإلكترونيات والإلكترونيات الدقيقة، على وجه الخصوص. فإلى اي مدى يمكن أن تمضي لعبة "عض الأصابع" بين الطرفيْن، وما كُنْه التأثير المحدّد على حركة الإنتاج المدوّل في إطار النظام الاقتصادي العالمي للرأسمالية؟ وهل من بديل عالمي ممكن وموثوق..؟



-4-

نموٌّ للبعض في العالم وتهميشٌ للآخرين:
نحو "سلسلة إقليمية للإمداد" في المنطقة العربية.؟

تقترح النتائج التى انتهت إليها أبحاث "منظمة التجارة العالمية"، وغيرها من منظمات اقتصادية دولية معنية، خلال (ما قبل كورونا) أن المشاركة فى "سلاسل القيمة"- أو سلاسل العرض والإمداد العالمية التي تشترك فيها دول متعددة في وقت واحد- تؤدّي أكثر من التجارة التقليدية البسيطة بين بلدين اثنيْن، إلى التأثير إيجاباً على الأداء الاقتصادى لبلد معين؛ مع الاعتراف بتباين النتائج من حالة إلى أخرى .
ومن الواضح أن البلدان ذات الدخل المرتفع ، وذات "الدخل المتوسط الأعلى" هى التى تستفيد، أكثر من غيرها، من هذه المشاركة ، بينما لم نجد آثاراً واضحة من هذا النوع لدى البلدان ذات الدخل المنخفض وذات "الدخل المتوسط المنخفض".
إن المشاركة فى السلاسل تزيد من مستويات الإنتاجية والدخل ، كما أن "التحرك لأعلى" ناحية قطاعات أكثر ممارسة للتكنولوجيا العالية، لا يحدث بصفة تلقائية و بصفة منتظمة، وقد وُجِد أنه بالنسبة للعديد من البلدان النامية التى تشارك فى سلاسل عرض عالمية رئيسية ، فإن هناك تغيراً إيجابيا طفيفاً فى التركيب القطاعى لهذه المشاركة . وهنا يوجد تباين شديد ، حيث لوحظ وجود حالات لتحولات قطاعية ضخمة فى آسيا (وأقل من ذلك فى أوربا) مع تحرك ملحوظ إلى الخدمات عالية التكنولوجيا فى الولايات المتحدة والصين وألمانيا واليابان.
تقترح البيانات المتاحة أيضا أن ما يسمّى "الجاذبية التجارية" Gravity (بمعنى مدى قوة انجذاب بلد معين إلى التجارة مع بلد آخر، في حالة القرب الجغرافي مثلا) تفسر جانباً من مشاركة بلد ما فى سلاسل القيمة ، بالإضافة إلى أن جودة المؤسسات ، ونوعية البنية الأساسية ، وتكلفة الوحدة الواحدة من العمل، هى محددات هامة للمشاركة فى السلاسل، و أن القطاعات الأعلى تطورا من الناحية التكنولوجية(كالخدمات المتطورة) تعتبر أكثر تأثرا بما قد يفرض من الحواجز التجارية، من خلال علاقة معينة للارتباط السلبي: فكلما قلت الحواجز زادت التجارة في تلك القطاعات، والعكس .
و يعنى ذلك بالنسبة للسياسات وتوجهاتها المختلفة، أنه بغض النظر عن الدعوات المعتادة إلى توفير بنية أساسية ملائمة، و "تواصلية" أفضل Connectivity، وتحسين جودة المؤسسات، فإن هناك حاجة للبحث عن الصيغ الأكثر ملاءمة للتكامل على المستوى الإقليمي (كالتكامل العربي) من أجل معالجة أفضل لقضية تجاوز الحواجز التجارية سواء منها التعريفات أم القيود غير الجمركية.
ولكن، إن تفاقم الوضع بعد كورونا أو أثناءها، ما الحال بالنسبة لبلدان نامية مثل البلدان العربية، بما فيها مصر، حيث تضيق الخيارات أمامها، و هي ليست منخرطة أصلا في سلاسل قوية للعرض والإمداد والقيمة المضافة على المستوى العالمي؟ ، وما الحال، و هي لم تنجح، عبر الزمن، في إقامة تشكيلة متجانسة قابلة للتطور لسلاسل القيمة على مستوى إقليمي ( جهوي) – عربي مثلا أو قلْ إفريقي على نطاق جزئي أو على نطاق كلّي قارّي..؟ كما أن هذه البلدان النامية عامة، و العربية خاصة، لم يُقدّر لها أن تنجز عملية التحول الهيكلي لاقتصاداتها بما فيها عملية "التصنيع" المبتغاة؟ فلم تزل في أغلبها معتمدة على محصول واحد او محصوليْن، في إطار النشاط الأوّلي، الزراعي والنفطي، أو هي بالتعبير الذي بات دارجا: ذات اقتصادات "ريعية".
هل من مخارج محتملة للدول العربية، بما فيها جمهورية مصر العربية كمثال، في ضوء ما يتوقع من ركود اقتصادي عالمي لفترة قادمة، في أعقاب كورونا، تطول او تقصر على كل حال..؟
نعم وإننا نقترح ثلاث مخارج ممكنة، هي ما يلي: 1- العمل على بناء نماذج ل (التطور غير الرأسمالي) من خلال قاعدة انتاجية وصناعية صلبة موجهة بالقواعد الإرشادية للاعتماد الوطني النسبي على النفس، و العدل الاجتماعي. 2- العمل في إطار مجموعة البلدان النامية لإعادة تفعيل الإطار الجامع لمنظمة التجارة العالمية-بالتعاون مع بلدان مثل الهند والبرازيل وإندونيسيا، من أجل حماية الإنتاج المحلي في إطار القواعد المنظَّمة لهذه المنظمة العتيدة، وذلك في وجه محاولات تقزيم "المنظمة الأم" كما هو معروف في ظل النزعات الحمائية المتشددة للإدارة الأمريكية الراهنة. 3- الالتفاف على لاسل العرض العالمية المهيمنة، من خلال قيادة محاولة جادة للعمل على إقامة سلاسل للعرض بين الدول العربية في مجالات قطاعية واعدة مثل صناعة الأدوية وتجارة الخدمات. وفيما يلي نقدم محاولة-عملنا عليها سابقا- في الاتجاه الداعي إلى بناء سلاسل القيمة المضافة العربية في الميدان العلمي والتكنولوجي، لمقاومة التهميش المفروض في إطار السلاسل العالمية المهيمنة حاليا، و استحثاث عملية النمو و التطور غير الرأسمالي في بلادنا.


نحو "سلاسل عرض" على المستوى العربي الجامع
قام "صندوق النقد الدولي" بإعداد تقارير ودراسات معمقة حول سلاسل القيمة العالمية؛ ولكنّا نجدها متحيزة تجاه فرضية نابعة من الاختيار الإيديولوجى القائل بأن الطريق الناجع لزيادة الدخل والإنتاجية هو الارتباط بسلاسل القيمة العالمية؛ ويرتبط بذلك تفضيل فرضية التجارة المفتوحة والاقتصاد المفتوح، لدى طواقم صندوق النقد الدولي، دونما تحبيذ لتدخل الدولة، ولو من أجل حماية الصناعة المحلية والوليدة على سبيل المثال. و لكن ربما لو أجرينا أبحاثا مستقلة لوجدنا نتائج مختلفة عن ذلك تماما. وانطلاقا من ذلك نأمل من جماعات الباحثين العرب العمل على دراسات امبيريقة واستقصائية قوية، دون الالتزام المسبق بافتراض أفضلية السلاسل العالمية بالضرورة.
وفي هذا الاتجاه نحبذ مقتربا فكريا أقرب إلى فكرة السلاسل الإقليمية، بالتطبيق على جماعة اقتصادية عربية مبتغاة. فماذا نجد من استقراء الواقع الاقتصادي العربي الراهن بوجه عام؟.
ولنلاحظ، في هذا المضمار، أن هناك عدة مجموعات من البلدان العربية، مصنفة بالمعيار الاقتصادي الكلي العام. هناك مجموعة من البلدان الكبيرة نسبياً من حيث المساحة وحجم السكان ، بعضها منتجة للنفط والغاز تمثلها السعودية والجزائر، وبعضها غير منتجة بصفة رئيسية للنفط أو ذات موارد شحيحة نسبياً وخاصة مصر ثم العراق والسودان والمغرب؛ هذه البلدان الكبيرة جميعاً تنوء بحمل الاقتصاد التقليدى ، الطاقوي وغير الطاقوي ، وبكمّ سكاني، وموارد مستغلة أو غير مستغلة، و باقتصاد هامشىّ خارج "التيار الرئيسى" لتوليد الناتج المحلي الإجمالي. و في هذه الحالة، نجد أن إدخال الاستثمار الموسع للتكنولوجيا الرقمية في قطاع المعلومات والاتصالات، على النحو القائم فى العالم الصناعى وشبه الصناعى، إن تم بصورة عفوية أو غير مخططة، يكون غير مأمون العواقب على كل حال .
إن الأمر يقتضي في هذه الحالة نوعا من الإدخال "الانتقائي" لأدوات الثورة الرقمية –المعلوماتية والاتصالية بالذات- بهدف تسريع وتيرة التطور الصناعي، أي القيام بعملية التصنيع. بعبارة أخرى: تستهدف التكنولوجيا الرقمية هنا المساعدة في بناء ما قبلها، أي الصناعة، ولو غير الرقمية تماما، وتطوير القاعدة الإنتاجية على وجه العموم.
غير أن هناك، فيما نرى، مجموعة أخرى من البلدان العربية لا تتمتع بقومات كفيلة بإمكان تحقيق الثورة الصناعية، ولو ان لها سابقة عمل وتطور في قطاعات أخرى (قطاعات خدمية كالمال والتجارة والسياحة والتعليم، او قطاعات سلعية ممثلة في الصناعة الخفيفة)؛ وهي يمكن لها أن تعمل بأمان أكثر من أجل تبنّي شطر من آليات الثورة الرقمية دون أن تخشى الكثير.
تلك هى حالة لبنان والأردن، ، وحالة تونس ، و البحرين وعمان - باستثناء "دولة الإمارات العربية المتحدة"، وخاصة إمارة دبي التى حققت فيما يبدو ولوجاً آمناً بالفعل إلى بشائر العصر الرقمى العالمى، كمشروع (مدينة عالمية) (غير عربية) بالذات على كل حال.
خمسة أو ستة بلدان عربية إذن مؤهلة لبدءعملية الإدخال الآمن للثورة الرقمية، دون مضاعفات متوقعة كثيرة، إن هى أحسنت وضع الأولويات لها، وبرمجت التطور الرقمى على مدى الزمن بصورة واقعية ودقيقة .
مجموعة ثالثة من البلدان العربية الأقل نموا (مثل موريتانيا) والأكثر فقرا، أو ذات الظروف الخاصة وشحيحة الموارد (مثل جيبوتي) ، أو التي تعاني من التمزق الداخلي، مثل الصومال أو اليمن بصفة انتقالية حاليا- وهذه كلها ينبغى أن يشملها العون العربى والخارجى لانتشالها من الظروف المعيقة.
تلك إذن ثلاث مجموعات للبلدان العربية من وجهة نظر التطور التكنولوجى الدولى المتسارع : فى الطرف الأول، مجموعة من الدول الكبيرة؛ وهي لا بد أن تبنى "استراتيجيات" انتقائية للتكنولوجيا الرقمية ، تشمل السعودية و مصر والسودان و الجزائر والمغرب. ومجموعة فى المنتصف ، وهى ما تسمى بالبلدان الأقل نمواً ، وذات الظروف الخاصة. وفي الطرف المقابل للمجموعة الأولى، ثمة مجموعة من البلدان الصغيرة نسبياً، يمكن أن تسمح ظروفها بتهيئة المجال الاقتصادى للتطوير التكنولوجى الرقمى بآفاقه العالمية. هذه المجموعات الثلاثة، نقترح أن يكون لها إطار للعمل العربي المشترك، في إطار بناء جماعة اقتصادية عربية، بدءً من إقامة نوع من "سلسلة إقليمية للعرض" أو "سلسلة القيمة المضافة الإقليمية" بفعل تشابه الظروف بدرجة معينة داخل كل مجموعة، وبين المجموعات الثلاثة ككل، وبحيث تتفرع عنها سلاسل نوعية للعرض و الإمداد في القطاعات السلعية والخدمية المختلفة . فهل نعتبر..؟

ختام
إلى أيّ حدّ يكون هذا البديل الأخير المطروح ممكنا..؟ يتوقف ذلك على جانبين: أولهما مستوى ونوعية التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في البلدان العربية، أو في بعض منها، بما يسمح بإنضاج الظروف الموضوعية والذاتية الضرورية لإقامة وإنجاح نموذج للتطور غير الرأسمالي، يقوم على تشكيلة طبقية متجانسة في السياق الوطني التقدمي، عاملة على بناء القاعدة التصنيعية في إطار العدل الاجتماعي و الاستقلالية النسبية على الصعيد الخارجي. ويتطلب ذلك ممارسة دور فاعل و وظيفة تنموية للدولة الوطنية في إطار من توزيع الأدوار بين القطاع العام والقطاع الخاص "غير المستغل"، والقطاع التعاوني و " قطاع الإنتاج السلعي والخدمي الصغير والمتوسط".
أما الجانب الثاني فيتعلق بالبدائل الممكنة للتطور الاقتصادي والاجتماعي و السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد، وانعكاسه على الدور الخارجي لهذه الدولة. علما بأن هذا الدور سوف يتعرض لتنازع بين تصورات عديدة لدور الدولة الأمريكية في العالم المتغير، وخاصة بين اتجاهين: اتجاه (انكفائي) ربما يعيد التركيز على التقاليد المرتبطة بالامبراطورية البحرية، مع فناء خلفي في الجنوب، وقوة عسكرية تكفل حماية المصالح الاقتصادية في الكون الفسيح. واتجاه آخر مغاير يواصل الاعتماد على تشديد تحكم (المركب الصناعي-العسكري) بواسطة "البنتاجون" و الشركات الكبرى، ويراوح دائما بين دورة زمنية للتهدئة النسبية على الصعيد الخارجي، ودورة أخرى للعنف الموسع والحرب.
ونحن نظن ان الاتجاه الثاني هو الأغلب، بعد أن (تذهب السَّكْرة و تجيء الفكرة )..
ولننتظر التاريخ ليقول كلمته بعد حين، بمَكْرِه و كرِّه و فرِّه.
و لربما لن نُضطرّ إلى الانتظار كثيرا على كل حال...!




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,862,749,568
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ...
- الاقتصاد السياسي للفقر: سؤال النظرية والتطبيق (موجز)
- الليبراليون الجدد في الوطن العربي على مقاعد الحكم
- بيْن التجارة و السياسة، و من الطبيعة إلى الاقتصاد..!
- النهاية الوشيكة للعالم على أيدي الليبراليين الجدد..ونداء من ...
- سبعون عاما.. وخمسون..وأبعون.. فرصٌ ضاعت، وفرصٌ أخرى تلوح في ...
- إعادة الاعتبار إلى -نظرية المؤامرة- في الوطن العربي: بين الم ...
- الوطن العربي والثورة الرقمية: إعادة بناء الدولة الوطنية و تف ...
- البيئة الدولية للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم
- أضواء على الحلقة المفرغة للسلطة السياسية في الدول العربية: ب ...
- ملاحظات ريفية و مدينية.. من مصر العربية
- العسكريون والسلطة السياسية في الفضاء التاريخي للعالم العربي- ...
- الثورة الحضارية الجديدة...هل نصنعها..؟
- هوامش حول النهضة العربية المغدورة
- الجغرافيا الاقتصادية للاستثمار الأجنبي المباشر
- النموذج الأساسي للممارسة السياسية العربية الراهنة، والتير ال ...
- الاقتصاد المصري ومستقبله في الأجل المتوسط: المتغيرات المحلية ...
- نحن و صندوق النقد الدولي: وصفة العلاج إلى أين..؟
- الثورة الصناعية الرابعة وقوة العمل، وماذا عن البلاد العربية. ...
- -نظرة طائر محلق- على الانتفاضات العربية الراهنة : -من غير عن ...


المزيد.....




- الفتح يرد على تصريح الناطق باسم القائد العام: فاجأتنا وخدعت ...
- في الذكرى العشرين لاغتيال رفاقنا على يد قوات الاتحاد الوطني ...
- معركة لينين الأخيرة
- تونس: تحوير مرتقب في تركيبة الحكومة قد يقصي حركة النهضة
- التحالف الشعبي ينعي الكاتب الصحفي والمناضل الاشتراكي محمد من ...
- العدد 368 من جريدة النهج الديمقراطي‎
- في الديوانية وذي قار وواسط وميسان والنجف وكربلاء تظاهرات غاض ...
- المجموعة النيابية للتقدم والاشتراكية بمجلس النواب، تعبر عن ر ...
- قيادات حزب التجمع وأسرة تحرير جريدة الأهالي ينعون الزميل الك ...
- بعد جائحة كورونا: أي مواجهة لتردي الأوضاع الاجتماعية؟


المزيد.....

- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف
- ما هي مساهمات كوريا الشمالية في قضية الاستقلالية ضد الإمبريا ... / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الشعب الفيتنامي في حربه الثورية؟ / الصوت الشيوعي
- كيف ساعدت كوريا الشمالية الثورة الكوبية؟ / الصوت الشيوعي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - محمد عبد الشفيع عيسى - نظرات من نافذة -الاقتصاد السياسي- على عالم -ما قبل كورونا-