أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - وحدة العقل والنقل في فلسفة الغزالي(2-2)















المزيد.....

وحدة العقل والنقل في فلسفة الغزالي(2-2)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 6401 - 2019 / 11 / 6 - 21:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


"لا غنى بالعقل عن السماع،
ولاغنى بالسماع عن العقل"
(الغزالي)


لقد حاول الغزالي من خلال اعتماد الفكرة المعتزلية نفسها التعبير عن صيغة جديدة للتجانس الممكن بين العقل والشرع، والتي سبق وأن بلور ملامحها الأولية في (الاقتصاد في الاعتقاد). انه سعى لحل المعضلة القائمة بين وجوب النظر بالشرع، وعدم استقرار الشرع بدون النظر فيه. فالوسيلة الوحيدة لحل هذه المعضلة تقوم في إزالة مقاييس الأحكام العادية والنظر إليها من منطلق المبدأ المطلق(الله). فالله هو الوحيد الذي يمكنه أن يكون المثال المطلق للإنسان في صيغته العملية والواقعية كما يكشفها الشرع. والشرع يبرز هنا بالتالي كرديف مجانس للطبع الإنساني (البشري) وللعقل الحقيقي. فوسيلة الشرع لا تقوم في إذلال الإنسان وعقله، بل في توجيههم لمصلحته. لاسيما وأن الشرع يكشف عن مبادئ الحياة الخالدة بينما العقل يكشف مضمونها. فليس العقل قاصرا عن إدراك حقيقة الشرع، ولا حقيقة مما لا يمكنه الخضوع للحكم العقلي، وإلا لانتفى معناهما كليهما واضمحلّت إمكانية المعرفة بحد ذاتها.
لم يعط الغزالي للشرع صيغة المطلق المجهول بقدر ما اعطى لمبادئه العامة صيغة الشمول المجرد. وبالتالي ما على العقل فيما لو أراد خدمة الشرع، إلا أن يفهمه بما يتطابق وظروف التطور الاجتماعي والفكري . وقد اعطى ذلك لمفاهيمه طابع الواقعية الراديكالية، التي فسحت المجال أمام فكرة التجديد الدائم. فعندما تناول في (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) قضية التكفير وموقعها في علاقة العقل والشرع، فإنه سعى للبرهنة على أن التكفير هو حكم شرعي لا عقلي. فإباحة الدم والخلود في النار قضايا لا معنى لها قبل ورود الشرع بها. وإذا كان المقصود معرفة الله، وعدم معرفته هو الكفر، فهذا مما لا يمكن حصره ، أي أن ذلك يؤدي إلى سلسلة من الاتهامات المذهبية والعقائدية لا نهاية لها وغاية في الخطورة، بحيث تفسح المجال أمام إمكانية تكفير الجميع. من هنا رفضه لفكرة التكفير بما في ذاك تجاه كل المسائل الممكنة المتعلقة بصفات الله، معتبرا التكفير فيها حكما لا مستند له . الأمر الذي يعني بدوره حرية التأويل والاجتهاد. فهو ينطلق في (ميزان العمل) من النظر إلى الشرع من زاوية واقعيته الملموسة وضرورته الحياتية. فالشرع لا يمكنه أن يشمل كافة الأزمان والأشخاص والأحوال، بل أن طريق الشرع الواحد، كما يؤكد الغزالي، يختلف باختلاف الأشخاص، ويختلف في حق كل شخص منفرد باختلاف الأحوال. كل ذلك يجعل من الضروري تجديد الشرع والذي لا ينبغي أن يضع حدودا أمام البصيرة في التعامل مع معطيات التجارب الفكرية والروحية والأخلاقية. فالشرع يتحول بهذه الصيغة إلى أداة للعقل. والغزالي يؤكد على هذه الفكرة من خلال التشديد الدائم على فكرة "العلماء ورثة الأنبياء". ولا يعني الوريث بالنسبة له سوى ذلك الذي يحقّ له التصرّف بالإرث كما أراد الوارث . وحتى في حالة افتراض الأخذ بهذه الصيغة الأخيرة كمقدمة فعلية وضرورية في الوعي الذاتي، فإنها تصبح في الواقع من بين عناصر وعي العالِم الوارث نفسه. فالمفاهيم الأساسية للشرع تبقى ولكن بوصفها رموزا، بينما تنحلّ في عملية المعرفة الضرورية كمقدمة للعمل وبلوغ حال أرقى هو بدوره درجة في التطور الروحي الأخلاقي اللاحق. إلا أن هذه العملية في ميدان الاجتماع ليست عندية خالصة. الأمر الذي جعل الشرع يتخذ بنظر الغزالي صيغة الشمول المجرد دون أن يفقد الكثير من حقائقه التاريخية الملموسة. لقد عسر على الشرع "تفصيل يعنى بجميع الأشخاص في جميع الأعصار، ولهذا أقتصر الشرع في التفصيل على القوانين المشتركة" .
فالغزالي يتناول إذن هذه العلاقة من حيث قيمتها الاجتماعية السياسية والأخلاقية، دون أن يهمل قيمتها المعرفية والتي تنتفي لاحقا في مفاهيم التأويل والذوق المعرفي (الكشفي). أما في الميدان الاجتماعي السياسي والأخلاقي، فإن وحدتهما تصبح مثالا للفضائل الأخلاقية نفسها. وجعله ذلك يؤكد على أن الفضائل الحقة كالحكمة والشجاعة والعفة والعدالة ممكنة بصورتها المثلى في اطار الوحدة الحقيقية للعقل والشرع. وسوف يكرر في (إحياء علوم الدين) ما سبق وأن وضع صيغته الأوليةالعامة في (ميزان العمل)، عندما جعل من وحدة العقل والشرع معيارا ومقياسا للحكم الأخلاقي. فهو يربط الحكم على القبح والجمال الأخلاقيين (القبح والحسن) بما إذا كان كل من العقل والشرع يحمدهما أو يذمهما. بل نراه يطابق بينهما في نهاية المطاف مع مفهوم الحكمة باعتبارها القيمة المطلقة المتحكمة في السلوك الأخلاقي . وشدد على ضرورة تحول وحدة العقل والشرع إلى ميزان توزن به الأفعال وتقييمها الأخلاقي .
لقد أضفى الغزالي على القيم العقلية طابعا دينيا، كما أضفى على القيم الدينية طابعا عقليا. ونعثر على هذا الموقف بوضوح في آرائه وأحكامه من الفضائل الأخلاقية وفكرة الوسط الذهبي. فقد سعى ضمن هذا الإطار إلى إضفاء صفات العقل على الشرع، وقيم الشرع على العقل. وصاغ المفاهيم العقلانية المجردة من خلال الصيغة الدينية، رافعا إياها عبر موشور التجربة الصوفية وتأويلها الذوقي إلى مستوى المثال المطلق. بحيث أدى في نهاية المطاف إلى أن يبرز العقل في منظومته تجاه هذه القضية بوصفه مقياسا مجردا، وبالمقابل جعل من الشرع تحقيقا ملموسا له. فعندما يتحدث عن الأخلاق وقابليتها للتغير، فإنه يضع إلى جانب تفنيد الأفكار المعارضة لإمكانية تغيير الأخلاق والتحكم بها بتهذيبها وتطويرها، ضرورة إخضاع كل ذلك للعقل باعتباره مقياس الحكم الوسط المجرد. إذ أن جعل الطبع عقليا كما يقول الغزالي لا تعني نفيه. فبدون الغضب تكف الشدّة عن الوجود، وبدونها يبطل الجهاد. وفي حالة غياب شهوة الفرج والبطن يهلك الإنسان. لهذا يقول الشرع "الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس" ولم يقل الفاقدين الغيظ. بل ونراه يرده إلى الاعتدال مثل قوله "الذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا"، و"لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط" ، بوصفها أمثلة للوسط الحق. والصور العديدة التي يستقيها من القرآن والحديث ما هي إلا أمثلة تكشف عن أن "المحمود هو ما يوافق معيار العقل والشرع" . فالعقل حسب عباراته هو الكيان الأكثر رفعة في الوجود، وهو الإبداع الإلهي الأسمى، إذ أن "أول ما خلق الله العقل"، وأنه "لا دين لمن لا عقل له" و"لا يعجبكم إسلام امرئ حتى تعرفوا عقله" . فالعقل بهذا المعنى هو وسيلة الشرع المدركة.
مما سبق يتضح، بأن الغزالي يسعى إلى كشف الوحدة المتغيرة لعلاقة العقل بالشرع، من أجل إبراز قيمتها الاجتماعية الأخلاقية. لهذا رفض التصورات التي حاولت البحث عن تناقضات عقلية في القرآن.ففيما لو نظر الإنسان إلى القرآن "بعين البصيرة لبطل التناقض ورأى كل شيء في موضعه" . وماذا يعني ذلك إن لم يعن الاستيعاب العقلي، الذي يحوّل مظهر التناقض إلى توافق داخلي. ولا يمكن أَلاّ يعود الدور الحاسم في هذه العملية للعقل ولكن ليس العقل الكلامي الذي اعتبره الغزالي مجرد أهواء وأوهام النفس، بل العقل الأخلاقي (العملي المعرفي) الذي تمثّل النبوة ذروته الملموسة.
فالإنفراد والتجزئة بين العقل والشرع يعادل تجزئة الكلّ الإنساني، وعزله عن الله، وتحويله إلى كيان عابر ودنيوي خالص. وإن العقل الدنيوي هو الذي يولع بتناقضات الشرع وكشفها. لكنه لا يكشف سوى تناقضاته الخاصة. فالتجلي الحقيقي لمثال النبوة، كما يكتب الغزالي، يقوم في "تطبيق العقل تجاه الدنيا والآخرة، لتدبير الخلق في معاشهم ومعادهم" . وأعطى لهذه الفكرة في(إحياء علوم الدين) أساسا نظريا أشمل، عندما تناول قضية ما اسماه بعلاقة العلوم العقلية والدينية، الدنيوية والاخروية. فالعلوم العقلية تنقسم إلى ما هو ضروري وما هو مكتسب. والمكتسبة تنقسم بدورها إلى علم دنيوي وآخروي. فالضروري هو ما تقتضيه غريزة العقل، ولا يوجد بالتقليد والسماع. والإنسان لا يدري لهذا العلم سببا قريبا، مثل كون الشخص الواحد لا يكون في مكانين في آن واحد، والحادث لا يكون قديما. فالعقل الغريزي والعلوم الضرورية، بنظر الغزالي، لا توصل إلى الله، بل طريق الوصول إليه بالعلوم المكتسبة، أي بالعلوم العقلية الدنيوية (كالطب والحساب والهندسة والفلسفة) وبالعلوم الآخروية العقلية كعلم أحوال القلب ومعرفة الله وصفاته وأفعاله. فغريزة العلم العقلي جارية في القلب مجرى قوة البصر في العين، والعلم الحاصل في العقل جار مجرى قوة إدراك البصر في العين ورؤيته لأعيان الأشياء. وإن تأخر العلوم عن عين العقل في مدة الطفولة والصبى إلى أوان التمييز (البلوغ) يضاهى تأخر الرؤية عن البصر إلى أوان إشراق الشمس، أي تلك المرحلة التي تبرز فيها إمكانية إدراك ما سبق وأن سطّره الله في الوجود باعتباره خط قلمه الإلهي، الذي يضاهي مجرى قرص الشمس. ذلك يعني انه سعى للكشف عن الوحدة الداخلية، رغم تباين مستوياتها بين المادي والروحي، والطبيعي والإلهي بوصفها مستويات متباينة تتطابق مع معرفة البصيرة الباطنة والبصر الظاهر. وسوف يعمّق هذه الفكرة وبالأخص محتواها المعرفي في (مشكاة الأنوار) عندما يأخذ في المقارنة بين العين والعقل (الحسي والتجريدي). فكلاهما يدركان الظواهر إلا أن الفرق يبقى بينهما هائلا. فمعرفة العقل هي معرفة دقيقة. وقدّم إحدى صيغها التعبيرية على مثال المفارقة الذهنية والمعرفية المصاغة في رمزية الحديث الموضوع الذي يرد فيه النبي محمد على سؤال لجبرائيل:
- مالت الشمس؟
- لا… نعم!
وعندما استفسر جبريل عن كيفية ذلك أجاب النبي محمد قائلا:"بين نعم ولا تحركت الشمس مسيرة خمسمائة عام"، أي انه سعى من خلال ذلك الكشف عن تباين الحس والعقل في إدراك الظاهرة بالصيغة التي تخدم إمكانية تطبيقها على موقف العقل من الشرع، أي تحويل العقل إلى وسيلة إدراك حقائق الشرع العميقة. وسوف يكرر لاحقا ابن عربي هذه الصيغة عندما أشار إلى لقائه بابن رشد قائلا:"دخلت يوما بقرطبة على قاضيها ابي الوليد بن رشد، وكان يرغب بلقائي لما سمع وبلغه ما فتح الله به علي في خلوتي. فكان يظهر التعجب لما سمع. فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه حتى يجتمع بي. فإنه كان من أصدقائه وأنا صبي ما بقل وجهي ولا طرّ شاربي. فعندما دخلت عليه قام من مكانه إلي محبة وإعظاما فعانقني وقال لي:
- نعم!
- نعم!
فزاد فرحه بي لفهمي عنه. ثم اني استشعرت بما افرحه من ذلك، فقلت:لا! فانقبض وتغير لونه وشكّ فيما عنده وقال:
كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما اعطاه لنا النظر؟
- نعم ولا!
وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها. فاصفرّ لونه وأخذه الأفكل وقعد يحوقل وعرف ما أشرت به إليه" .
لقد عمّق الغزالي الفكرة الأولية بالاتجاه الذي سبق وأن بلور إطاره التطبيقي في كل من (معيار العلم في فن المنطق) و(محك النظر)، حيث برهن على أن "العقل الخاطئ" لا يدل على خطأ العقل، وإن الأخطاء الواردة في ممارسة العقل هي خيالات وأوهام تتحكم باعتقادات يظن صاحبها أن أحكامها أحكام العقل. وبهذا المعنى يكون قد فسح المجال أمام التصحيح غير المتناهي للعقل باعتباره معياراً شاملا للمعرفة، أي العقل المتجرد من "غشاوة الوهم والخيال"، الذي يرى الأشياء كما هي عليه، ولا طريق لذلك سوى الموت فهو الوحيد الذي يكشف حجاب الوهم والخيال. ولم يقصد الغزالي بذلك موت الجسد، بقدر ما كان يقصد انبعاث ما أسماه "بحقيقة الروح" في مجرى ارتقائها الصوفي (الأخلاقي المعرفي). فالعقول كما يؤكد الغزالي تدرك مستويات مختلفة متباينة في معرفتها. فهناك مستوى العلم الضروري البديهي، وهناك ما هو أكثر تعقيداً (النظريات) والذي يحتاج إلى أن ينفعل العقل في الكشف عن الحقائق، وهناك المستوى الذي ينبّه عليه كلام الحكماء. وعندما يبلغ الإنسان درجة "إشراق نور الحكمة" فإنه يصير مبصرا بالفعل بعد أن كان مبصرا بالقوة. آنذاك بإمكانه تأمل حقائق الحكمة غير المتناهية، التي يمثل كلام الله أعظمها، والذي من جملته القرآن خاصة . فمثال القرآن (الشرع) حسب عبارة الغزالي، مثل نور الشمس، ومثال العقل مثل نور العين. بينما ردد في موضع لاحق عبارة "شمس القرآن والعقل"للتأكيد على وحدتهما الضرورية .
لكن المعرفة العقلية والعلوم العقلية بمستوياتها وأقسامها تظل رغم صحتها العلمية ناقصة بالنسبة لوجود الإنسان الحياتي الأخلاقي والروحي دون العلم الديني، أي العلم "المأخوذ بطريق التقليد من الأنبياء" . فهو العلم الذي يبلغ القلب به كمال صفته وسلامته من الداء والأمراض. فالعلوم العقلية، كما يؤكد الغزالي، غير كافية بحد ذاتها لسلامة القلب، وإن كان محتاجا إليها، تماما كما أن العقل غير كاف في استدامة صحة أسباب البدن، بل يحتاج إلى معرفة خواص الأدوية والعقاقير بطريق التعلم من الأطباء. والعقل بحد ذاته لا يهتدي إليه، ومع ذلك "لا يمكن فهمه بعد سماعه إلا بالعقل. فلا غنى بالعقل عن السماع ولاغنى بالسماع عن العقل" . وهي الفكرة التي عبّر عنها بدقة وجيزة في (الرسالة اللدنية)، عندما أكد على أن "أكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها، وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها" . من هنا وقوفه ضد أولئك الذين دعوا إلى "مجرد التقليد بالكلية وعزل العقل" معتبرا إياهم جاهلين، وأولئك الذين "اكتفوا بمجرد العقل عن نور القرآن والسنّة" واصفا إياهم بالمغرورين. فالعلوم العقلية، كما يقول الغزالي، كالأغذية بينما العلوم الشرعية كالأدوية. فالشخص المريض يستضرّ بالغذاء متى فاته الدواء. وأمراض القلوب لا يمكن علاجها إلا بالأدوية المستفادة من الشريعة (وظائف العبادات والأعمال). لهذا طالب بضرورة الجمع بين الأصلين. لذلك أعتبر أولئك الداعين إلى فصلهما أو البرهنة على تناقضهما، بغض النظر عن منطلقه عقليا خالصا أم شرعيا خالصا، بأنهم مصابون بعمى عين البصيرة. إذ ليس التناقض المزعوم بين العقل والشرع سوى حصيلة العجز الذاتي عن الجمع بينهما. انه عجز الشخص الذهني. وهو شبيه بالأعمى الذي دخل دار قوم فتعثر فيها بأواني الدار فقال لهم "ما بال هذه الأواني تركت على الطريق" بينما لا يدرك أن سبب ذلك هو عماه . لكن الغزالي لا يرجع هذا التناقض إلى المقدرة المعرفية (الذهنية) للفرد، بل ويربطه بتطور المعارف وتعارضها النسبي، أي أنه يشير إلى التعارض الفعلي (التاريخي) القائم بين العقل والشرع الذي يحدد الاتجاه الذهني للمرء ومقدراته. فالعلوم الدنيوية والآخروية، باعتبارها علوما عقلية، متنافيان من حيث تأثيرهما في صيرورة المرء العلمية والعملية. فمن صرف عنايته إلى أحدهما (العلوم الدنيوية والآخروية) "حتى تعمق فيه، قصرت بصيرته عن الآخر على الأكثر" . فهما يظهران ويتخذان الصيغة المشابهة لكفتي الميزان، والمشرق والمغرب، رغم كونهما في حقيقتهما كلاّ واحدا. لهذا السبب أكد على واقع كون "الأكياس في أمور الدنيا وفي علم الطب والحساب والهندسة والفلسفة جهّالا في أمور الآخرة، والأكياس في علوم الآخرة جهّالا في علوم الدنيا. لأن قوة العقل لا تفي بالأمرين جميعا في الغالب. فيكون أحدهما مانعا من الكمال في الثاني" . بينما الكامل من يجمع بينهما. فالجمع بين كمال الاستبصار في مصالح الدين والدنيا كما يستنتج الغزالي لا يكاد يتيسر إلا لمن "رسّخه الله لتدبير عباده في معاشهم ومعادهم وهم الأنبياء والمؤيدون بروح القدس، المستمدون من القوة الإلهية التي تتسع لجميع الأمور ولا تضيق عنها" .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,606,521,603
- وحدة العقل والنقل في فلسفة الغزالي
- صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(3)
- صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(2)
- صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(1)
- البحث عن الروح الإنساني في الثقافة الإسلامية(2-2)
- البحث عن الروح الإنساني في الثقافة الإسلامية(1-2)
- العراق : من الاحتجاج إلى ثورة المستقبل
- تقييم النفس في الثقافة الإسلامية (2-2)
- تقييم النفس في الثقافة الإسلامية (1-2)
- أسرار العبادات الإسلامية عند الغزالي
- المعنى الروحي للعبادات الإسلامية عند الغزالي(1-2)
- التفسير والتأويل في فلسفة الغزالي(2-2)
- التفسير والتأويل في فلسفة الغزالي(1-2)
- الغزالي:القرآن- القطب الروحي للكلّ الإسلامي(2)
- القرآن- القطب الروحي للكلّ الإسلامي في فكر الغزالي(1)
- الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي (2)
- الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي(1)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(3-3)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(2-3)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي (1-3)


المزيد.....




- فيديو غرافيك: مرور 150 عاما على افتتاح قناة السويس
- روحاني: أدعو السلطة القضائية للتصدي وفقا للقانون لكل من يغلق ...
- وسائل إعلام عراقية: سقوط 3 قذائف صاروخية في محيط المنطقة الخ ...
- مصدر لـRT: الجيش السوري يتصدى لهجوم عنيف من -جبهة النصرة- في ...
- تحالف رينو- نيسان يسعى إلى إعادة بناء نفسه في سوق السيارات ...
- العراق.. قنبلة صوتية تقتل متظاهرا في بغداد في مواجهات مع الأ ...
- هل تطرح شبكة اتصالات الجيل الخامس مخاطر صحية؟
- تحالف رينو- نيسان يسعى إلى إعادة بناء نفسه في سوق السيارات ...
- الدولة المدنية في بلدان الإنتقال.. اليمن نموذجاً (ا-3)
- اشتراكي صنعاء (الريف) يعزي الرفيق محمد غالب احمد بوفاة والدت ...


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - وحدة العقل والنقل في فلسفة الغزالي(2-2)