أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(2)















المزيد.....

صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(2)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 6384 - 2019 / 10 / 19 - 00:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


فعندما تناولو إوان الصفا مسألة الاختلاف في ماهية الهيولي، نراهم يشيرون إلى أن الاختلاف فيه يتراوح بين من يعتقد أنها أجزاء صغيرة لا تتجزأ مختلفة الكيفيات (نارية وترابية وهوائية) تشكل في اختلاطها وتألفها الكائنات من معادن ونبات وحيوان وأفلاك، ومن يرى أنها أجزاء متماثلة يسد بعضها مسد بعض، وأن تأليفها وتشكيلها واختلاطها يؤدي إلى أعراض وكيفيات وهيئات وصفات وألوان وطعوم وروائح. ومن يعتقد أن الهيولي جوهر بسيط روحاني معّرى عن جميع الكيفيات قابل لها على النظام والترتيب . وقد وجد الإخوان في هذا التسلسل المعروض للآراء درجات في الاقتراب من الحقيقة. وحاولوا تفسير أسباب الاختلاف في القياس انطلاقا من أن الرأي الأول مبني على قياسهم هيولي الصناعة من نجارة وفلاحة وموسيقى وعقاقير وأصباغ، بينما الثاني يتبع رؤيتهم اختلاف أسمائها وأفعالها كتنوع الآلات واستعمالاتها مثل السكين والمنشار وأدوات الطبخ وغيرها من الحديد. وهي خلافات استتبعت إشكالية العلة النهائية والغاية (الغائية). كما أنها ظهرت من تنوع الرؤية في استعمال القياس. فمن تأمل أفعال البشر وجد لكل فعل مقصد وغاية. ومن هنا ظهور القائل بعلة واحدة ومن قائل بتعدد العلل. واختلف من قال بعلة واحدة بين قائل بأنها إرادة الله ومشيئته ومن قائل بأنها علمه فقط. وتنوعت اختلافاتهم وتفرعت . وينطبق هذا على اختلاف الاعتقادات بماهية الخير والشر. فمن يقول بعرضيتها في العالم، ومن يقول بذاتيتها. والأوائل ينقسمون إلى من يقول بأنها قديمة وعادمة للصور والأشكال والكيفية، ومن يقول أن المقصود بالشر هو عدم الخيرات عن الهيولي ونقصانها منه. لأنه لو تركت لحالها لأدى ذلك إلى رجوعها إلى حالاتها الأولى، ومن ثم إبطال نظام العالم واضمحلال وجود الخلائق. أما قياسهم في ذلك فيعود إلى سيادة النظرة الجزئية. إذ وجدوا في الموجودات الجزئية من عالم الكون والفساد (الصيرورة والانحلال) والصناعات البشرية أشكالها ونماذجها الملموسة . واختلفوا في قياساتهم لقضايا الجبر والقدر، وأحكام النجوم والوعد والوعيد والذات والصفات (الإلهية) .
إن استعراض الإخوان وتحليلهم لاختلافات الفكر والاعتقادات يتضمن في أعماقه محاولة بناء نظام الشروط الضرورية للمعرفة الحقة. إذ للمعرفة الحقة، كما يقول الأخوان مقدماتها في أصول العلوم نفسها. فلكل علم وأدب وصناعة ومذهب أهلا، ولأهلها فيه أصولا فيها متفقون في أوائل عقولهم ولا يختلفون فيها. وأن كانت عند غيرهم بخلاف ذلك. وأن لتلك الأصول فروعا هم فيها مختلفون . ففي الحساب ماهية العدد وكيفية نشوئه من الواحد، وفي الهندسة المقادير والأبعاد الثلاثة وهي الخط والسطح والجسم، والطول والعرض والعمق، وفي الموسيقى معرفة النسب وفي الطبيعيات معرفة الهيولي والصورة والمكان والزمان والحركة . لقد أراد الإخوان بناء الصيغة المثلى لحقائق المعرفة الحسية والعقلية من خلال ترتيب ما هو ذاتي وما هو عرضي في الحس والإدراك بحيث ترتقي إلى مستوى الأصل والفرع في المنهج أو الطرق والفنون، وفي العلم (المعرفة). أنهم حالوا التأسيس للأصول الذاتية (الجوهرية) في المعرفة وأساليبها وفسحوا المجال أمام الإمكانية الدائمة للخلاف في الفروع. لقد انطلقوا من انه "ليس على العقلاء كثير عيب في مخالفة بعضهم بعضا" وانه "عسير جدا اجتماع العقلاء على رأي واحد كلهم في شيئ واحد. إنما يتفقون في الأصول ويختلفون في الفروع" . إضافة لذلك أنهم وجدوا في الاختلاف قيمة علمية هائلة بالنسبة لتعميق وتدقيق المعرفة وشحذ العقل النظري (المنطقي) والعملي (الأخلاقي). إذ وجدوا فيه أيضا فوائدا كثيرة مثل طلب الحجة، وغوص النفوس في طلب المعاني الدقيقة، ووضع القياسات، واتساع المعارف، واليقظة الدائمة، والنقد المثير لانتباه النفس لكسب الفضيلة والصلاح .
لم يكن تأسيس أصول الفكر الأعم ووضعها في إطار معقول ومقبول للجميع فعلا نظريا خالصا فحسب، بل وعمليا أخلاقيا أيضا، لأنه يهدف إلى إعادة ترسيخ قيمة الوحدة الاجتماعية الروحية للأمة. لهذا استعرضوا ما أسموه بالآراء الفاسدة كالقول بأن العالم قديم لا صانع له ولا مدبر، والقول بأن للعالم صانعين، وإنكار الثواب والعقاب، والاعتقاد بأن الله هو روح القدس الذي قتلته اليهود وصلبت ناسوته، والاعتقاد بأن الإمام الفاضل المنتظر الهادي مختف لا يظهر من خوف المخالفين، والترخيص في الشبهات والإباحية، وإيمان القسوة القائل بأن الله يعذب عبيده، والحسية المفرطة (الحشوية) واعتقاد الأمر إيمانا وإنكاره عقلا. وأكثر من ذلك الجدل المميز لمن أسموهم بعلماء السوء، أي"أولئك الذين يخوضون في المعقولات ولا يعلمون في الحسيات، ويتعاطون البراهين والقياسات ولا يحسنون الرياضيات، ويتكلمون في الإلهيات ويجهلون الطبيعيات، ويناقشون أمورا لا تفيد الدين في العلم والعمل، ولا تنتج حكمة ويضيعون الوقت في أمور لا تحدث ولا توجد ولا قيمة لها" .
إن مطابقة "الآراء الفاسدة" مع آراء أهل الغلوّ في الفرق والأديان بصدد قضايا الإلهيات والاجتماع والسياسة والأخلاق، يهدف في منظومتهم الفكرية إلى عقلنة شريعة الاعتدال. فعندما تناول الإخوان اختلافات الفكر في العلوم الدينية والدنيوية، فإنهم أعاروا الاهتمام إلى ما في العلوم الدينية من آثار للجدل والخلاف، بسبب تآلف واختلاط الوحدة أو الشقاق فيها. وعندما قسموها إلى علوم حكمية ونبوية، فإنهم أعاروا اهتمامهم إلى الأولى من خلال تحديدهم ماهية الدين أشاروا إلى أن الأصل فيه هو الاعتقاد في الضمير والسر، والفرع فيه وهو القول والعمل في الجهر والإعلان . أما الاعتقاد (الأصل) فينقسم إلى ثلاثة أنواع للخاصة والعامة وللجميع. وأفضلها ما هو شامل للجميع، أي توليف الأصل والفرع في الرؤية، أو الاعتقاد والعمل بالشكل الذي يخدم وحدة الكل الاجتماعي الروحي للأمة. فالركن الأول من الاعتقاد هو ليس الإيمان التقليدي، بل الإيمان الذي يناسب الجميع، أي الخاصة والعامة. وقد حّده الإخوان "بالاستبصار والمشاهدة بعين البصيرة واليقين بالقلب الصافي من الشوائب للنفس الزكية التقية من الذنب، بعد تأمل شديد للمحسوسات ودقة نظر في المعقولات ودراية بالرياضيات وبحث عن القياسات كما فعلت القدماء الحكماء والموحدون الربانيون، وإقرار باللسان وإيمان بالقلب وتسليم بالقول كإقرار الأنبياء للملائكة وحيا وإنباء، أو كإقرار المؤمنين للأنبياء إيمانا وتسليما". أما الركن الثاني فهو الطاعة، أو الانقياد من المأمورين والمرءوسين للآمرين والناهيين .
وليست وحدة الاعتقاد والطاعة سوى الصيغة النظرية لوحدة ما دعاه الإخوان بصفاء النفس واستقامة الطريق، باعتبارها أسلوب تجسيد البديل الفكري العملي الذي أوجزوه في كل من ضرورة العمل بأحكام الشريعة ووصايا الأنبياء وإشارات الحكماء، وترك الخصومات والأخلاق الردية، واجتناب الآراء الفاسدة، وتعلم العلم الحكمي والشرعي والرياضي والطبيعي والإلهي . ووضعوا في صفاء النفس الرجوع إلى جوهرها الأول وفطرتها وروحانيتها. وانطلقوا من أن مثلها في إدراك صور الموجودات الحسية والعقلية كمثل المرآة، كلما كانت أكثر صفاء واعتدالا كلما كانت أكثر سلامة في عكس صور الموجودات، وانه لا طريق لإزالة الصدأ عنها إلا بإزالة حجاب الجهل. أما اعوجاجها فبسبب تمسكها بالآراء الفاسدة . لهذا قالوا، بأن اقرب الطرقات التي لا عوائق فيها وأسلمها لبلوغ هذه الغاية هو ترك المجادلة في الإلهيات إلا بعد تصفية القلب، ثم الاعتماد على الإلهام الشخصي وتفاسير الأولياء وألسنة الحكماء .
لقد حالوا بناء منظومة مترابطة للأصول والفروع النظرية والعملية في المحسوسات والإلهيات عبر تأسيسها المعقول في وحدة أركان الاعتقاد وتجسيدها المقبول في وحدة أساليب صفاء النفس واستقامة الطريق. ولم يجدوا في أمرهم هذا، كما يقولون،"رأيا مستحدثا، بل هو رأي قديم قد سبق إليه الحكماء والفلاسفة الفضلاء، وهو طريق سلكه الأنبياء، ومذهب مضى عليه خلفاء الأنبياء والأئمة المهديون" . أنهم أرادوا توحيد وتوليف الكل الثقافي الإنساني في نظام بديل عبّروا عنه رمزا في قولهم: "كنا في كهف أبينا آدم مدة من الزمان تتقلب بنا تصاريف الزمان ونوائب الحدثان حتى جاء وقت الميعاد بعد تفرق في البلاد في مملكة الناموس الأكبر وشاهدنا مدينتنا الروحانية المرتفعة في الهواء" . وهي رؤية حددت سلوكهم النظري والعملي من خلال وحدة الأصول والفروع في أركان العقيدة وأساليبها في ما أسموه بضرورة ركوب السفينة التي بناها نوح للنجاة من طوفان الطبيعة للسلام من أمواج الهيولي ورؤية ملكوت السموات كما رآها إبراهيم، وتتميم الميعاد والمجيء إلى الميقات لقضاء الأمر كما فعل موسى، والعمل لكي ينفخ الروح في الروح حتى يمكن رؤية يسوع عن ميمنة عرش الرب، والخروج عن ظلمة اهرمن لأجل رؤية اليزدان قد اشرق في فسحة افريحون، والدخول إلى هيكل عاديمون من اجل رؤية الأفلاك التي يحيكها أفلاطون، والرقود من أول ليلة القدر من اجل رؤية المعراج مع طلوع الفجر .
إنهم أرادوا تمّثل الكلّ الثقافي التاريخي من خلال تمثيلهم للبعد الروحي في التجربة الإنسانية. لهذا جعلوا من شريعة الأنبياء وسلوكهم، وعقل الحكماء وألسنتهم الوحدة الضرورية للبديل الفكري العملي باعتباره التمثل الأصدق للاعتدال المبدع. ووجدوا في وحدة الدين والفلسفة الصيغة المناسبة لتجاوز ثنائية العقل والشرع العادية، والصيغة المثلى للأبعاد الإنسانية في منظومتهم الفكرية. إذ استجابت لمتطلبات ما أسميته بتمّثل وتمثيل الكلّ الثقافي العالمي. من هنا إشاراتهم المتكررة إلى أن استشهادهم بأقاويل الفلاسفة ووصاياهم، وأفعال الأنبياء وسنن شرائعهم بسبب وجود "أقوام متفلسفين لا يعرفون من الفلسفة إلا أسمها، وأقوام من الشرعيين لا يعرفون من أسرار الشريعة إلا رسومها، يتصدرون ويتكلمون فيها بما لا يحسنون، ويناظرون فيمالا يدرون ويناقضون تارة الفلسفة بالشريعة، وتارة الشريعة بالفلسفة فيقعون في الحيرة والشك، فيضلّون ويضلّون" .(يتبع....).




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,859,807,630
- صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(1)
- البحث عن الروح الإنساني في الثقافة الإسلامية(2-2)
- البحث عن الروح الإنساني في الثقافة الإسلامية(1-2)
- العراق : من الاحتجاج إلى ثورة المستقبل
- تقييم النفس في الثقافة الإسلامية (2-2)
- تقييم النفس في الثقافة الإسلامية (1-2)
- أسرار العبادات الإسلامية عند الغزالي
- المعنى الروحي للعبادات الإسلامية عند الغزالي(1-2)
- التفسير والتأويل في فلسفة الغزالي(2-2)
- التفسير والتأويل في فلسفة الغزالي(1-2)
- الغزالي:القرآن- القطب الروحي للكلّ الإسلامي(2)
- القرآن- القطب الروحي للكلّ الإسلامي في فكر الغزالي(1)
- الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي (2)
- الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي(1)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(3-3)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(2-3)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي (1-3)
- بارتولد - المستشرق الروسي الكبير
- ابن خلدون. من التجارب السياسية إلى الفكرة النظرية
- عبد الحميد الزهراوي(1855-1916) ونقد الاستبداد والاستعباد(6).


المزيد.....




- صديقة جيفري إبستين السابقة التي تخشى السلطات من انتحارها
- شاهد: قرية إيطالية تريد الاستقلال لتصبح إحدى أصغر الدول في ا ...
- على خلفية الانفجارات الإيرانية... خلافات بين نتنياهو والشابا ...
- الاتحاد الأوروبي يحث واشنطن على إعادة النظر في قرارها بإيجاز ...
- -تيك توك- يرد على ضغوط من الحكومة الأمريكية
- بالفيديو... قتلى وجرحى في لبنان بحادث سير مروع
- لافروف: مخاطر المواجهة النووية زادت مؤخرا بشكل خطير
- رسالة من عام 1941: ماذا كتب صاحباها عن هتلر
- مصر... ما حقيقة انتشار مرض -كاواساكي- بين الأطفال دون سن الخ ...
- ضبط 18 قطعة أثرية في وكر لـ -داعش- بالموصل


المزيد.....

- جون رولز والإصلاح الليبرالي تحدي اليوتوبيا الواقعية / لمرابط أحمد سالم
- نقد الفرويدية / نايف سلوم
- العشوائية اللاغائية الغير مخططة تصنع الحياة والوجود / سامى لبيب
- داوكنز يخسرُ في - رهان باسكال - / عادل عبدالله
- ثورة الحرية السياسية: أفكار وتأملات في المعنى والمغزى / علا شيب الدين
- العدالة الاجتماعية... مقاربات فكرية / هاشم نعمة
- مورفولوجيا الإثارة الجنسية و الجمال. / احمد كانون
- الماركسية وتأسيس علم نفس موضوعي* / نايف سلوم
- هل كان آينشتاين ملحداً؟ / عادل عبدالله
- هيدجر وميتافيزيقا الوجودية / علي محمد اليوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - صيرورة الاعتدال الفكري في الثقافة الفلسفية الإسلامية(2)