أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غلاب الأبنودي - مكانة الإنسان عند الفيلسوف اليوناني بروتاجوراس















المزيد.....


مكانة الإنسان عند الفيلسوف اليوناني بروتاجوراس


غلاب الأبنودي
باحث وكاتب أكاديمي مصر

(Ghallab Alabnody )


الحوار المتمدن-العدد: 6404 - 2019 / 11 / 9 - 14:32
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يُعد بروتاجوراس (485-411 ق.م) Protagoras واحدًا من أهم الفلاسفة السفسطائيين اليونان؛ الذين لم يأخذوا حقهم الكامل من البحث والدراسة، وإن كان هذا راجعًا إلى سوء السمعة التي ألصقت به وبفلسفته من قبل بعض مؤرخي الفلسفة، فلقد تنوعت اهتمامات بروتاجوراس الفلسفية بين إبستمولوجية، وأخلاقية، ودينية، ومنطقية، ولغوية، وخطابية،... إلخ.
فمكانة بروتاجوراس الفلسفية لا تقل في الأهمية على الإطلاق من مكانة سقراط أو أفلاطون أو أرسطو، فقد كان ممثلًا لأول مذهب منفتح في تاريخ الفلسفة، فهو أول من وجه البحث في الإنسان ومشكلاته الإبستمولوجية والأخلاقية والدينية، فكان أكبر ممثل للحركة الإنسانية التي ظهرت في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد.(1)
فقد كانت تُعوّل الفلسفة قبل بروتاجوراس على الطبيعة وعلاقتها بالآلهة، أما على يديه أصبح الإنسان هو الموضوع الرئيس بل والمعيار الذي تقوم عليه الفلسفة، وهو ما اهتم به سقراط إهتمامًا بالغًا، حيث استطاع بروتاجوراس تغيير مجرى الفكر الفلسفي اليوناني رأسًا على عقب، حيث غير مجرى السياق الفلسفي من السياق الطبيعي الذي تزعمه الفلاسفة الطبيعيين الأوائل: طاليس، وأنيكسيماندر، وأنيكسمانيس، وهيراقليطس، ...إلخ إلى السياق الإنساني.
وتتمثل أهمية هذا المقال حول التأكيد على مكانة الإنسان، ومركزيته الفكرية، وهو ما اهتم به الفلاسفة قديمًا وحديثًا، وقبل كل هذا يعد محاولة متواضعة لتعديل السمعة السيئة التي لحقت بالسفسطائية عامة، وبفكر بروتاجوراس خاصة.
فيستقي المؤرخون فكر بروتاجوراس من ثلاثة مصادر، هم: أفلاطون، وأرسطو، وإسكستوس أمبريقوس، ومن خلال الاعتماد على هذه المصادر يتبلور فكره في المبدأ الذي تركها في إحدى الشذرات الباقية من كتبه، وهو أن: "الإنسان هو مقياس كل الأشياء جميعًا، هو مقياس وجود ما يوجد منها، مقياس لا وجود ما لا يوجد منها في الوقت ذاته"(2) فهذا المبدأ يُلخص كافة تعاليم بروتاجوراس، فهو يحتوي على شكل جنيني للفكر السفسطائيين جميعًا، ولقد يُخيّل إلى المؤرخ كما يقول ول ديورانت أن العالم بدا كله يرتجف ويتزعزع كيانه حين أعلن بروتاجوراس هذا المبدأ البسيط من مبادئ الإنسانية والنسبية، وأن الحقائق المقررة والمبادئ المقدسة جميعها أخذت تتصدع وتنهار؛ وأن الفردية قد وجدت صوتًا ينادي بها وفلسفة تؤديها، وأن الأسس فوق الطبيعية للنظام الإجتماعي قد تعرضت لخطر الزوال، وإذا حاولنا تفصيل هذا القول لبروتاجوراس وجدنا أنه يتضمن دعوى خطيرة، بل ويمثل لحظة فارقة في تاريخ إبستمولوجيا الفلسفة اليونانية، إذ أن بروتاجوراس بهذا القول ينقل الإبستمولوجيا من الموضوع إلى الذات العارفة، وذلك بعد أن كان قدماء الفلاسفة من الطبيعيين، من طاليس حتى ديموكريتيوس، يتكلمون عن موضوع خارجي وعن وجود طبيعي: أي عن عالم خارجي، لا عن موضوع ماثل أمام الذهن الإنساني، فقد كانت أنظارهم متجهة نحو العالم الخارجي: عالم الأرض، والسماء، والأفلاك، وأما العالم الداخلي: عالم الذات الذي هو مصدر الأخلاق وموطنها، وأما العقل الذي هو مصدر المعرفة ومستقرها، فقد كانت الفلسفة اليونانية آنذاك بعيدة عنها، قاصرة عن النفاذ إليهما واستيعابهما، فإن البحث في الطبيعة أقرب منالًا من البحث في الذات، إلا أن عالم الذات هو أداتنا الوحيدة للوصول إلى عالم الأشياء, فكان بروتاجوراس بحق هو أول من فتح الباب، فأثار مشكلة المعرفة وإمكانية الخوض في قضاياها الإبستمولوجية، فبروتاجوراس – لا بسقراط كما هو شائع – تبدأ النظرة الذاتية إلى الفلسفة.(3) وسنعالج هذا المبدأ لبروتاجوراس خلال الوقوف على محورين رئيسيين، أولهما، مفهوم كلمة "مقياس"، وثانيهما، تحليل الفلاسفة والباحثين لمفهوم كلمة "إنسان".
أولًا: مفهوم "مقياس" في مبدأ بروتاجوراس.
لقد اُستخدم مصطلح "مقياس" Measure بشكل واسع في كافة أنحاء العالم القديم، كان مستمدًا من طول ساعد الإنسان، وذلك طبقًا لما جاء في اللغة الهيروغليفية لمصر القديمة، فمقياس ساعد الإنسان في مصر القديمة كان حوالي (72’17) بوصة،(4) إلا أن كلمة "مقياس" التي استخدمها بروتاجوراس لم يشار إليها بما فيه الكفاية، من قبل الباحثين، فـ جون بيرنت John Burnet، يرى إنه لكي نفهم كلمة "مقياس" علينا أن نبدأ بالمعنى الحسابي لها، فقد سجل بروتاجوراس هجومه على الرياضيات، ومن المحتمل أن يكون قد استخدم هذه الكلمة استنادًا إلى المناظرات اللاقياسية التي كانت شائعة بصورة كبيرة في القرن الخامس قبل الميلاد، وعلماء الهندسة يخبروننا بأن بروتاجوراس استخدم كلمة "مقياس" استنادًا إلى أن المربع المنحرف لا يوجد له مقياس مشترك، أما في القضايا فمقياسها يتمثل في "الإنسان".(5)
وسواء كان بروتاجوراس قد استمد كلمة "مقياس" هذه من اللغة الهيروغليفية، أو حتى من المناظرات اللاقياسية أو غير ذلك، فإنه في حقيقة الأمر له الفضل في استخدام هذا المصطلح الرياضي في مجال العلوم الإنسانية، وهذا ليس بغريب على رجل كانت اللغة صنعته، وهو الذي ميز بين الأفعال، ووضع قواعد النحو الأساسية، وكان فوق كل ذلك خطيبًا بارعًا. وإذا كان هذا المقياس وهو المعيار الذي تقاس به كمية الأشياء وأوزانها، فإن بروتاجوراس يجعله معيارًا يقاس به وجود الأشياء وغيابها، وهذا المقياس ليس زراعًا أو مكيالًا وإنما هو الإنسان الفرد، فهو الذي يحدد وجود ما يوجد وغياب ما لا يوجد.
ثانيًا: التأويل الإبستمولوجي لمفهوم "إنسان" عند بروتاجوراس.
ماذا يقصد بروتاجوراس بلفظ "الإنسان" في مبدأه؟ لقد تباينت التأويلات بين الفلاسفة والمؤرخين حول على ذلك التساؤل، أيقصد بروتاجوراس به "كل فرد على حده"؟، وتبعًا لهذا تكون الحقيقة مختلفة باختلاف الفرد الواحد عن الآخر، فيكون بذلك داعٍ إلى أشد أنواع النسبية الإبستمولوجية تطرفًا، أم يقصد بالإنسان "الإنسانية"؟، وتبعًا لهذا يكون الإنسان مقياس الحقائق، بمعنى أن الحقائق من وضع عقولنا نحن، وأن ليس لها وجود حقيقي في الخارج، بمعنى الأشياء في ذاتها، فهذا فوق نطاق العقل،(6) فيمكننا تأويل مفهوم "الإنسان" في مبدأ بروتاجوراس خلال وقوفنا على كل التأويلات التي طرحت حوله، ويمكن حصرهم في فريقين.
الفريق الأول: التأويل الإبستمولوجي الجذري "الإنسان كفرد".
ذهب الفريق الأول الداعي إلى تطبيق التأويل الإبستمولوجي الجذري إلى أن المقصود بـ"الإنسان" عند بروتاجوراس، هو "الإنسان كفرد"، ويمثل هذا الفريق كل من: ديموكريتيوس وأفلاطون، وأرسطو، وسكستيوس أمبريقوس، وجون بيرنت.
فلقد ذهب ديموكريتيوس(7) إلى القول بأن: "بروتاجوراس قد ذهب إلى إنه لا شيء يأتي من لا شيء، والإنسان المقصود لديه هو الإنسان الفرد". (8) أما أفلاطون (9) فقال في محاورة "ثياتيتوس" Theaitetus: "ألا توجد لحظات تحدث الريح فيها قشعريرة لأحدنا في حين لا تحدث شيئًا للأخر، وتكون بالنسبة للواحد دافئة، وبالنسبة للأخر باردة؟! فعلى أي نحو تكون الريح في هذا الوقت في حد ذاتها؟ أتقول عنها أنها باردة أم غير باردة؟ أم توافق بروتاجوراس على رأيه بأنها باردة للذي يشعر بالبرودة، وإنها دافئة للذي يشعر بالدفء؟ فهي تظهر للواحد على نحو معين، وللآخر على نحو آخر، ومعنى أن تظهر له، تعني أنه يحس بها"، (10) وهذا يعني أن أفلاطون هنا يقصد بالإنسان الإنسان كفرد، وليس الإنسان كجنس، وإنه لما كان الأفراد مختلفين في أحكامهم، وكانت الأشياء متغيرة دومًا، كانت الإحساسات بالتالي متعددة بتعدد الأفراد. (11)
ويعقب جون بيرنت على موقف أفلاطون بقوله: "يُعد أفلاطون بهذا التفسير أفضل من شَرَحَ مذهب الذاتية عند بروتاجوراس، حيث قال: إن الأشياء بالنسبة لي هي كما تظهر لي، وبالنسبة لك هي كما تظهر لك، ومن الصعب على أفلاطون أن يخاطر بتفسير مقولة بروتاجوراس إذا لم يكن قد آلمّ بمذهبه إلمامًا تامًا"، ويرى بيرنت أن أفلاطون طور نظريته عن الإحساس Theory of Sensation معتمدًا بشكل أساسي على مبدأ بروتاجوراس، تلك النظرية التي لم تتطور على يد بروتاجوراس نفسه، (12) وتنص هذه النظرية على أن المظهر والإحساس شيء واحد، وهذا ينطبق في حالة الإحساس بالحرارة أو ما يشابهها من حالات أخرى، فكما يحس كل واحد تكون الأشياء بالنسبة له، والإحساس يكون تجاه ما هو موجود، فهو على هذا الأساس غير خاطئ. (13)
فمعظم المؤرخين يرون أن أفلاطون قد فسر عبارة بروتاجوراس على أساس أنها تعني "الإنسان الفرد" وليس "الإنسان كجنس"، والقارئ لمحاورة "ثياتيتوس" يتأكد له ذلك بالفعل حينما يجد أفلاطون قد بدأ مناقشة هذه النظرية التي توحد بين المعرفة والإحساس التي قال بها بروتاجوراس حين يردها إلى أصلها عند هيراكليتوس وديمكريتيوس، وهما فيلسوفا التغير والسيلان الدائم، هذا فضلًا عن أن معظم الانتقادات التي وجهها أفلاطون لهذه النظرية كانت ترتكز على الإنسان الفرد على أساس أنه هو الذي يحس، وإن إحساسه يختلف من وقت لأخر تبعًا لحالته الصحية، فإذا كان سليم الجسم فهو يحس بطعم الأشياء مختلفًا عن إحساسه بطعمها وهو مريض، فالخمر الذي يشربه وهو في صحة جيدة يبدو لذيذ الطعم، بينما حين يشربه وهو مريض يبدو مر الطعم، هذا على الرغم من أن الشيء الخارجي لا يتغير، فالخمر هو نفسه لا يتغير، لكن إحساس الفرد بها هو الذي يتغير في حال الصحة عنه في حال المرض. (14)
إذن فلا يوجد شيء واحد في ذاته وبذاته، ولا يوجد شيء يمكن أن يسمى أو يوصف بالضبط لأن كل شيء في تغير مستمر، وأن الأشياء في جملتها في اختلاف دائم وتغير مستمر، تمامًا كما أعلن هيراكليتوس، فما نحسه هو موجود على النحو الذي نحسه، وما ليس في حِسِّنا فهو غير موجود؛ وعلى ذلك تبطل الحقيقة المطلقة لتحل محلها حقائق متعددة بتعدد الأشخاص، بل تتعدد الحقيقة بتعدد حالات الشخص الواحد. (15)
ورغم قول بروتاجوراس بأن "الإنسان مقياس كل الأشياء"، إلا أن أفلاطون يرفض ذلك المبدأ رفضًا مطلقًا، ويصرح بــ"أن الآلهة مقياس كل الأشياء"؛ ليحل أفلاطون بذلك الله محل الإنسان عند بروتاجوراس.
وطبقًا لتفسير أفلاطون السابق، يمكننا ملاحظة أن أفلاطون يفسر مفهوم "الإنسان" على أنه إنسان فرد، يحدد ما هو موجود، وما هو غير موجود، وهذا الحكم على الأشياء سواء كانت موجودة أم غير موجودة، هو حكم يقوم على الإدراك الحسي، وما يظهر لحواس الإنسان الفرد على أنه موجود فهو موجود، وما لا يظهر لحواسه فهو غير موجود، وبهذا نستنتج أن أفلاطون لم يقصد الإنسان الفرد فحسب في تفسيره لمقولة بروتاجوراس، وإنما كان يقصد الحكم الذي تحكم به حواس كل فرد من الأفراد على الظواهر التي تلاحظها، لكننا نرى أن الإنسان الفرد يملك عقلًا يستطيع أن يحكم به على الأشياء، إلا أن أفلاطون اقتصر على الحواس فحسب في الإنسان الفرد، وأسقط من جانبه مكانة العقل.
أما أرسطو فقد جمع بين بروتاجوراس وبين الفلاسفة الطبيعيين الأوائل، بل ويذكره بوجه خاص عقب هيراكليتوس، وأمبادوقليس، وديمكريتوس، وذلك وفقًا لما أورده أرسطو في كتابه "ما بعد الطبيعة"، حيث يقول :" ... لقد زعم هذا الفيلسوف – بروتاجوراس – أن الإنسان مقياس الأشياء جميعًا، إن الحقيقة هي ما تبدو لكل شخص، فإذا كان الأمر كذلك، فإن الشيء ذاته موجود ولا موجود، حسنًا وقبيحًا على حد سواء، وأن جميع الأحكام الأخرى المتضادة صادقة على السواء، ما دام الشيء نفسه في الغالب يبدو جميلًا عند قوم وعلى الضد من ذلك عند آخرين، وأن ما يبدو لكل شخص، هو مقياس الأشياء ...". (16)
ولكن يمكننا القول إن الخطأ الذي وقع فيه أرسطو هنا هو أنه وضع بروتاجوراس مع الفلاسفة الطبيعيين الأوائل في بوتقة واحدة، على أساس قول كل منهم بالتغير والسيلان الدائم، فالتغير عند الطبيعيين هو تغير موضوعي، خارجي، حتمي، غاية في ذاته، أما التغير عند بروتاجوراس فهو تغير ذاتي، فردي، عملي، داخلي، يتسم بالحرية في حدوثه، وهو وسيلة للوصول إلى اليقين، فالإنسان الفرد يمتلك القدرة على إحداث هذا التغيير، الأمر الذي تنبه له سقراط، وطالما أن الفرد هو مصدر كل تغير، فهو كذلك مصدر الثبات والكليات، لأن التغير ما هو إلا ثبات يخضع لمؤثرات داخلية فسيولوجية، وسيكولوجية ... إلخ، ولمؤثرات خارجية سياسية واجتماعية وثقافية ... إلخ.
أما إسكستوس أمبريقوس، فقد ذهب إلى أن بروتاجوراس قرر في مقولته أن كلًا من المادة والحواس تتغيران، فالحواس تتغير حسب مراحل الحياة، وأحوال البدن المتقلبة، وتشتمل المادة على العلل الخارجية بكل الصفات، وهي في الوقت ذاته قادرة على التشكل بكل الصفات التي تظهر أمام الجميع، ويدرك البشر صفات مختلفة في أوقات متباينة، وهذا راجع إلى أحوالهم المختلفة، فأولئك الذين يدركون في حالة طبيعية يدركون الصفات الطبيعية أو العكس. (17) يستند امبريقوس إلى التغير المستمر، سوءًا كان ذلك التغير في الذات المدركة أو حتى في الموضوع المدرك، فكلاهما يتغير، وقوله، بأن الحواس تتغير، حسب مراحل الحياة، وأحوال البدن المتقلبة، هو قول ينصب على الفرد وليس على النوع.
أما "جون بيرنت" فيرى أن بروتاجوراس يقصد الإنسان كفرد، مستندًا في ذلك إلى قول أفلاطون السابق الذي ورد في محاورة ثياتيتوس، والذي ينص على أن الأشياء هي بالنسبة لك هي ما تبدو لك، وهي بالنسبة لي على ما تبدو لي، ويعارض بيرنت التمييز بين الإنسان كنوع والإنسان كفرد، حيث يذهب إلى أن بروتاجوراس لم يكن يفهم ذلك التمييز، ولو فهمه ما كان ليقبله، وكيف أن أفلاطون لم يكن مدركًا لهذا التفسير وقد كان قريب العهد ببروتاجوراس. (18)
الفريق الثاني: التأويل الإبستمولوجي المعتدل: "الإنسان كجنس".
يمثل هذا الفريق الاتجاه القائل بأن بروتاجوراس قصد بـ"الإنسان" من مقولته "الإنسان مقياس كل الأشياء"، كجنس، والذي يمثل الإنسانية، ويضمن مجموعة من الباحثين أشهرهم: ثيودور جومبرز Theodor Gompers، وكاثلين فريمان Kathleen Freeman .
فلقد أكد ثيودور جومبرز أن المقصود بالإنسان في عبارة بروتاجوراس هو "النوع الإنساني" أو "جنس الإنسان"، فالإنسان يدرك الأشياء عن طريق الحواس، ولا يمكن إدراكها من خلال ذاته الفردية، (19) فلم يقصد بروتاجوراس محمدًا أو عليًا بل قصد الجنس البشري بأكمله، وإنه ليس مقياس صفات الأشياء مقياس وجودها. (20) أما كاثلين فريمان فتفهم أن الأشياء لا توجد إلا حينما يدركها مُدرك، ويبدو أن هذا يتلاءم تلاؤمًا أفصل مع منطوق عبارة بروتاجوراس بالفعل، فجميع الأشياء التي تبدو للإنسان إنها موجودة فهي موجودة، وجميع الأشياء التي لا تبدو لأي إنسان أنها موجودة فهي غير موجودة أيضًا. (21)
نحن الأن أمام اتجاهين يفسر كل منهما مقولة بروتاجوراس، الأول، قال بالإنسان كـ "فرد"، والثاني، قال بالإنسان كــ "جنس"، إلا أننا يمكن أن نتفق مع رأي الفريق الأول القائل بأن قصد بروتاجوراس بالإنسان في مقولته "كفرد"، وذلك لعدة أسباب قد تدعم فيما نعتقد، نذكر منها:
 إن الأوضاع السياسية والفكرية والاجتماعية قد مهدت إلى ظهور النزعة الذاتية الفردية الإنسانية التي تبلورت على يد السفسطائيين، جعلت الفرد يحس بقدرته وبفرديته، ومن خلال هذا الإحساس وجد ممثلون له وهم السفسطائيين بوجه عام وبروتاجوراس بوجه خاص، ومن الطبيعي أن تأتي فلسفته التي تبلورت في مقولته الشهيرة أن تكون معبرة بصورة واضحة عن تلك الفردية التي سادت المجتمع الأثيني آنذاك.
 إجماع كثير من المؤرخين مثل ديوجين اللائرسي Diogenes Laertius والباحثين أمثال جوليان موريس Julian Marias وجون بيرنت وغيرهم على أن ديمكريتيوس كان معاصرًا لبروتاجوراس وقد تأثر به، ومن الطبيعي أن يكون ديمكريتيوس أفضل من ألمَّ بمذهب بروتاجوراس، وأدرك كُنته بشكل تام ومباشر.
 إقرار المفكر الشهير كيرفيرد Kerferdعلى أن المصادر الرئيسية التي نستقي منها معلوماتنا عن فلسفة بروتاجوراس هي "محاورات" أفلاطون، و"ميتافيزيقا" أرسطو، وسكستوس، امبريقوس، وكل هؤلاء الفلاسفة يؤكدون أن الإنسان عند بروتاجوراس هو الإنسان الفرد وليس الإنسان كجنس. (22)
 كان أفلاطون قريب العهد ببروتاجوراس، فمن المرجح أن يكون قد تأثر به تأثرًا كبيرًا، حتى أنه خصص له محاورتين من محاوراته، وهما: "تياتيتوس"، و"بروتاجوراس"، هذا فضلًا عن الأثر الواضح لبروتاجوراس في محاورة "الجمهورية" لأفلاطون.
 قول ديوجين اللائرسي: "أن بروتاجوراس كتب مؤلفًا في الرياضيات من منظور الإبستمولوجية الذاتية "Subjective Epistemology، (23) إن هذا التصريح من ديوجين اللائرسي يجعلنا نقول إن الذاتية التي قال بها بروتاجوراس تؤكد على النزعة الفردية التي نقر بوجودها في فلسفته، فالذاتية والفردية وجهان لعملة واحدة.
 من المعروف أن بروتاجوراس قال بالإدراك الحسي، وأن الحواس هي الوسيلة التي نصل من خلالها إلى الحقيقة، ولما كانت الحواس متعددة وأحكامها مختلفة بين البشر، فلابد أن تكون الحقيقة متعددة ومتباينة، وهذا يتلاءم مع التفسير الفردي لمقولة بروتاجوراس، وذلك لأن التفسير النوعي يتطلب كون الحقيقة واحدة لا تتغير، ولابد من وجود ذلك العقل المشترك بين البشر.
ننتهي من كل هذا إلى أن هذا المبدأ لبروتاجوراس سواء تم تأويله تأويلًا فرديًا أم تأويلًا إنسانيًا، فإنه في كلا التأويلين يمثل في حقيقة الأمر إقرارًا بأن النزعة الإنسانية ظهرت لأول مرة في المجتمع الأثيني.
هوامش البحث:
(1) مصطفى النشار: فلاسفة أيقظوا العالم، ط3، دار قباء، القاهرة، 1998م، ص 81.
(2) Samuel Enoch Stumpf: Socrates to Sartre, A History of philosophy, Mc Graw – Hill Book Company, London, 1975, P. 34.
(3) شرف الدين عبد الحميد: جدلية العلاقة بين الفلسفة والدين عند فلاسفة اليونان، الوراق، عمان، 2014م، ص 245: 248.
(4) James Trefil, and others: The New Dictionary of Cultural Literacy , Houghton Mifflin Company, 3 Ed, 2002, P. 87.
(5)John Burnet: Greek philosophy: Thales to Plato, part 1, Macmillan C. and O.,-limit-ed, London, 1928, P. 114.
(6) شرف الدين عبد الحميد: جدلية العلاقة بين الفلسفة والدين عند فلاسفة اليونان، المرجع السابق، ص 248.
(7) كان ديموكريتيوس معاصرًا لبروتاجوراس، وأعجب به إعجابًا شديدًا، وكان كلاهما أباديري المولد، وكذلك كان لهما الأثر العظيم على أثينا Athens في عصر بيركليس Pericles. أنظر:
Donald J. Zeyl, Daniel T. Devereux and others: Encyclopedia of Classical philosophy, Fitzroy Dearborn, U. K. and U.S.A., 1997, P. 455.
(8) Julian Marias: History of philosophy, translated from the Spanish by Stanley Applbaum and Clarence C. Strowbridge, Dover Puplications, Inc, New York, 1966, P. 37.
(9) خصص أفلاطون محاورة "ثياتيتوس" لمناقشة هذا الموضوع، وتأثر بالإنسان الفرد عند بروتاجوراس في محاورته "الجمهورية".
(10) أفلاطون: محاورة ثياتيتوس، ترجمة أميرة حلمي مطر، دار غريب، 2000م، (a 152)، ص 39.
(11) حربي عباس عطيتو: الفلسفة القديمة من الفكر الشرقي إلى الفلسفة اليونانية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 19994م. ص 244.
(12) John Burnet: Greek philosophy, Thales to Plato, part 1, Macmillan C. and O.,-limit-ed, London, 1928, P. 115.
(13) أفلاطون: محاورة ثياتيتوس، ترجمة أميرة حلمي مطر، (a 152)، ص 39.
(14) مصطفى النشار: تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، ج2، دار قباء، القاهرة، 2000م، ص 47.
(15) شرف الدين عبد الحميد: جدلية العلاقة بين الفلسفة والدين عند فلاسفة اليونان، المرجع السابق، ص251.
(16) Aristotle: Metaphysics, XI, ch.6, 1062b, 10-20, P. 590.
نقلًا عن: شرف الدين عبد الحميد: جدلية العلاقة بين الفلسفة والدين عند فلاسفة اليونان، المرجع السابق، ص 252.
(17) محمود مراد: فلسفة التنوير لدى السوفسطائيين، رسالة ماجستير، غير منشورة، 1994م، ص 93.
(18) John Burnet: Greek philosophy, Thales to Plato, P. 115.
(19) Paul Edwards: Encyclopedia of philosophy, ed. Kerferd G. B., Vol. 5, Macmillan publishing Co, New York, 1940, P. 505.
(20) حربي عباس عطيتو: المرجع السابق، ص 244.
(21) مصطفى النشار: تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، ج2، دار قباء، القاهرة، 2000م. ص 46.
(22) Paul Edwards: Encyclopedia of philosophy, P. 505.
(23) مجدي كيلاني: الفلسفة اليونانية من منظور معاصر، دار الوفاء، الإسكندرية، 2005م ، ص 73.

قائمة المصادر والمراجع:
1. أفلاطون: محاورة ثياتيتوس، ترجمة أميرة حلمي مطر، دار غريب، 2000م.
2. حربي عباس عطيتو: الفلسفة القديمة من الفكر الشرقي إلى الفلسفة اليونانية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1994م.
3. شرف الدين عبد الحميد: جدلية العلاقة بين الفلسفة والدين عند فلاسفة اليونان، الوراق، عمان، 2014م.
4. مجدي كيلاني: الفلسفة اليونانية من منظور معاصر، دار الوفاء، الإسكندرية، 2005م، ص 73.
5. محمود مراد: فلسفة التنوير لدى السوفسطائيين، رسالة ماجستير، غير منشورة، 1994م.
6. مصطفى النشار: فلاسفة أيقظوا العالم، ط3، دار قباء، القاهرة، 1998م.
7. مصطفى النشار: تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، ج2، دار قباء، القاهرة، 2000م.

8. Donald J. Zeyl, Daniel T. Devereux and others: Encyclopedia of Classical philosophy, Fitzroy Dearborn, U. K. and U.S.A., 1997.
9. James Trefil, and others: The New Dictionary of Cultural Literacy , Houghton Mifflin Company, 3 Ed, 2002.
10. John Burnet: Greek philosophy: Thales to Plato, part 1, Macmillan C. and O.,-limit-ed, London, 1928.
11. Julian Marias: History of philosophy, translated from the Spanish by Stanley Applbaum and Clarence C. Strowbridge, Dover Puplications, Inc, New York, 1966.
12. Paul Edwards: Encyclopedia of philosophy, ed. Kerferd G. B., Vol. 5, Macmillan publishing Co, New York, 1940.
13. Samuel Enoch Stumpf: Socrates to Sartre, A History of philosophy, Mc Graw – Hill Book Company, London, 1975.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,608,351,969
- من الهيمنة الثقافية إلى ثقافة الهيمنة
- مركزية الإنسان عند الفيلسوف اليوناني بروتاجوراس


المزيد.....




- إسرائيل: قرار واشنطن بشأن المستوطنات تصحح -خطأ تاريخي-
- أمير قطر يرسل برقية إلى رئيس الإمارات
- 10 معلومات عن سلطان بن زايد... وآخر ما كتبه قبل وفاته بساعات ...
- الرئاسة الفلسطينية: إعلان واشنطن اعتبار المستوطنات الإسرائيل ...
- -صفحات معارضة ومدارة خارجيا تضارب-... المركزي السوري يعلق... ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن مقتل 3 من قوات -الباسيج- خلال الا ...
- السفارة الأمريكية في القدس تحذر مواطنيها من السفر إلى القدس ...
- طفل ذو 5 سنوات يجلب كوكايين إلى المدرسة!
- الداخلية العراقية توضح حقيقة الفيديو الذي يزعم طرد الوزير يا ...
- ظريف يهنئ هنية بـ -نصر المقاومة- على إسرائيل


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غلاب الأبنودي - مكانة الإنسان عند الفيلسوف اليوناني بروتاجوراس