أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(3)















المزيد.....


النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(3)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 6463 - 2020 / 1 / 12 - 19:27
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليست النبوة سوى التجسيد الممكن لمثال الفضائل الإنسانية العليا. مما يعني أيضا ارتباطها بعلل وجودها الطبيعي والتاريخي في الإنسان والكون. لهذا ربط إخوان الصفا ظهور النبوة بعوالم الكون في حركته، والطبيعة في انتعاشها. فعلى الرغم من أنهم أكدوا على معلولية الأشياء والظواهر، وكون الله هو مبدعها وعليتها، إلا أن ظهور النبوة هو النتاج الملازم لوحدة الطبيعي والإنساني في التاريخ، ونتاج العلل القائمة وراء ترتيب وجود الأشياء وحركة الكون وفعلها في الكينونة التاريخية لوجود البشر. ومن هنا فكرتهم القائلة بأن اجتماع الفضائل في شخص "في دور من أدوار القرانات في وقت من الزمان، فإن ذلك الشخص هو المبعوث وصاحب الزمان والإمام للناس ما دام حيا" . وبهذا تكف النبوة عن أن تكون فعلا إلهيا لا معقولا، وتتحول بالتالي إلى ميدان الإمكان في ضرورته الطبيعية وصُدفه التاريخية. غير انه لا يجري إدراك هذه الصدفة بمعايير الضرورة المجردة، بل بمعايير الأخلاق الوجودية. وهذه بدورها ليست إلا الأخلاق التاريخية. مما يعني تماسك الزمن في ذراتها، اعتباره وجودا لفعل الكمال الذاتي. وإذا كان لهذا الزمن صفاته المشتركة مع الزمن الصوفي، فإنه يفترق عنه بأساليبه ومكوناته، ولحد ما في غاياته ونتائجه. ويتضمن ذلك في ذاته ملامح الإدراك الواعي للنبوة باعتباره جزءاً من الحكمة الإلهية، ولكن لا في قيم اللاهوتية ومعجزاتها وغرائبها وأسرارها وعجائبها، بل في تجليها الأخلاقي باعتبارها فعلا للكمال الذاتي. وهي الفكرة التي نعثر على انعكاسها "المقلوب" في ما أكدوا عليه من أن الهدف الأساسي الذي يسعون إليه هو ليس مذهباً مستحدثاً، بل هو رأي قديم سبق إليه الحكماء والفلاسفة الفضلاء وطريق سلكه الأنبياء . فهو المذهب الذي يجمع في ذاته حكمة الحكماء العقلية ومسالك الأنبياء الروحية. وعندما حاولوا تدقيقه على مثال ملموس فإنهم اتخذوا من التاريخ المحمدي نموذجه المنقول والمعقول أو العقلي والروحي. وبالتالي تحويلهم النبوة المحمدية إلى مثال مقبول في أذهان المجتمع وقلوبه. فالمبعوث (النبي) هو ذاك الذي اجتمعت فيه الخصال المشار إليها (الست والأربعين). وفي حالة تبليغه الرسالة، وتأديته الأمانة، ونصحه الأمة، وتدوينه للتنزيل، وتلويحه للتأويل، وإحكامه الشريعة، وإيضاحه المنهاج، وإقامته السنّة، وجمعه شمل الأمة، ثم موته، يحق لمن اجتمعت فيه هذه الخصال الموروثة أن يكون خليفة. بل وفسحوا المجال أمام إمكانية الحكم الجماعي في إدارة شؤون الأمة في حالة عدم وجود هذا الشخص، وقدرة الأمة في اجتماعها على إدارة هذا الأمر .
لقد تضمنت هذه الآراء في أعماقها على المدى الحقيقي للمضامين الاجتماعية والسياسية للنبوة، من خلال تحويلها إلى مثال نموذجي يحتوي في ذاته على تجليات المساعي الحثيثة والمتنوعة للأخلاق المطلقة. من هنا آراؤهم عن ضرورة التضحية وتذليل الخوف من أجل بلوغ الغاية. فالأنبياء لا تهاب الموت، وأهل البيت العلوي ضحوا في مناسبات عديدة، وسبق لسقراط إن فضل الموت، وهكذا يرى افلاطون في آرائه، وارسطو في كتاباته، وفيثاغورس في رسائله ووصاياه . غير أن ما يميز الأنبياء عن غيرهم هو توجههم الخاص صوب النفوس والعالم الروحاني. وذلك لأن التاريخ يعرف، كما يقول الإخوان، نوعين للرئاسة: الجسدية والروحية. الأولى من أعمال الجبابرة، بينما الثانية لأصحاب الشرائع. فإذا كان الأوائل يتميزون في سلطانهم على الأجساد بالقهر والغلبة، فإن أصحاب الشرائع يملكون النفوس والأرواح بالعدل والإحسان ويستخدمونها في الأديان والشرائع لحفظ الشرائع. ورفع الإخوان هذه المهمة إلى مصاف الذروة العليا، انطلاقا من انه ليس هناك "من علم وعمل ولا تدبير ولا سياسة مما يتعاطاه البشر هو أعلى منزلة ولا أسنى درجة ولا في الآخرة أكثر ثوابا، ولا بأفعال الملائكة أشد شبها، ولا إلى الله أقرب قربة من وضع الشرائع الإلهية" . فبالقدر الذي كانت تنفي هذه الفكرة الشريعة اللاهوتية من خلال مطابقة وجودها الحق مع الحق، فإن النبوة، باعتبارها وضعا للشريعة، هي العملية التي ينبغي أن تكشف في مساعيها الأخلاقية المتسامية وأفعالها الإجتماعية عن الصلاح والأصلاح الكامل للأمة. إذ ليست الشريعة الإلهية، بنظر الإخوان، سوى "جبلة روحانية تبدأ من نفس جزئية في جسد بشري بقوة عقلية تفيض عليها من النفس الكلية، بإذن الله، في دور من الأدوار والقرانات، وفي وقت من الأوقات تجذب بها النفوس الجزئية وتخلصها من أجساد بشرية متفرقة ليفصل بينها يوم القيامة" . فالنبي يظهر هنا كما لو انه "فيلسوف إلهي". أما الخلاف بينه، باعتباره واضعا للشريعة الإلهية، وبين الفلاسفة الحكماء، فيقوم في أن النبي لا ينسب أي شيء إلى رأيه واجتهاده، بل يرده إلى الواسطة التي بينه وبين ربه من الملائكة . وبهذا تكون آراؤهم بهذا الصدد قد احتوت في اعماقها عناصر الفكر الباطني الإسماعيلي، أو أحد النماذج العملية السياسية للباطنية الإسلامية.
فقد شغلت قضية النبوة الاتجاهات الكبرى للإسلام بأقدار متفاوتة، لكنها ظلت على الدوام تحتل أحد المواقع المهمة في وعيها الديني والعملي. لهذا شغلت هذه القضية علم الكلام بالقدر ذاته الذي ميز انشغال التشيع الإسماعيلي بها. غير أنها اتخذت في منظومات الكلام اتجاهاً آخر عما هو عليه الحال في التشيع بسبب تباين موقع النبوة في كل منهما. ومن الممكن القول بأنها اتخذت في الكلام صيغتها الأقرب إلى موقعها في الفلسفة التقليدية. إلا أنهما تباينا من حيث أساليبهما وبراهينهما النقلية والعقلية. وهو التباين الذي حدد في الأغلب المقدمات المعرفية لكل منهما وغاياتهما العملية. من هنا اختلاف مواقع القضايا المثارة حول النبوة في كل منهما. بمعنى انه إذا كانت قضايا النبوة في الكلام تدور أساسا عن معقولية الاختصاص والحكمة في الاختيار، فأنها دارت في رحى الفلسفة حول ماهيتها مقارنة بالحكمة الفلسفية. وهو خلاف معرفي وعملي حدده في الأغلب تباين تقاليدهما وخصوصية صراعهما في ثقافة الإسلام. وفيما لو اهملنا جانبا هذه القضايا، فإن ما يميز مدارس الكلام، رغم اختلافاتها الحادة، هو اشتراكها في مناقشة قضايا الاختصاص والاختيار في النبوة، باعتبارها القضايا الجوهرية للنبوة والموقف منها. وقد حدد هذا الاشتراك اتقاليد الكلام المشتركة وموقع النبوة فيها، ولحد ما قيمتها. ففيما لو أخذنا على سبيل المثال شخصيتين غاية في التباين كالباقلاني البصري وابن حزم الأندلسي، فإننا نرى ترابطهما الخفي في الدوران حول قضايا النبوة المشتركة، ووحدة دفاعهما في اختلافاتهما الشديدة. فقد انطلق الباقلاني من انتقاد الفكرة المنسوبة للبراهمة أو بصورة أدق للفكرة المعتزلية المحوّرة، والقائلة، بأن النبوة هي منافاة للحكمة. وذلك لأن الاختيار فيها هو محاباة. والمحاباة منافية للعدل. بينما لم يجد الباقلاني حرجا في البرهنة على امكانية الاختيار والعدل، انطلاقا من انه لا تعارض ملزم بالضرورة بين التخصيص والتسوية. بمعنى ان يخص الله بعض مخلوقاته مع مساواته إياه لهم في الوقت نفسه. وأن يسعى للبرهنة على أن الانتخاب أو الاصطفاء لا يتنافى مع العقل ولا يخالف الحكمة، لأن الإنسان نفسه مفطور عليه. فهو يحب ويفضل البعض على الآخر، ولا يقبّح الإنسان هذه الأفعال ولا يحسّنها . وينطبق هذا بالقدر ذاته على كيفية إرسال الله (القديم والمختلف كلياً عن مخلوقاته) رسلا إلى خلقه. بمعنى انه لم يسع لوضع ذلك في اطار اخضاع الله لمتطلبات البشر ورغباتهم المعقولة، لأن القضية أكثر تعقيدا من ذلك. وإلا لكان من السهل إدراك حقيقة الله للجميع بعقولهم. إضافة لذلك أن إرسال الله للرسل هو من شأنه. بمعنى انه فعل من أفعاله. وإلا لأدى عدم الاعتراف بذلك إلى افقاد الله صفات العلم والقدرة والحياة. فالله يرسل الرسل كما يشاء ومتى يشاء، ويكلمهم بكلام مفهوم لهم. ولا يغير من ذلك شيئا تباينه عن خلقه. فالكلام الإلهي مسموع للأنبياء بحاسة السمع، ومعقول بالعقل من جانبهم، منطوق بلغاتهم، وهو كلام الله يخاطبهم به . إن هذه الصيغة اللاهوتية المستندة إلى ما سيدعوه الغزالي لاحقا بالبراهين الكاذبة (التقليدية) هي التي شكلت منطلقات الباقلاني في البرهنة على النبوة. بمعنى إنها كانت الأساس الذي بنى عليه الباقلاني فكرته عن إمكانية المعجزات. فإذا كان المانع من الإقرار بالمعجزة هو العادة والمشاهدة، فإنها مما لا يرتكن إليه على الدوام. حقيقة إن الباقلاني سعى لإعطاء المعجزة طابعها المعقول (العقلي)، أي إزالة هيبتها السحرية من خلال مطابقتها لحد ما مع ظواهر الطبيعة الخارقة . غير أن هذه الآراء ظلت في حصيلتها مجرد تجميع لاهوتي لآراء الكلام العقلاني في براهينه الجدلية، وبالأخص ما يتعلق منه بوحدة انتقاد العادة وإمكانية الخوارق على أنها نماذج ما فوق عقلية. وسوف يدخل الغزالي هذه الأفكار لاحقا في توليفاته العقلية الأخلاقية.
اما ابن حزم فقد انطلق في محاولاته البرهنة على إمكانية النبوة ومعقوليتها من فكرة الإمكان والواجب، التي نعثر على أحد نماذجها عند الكرماني. غير أنه سار بها في اتجاه آخر. بحيث حوّلها، إن أمكن القول، إلى الصيغة الاجتماعية السياسية الأخلاقية الواضحة والمبسّطة لتعقيداتها الباطنية في الإسماعيلية. فهو ينطلق من أن مجيء الرسل قبل بعثهم واقع في باب الإمكان. وحالما يبعثهم الله، فإنهم يصبحون في حد الوجوب. ففي الوقت الذي يرفض فكرة الوجوب في النبوة، فإنه يضع إمكانيتها الكامنة في وجوب الحكمة وإنذارها. وهي المقدمة التي سعى من خلالها تنحية الوجوب عن الله. فالله لا يخضع في مشيئته لرغبة الإنسان واحتياجاته في إراداته. وأنه لا يفعل شيئا لعلة. وأن ما يفعله هو العدل والحكمة. فافتراض الواجب على الله في النبوة، أو في أي شيء آخر، كما يقول ابن حزم، ينطلق من التشبيه السطحي المبني على المقارنة بالنفس. فبما أن الإنسان لا يفعل إلا لعلة لهذا تجرى محاولة نسب العلة في افعال الله، بما في ذلك من خلال فكرة الوجوب عليه. مما جعله يشدد على ضيق الوجوب ومحدوديته. وذلك لأن الله، بنظره، يخالف مخلوقاته في كل شيء وبكل شيء. إذ في كل موجود حكمة لا تخضع بحد ذاتها إلى سؤال عن معلوليتها المطلقة، مثل ان يقال لم جعل الإنسان ناطقا، ولمَ حرّم النطق على الحمار، ولِمَ جعل الحيوان متحركاً والحجر جامدا. ومن هذه المقدمة حاول الوصول إلى الفكرة القائلة بضرورة ألا يقال لِمَ يبعث الله هذا الرجل دون غيره ولِمَ يبعث في هذا الزمان لا في غيره .
فالله بنظر ابن حزم، هو الوحيد المطلق والخالق لكل شيء. وهو الذي اخرج كل شيء إلى الوجود بعد إن لم يكن بلا كلفه ولا معاناة ولا مثال سابق ولا لعلة. وانه لم يفعل إذا لم يشأ، ويفعل إذا شاء كما شاء. وإن كل ما كان ويكون داخل في باب الإمكان عند الله. والنبوة تدخل في هذه الإمكانية الدائمة، باعتبارها أحد تجليات إرادته. إنها ليست واجبة عليه، بل تقع في باب الإمكانية غير المتناهية. لكن من الممكن، كما يقول ابن حزم، ليس واقعا في العالم وقوعا واحدا. ولا يمكن حصر الامكانيات في تجل ضروري واحد لابد منه. فاللحية مثلا، تنبت عند الرجال كإمكانية في أعمار معينة (مابين 12-20 سنة من العمر). وما قبل ذلك فممتنع. والإبداع الشعرى والبلاغة ممكنة لأصحاب الذكاء النافذ وممتنع على الأغبياء والبلداء. وإن الإمكانية المدركة بالنسبة لنا تبقى مع ذلك متباينة في تجلياتها. غير أن ما هو ممتنع لنا هو تصورات وقياسات مرتبطة ببنيتنا وعاداتنا. بينما لا يستلزم هذه التصورات والقياسات امتناعه على ما لا بنية له ولا عادة ولا طبيعة (الله). وجعله ذلك يصل إلى استنتاج يقول بأن النبوة في الإمكان هي بعثة قوم قد خصهم الله بالفضيلة لا لعلة، إلا أن شاء هو ذلك . ولكن حالما تأخذ النبوة في التحيّز من الإمكان في الواقع، فإن آراءه تبدأ في الاقتراب من آراء الباطنية، وبالأخص ما يتعلق بفكرتها عن التعليم. غير أن ما يميز آراء ابن حزم هنا هو ربطه فكرة التعلم بالأنبياء لا بالأئمة. فهو ينطلق شأن الإسماعيلية، من أن الإنسان لا يمكنه بطبعه بلوغ المعارف والصناعات كلها بنفسه دون تعلم. وأن الإنسان لا يمكنه تجريب كل شيء رغم انه السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة. ففي الطب على سبيل المثال، لا يمكن للإنسان تجريب العقاقير كلها. إلا أن التعلم هو وسيلة المعرفة واليقين. وينطبق هذا بالقدر ذاته على العلوم الأخرى كالفلك. فهناك مما لا يحدث إلا في مئات وآلاف السنين. والإنسان يعرف ذلك لا بطبعه بل بالتعلم. وإذا كان الأمر كذلك، فإن من الصعب توقع من يمكنه الإحاطة بالمعرفة إحاطة ضرورية دون تعلمه من شخص ما. أما الإحاطة بها فهي الحصيلة المميزة لوجود الوحي باعتبارها الصفة الأساسية للنبوة . فالإنسان لا يمكنه في حالة افتراض عدم مشاهدته نتاجات العلوم والصناعات، أن يخترعها تماما كالذى يولد وهو أصمّ لا يمكنه أن يفقه الكلام أو يهتدي إليه. من هنا ضرورة التعلم والتعليم والكلام باعتباره واسطتهما وأداتهما. وقد حدد ذلك قيمة الكلام (النطق) في آراء ابن حزم بحيث أعطى له صفة الوسيلة المبرهنة على فكرة الوحي الإلهي. وتشير هذه النتيجة إلى بعض ملامح الاشتراك الفكري بينه وبين آراء الباطنية الإسماعيلية عن العقل الكلي وتجسيده في النبي. غير أنها تتخذ في آراء ابن حزم صيغة الوحدة المترابطة والضرورية، والمستندة إلى فعل الخلق الإلهي. فهو ينطلق من أن العالم لا يمكنه الاستمرار في وجوده دون نشأة أولية. ولا يمكن لهذه النشأة بدورها الاستمرار دون معاش. ويستحيل وجودهما كلاهما دون الأعمال والصناعات والآلات. وهذه بدورها غير ممكنة دون تعليم الله. إذ لا سبيل لبقاء العالم، كما يقول ابن حزم، دون ذلك. مما حدد بدوره الحاجة إلى معلم مدبر متعلم من الله وهو النبي. مما أعطى للنبوة في آرائه طابعاً عملياً واجتماعيا سياسياً وتعليمياً. وبهذا تفقد النبوة في منظومته كيانها السرّي ولاهوتيتها المفتعلة وتعقيداتها المتفرعة في المعجزات. وذلك بفعل تحديده إياها في المجال الإنساني واحتياجاته. بحيث تصبح التجلي الأرفع للإنسان في اجتماعه، تماما بالقدر الذي يتطابق ذلك مع الفكرة القائلة بأن سيد القوم خادمهم. ومن هنا وقوفه ضد الاجتهادات النظرية وتفريعاتها عن وضع النبوة فوق العقل أو تحته، مشددا على أنها تجرى من العقل مجرى الواحد. مما دفعه ذلك إلى رفض الآراء والمواقف لتي حاولت أن تعطي للنبوة قدرتها الشاملة في احتواء كل ميادين الوجود ومظاهره بما في ذلك عوالم الحيوانات والنباتات.
وشكلت قضية ما إذا كانت النبوة ممكنة عند الحيوان والنبات أم لا موضوعا للجدل اللاهوتي. ولهذا الجدل مقوماته في الذهنية اللاهوتية نفسها وخيالها الواسع. لكنها شأن كل قضية جدلية في احتراب المدارس والفِرق لها أبعادها الاجتماعية والسياسية. ومن ثم يمكن افتراض تداخل الجد والهزل فيها. لاسيما وأن صوره الأولى عما إذا كانت النبوة ممكنة عند الحمير والذباب والنمل عادة ما ترتبط بشخصيات المعتزلة. حيث ينسب ابن حزم بعض منها ألى أحمد بن خابط. وهي مناقشات تتضمن في أبعادها الجدلية نقدا ضمنيا ومواقفا اجتماعية وسياسية وأخلاقية قوية ضد السلطة واللاهوت السلفي التقليدي.
اما ابن حزم فقد حاول ربط النبوة بمهمتها العقلانية من خلال التأكيد على أهمية العقل في معرفتها. إذ لا حجة، حسب نظره، إلا لمن له عقل. إذ أننا نعرف "بضرورة العقل إن الله لا يخاطب بالشرائع إلا من يعقلها ويعرف المراد بها" . ولهذا شدد على أن من "أبطل العقل فقد أبطل التوحيد. إذ لولا العقل لم يعرف الله" . وبهذا يتحول العقل إلى وسيلة إدراك الحقائق والآيات القرآنية. وبغض النظر عن دعوته الظاهرية، فإن تفسيره وتأويله للآيات تصب في الاتجاه الذي لا يتنافى مع معطيات الحس وأحكام العقل . وذلك لأننا بالعقول عرفنا الأشياء على ما هي عليه. وبها عرفنا، كما يستنتج ابن حزم، الله وصحة النبوة. ولا يمكن أن يصحّ شيء إلا بموجب العقول. فما نعرفه بالعقل فهو واجب، وما عرف بالعقل انه محال فهو محال في العالم. وأن ما وجد في العقل إمكانه فجائز أن يوجد وجائز أن لا يوجد . وقد شكلت هذه الفكرة المقدمة النظرية لآرائه ومواقفه اللاهوتية عن قدرة الله المطلقة، بما في ذلك للبرهنة على عدم مشابهة الله لمخلوقاته. إذ كل ما وضعه في فكرته عن إمكانية المعجزة النبوية باعتبارها فعلا مخالفا للعادة والطبيعة قد وضعها الله في وجود الأشياء. فالله هو الذي اجرى طبائع الأشياء المعروفة لنا. وبالتالي فإنه لا فاعل على الحقيقة إلا هو. أما المعجزة باعتبارها خلافا لطبيعة الموجودات، فإنها تكشف عن قدرة الله المطلقة من خلال انبيائه المرسلين. وبالتالي، فإن قيمتها في اجبار العقل على قبول ما لا يقبله حسب منطق وجود الأشياء وطبائعها. إذ لا يمكن تحويل طبائع الأشياء عن مجراها إلا بقوة ما فوق طبيعية، وليست المعجزة سوى تحويل طبائع الأشياء. . ذلك يعني، أن المعجزة ما هي إلا وسيلة اقناع وإخضاع الحس والعقل العاديين، اللذين لا يمكنهما إدراك حقيقة الله إلا من خلال انبهارهما فيما تعودا على انه حقائق ثابتة. وبهذا تتحول المعجزة عند ابن حزم إلى أسلوب التعليم المفارق. إضافة لذلك، أن الإيمان بالمعجزة، كما يقول ابن حزم، جائز بالعقل، تماما كما يجوز له الإيمان ببقايا التاريخ وآثاره المنثورة في مدوناته. وهي آثار وحقائق لا يمكن التلاعب بها ببساطة، أو بصورة أدق، انها تشق لنفسها الطريق وتستكتب على شاكلتها الحقيقة كما هي، بما في ذلك أو بالضد من محاولات تحريفها والتلاعب بها. فالحقيقة، كما يقول ابن حزم، لا يمكن إقرارها أو إبطالها بالسيف والقوة. ولا تستطيع الملوك أن تخلق كما تريد ذاكرة التاريخ والناس، أو تغيير صفحات وصفات الأقدمين من قبيح وجميل، خيّر وشرير. فقد ذهبت محاولات بني مروان محو فضائل الإمام علي بن ابي طالب أدراج الرياح. ولم يستطع المأمون والمعتصم أن يجعلا الجميع أتباعا لفكرتهم (فكرة المعتزلة) عن خلق القرآن . وشكلت هذه الأفكار الأساس الأول للبرهنة على أعمال النبوة في معجزاتها باعتبارها أعمالا تاريخية. ولم تعد المعجزة، بهذا المعنى، شيئا ما خارج الحقيقة والتاريخ، ولكنها بالخلاف عن السحر والشعوذة هي فعل من أفعال الله. وذلك لأن العالم، حسب نظر ابن حزم، كله جوهر وعرض. واختراع العالم من ليس الى أنس (من العدم إلى الوجود) غير ممكن إلا لله. اما المعجزة، فما هي إلا إحالة الأعراض التي هي جواهر ذاتية. وهذه بدورها غير ممكنة إلا لله. بينما الأعراض التي تزول بغير فساد (تلف) حاملها فقد تكون بالسحر، أي كل ما يستطيع الإنسان اتقانه بالتجربة والتعلم .
ذلك يعني، أن آراء ابن حزم في النبوة لم تكن وسيلة في الدفاع عما وراء عقلانيتها أو لا عقلانيتها. فالأخيرة ليست اسلوباً للبرهنة عليها. لقد سعى للبرهنة عليها باعتبارها مثالا أخلاقيا عمليا معرفيا كاملا. من هنا دفاعه عن آراء أولئك القائلين بأنه لا كبيرة ولا صغيرة، ولا معصية للأنبياء مثل أهل السنّة من المعتزلة، والنجارية والخوارج والشيعة وابن مجاهد والأشعرى . واستفاض في تأويله للآيات القرآنية ومن أجل دحض آراء أولئك الذين حاولوا أنسنة الأنبياء للدرجة التي انزلوهم بها في أعمالهم إلى درجة الناس العاديين . بينما سعى هو لإظهار المثال الأخلاقي للنبوة. ولم يعن ذلك بالنسبة له، رفعه إلى مصاف الإلهي، بقدر ما حاول أن يعطي لنموذج النبوة مثالها الأسمى، باعتبارها اسوة حسنة في اشخاصها. وذلك لأن اتصاف الأنبياء بالأخطاء يعني بنظره افقادهم لمثالهم الإلهي .
ليس مصادفة أن يتكلم ابن حزم ويناقش مسئلة ما إذا كان بالإمكان أن تكون النساء انبياء أم لا. وقد اجاب على ذلك بصورة ايجابية. لكنه في الوقت نفسه بتر جزء منها عندما لم يعط للنساء صفة نبوة الرسالة. لكنه شدد على إمكانية كمال النساء كما هو الحال بالنسبة لبعض الرجال من الأنبياء المرسلين. وهو موقف يعكس في آن واحد حقائق الروح العقلاني النظري والعملي عند ابن حزم. ومن ثم بلورة المثال الأخلاقي القادر على توحيد الجميع ياسم المثل العليا. وبما أن مصدر ومثال هذه المثل هو الله، لذلك اعتقد ابن حزم بإمكانية تقاسمها من قبل الجميع بما في ذلك من جانب النساء.
مما سبق يمكن القول، بأن قضية النبوة حالما انفصلت تاريخيا عن تاريخيتها المباشرة، فإنها لم تعد جزءاً من "أفعال العباد"، بل ومصدرا من مصادر وعيهم اللاهوتي العقلي والأخلاقي. مما حدد بدوره موقعها المتميز في الثقافة الإسلامية ومصيرها الوجداني. فإذا كان موقعها الجوهري في حدوده المعلومة قد تأطر في القرآن والسنّة، فإن فاعليتها الروحية والذهنية هي القوة المتداخلة في آراء ومواقف المدارس النظرية والعملية، وفي وحدة منظوماتها الفكرية. وهي القوة التي أدرك الغزالي قيمتها، وبالأخص بعد انتقاله إلى التصوف، بفعل موقعها المتميز في مثال الطريق، وطريق المثال الفردى والاجتماعي.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,682,028,986
- النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(2)
- النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(1)
- وحدة العقل والنقل في فلسفة الغزالي(2-2)
- وحدة العقل والنقل في فلسفة الغزالي
- صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(3)
- صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(2)
- صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(1)
- البحث عن الروح الإنساني في الثقافة الإسلامية(2-2)
- البحث عن الروح الإنساني في الثقافة الإسلامية(1-2)
- العراق : من الاحتجاج إلى ثورة المستقبل
- تقييم النفس في الثقافة الإسلامية (2-2)
- تقييم النفس في الثقافة الإسلامية (1-2)
- أسرار العبادات الإسلامية عند الغزالي
- المعنى الروحي للعبادات الإسلامية عند الغزالي(1-2)
- التفسير والتأويل في فلسفة الغزالي(2-2)
- التفسير والتأويل في فلسفة الغزالي(1-2)
- الغزالي:القرآن- القطب الروحي للكلّ الإسلامي(2)
- القرآن- القطب الروحي للكلّ الإسلامي في فكر الغزالي(1)
- الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي (2)
- الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي(1)


المزيد.....




- هل ترغب بالجلوس على السحب؟ انظر داخل أول متحف لصور السيلفي ف ...
- سلامة: وضعنا خطة أمنية تقضي بخروج كل المقاتلين الأجانب من لي ...
- -عين ترى كل شيء-... عسكريون روس يعرضون عمل كاميرا -سفيرا- ا ...
- مسؤول أمريكي: الصراع في ليبيا يشبه الصراع السوري بشكل متزايد ...
- روسيا تحيي عيد الغطاس
- تونس: القبض على شخص حرق ومزق عددا من المصاحف
- أردوغان: قد نتوغل أكثر داخل سوريا وسنبقى في ليبيا حتى الإقرا ...
- اليمن.. ارتفاع كبير في عدد ضحايا الهجوم الصاروخي الحوثي
- المتحدث باسم قوات حفتر: إبعاد قطر عن برلين لمصلحتها.. وأردوغ ...
- شاهد كيف خرج متظاهرون من مسجد الأمين في بيروت بعد الاشتباكات ...


المزيد.....

- هيدجر وميتافيزيقا الوجودية / علي محمد اليوسف
- في التمهيد إلى فيزياء الابستمولوجيا - الأسس الفيزيائية - ... / عبد الناصر حنفي
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(3)