أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد سيد رصاص - دروس سودانية














المزيد.....

دروس سودانية


محمد سيد رصاص

الحوار المتمدن-العدد: 6328 - 2019 / 8 / 22 - 21:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



بين الإطاحة بحكم عمر البشير (11إبريل/ نيسان 2019) والتوقيع النهائي على وثيقتَي «الإعلان الدستوري» و«الاتفاق السياسي» في17 أغسطس/ آب، قام السودانيون بتدشين تجربة غير مسبوقة عند العرب. في هذه التجربة السودانية لم يستطع العسكر الانفراد بالحكم رغم محاولتهم هزيمة وسحق الحراك المدني في مجزرة 3 يونيو/ حزيران التي استهدفت فضّ الاعتصام أمام مقرّ قيادة القوات المسلحة، ورغم الدعم الإقليمي من دول الخليج ومصر ومن ورائهما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي الذي ظهر خلال شهور نيسان، أيار، حزيران 2019 للانفراد العسكري السوداني بالحكم على غرار تجربة عبد الفتاح السيسي. في تجربتَين عربيتين سابقتين، في مصر 23 يوليو/ تموز 1952 - أزمة مارس/ آذار 1954، وفي الجزائر بعد السماح بالحرية الحزبية في سبتمبر/ أيلول 1989 وحتى انقلاب 11 يناير 1992 الذي أطاح بالمسار الانتخابي البرلماني، استطاع العسكر الانفراد بالحكم وهزيمة الأحزاب التي أرادت المسار المدني للحكم. طبعاً، يجب أن تُضاف للتجربتَين المذكورتين تجربة مصر منذ يوم 25 يناير/ كانون الثاني 2011 وحتى الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي في 3 يوليو/ تموز 2013، والذي مثّل انتصاراً لحكم العسكر على مسار سياسيّ مدني انتخابي رغم أن هناك قوى حزبية ساندت ذلك الانقلاب قبل أن يقوم السيسي بإرسالها إلى غياهب النسيان.
على ما يبدو هناك خصائص سودانية: قوى حزبية، لم يستطع عمر البشير خلال ثلاثين عاماً أن يمحوها من الوجود، تضافرت مع قوى مهنية (أكاديميون، محامون، قضاة، أطباء... إلخ) ومع قوى طلّابية ونسائية، لكي تقود ثورة سلمية تجاوزت المئة يوم، أجبرت العسكر على الإطاحة بالبشير في انقلاب عسكري. في مجتمعات عربية أخرى قام الحكم العسكري بمسح طاولة المجتمع بما كان عليها من أحزاب ونقابات ومنظمات مهنية، وقام بتطويع المنظمات الطلابية والنسائية. من اللافت أن ثلاث تجارب للحكم العسكري السوداني مع ابراهيم عبود (1958-1964) وجعفر النميري (1969-1985) وعمر البشير (1989-2019) لم تنجح فيما نجح به أقرانهم العرب. من المثير للانتباه أن الثلاثة قد أُطيح بهم بفعل حراك جماهيري سوداني، أجبر العسكريون على التنحّي عام 1964 لصالح حكم مدني، وأجبرهم على انقلاب عسكري ضد النميري وليقودوا بعده المرحلة الانتقالية قبل تسليمه لحكم مدني برلماني بعد عام من الزمن، ثم كان اعتصام 6 إبريل/ نيسان 2019 أمام مقرّ قيادة القوات المسلحة الذي دفع العسكر إلى انقلاب11 إبريل/ نيسان. هناك من يعزو قوة الأحزاب السودانية إلى استناد بعضها إلى بنى طائفية، مثل حزب الأمة عند طائفة الأنصار والحزب الوطني الاتحادي عند طائفة الختمية، من دون تفسير لقوة الأحزاب المتجاوزة للبُنى التقليدية السودانية التي برزت قوتها عام 2019 مثل الحزب الشيوعي الذي كاد أن يتعرّض للتصفية في زمن النميري ثم تعرّض لقمع شديد في زمن البشير، ومن دون تفسير لعدم قدرة البشير خلال ثلاثة عقود على تحويل السودان إلى «مملكة الصمت» رغم محاولته ذلك من خلال استناده إلى تنظيم الحركة الإسلامية الذي تمكّن من التغلغل في مفاصل الدولة كافة وأزاح الآخرين منها وأنشأ مليشيات ومنظمات نسائية وطلابية كما في مفاصل اجتماعية عديدة.

يمكن لاضطراب السودان الذي نتج عن تمرد الجنوب المسلح (1983-2005) وتمرد إقليم دارفور (منذ عام 2003) أن يكون قد منع البشير من تحقيق ذلك وجعله منشغلاً أمام التمردات المسلحة، وربما أجبره على تهدئة الوسط والشمال أو منعه من القمع العنيف الاستئصالي، كما أن تجربة تمرد الجنوب قد أتاحت للأحزاب الشمالية المعارضة مجالاً للاستقواء بالجنوبيين كما في تجربة «التجمع الوطني الديمقراطي» في التسعينيات الذي ضمّ أحزاب «الأمة» و«الوطني»، «الاتحادي» و«الشيوعي» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة العقيد جون غارانغ مع أحزاب قبلية مثل «مؤتمر البجا» في الشرق السوداني عند الحدود الإريترية. يمكن للتنوّع السوداني الإثني، حيث العرب هم الأقلية الأكبر، وشعور مناطق عديدة بالتهميش من العرب المسيطرين على السلطة منذ استقلال 1956، مثل الجنوب ودارفور والنوبيين في جنوب كردفان والأفارقة في جنوب النيل الأزرق، قد أنتجوا حيوية سياسية جعلت السياسة، وأيضاً في حالات عديدة السلاح الذي كان مربوطاً ببرنامج وجهاز سياسيين، وسيلة لنيل المطالب.
يمكن لما سبق أن يفسّر حيوية وقوة «قوى الحرية والتغيير»، التي ضمّت تجمعاً عريضاً للأحزاب والقوى المهنية وللمنظمات الطلابية والنسائية، أمام عمر البشير وأمام «المجلس العسكري الانتقالي»، بل وقدرتها على قلب الموازين ضد العسكر منذ المظاهرة المليونية في يوم 30 يونيو/حزيران في شوارع العاصمة المثلثة، وهو ما لوحظ بعده تنازل العسكر عن أجنداتهم الانفرادية بالسلطة (أو المسيطرة عليها مع مشاركة مدنيّة لا توازي قوة العسكريين) واقتناعهم بمنطق التسوية والمشاركة. من المؤكّد أن استعراض عضلات «قوى الحرية والتغيير» قد أقنع العسكر باللين، ولكن على الأرجح أن خوف دول مضطربة داخلياً ومجاورة للسودان، مثل إثيوبية وتشاد، من تداعيات انفجار سوداني، قد لاقى صدى كبيراً في واشنطن وعند الاتحاد الأوروبي ودفعهما لحسابات أن انهيار فرص الاتفاق التسووي بين «المجلس العسكري الانتقالي» و«قوى الحرية والتغيير» سيقود إلى حريق سوداني سيهزّ دول الجوار الأفريقي وسيزيد اللهب الليبي اشتعالاً، وسيؤثر على الأوضاع المصرية من حيث جعل السودان المضطرب من جديد، كما كان زمن البشير في التسعينيات ضدّ حكم حسني مبارك، قاعدة للإسلاميين المناهضين لحكم السيسي بشكليهما السلمي والعنيف. هذه الحسابات الأميركية - الأوروبية - الأفريقية هي التي تغلّبت على الرأي الخليجي - المصري، الذي كان متحمّساً لجعل تجربة عبد الفتاح البرهان على خطى تجربة عبدالفتاح السيسي، وقادت إلى التسوية السودانية لحكم انتقالي يتشارك فيه العسكريون والمدنيون بالتوازي.
هنا، سيكون ليوم 17 آب/ أغسطس 2019 السوداني أصداءه الكبرى في المستقبل العربي...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,537,539
- القطب الواحد للعالم في مواجهة القوّة الإقليمية العظمى
- الحكم العسكري عند العرب
- محاولة تعميم نموذج السيسي
- خصائص سودانية: أحزاب متجذّرة ومرونة في السياسة
- دروس الحراك الاجتماعي الجزائري
- حزب شيوعي عربي في واجهة المشهد السياسي
- عندما يقوم الشيوعيون ببناء الرأسمالية
- خلافات المعارضة السورية في أزمة 2011 2018
- استقطابات حول أزمات المنطقة
- - الاسلام في سوريا -
- محاولة لتحديد مفهوم العلمانية
- مسار الحركة الشيوعية العربية: محاولة للمراجعة
- أردوغان وخامنئي
- هل كان المناشفة (ومعهم ماركس) على حق ضد لينين؟
- لماذا اتجه تلاميذ ياسين الحافظ نحو اليمين؟
- «انقلاب» ترامب في الشرق الأوسط
- مرض الشيخوخة اليساري
- بداية انحسار المدّ الكردي
- حنين سوري قوي إلى أيام ما قبل الأزمة
- خمسون عاماً على هزيمة حزيران


المزيد.....




- مصر: المقاول محمد علي يتهم السيسي بالفساد..لماذا؟
- مقاتلة -سو 35- تستعرض مهاراتها في سماء تركيا
- ولادة نادرة لعجل بساق خامسة عند رأسه
- انقاذ رضيع من مبنى حاصرته مياه الفيضانات بإسبانيا
- سفارة الاتحاد الأوروبي لدى إسرائيل تتعرض لـ -تخريب مشين-
- حزب -قلب تونس-: القروي حظي بالثقة ومستعدون للدور الثاني
- بالفيديو... بندقية كلاشينكوف جائزة رجل المباراة للاعب هوكي
- شاهد... أول صور لوزير الطاقة السعودي داخل شركة -أرامكو- بعد ...
- الحكومة الإسرائيلية تصادق على مقترح نتنياهو بشرعنة نقطة استي ...
- لأول مرة… صور المناطق التي قصفتها طائرات -أنصار الله- في أرا ...


المزيد.....

- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي
- مصطفى الهود/اعلام على ضفاف ديالى الجزء الأول / مصطفى الهود
- سلام عادل .. الاستثناء في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي / حارث رسمي الهيتي
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد سيد رصاص - دروس سودانية