أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رشيد العيادي - الحرية والحب الرومانسي















المزيد.....

الحرية والحب الرومانسي


رشيد العيادي

الحوار المتمدن-العدد: 6390 - 2019 / 10 / 25 - 22:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ما معنى أن نحيا ؟ ما معنى أن نريد ؟ ما معنى أن نكون على الطريق الصحيح ؟ ثم ما معنى أن تتشبث بشيء دون آخر ؟ ثم ما معنى أن نكون أصدقاء ؟ أو لنضحك قليلا ونسأل ما معنى أن نكون أحباء ، على أية حال نحب بعضنا ؟ أو لنكن أكثر مثالية ونسأل ما هو النموذج المثالي الذي يجب على الانسان أن يحيا عليه ؟ إنما أنا أسأل هذه الأسئلة ليس على سبيل التسلية وتجزية الوقت ؟ أنا اعلم مسبقا أن كل فرد على هذه البسيطة غير راض على حياته مهما كانت هذه الحياة ، كما أزعم مسبقا أن الانسان لن يرضى يوما بأمثلة الحياة التي يعرضها السوق اليوم ، خصوصا وأن نماذج الحياة التي تعرض اليوم ويعطاها اسم الحياة النموذجية ، لم تعد تعمر طويلا ؛ حتى يمكن أن نقول انها تزول عندما تظهر ، وقانون التاريخ كما هو معروف لا يجعل تلك الحيوات صلبة وقوية بل يهدمها بسرعة مفرطة يجعلها لا تدوم . وهكذا تهدم نماذج الحرية ونماذج الحب ونماذج الفضيلة ...ومصير الانسان الحداثي هو أن يلهث وراء هذه النماذج ، وهو لهاث فضيع لا يمل من أن يسيل لعابه عند أول نموذج جديد، يظهر بمجتمع الاستهلاك الذي يبرع في صناعة النماذج: صناعة نموذج للحب ، نموذج للحرية ، ونموذج للفضيلة ( وعن الفضيلة ، إذا كان يصنع لها نماذج ، على اعتبار ان بعض القيم تم تحطيمها كليا بحيث لم يعد بالإمكان صناعة نموذج لها، كما هو الشأن مع الفضيلة كقيمة أخلاقية ) ... لقد اخترت بالضبط هذه المفاهيم ، لكي أقدم رؤية عنها وعن ترابطاتها و التي تميز بنية هذه المفاهيم في واقعنا، والتي تقدم اليوم بأنها مفاهيم لا تلوي على أي تناقض وتعطى لها تعاريف أيديوحداثية توجيهية تخدم نمط الاستهلاك المتوحش الذي لا يرى في الانسان قيمة انسانية وشخصية ، إنه في نظرها ليس إلا كعامل منتج ، وهذا ما يفسر اليوم ترحيب المسؤولين العرب بعلم الاقتصاد والعلوم التطبيقية عموما ويتنكرون للعلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية كما يقول بذلك عبد الله العروي . يعيش الفرد اليوم وسط الكثير المفاهيم التي يبدو له أنه يعرفها جيدا ويمارس وفق تمثله لها ( والتمثل هو حقيقة اجتماعية تمارس واقعيا حسب التصريف الذي يتبعه الفرد في تسريح المفاهيم على مستوى الممارسة ) . إن التمثل هنا غالبا ما يكون عام ومشترك ، حول الكثير من المفاهيم خصوصا مفهوم الحب ( الحب الرومنسي ) الذي يسير بإزائه سخط لفظي ( متلاش حب فهاد الوقت ولا غير لبغا اتفلى ) وهو خطاب عادة ما يرتبط بالفتيات ، لأن الخطاب العام يقدم أن الفتاة هي المستهدفة بما يسمى " بالتفلية" . لنقترب بشكل كبير من مفهوم الحب سأقول ، الانسان حيوان محب بطبعه ، متعلق بالشيء يرغب في امتلاكه ، فالحب تعبير عن مجموعة من الصفات التي تدفع الانسان إلى الانجذاب والتعلق بالمحبوب. ويشير الحب الرومانسي كثيرا في الحياة اليومية إلى الصراع والتنافس والتضحية ويرمز إلى كل ما هو خير وجميل ، فالحب هو شهوة الجمال ، (هذا التعريف مقتطف من مقال : الحب الافتراضي ، مقاربة سوسيولوجية لعبد الإله فرح) . ويعرفه "شارلز ليندهولم" أن الحب الرومانسي أكثر العلاقات حميمية ، فهو في قلب الآلية التي يستنسخ بها المجتمع المعاصر نفسه ( وهنا إشارة إلى أن الجنس ركيزة اساسية يستمد منها الحب الرومانسي وجوده بل هو القاعدة التي يقوم عليها في كثير من الأحيان، وهنا نتحدث عن الحب الرومنسي كنوع من أنواع الحب المشهورة عبر التاريخ والذي يكون أساس مفهوم الحب ) ، يتابع تعريفه فيقول : فهو مرتبط بالممارسة الجنسية التي تسمح للمجتمع بأن يحافظ على وجوده . وكثير ما يفسر الحب في التحليل النفسي بأنه شكل من أشكال الرغبة البشرية التي ترتبط بعملية غير واعية إلى حد كبير.
إن الحب الرومانسي في الأصل يمثل ميولات العشاق ، ففي التفاعلات بين القلب المائل وموضوع ميله ، نكون أمام جماع لحظات نوعية تتضاعف فيها الطاقة العشقية . كما ان الحب الرومانسي يهدف إلى تحقيق الزواج ( هنا معطى جديد وهو أن الحب يرتبط بتحقيق مؤسسة الزواج التي يتقوى فيها الحب ويتخذ صلابة حقيقية ، وهنا إشارة خفية، تتركها مؤسسة الزواج تحت الغبار ، وهي مركزية الجنس فيها مع تقييدها) لأن هذا الأخير ؛ أي الزواج ، غايته تكمن في الارتقاء نحو السعادة الشخصية للطرفين من خلال تلبية الحاجات النفسية والاجتماعية والجسدية . ويصف ليندهولم الحب هو البحث عن طريق للهروب من عبء الشعور بالوحدة ، مع تجنب المواجهة مع البرودة والعالم غير مبالي . إلى هنا قد أكون أعطيت لمحة عن مفهوم الحب ، مع تقشف في التفصيل والخوض في تعريفاته المتعددة . لكن السؤال الذي يجب ان نطرحه هنا هو أي ارتباط بين مفهوم الحب والحرية ؟ هل الانسان عندما يحب هل هو يحب عن حرية ؟ أم هو يسقط في حب موجه من قبل ؟ في حداثة صناعة النماذج خرج الانسان من الطاعة والخنوع للمؤسسات التقليدية التي كانت إلى حدما تشل حركة الفرد ولا تترك له مجال الاختيار ، ولعل أصحاب النظرية البنيوية يفسرون هذا التحكم بشكل كبير في تحليلاتهم ، حتى أن هناك من يصل إلى أن يقر ب من أن الحتميات الاجتماعية التي تجد أصولها في تلك المؤسسات تعدم حرية الفرد وتقيده ، لكن في عصر الحداثة تم التحلل من جل هذه السلط كلها وأصبح الفرد بلغة سارتر مشروع نفسه، باعتبار أن حريته تنطلق من وجدانه ، حتى أصبح يمكن أن نقول مع سيغموند باومان في كتابه الحياة السائلة ، أن الحرية هي إباحة كل شيء ، بل وتجريب كل شيء .( لقد وقف جون ستيوارت ميل في كتابه "في الحرية" على أزمة هذه الحرية المطلقة بحيث يتساءل ، إذا كانت الحرية تشترط العقل فما الذي يضمن أن يكون الانسان الأروبي عاقلا؟ هل يجوز السماح ببيع السم أو التبغ أو الخمر ؟ هل يسمح للمرء أن يبيع نفسه لغيره؟ وهنا نسقط في حرية ضد الانسان...) لكن الأمر الذي لا ينتبه له الكثيرون أن مجتمع الاستهلاك جعل من أفراده مستهلكين وفيين وأصبح الفرد يلبس على مقاس السوق ، ويمارس الحرية في ظل الامكانات التي يفتحها له السوق ، كما وأن السوق الثقافية من خلال نقدها الجارف قضت على جل المؤسسات التي كانت تحمي الفرد وتركته في العراء يعاني تقلبات السوق الاستهلاكية باسم التحرر من الأوثان الثقافية والاجتماعية ، وبالتالي استهلاك الحب كذلك والذي يلعب فيه الجسد اليوم دورا كبيرا ، ففي عصر الحداثة نحن نحب أجساد استطاعت اتقان عرض ذاتها في المجال العام ( أو المجال الافتراضي) . يفهم الفرد العربي الحرية اليوم إذا بالانفلات من العادات والتقاليد جملة ، ففي لا وعيه الحرية وسيلة لتحقيق هدف معين ، وهذا التعريف الاجرائي أشار إليه عبد الله لعروي في كتابه مفهوم الحرية. يفيد هذا التعريف في مساوقته مع انفجار الحب الرومانسي الذي كان محتجز في الثقافة التقليدية وكانت تصهر عليه رقابة ثقافية قاسية ، تحرم تماس جسدين تماسا قلباهما وذلك بفرض رقابة على الجسد في جل تفاصيله ، وإخضاعه لنمودج شرعي ،فمؤسسة الزواج هي الأسمى في حين لا يعترف بالعلاقات العاطفية التي تؤجل المؤسسة أو لا تفكر فيها ، وتجد هذه الأفكار صداها في مشروع الديالمي الجنساني خصوصا في كتابه : سوسيولوجية الجنسانية العربية .
إن هذه اللمحة حول المفاهيم ستفيدنا في بلورة الحب الرومانسي في أرضيتنا هاته ،بحيث يجعلنا ، نبنيه إجرائيا من خلال الخطاب التداولي الذي يعبر عن الحب . يمثل الاعجاب أحد أحد مستوياته الأولى ؛ لكن الاشكال هو أن التعبير عن الاعجاب في كثير من تمظهراته تشوبه شوائب جنسية ضاربة في مفهوم الحب عندنا ، بل هي من صميمها ولا يمكن عزلها نظريا عنه : تعبر الفتاة المغربية مثلا عن إعجابها بالشاب : بالقول "غزال" " بوغوس" "زوين " " كيحمق" وهي كلها مفردات تعبيرية عن الاعجاب تتخذ صفة الليونة والأنوثة المفرطة في تركيبها المفهومي ، وهي مفردات تقل فيها الشحنة الجنسية بشكل نسبي ، فهي مفردات تستمتع بالمشهد والمنظر والملمس و مفرداات مسالمة ، وتأخذ كلمة "ظريف" " والله إعمرها دار" صفة الاعجاب العام الذي قد لا يقتضي بالضرورة إعجاب ينطوي على حب من بعد أو يخفي من خلالها حبه المحتشم . في المقابل نجد الشاب المغربي يعبر عن إعجابه الذي غالبا ما يكون إعجاب شهواني ، قد لا يدخل في اهتماته حب صادق بالمعنى الأخلاقي ، لأن التعبيرات التي يستخدمها الشاب المغربي والتي تستهدف الأنثى لا تشملها كلية بل تقتصر على أطراف الجسد ، وهنا المفارقة التي نجدها عند الذكر في إدراكه لجسد الأنثى ، بحيث لا يدرك في الأنثى إلا الأطراف . وهكذا نجد الفرد المغربي يتحايل فيعبر على تلك الأطراف بمسميات أخرى لتخفيف من حدتها الجنسية فيقول مثلا : "تبارك على طرف" "نص واش من نص" "ودلاحة عندها " . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هناك نظرة عنيفة لبيدية تؤسس لتراتبية جنسية، تجعل الأنثى تجهد نفسها لتهتم بأطرافها لأن السوق يبيع الأطراف . ويشير بيير بورديو في كتابه الهيمنة الذكورية إلى هذا الأمر بالقول : إن الفتية (الذكور) ميّالون إلى "تقسيم" الجنسانية التي يتصورونها فعلا عدوانيا وجسديا بشكل خاص ، للفتح الموجه نحو الإيلاج ورعشة الجماع . هكذا نفهم أن الرجل يهيء لكي يخبر الجنس كسيطرة وعنف موجه نحو هدف الإيلاج عكس الأنثى التي تهيء على اختبار الجنس كحركات ناعمة ورخوة تتراوح ما بين اللمس والتقبيل والكلام تهدف إلى الاستمتاع. . في مجتمع الحداثة يظهر أن تأثير مواقع التواصل الرقمي قلبت الموازين ، وهنا سنكتفي بالاشارة لإقرار هذا القلب ، بما يسمى عند سيغموند باومان بالحب السائل ، والتي يقول فيها بأن الحب في الحالة السائلة جاء بعقلية مخالفة وهي عقلية قصيرة الأمد عكس طويلة الأمد ، بحيث أن العلاقة في الحداثة لم تعد تعقد على سبيل الدوام بل فقط تقتصر على الاستمتاع فقط وهذا راجع حسب سيغموند باومان إلى أن الحب السائل يقوم على مبدأ المعاشرة بدلا من الزواج والاستقرار وأصبحت الاختيارات تقوم على العشوائية عوض التخطيط العقلاني كما أصبح التضامن بين الشريكين قائما على المصالح والرهانات الشخصية ، ولعل ما يميز الحب السائل هو أنه يفك الارتباط القائم على الزواج بين الشريكين ويعمل على تحريرهما من القيود التي يمكن أن تضعهما في مصير لا يحبذانه ، والمعاشرة في آخر المطاف ليست إلا علاقة مؤقتة تفرض على الشريكين الاتفاق في حدود الممارسة الجنسية فقط . يعمل الحب السائل على تحرير العلاقات العاطفية والروابط القديمة بين الشريكين وتحويل كل منهما إلى مستهلك. لقد أصبحنا نستهلك الحب بنموذجه الرديىء وابتعدنا عن التعبير عنه وممارسته بشكل عقلاني .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,612,323,852





- وزير المالية الأردني: لا ضرائب جديدة في ميزانية 2020
- علاء مبارك يرد على شائعة وفاة والدته: أخبار كاذبة
- إيران تقول إن الاحتجاجات انتهت.. والوقائع تثبت العكس
- لمحاسبة المتورطين.. بومبيو يدعو الإيرانيين لإرسال صور القمع ...
- حتى لا يقتلك الملل.. زواج رومانسي رغم بعد المسافات
- انتخابات بريطانيا.. لهذه الأسباب أصوات المسلمين حاسمة
- نتنياهو متهم.. خمسة أسئلة تشرح لك كل شيء
- الجيش الليبي يعلن تقدمه في عدة مواقع جنوب غربي العاصمة طرابل ...
- الشرطة الفرنسية تجري اختبارات جينية على 67 كلبا لكشف لغز مقت ...
- ارتفاع جديد في حصيلة ضحايا السجائر الالكترونية


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رشيد العيادي - الحرية والحب الرومانسي