أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غوث زرقي - -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي والتاريخي بالنص المسرحي الإغريقي، من خلال التطبيقات التالية: هرقل مجنونا ليوربيدس وأنتيغون لسوفكليس















المزيد.....



-مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي والتاريخي بالنص المسرحي الإغريقي، من خلال التطبيقات التالية: هرقل مجنونا ليوربيدس وأنتيغون لسوفكليس


غوث زرقي

الحوار المتمدن-العدد: 6325 - 2019 / 8 / 19 - 21:22
المحور: الادب والفن
    


"مسرح المجتمع ومجتمع المسرح"، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي والتاريخي بالنص المسرحي الإغريقي، من خلال التطبيقات التالية: هرقل مجنونا ليوربيدس وأنتيغون لسوفكليس.

مقدمة :
منذ ولادة الفن المسرحي باليونان بين القرنين السادس والخامس قبل الميلاد ومرورا بمحطات تاريخية بارزة ساهمت في التطوير أو التأثير في جمالياته كالقرون الوسطى وعصر النهضة.. كانت علاقة النص المسرحي بالواقع علاقة تدعو إلى الدراسة والتدقيق فيها لشدة تأثير البنى الذهنية في تلك المجتمعات (المجتمع الإغريقي، مجتمعات أوروبا عند القرون الوسطى..) إذ نجد في المجتمع الإغريقي بنية اجتماعية، ثقافية ودينية.. مبنية على الميثيالوجيا ونجد أيضا في مجتمعات أوروبا عند القرون الوسطى بنية اجتماعية، ثقافية ودينية قائمة على تشريعات مطلقة للكنيسة.
نعتقد أنّ هاتين البنيتين أثرتا مباشرة في الفن المسرحي وتحديدا في النص الذي يستلهم من الميثيالولجيا الإغريقية والكنيسة القروسطية مكوناته الجمالية من مواضيع، صراعات، شخصيات، أزمنة وأمكنة.. إنّ هذا التأثير قد يبدو أمرا عفويا في بيئتين بحث فيهما الإنسان الإغريقي والقروسطي عن بنية يجد من خلالها تفسيرات للعالم، ولكن هذه العفوية قد تتجلى ظاهريا فقط، أمّا باطنيا يمكن أن يتخفّى في تلك البيئتين: الفعل الفردي والفعل الجماعي من جانب اجتماعي والمؤسسات الثقافية المسيطرة والمسيطر عليها من الجانب الثقافي ونمط الإنتاج والتشكّل الطبقي من الجانب الاقتصادي وكل ما هو مقدس ومدنس وعنصرا الترغيب والترهيب من الجانب الديني.. هذه الجوانب المتعددة والمتنوعة تدعونا إلى التأمل فيها ومن ثم الدقيق في تأثيراتها -في النص المسرحي- رفقة أسئلة متتالية منها: ما مدى تماثل مكونات النص الجمالية مع الجوانب الاجتماعية، التاريخية، الاقتصادية، الثقافية والدينية..؟ هل أنّ النص المسرحي -منذ ولادة الفن المسرحي عبورا بعدة محطات تاريخية- قد سجلّ حضورا للسياق الاجتماعي والتاريخي في طيّاته أم يمكن للنص أن يكون منحوتة فنية مجردة من كل ما هو اجتماعي وتاريخي؟
لنُجيب عن تلك الأسئلة، نعتقد أننا في حاجة ماسة إلى مثال يرتقي ليكون نموذجا تحليلي، ندرس من خلاله ثنائية الجمالي والاجتماعي-التاريخي في النص المسرحي، ونقرأ جدلّية الحسي والغير حسي فيه، ونلتمس فرضيتي حضور السياق الاجتماعي والتاريخي أوغيابه داخل النص.
نتخذ من النص الإغريقي نموذجا تحليليا نحللّ من خلاله علاقة المجتمع الإغريقي بجوانبه وتجلياته مع المؤثرات في البنية الذهنية الإغريقية وهي الميثيالوجيا في النص، علاقة تستدعي التحقق فيها، التفحص فيها والبحث في إمكانيتي تماثل طرفي العلاقة أو تنافرهما.
I -نص المجتمع ومجتمع المسرح
1- نص قائم على الميثيالوجيا
تمثل الأسطورة للإغريق ملجأً يحتمون فيه من أهوال أسئلتهم التي تدور حول الوجود والعالم، ومنبعا يستلهمون منه عدة مسائل ومواضيع تتعلق بحياتهم اليومية في الجانب الأخلاقي، السياسي والثقافي.. ومادة خام يحولون ويطورون بها عدة مجالات تمثلت في الفن والفلسفة والدين.. ويبدو تأثر الفن المسرحي بالأسطورة جليا في النصوص المسرحية التراجيدية، الكوميدية أو الملحمية.
لقد حضرت الأسطورة بقوة على مستوى المواضيع، الشخصيات والأحداث.. وربما تتشكل النصوص بشكل محدد ومضمون معيّن عبر البنى الذهنية للمجتمع اليوناني القائمة على الأسطورة والتي جعلت من المواطن الإغريقي يجد تفسيرات لعدة ظواهر طبيعية، فيمكن له أن يفسر مثلا الفيضانات التي قد تصيب مدينة يونانية في تلك الفترة أنها لعنة أو عقاب سلطه الإله ديونيزوس، وربما إذا حلّ طاعون ما على كولونوس أو أثينا أو أسبرطة يهرع الإغريق في البحث عن خطأ ما قد ارتكبه أحد مواطنيهم جعل الآلهة تصب جام غضبها عليهم..
إنّ المجتمع اليوناني يعتقد في الأولمبيين الإثنا عشر ، الذين تخصص كل منهم في مجال ما يحدد ربوبيته، قد تتشارك بعض الآلهة في إحداها مثل مجال الحرب بين الآلهة آثينا والآلهة أريس، وقد تتواجد صلة قرابة بين أحدهما مثل هيرا آلهة الزواج وهي زوجة زيوس ملك الآلهة وحاكمها، قد تتصارع هذه الآلهة فيما بينها وقد تُقرب أحد المواطنين الإغريقيين منها وتبجله وتجعله يتمتع بقوة خارقة تمكنه من رتبة نصف آلهة مثل"هرقل بطل إغريقي من العصور القديمة نال شهرة كبيرة وهو ابن زوس.. وقد دأبت هيرا على عداء أبناء زوس من زوجاته الأخريات ولكن عداوتها لهرقل فاقت كل حد، إذ كانت معروفة بالقسوة الفائقة، وقد رتبت الأمور قبل مولد هرقل لكي تمنعه من حكم المملكة، وبينما هو في مهده أرسلت ثعبانين ليخنقاه ولكن والد هرقل كان قويا جدا، قوة خارقة، فما كان منه إلا أن أمسكهما في يديه وخنقهما." وبرفقة الآلهة كان الإغريق أيضا يعتقدون في شخصيات أسطورية لها بعد فيزيولوجي مركب مثل مينوتور Minotaureوسيفكس Sphinx ونجد توظيف ذلك في نصوص تراجيدية مثل نص أوديب ملكا لصاحبه سوفوكليس،"فلمّا وصل أوديب إلى طيبة، وجد المدينة في ارتباك عظيم. هناك وحش يسمى سفنكس، نصفه لأسد والنصف الآخر لامرأة، يوقف كل المسافرين ويقدم لهم لغزا، إذا لم يجيبوا عنه إجابة صحيحة، قتلهم.." فالآلهة زيوس، زوجته هيرا، هرقل وسيفكس.. هي شخصيات أسطورية تقوم عليها الميثيولوجيا الإغريقية وتشكل رموزا هامة للبنى الذهنية للمجتمع اليوناني، فحضت بوجود مادي ومعنوي في النص الإغريقي في تراجيديات اسخيلوس، سوفكليس ويوربيدس وفي الإلياذة لصاحبها هوميروس..
فهل يمكن أن يكون الحضور البارز للأسطورة في النص المسرحي، فرصة للتلاقي بين المعطى الخيالي-الجمالي والمعطى الاجتماعي، وهل يمكن أن يكون النص المسرحي الذي كُتب في المدينة نصا قد كُتب حقا للمدينة؟
2- النص بين الميثيالوجيا والمجتمع الإغريقي.
يستمد النص الإغريقي من الميثيالوجيا التيمة Thème الكبرى التي من خلالها استنبط الكُتاب/الشعراء الإغريق المكونات الجمالية لنصوصهم أمثال كاتب النص الملحمي هوميروس وأيضا كُتاب النص التراجيدي اسخيلوس، يوربيدس وسوفوكليس، فالميثيالوجيا أساسا تعتمد على جملة من الأساطير التي أبتكرها الإنسان الإغريقي، فيمكن رؤيتها أنها أحد ركائز البنية الذهنية الإغريقية أو أحد دعائم الحضارة اليونانية، كما يمكن رؤيتها عن قرب أنها منظومة تترابط فيها عدة عناصر وهي الإنسان، المجتمع والعالم، مثلما يراها المتخصص في الكتابات والمخطوطات القديمة رينيه جيرار René Girard "إنّ الأساطير، في نظر جيرار، هي أول ما وافانا به الفكر البشري من شروحات للعالم والمجتمع، في حين أنّ الطقوس هي أولى التمثيلات الرمزية، والمحظورات أولى القوانين الأخلاقية، وتكون الثقافة والحضارة إلاّ محاولة شرح للعالم والمجتمع، ونشاطا دؤوبا من أجل خلق نظام رمزي يحيل إلى مدلول خفي، وتنظيم علاقات البشر بعضهم ببعض."
لقد استوحى سوفوكليس من الميثيالوجيا الاغريقية شخصيات لنصوصه مثل شخصية سفنكس في مسرحية أوديب في كولونا، "فلما وصل أوديب إلى طيبة وجد المدينة في ارتباك عظيم. هناك وحش يسمى سفنكس، نصفه لأسد والنصف الآخر لامرأة، يوقف كل المسافرين ويقدم لهم لغزا، إذا لم يجيبوا عنه إجابة صحيحة، قتلهم." الميثيالوجيا الإغريقية ليست بمثابة المنبع الذي يُستمد منه الشخصية المسرحية فقط، بل يُستمد منها بقية المكونات الجمالية الأخرى للنص كالصراع الذي كان يدور بين شخصيات نصف آلهة وبين الآلهة الإغريقية، وكان كُتاب التراجيديا والملحمة الإغريق يشتركون في توظيف أحد أقطاب الصراع في نصوصهم، وهذا القطب يتمثل في الآلهة، أمّا القطب الثاني في الصراع فهو الإنسان المتمثل في:
- البطل التراجيدي في النص المسرحي التراجيدي.
- البطل الملحمي في الإلياذة والأوديسيا.
إلى هذه الحدود، يمكن أن نذهب إلى أنّ الكُتّاب الإغريق قد اشتركوا في توظيف أحد الركائز الهامة في البنى الذهنية للمجتمع الإغريقي، وتمثلت لهم الميثيولوجيا كأرضية يُنقبون فيها ليستخرجوا المكونات الجمالية لنصوصهم. ولكن هل اقتصرت الميثيالوجيا على دور جمالي فني فقط في تلك النصوص؟ هل يمكن للكتاب الإغريق أن يُروضوا أساطير مجتمعهم ليتم تطويعها إلىدلالات اجتماعية، ثقافية وسياسية في نصوصهم؟
أ‌- الفكر الحقوقي في النص الاغريقي
أظهر لويس جرنيه LouisGernetمن خلال تحليل مفردات وبنية بعض الأعمال التراجيدية الإغريقية أنّ الفكر الحقوقي الناشئ في اليونان قد سجلّ حضوره في بعض النصوص التراجيدية، برصده للمفردات القانونية التقنية التي كان يستخدمها المؤلفون التراجيديون، وهذا ما يؤكد على القرابة بين بعض المواضيع المتواترة في التراجيديا وبين بعض الحالات التي تعُودُ لصلاحيات المحاكم في تلك الفترة، وقد أظهر لويس جرنيه أنّ الشعراء كانوا يستخدمون تلك المفردات القانونية وهم يتلاعبون عمدا بقصورها وعدم دقتها وابهامها، وقد أثبت ذلك بتحليله لمسرحيتي المستجيرات لكاتبها إسخيلوس وأنتيغون لكاتبها سوفكليس، إذ يقول" نرى في مسرحية المستجيرات مفهوم كراتوس kratos يتأرجح بين معنيين متعاكسين، فهو يدلّ تارة على السلطة الشرعية وعلى الهيمنة المستندة إلى أسس حقوقية، وتارة أخرى يدلّ على القوة الفجّة التي تأخذ شكل عنف يقف في الموقع المعاكس تماما للحق والعدالة. ونفس الشيء الذي نجده في مسرحية أنتيغون حيث يمكن لكلمة نوموس nomos أن تستخدم من قبل الشخصيات المختلفة بحيث تدلّ على قيّم متناقضة تماما.."
إنّ القانون عموما ليس ببناء منطقي، فقد يتشكل تاريخيا انطلاقا من اجراءات قبل حقوقية تأسس منها واختلف معها، وبالرغم من ذلك فقد ظلّ متعاطفا معها،فالإغريق لم يشهدوا منظومة قانونية حقوقية تقوم على مبادئ متجانسة، إذ أنهم اعتمدوا محورين من القانون:
- المحور الأول: السلطات المقدسة الغيبية المتمثلة في عدالة زيوس وأحكام الآلهة.
- المحور الثاني: سلطة الوقائع، والتي تعتمد على الإخضاع والإلزام.
هذان المحوران يمثلان المنظومة القانونية الإغريقية التي تنظم الحياة القانونية لمواطنيها والتي تمتنع إلى حد ما من ضخ مبادئ حقوقية في نظامها، إنّ لويسجرنيه بذهابه إلى أنّ"المادة الحقيقية للتراجيديا نفسها هي الفكر الاجتماعي الخاص بالمدينة." يكشف عن ملامح الصراع في المادة التراجيدية بين الفكر الحقوقي السياسي والتقاليد الأسطورية والبطولية كما يجد نفسه قد وصل إلى استنتاج آخر مرتبط بالأول بشكل وثيق، فلئن استمدت التراجيديا مواضيعها من خرافات الأبطال وجعلت من الروايات الإغريقية الأسطورية مصدرا لنصوصها، إلاّ أنها صنعت لنفسها معادلة طريفة تقوم على المراوحة:
- بين التصورات الدينية القديمة وأشكال الفكر الجديدة.
- بين كل ما هو متفق عليه وما هو غير متفق عليه.
- بين الميتافيزيقي والفيزيقي.
- بين الحياة اللاهوتية في هاديس والحياة المدنية في مدن كطيبة وأثينا..
نعتقد أنّ التراجيديا الإغريقية قد صنعت لنفسها تلك المعادلة لكي تجعل من نصوصها متصلة بسياق اجتماعي وتاريخي تمثل في بلاد الإغريق عند القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، هذه المعادلة يمكن أن تنزع عن النص غربته عن سياقه وتخلق له جذورا حسية وعقلانية في المدينة اليونانية عند لحظة تاريخية محددة، "إنّ التراجيديا تحافظ على المسافة التي تفصلها عن أساطير الأبطال التي تستقي منها والتي تنقلها بتصرف كبير، إنها تضع تلك الأساطير موضع البحث. فهي تقابل ما بين القيّم البطولية والتصورات الدينية القديمة، وبين أشكال الفكر الجديدة التي رافقت ظهور القانون في إطار المدينة."
ب‌- من التفاعل الجمالي (الشخصية والموضوع) بالميثيالوجي إلى التفاعل الجمالي بالاجتماعي
يمكن أن نلتمس بين النص المسرحي التراجيدي والروايات الأسطورية تفاعلا يبني لعلاقة تماثل بينهما، بين بنية النص الجمالية (مواضيعه ولغته وشخصياته وصراعاته..) وبين أثار الروايات الأسطورية، ويبدو أنّ دراسة هذا التماثل بين القطبين أمرا ملحاّ لا لعرض نقاط التماس بينهما فقط، بل من أجل ثلاثة أهداف:
- أن نثبت قدرة النص المسرحي الإغريقي على التفاعل مع محيطه الاجتماعي والسياسي والديني..
- أنّ النص المسرحي الإغريقي بالرغم من تأثره الميثيالوجيا كبنية فوقية ميتاقيزيقية غير حسية وغير عقلانية، قادر على جعل تلك البنية الفوقية تتفاعل وتتجاوب مع البنية التحتية الفيزيقية والحسية والعقلانية، كالعلاقات بين الأفراد وطبيعة النظام السياسي..
- أنّ النص المسرحي قادر على التماثل مع الروايات الأسطورية، كما هو قادر على التماثل مع سياقه الاجتماعي والتاريخي.
نعتقد أنه من الصعب انهيار النص المسرحي في أساطير الميثيالوجيا التي لها من الأحداث والشخصيات ما يكفي ليجعلها غارقة في عالم ميتافيزيقي غير حسي يتنافر مع العقلانية، فيصبح النص المسرحي غريبا عن واقعه وبعيدا عن سياقه الاجتماعي والتاريخي. إنّ الشخصيات المسرحية في نص هرقل مجنونا لصاحبه يوربيدس وفي نص أوديب ملكا لصاحبه سوفكليس هي شخصيات لها أبعاد اجتماعية منحوتة من الواقع الإغريقي وبالتحديد من البيئة السياسية والاجتماعية لمدينة طيبة، وأبعاد الشخصية الاجتماعية تتحدد بسلالات ملكية كسلالة كادموس (أهل طيبة) التي تحتكر الحكم وتعتبر أنّ حاكما غير "كادميا" يحكم طيبة هو بمثابة تشوه خلقي للمدينة وتجاوز للأعراف السياسية بها "وهناك حكاية قديمة موروثة لا تزال سائرة بين أبناء سلالة كادموس (أهل طيبة)، فحواها أنه كان يوجد فيما مضى، رجل يدعى ليكوس، زوج ديركي، كان ملكا على طيبة، مع أنه ليس كادميا أي ليس من طيبة هذه المدينة ذات السبعة أبواب.. انقض على المدينة الموبوءة بالاضطراب فقتل كريون، وبعد أن قتله حكم البلد..." من هذا الاستشهاد الأخير نلاحظ أنّ يوربيدس ينبهنا إلى فصيلة الدم التي يجب أن تتدفق في عروق جسم حاكم طيبة،ونفهم من ذلك أنّ المدن الإغريقية لا تُحكم عن طريق الإنتخاب أو عبر مقاييس القوة العسكرية أوالإقتصادية بل عبر سلالات الملوك والنبلاء. أليس في استخدام الشخصية المسرحية التراجيدية التي تنتمي إلى سلالة نبيلة زعزعة لشرعية حكم أبناء تلك السلالة؟ أليست شخصية البطل التراجيدي شخصية تقترف الأثام المحرمة دينيا في المجتمع الإغريقي، أليست هذه الشخصية المسرحية هي التي تجلب الطواعين وتفسد النموذج الأسري الطبيعي وهي المصابة بجنون يجعلها تقتل حتىّ أبنائها، ألا يمكن إذن أن تعكر صورة النبيل والحاكم الإغريقي؟
إنّ شخصيتي أوديب وهرقل في تشتركان في عدّة مسائل لعلّ من أهمهما مسألة السلطة، فالأول هو إبن الملك لايوس والثاني هو إبن الإله زوس (من خلال الرواية الأسطورية) وابن الحاكم أمفيترون. إلاّ أنّ السلطة التي تتمتع بها هاتين الشخصيتين قد تفقد درعها الأخلاقي عندما يقتل أوديب والده ويتزوج بأمه، وقد تصبح السلطة محلّ شك عندما يقوم هرقل بقتل أبنائه الثلاثة وزوجته في لحظات من الجنون. هذه الشخصيات المتأتية من الروايات الأسطورية من الطبيعي أن تتواتر على المواطن الإغريقي عبر النقل الشفوي ولكنّ خطورتها السياسية تكمن في تدوينها في النص المسرحي المهيأ للعرض الحيّ والمباشر الذي قد يجعل من ذلك المواطن/المتفرج ينتبه إلى فداحة أفعال تلك الشخصيات النبيلة القريبة من السلطة. إذ يمكن أن يكون النص المسرحي في هذه الحالة مستفزا للبنى الاجتماعية، "إنّ أساطير الأبطال ترتبط بسلالات ملكية ومن النبلاء في المدينة.. ذلك الشيء الذي اضطرت المدينة لإدانته ورفضه.." وبعد رؤية التماثل بين الشخصية والسياق الاجتماعي، هل يمكن الحديث عن تماثل بين الموضوع والسياق الاجتماعي أيضا؟
إنّ المواضيع في النص التراجيدي الإغريقي قائمة في ظاهرها على صراع بين البطل التراجيدي والآلهة، فهذه الأخيرة هي التي ترسم حياة البطل، مصيره وبرامجه عبر نبؤة ما، مثلما هو الحال مع الآلهة أبولو وأوديب، كما أنّها هي التي تحدد له علاقاته مع الآخرين فتكون الحبكة الدرامية في النص خاضعة لأهواء ومزاج الآلهة، وهذا هو الحال مع هيرا في نص هرقل مجنونا. ولكن هذه المواضيع في باطنها نجدها تخفي مواضيعا أخرى تتمثل في المسؤولية الإنسانية المتشكلة بوعي مأسوي، تتمظهر عندما تكون الأصعدة الإنسانية والإلهية متباعدة بشكل يكفي لجعلها تتعارض، وفي نفس الوقت تظهر على أنها متجانسة. والمعنى المأسوي للمسؤولية ينبثق عندما يصبح الفعل الإنساني موضع تفكير ونقاش، دون أن يكون قد اكتسب بعد استقلالية تمكنه من الاكتفاء بكليّة ذاته.
إنّ الموضوع الباطني في النص التراجيدي ينبني في المنطقة الحدودية التي تتمفصل فيها القوة الإلهية والأفعال الإنسانية، وعندما تترأى الأفعال الإنسانية لدى قارئ/ مشاهد العمل المسرحي أنّ أصحابها يجهلون ما قاموا به مثل أوديب الذي يجهل أنه قتل أباه وتزوج بأمه، ومثل هرقل الذي يجهل سبب قتله لزوجته ولأبنائه الثلاث، فبالرغم من أنّ هذه الأفعال يجهل أصحابها أسبابها، إلاّ أنهم مجبورين على تحمل مسؤوليتها،"فالأفعال الإنسانية تكشف معناها الحقيقي عندما ترتبط بنظام لا يستطيع الإنسان الإحاطة به لأنه يتجاوزه" فهذه المواضيع الباطنية في النص المسرحي المحملّة بالمسؤولية الإنسانية والوعي المأسوي مثلها مثل الشخصية المسرحية مستفزة لمحيطها الاجتماعي والسياسي وتطرح إمكانية إرسائها في سياقها الاجتماعي، وهذه الإمكانية قد تتحول إلى واقعة عندما تشعر دوائر اجتماعية وسياسية في المجتمع الإغريقي بنّ تلك المواضيع والشخصيات التي تتماثل مع سياقها الاجتماعي هي بمثابة خطر وتهديد لمصالحها وكيانها، وهذا ما نلتمسه في ردّة فعل سولون وهو يشاهد تلك الأعمال التراجيدية، "لدينا غضب سولون Solon الذي ترك ساخطا أحد أوائل العروض المسرحية التي سبقت تأسيس المسابقات التراجيدية. وحسب رواية بلوتارك Plutarque، فإنّ ثيسبس Thespis دافع عن العرض قائلا أنّ الأمر لا يتعدى كونه لعبة. لكن المشرع العجوز.. أجابه أنّ الوقت سيظهر نتائج مثل هذه الأعمال المتخيلة على العلاقات بين المواطنين.."
ولبدّا من الإشارة هنا، أنّ الممثل ثيسبس Thespisقد دافع عن تلك الأعمال التراجيدية قائلا أنّ الأمر لا يتعدى كونه لعبة، وهو بذلك يحاول إقناع رجل قانون أثيني(سولون) يعتبر من الممهدين لما تمّ تسميته لاحقا بالنظام الأثيني الديمقراطي. وردّة الفعل هذه، هي نابعة من أحد المؤسسين للقيّم الديمقراطية اليونانية، ولكن بالرغم من ذلك فقد اتسمت بالامتعاض الشديد، وهذا ما يجعلنا نتسائل عن ردود أفعال الآخرين وهم يشاهدون تلك الأعمال التراجيدية، أولئك المتزمتين والمتعصبين لجمود وثبات البنى السياسية، الدينية والثقافية.. في المجتمع الإغريقي. فها هو أحد الممهدين للنظام الأثيني الديمقراطي يستنكر هذه العروض التراجيدية الحاملة لمواضيع وشخصيات قد يكون تماثلها مع السياق الاجتماعي أمرا مزعجا ومربكا..
وبعد دراستنا للتماثل بين الجمالي (الشخصية والموضوع) والاجتماعي في النص الاغريقي، نصل إلى جملة من الاستنتاجات وهي:
نستنتج أنّ التراجيديا تمكنت من جهة، من المراوحة بين التقاليد الأسطورية والبطولية والفكر الحقوقي والسياسي في المجتمع الإغريقي، ومن جهة أخرى نجد شعراء/ كُتّاب التراجيديا قد حاولوا وضع البنية الجامدة والثابتة للميثيالوجيا في المجتمع الإغريقي موضع تسأل وبحث وهذا ما أظهره لويس جرنيه في دراسته لنص المستجيرات لصاحبه اسخيلوس، عند ابرازه أنّ الشعراء التراجيديين كانوا يستخدمون المفردات القانونية وهم يتلاعبون عمدا بقصورها وعدم دقتها، وهذا ما يخلق إمكانية إعادة المواطن/المتلقي الإغريقي النظر في تلك المفردات، ليسقطها من بنيتها الفوقية ويُعيد فهمها في بنية تحتية تتمثل في محيطها الإجتماعي.
كما نستنتج أنّ شعراء/كتّاب التراجيديا اسيخيلوس، يوربيدسوسوفكليس إلى جانب أنهم أولُّ المتمرسين في الكتابة المسرحية، فهم أيضا أول شعراء/كُتاب يصلون إلى نوع من التماثل بين نصوصهم وسياقهم الاجتماعي والتاريخيمن خلال تطويع البنية الذهنية في مجتمعاتهم التي رسموا بها مكونات نصوصهم الجمالية من ناحية ومن ناحية أخرى صقلوا بها شخصيات ومواضيع تستفز وتحاول تحريك البنى التقليدية الثابتة في مجتمعاتهم عبر:
- ضخ الفكر الحقوقي والسياسي في النص المسرحي إلى جانب الروايات الأسطورية في النص المسرحي، مثلما أشار إليه لويس جرنيه من خلال دراسته لنص مسرحية المستجيرات لصاحبه اسخيلوس.
- تناول مواضيع تراجيدية تجعل من أفعال الإنسان محل تفكير ونقاش،"فالأفعال الإنسانية تكشف معناها الحقيقي عندما ترتبط بنظام لا يستطيع الإنسان الإحاطة به لأنه يتجاوزه"
- البحث عن تماثل للشخصية الأسطورية مع أفراد وجماعات في المجتمع الإغريقي، مثلما هو الحال مع الشرعية العرقية لحكم مدينة طيبة (سلالة كادموس) التي تنطبق مع شخصية هرقل وتتنافى مع شخصية ليكوس في نص مسرحية هرقل مجنونا.
ومن مقاربة لويس جرنيه في النص المسرحي التي تبحث عن تماثل النص المسرحي مع سياقه الاجتماعي من ناحية حقوقية سياسية، نستنتج أنّ الشعراء التراجيديين كانوا طلائعيين عبر مزجهم للجانب الجمالي بالجانب الاجتماعي. وبأنهم سعوا لتشييد علاقة جديدة مع التقاليد الخرافية، ليست كتلك العلاقة التقليدية التي تجمع المواطن الإغريقي الميثيالوجيا، فتصبح التراجيديا من تلك اللحظة متراخية، بحيث لم تعد هناك أية ضرورة للجدل مع الماضي البطولي، وهذا ما يؤكداه جان بيار فرنان وناكييه بيار فيدال في كتابهما الأسطورة والتراجيديا في اليونان القديمة بقولهما "إنّ رجل المسرح يستطيع تماما أن يتابع كتابة مسرحياته، وأن يخترع بنفسه مجرى حوادثها حسب نموذج يعتقده متناسبا مع أعمال الذين سبقوه، بالنسبة له، وبالنسبة للجمهور، وبالنسبة للثقافة اليونانية ككل، كان النابض التراجيدي قد انكسر."
إنّ التدقيق في التفاعل بين النص المسرحي ومحيطه الاجتماعي والسياسي، حاولنا عبره إبراز التماثل بين النص وسياقه الاجتماعي الذيمن شأنه أن يكشف عن مدى تفاعل النص الإغريقي مع البنى الذهنية للمواطنين الإغريق . فهل يمكننا التحدث عن نص يُكتب في المدينة من أجل المدينة؟

ج- ما بعد الآلهة..
إنّ الصراع بين الفكر الحقوقي السياسي والتقاليد الأسطورية والبطولية الذي عَملَ على تجييشه الشاعران اسخيلوس وسوفكليس في نصوصهما بطريقة غير مباشرة،نجد في عملية البحث بأنّ الشاعر والفيلسوف الديني اكسينوفانيس Xeophanesقد هاجم "هوميروس وهزيود لأنهما يعزوان إلى الآلهة كل الأشياء التي تصم الإنسان بالخزي والتقريع: كالللصوصية والزنا والخداع" وهذا الهجوم أيضا نجده عند الفيلسوف هيراكليتوسHeraclitus الذي يعتبره أفلاطون في جمهوريته بـ "المعركة القديمة بين الشعر والفلسفة" فنجد حينها تبريرا لأولئك الكُتاب/الشعراء الإغريق الذين يعتمدون على أدوات كتابة وفيّة للشعر كالخيال والمعطيات الغير حسية.. "ولا شك أن هذا الاهتمام بتأثير الشعر، إنمّا هو أمر مشروع –بل ومحتوم- في المجتمع الأثيني، الذي كان يُعدُ فيه الشعر قوة فعاّلة، مؤثرة في الأخلاق والتربية.." نجد هذا التفسير مقنعا إلى حدّ ما لأنّ المناخ الثقافي اليوناني في تلك الفترة يحتلّ فيه الشعر مرتبة هامة في البنية الثقافية الإغريقية، وخاصة تأثر وتأثير الشعر في الأخلاق والدين والتربية والفن في أثينا، ولكن الفلسفة اعترضته وسألته عن تفسيرات أكثر إقناع وأكثر عقلانية للإنسان وللعالم.. إننا ننطلق من مهاجمة الشاعر والفيلسوف الديني اكسينوفانيس لهوميروس وهزيود اللذين جعلا من نصوصهما أرضية خصبة لشخصيات وصراعات ومواضيع ميتافيزقية تكون فيهما الآلهة هي تقريا المسيطرة والمتحكمة في مكونات النص كأنها العرائسي الذي يحرك خيوط الحبكة الدرامية بأهوائه، برغباته وبمشاريعه.. ومن هنا، نتساءل عن ردّة فعل المتفرج/القارئ الإغريقي وهو يتطلع لتلك الأعمال، فلنا أن نتساءل حينها عن كيفية تقبله لموضوع السلطة إثر مشاهدته/ قراءته لتلك الأعمال الفنية؟
إنّ الروايات الأسطورية التي تنبثق من البنية الذهنية الإغريقية والتي سجلت حضورالأولمبيين الإثنا عشر ، يمكن أن تحتوى على آلهة ما من الأولمبيين تقوم بإهداء السلطة إلى أحد الأبطال التراجيدين عبر نبؤة ما، مثلما هو الحال مع شخصية أوديب في نص مسرحية أوديب ملكا، أو أن يكون موضوع السلطة مرتبط بالجينية والعرقية مثلما هو الأمر مع شخصية هرقل ابن الآلهة زوس وابن البشرية ألكميني سليلة كادموس السلالة الحاكمة في مدينة طيبة الإغريقية، ومن الضفة الأخرى قد نجد الآلهة تسعى جاهدة لإبعاد السلطة عن البطل التراجيدي مثل هيرا آلهة الزواج (وهي زوجة زيوس) التي تؤكد الأسطورة بأنها تكنّ الحقد لهرقل "هرقل هو بطل إغريقي من العصور القديمة نال شهرة كبيرة وهو ابن زيوس.. وقد دأبت هيرا على عداء أبناء زيوس من زوجاته الأخريات ولكن عداوتها لهرقل فاقت كل حد، إذ كانت معروفة بالقسوة الفائقة، وقد رتبت الأمور قبل مولد هرقل لكي تمنعه من حكم المملكة، وبينما هو في مهده أرسلت ثعبانين ليخنقاه ولكن والد هرقل كان قويا جدا، قوة خارقة، فما كان منه إلا أن أمسكهما في يديه وخنقهما." فهل يمكن فهم موضوع السلطة من خلال النصوص الإغريقية التراجيدية في إطاره الاجتماعي التاريخي.؟ هل يمكننا أن ننظر لموضوع السلطة في النص الإغريقي لا من تلك الزاوية التي جعلا منها هوميروس وهزيود زاوية تحوم فيها المواضيع والمسائل في عالم ميتافيزيقي غير حسي وبعيد عن العقلانية؟ هل يمكن إيجاد زاوية أخرى، ننظر من خلالها لموضوع السلطة ونجد من خلالها تفسيرا حسيّا عقلانيا يؤيد ما ذهب إليه اكسينوفانيس؟



II-السلطة في النص التراجيدي
1- جينات السلطة في نص هرقل مجنونا ليوربيدس
إلى جانب الاختلاف الاجتماعي الطبقي يمكن أن يكون الحاكم مختلفا جينيّا عن البطل الإغريقي نصف الآلهة فلا ينتمي إلى سلالته كما هو الحال مع شخصية ليكوس في مسرحية هرقل مجنونا عندما يذكر كاتب النص يوربيدس على لسان شخصية أمفيترون في استهلال النص المسرحي أنّ ليكوس لا ينتمي إلى سلالة كادموس (أهل طيبة) إلاّ أنه ينصّب نفسه ملكا عليها بعد أن قتل كريون، فيكون "فعل الحُكم" عند ليكوس حينها غير مقبول لأنه ليس كادميا، فيُدنس الفعل دينيا وينحل أخلاقيا ويُجرم اجتماعيا.. قد تكون عملية التداول على السلطة في المجتمع الإغريقي قائمة على الانتماء العرقي، أي أن تكون حاكما عند الإغريق يستدعي ذلك إثبات انتمائك إلى سلالة محددة، وهذا ما نستنطقه من خلال شخصية ليكوس في مسرحية هرقل مجنونا عندما تقول شخصية أمفيترون في استهلال النص المسرحي "وهناك حكاية قديمة موروثة لا تزال سائرة بين أبناء سلالة كادموس (أهل طيبة)، فحواها أنه كان يوجد فيما مضى، رجل يدعى ليكوس، زوج ديركي، كان ملكا على طيبة، مع أنه ليس كادميا أي ليس من طيبة هذه المدينة ذات السبعة أبواب.. انقض على المدينة الموبوءة بالاضطراب فقتل كريون، وبعد أن قتله حكم البلد.. وبينما لا يزال ابني في أعماق الأرض السحيقة يتعطش ليكوس الحاكم الجديد على هذا البلد، إلى أن يقتل أبناء هرقل ، وكذا زوجته، لكي يمحو القتل بالقتل." فشخصية لاكوسهي حاكم طاغي في طيبة يزهق الأرواح وينكلّ بالعديد من خصومه (قتله لكريون والد ميجارا زوجة هرقل) وهو في نفس الوقت يمثل تهديدا للبطل الإغريقي وعائلته، ويمكن أن نجد ما يشكك في شرعية حكمه من عدة نواحي:
- من ناحية أخلاقية: شخصية لاكوس المتعجرفة والمتعطشة للدماء، والتي تستغل غياب هرقل عن مدينة طيبة لتهدد عائلته "لقد اكتشف هيراكليس بعد إنجازه الأعمال الخارقة وعودته إلى دياره، وقوع زوجته وأولاده في قبضة الغاصب ليكوس Lycos الذي يستعد للتضحية بهم."
- من ناحية دينية: شخصية لاكوس ليست بنصف آلهة فلا تتمتع بخصائص وخصال شخصية البطل الإغريقي فهي شخصية من جنس البشر.
إلى جانب الناحيتين الأخلاقية والدينية نجد أنّ الناحية العرقية الجينية قد لعبت دورا مهما في التشكيك في حكم لاكوس باعتباره ليس كادميا، أي أنه ليس سليل كادموس سلالة أهل طيبة، وهذا ما يجعل من حكمه على طيبة يفتقد إلى شرعية عرقية،فيكون حكمه محلّ تشكيك وفيه من اللّبس ما يجعل من المجتمع الإغريقي يستنكر سلطته، لأنه مجتمع حريص على تحديد نسل الحكم، ويبدو لنا ذلك جليّا في نص هرقل مجنونا عندما تخاطب الجوقة (مجموعة من شيوخ طيبة) شخصية لاكوس
"الجوقة: ..هيا ارفعوا عصيّكم التي تتكئون عليها بيمناكم، وبها أسيلوا الدم من رأس هذا الرجل الدنس، الذي، رغم عدم كونه كادميا بل جاء وافدا مهاجرا من خارج البلاد، (هل نتركه) ليحكم البلاد وهو أسوأ الرجال ويتحكم في شاب طيبة أحرار المولد؟ (إلى ليكوس) .. إلى هناك عُدمن حيث أتيت.." يتكرر التنديد بشرعية حكم لاكوس من عدة شخصيات في النص المسرحي، فبعد شخصية أمفيترون وشخصيات الجوقة (شيوخ مدينة طيبة) نجد شخصية ميجارا زوجة هرقل تشكك في حكم لاكوس عرقيا، فتقول "يجب الحذر والحيطة من عدو أحمق وغد، أمّا إذا كان عدوّك رجلا شريفا من بيت كريم فاخضع له، إذ أن خضوعك قد يلين قلبه.. فلنواجه الموت معا، إنه الأجل المحتوم في كل حال. لنستجمع الدم النبيل في عروقنا.." كما نجد أيضا ميجارا تُمجد سلالة بيرسيوس التي ينتسب إليها زوجها هرقل، هذه السلالة التي انتزع منها لاكوس السلطة ليكون بمثابة الأفاقي المتدخل على عرش الحكم، فتقول متهكمة عليه ومتحسرة على فقدان تلك السلالة النبيلة عرش الحكم "أي فراش الزوجية، يامن جمعت بين واحد من سلالة البشر وزيوس الذي من أجل حب سيدة من نسل بيرسيوس نزل إلى الأرض." .
من خلال نص هرقل مجنونا ليوربيدس، نفهم أنّ السلطة في المجتمع الإغريقي تخضع إلى حكم تتوارثه السلالات، سلالات محددة مثل كادموس سلالة أهل طيبة، فهل يمكن أن نجد تفسيرا تاريخيا قانونيا لذلك؟
2- شروط التمتع بالسلطة والمواطنة في اليونان القديمة
لقد التمسنا في عنصر سابق إرادة الشعراء/ الكُتاب التراجيديين في خلق توازن بين الفكر السياسي الاجتماعي والروايات الأسطورية في النص المسرحي، ولعلّ من أبرز أولئك الكُتاب هو يوربيدس كاتب نص هرقل مجنونا، هذا النص الذي كان صاحبه من الطلائعيين الذين لم ينقلوا تعاليم الأسطورة التقليدية كما هي، بل طوعوها في نصوصهم بعد بحث ومراجعة. نعتمد هذه الخصائص الأخيرة كمقياس في اختيار نص مسرحية هرقل مجنونا نصا تحليليا ندرس عبره مسألة السلطة في المجتمع الإغريقي وتحديدا في مدينة طيبة التي تعتبر الإطار المكاني الذي تدور فيه أحداث المسرحية.
إنّ السلطة مثل العديد من المسائل الأخرى في النص التراجيدي عائدة لدوائر محددة هي التي تملى على الفاعل (البطل التراجيدي) أفعالا يجهلها.. وتتمثل هذه الدوائر في الآلهة الإغريقية المتعددة والمتنوعة، فهل يمكن أن نسلط الضوء على هذا الموضوع في سياقه الاجتماعي والتاريخي المتمثل في اليونان في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد.
إننا نجد أنفسنا أمام سلطة لها مقاييس محددة تحدد صفة السلطان، فتكون هذه المقاييس بمثابة شروط يتوجب توفرها عند حاكم المدينة الإغريقية، فما هي هذه الشروط، وما مدى تجاوبها مع السياق الاجتماعي والتاريخي؟
لقد كان المجتمع الإغريقي من البيئات الاجتماعية التي مهدت لظهور النظام الديمقراطي، ولعلّ من الظروف المساعدة لظهور هذا النظام هو وجود مفهوم المواطنة الذي نجده اليوم من المقومات الأساسية لتشكل المجتمعات الديمقراطية. لقد كان المواطن الإغريقي هو الفاعل السياسي الذي يمارس النشاط السياسي الذي ينظم العلاقات بين الأفراد ويسيّر مجالات الحياة في المجتمع، إلاّ أنّ هذا الفاعل يتطلب منه مجموعة من الشروط التي تسمح له بالقيام بفعله لأنّ ليس كل من يُطلق عليه صفة مواطن هو مواطن، وليس كل مواطن فاعل سياسي ! إذن من هو هذا المواطن القادر على ممارسة النشاط السياسي في بلاد اليونان في القرنين السادس والخامس قبل ميلاد المسيح؟
يضع أرسطو في كتابه السياسة مجالا يفسر فيه مفهوم المواطنة ويربطه بالسلطة في القسم الثالث من كتابه بعنوان الدولة والمواطن- نظرية الحوكمة والسيادة- في الملوكية، في هذا القسم يتناول أرسطو الشروط الأساسية للمواطنة ويحدد الخصائص والميزات التي يجب أن يتمتع بها الشخص/المواطن حتى يتسنى له المشاركة في الحياة السياسية.
ليبيّن أرسطو وزن وقيمة المواطن في الحياة الاجتماعية والسياسية في اليونان يؤكد على أنّ الدولة "كمجموع آخر تام ومؤلف من أجزاء كثيرة، ليست إلاّ اجتماع عناصر، فينبغي بالبداهة أن يتساءل بادئ الأمر ما هو المواطن مادام المواطنون العناصر ذاتها للدولة."
إنّ تقديم المواطن كعنصر محوري وأساسي لقيام الدولة لا يعني أنّ كلّ من يطلق عليه صفة المواطن قادر على النشاط السياسي والقانوني في اليونان، لأنه يتوجب عليه أن يُثبت مجموعة من الشروط التي تخول له أن يثبت صفته الاجتماعية، فما هي هذه الشروط؟
نجد في كتاب السياسة لأرسطو مجموعة من الشروط التي يجب توفرها على شخص ما، لنطلق عليه فيما بعد صفة المواطن، ونجد أرسطو ينوه هنا بأنّ هذه الشروط قد تختلف عبر اختلاف الدساتير التي تنظم الحياة السياسية والاجتماعية في اليونان القديمة وعبرها يمكن أن تستلهم المدن الإغريقية الأنظمة السياسية والتشريعات القانونية التي تظم الحياة المدنية. سنقوم باستخراج أهم الشروط الأساسية التي تخول للإنسان الإغريقي أن يصبح مواطنا، وهي:
- السلالة: يتوجب على كل من يريد إثبات صفة مواطنته أن يبيّن جذور المواطنة في سلالته إذ لا يكفي أن يبيّن الفرد مواطنته في الحاضر، لأنّ الجانب التاريخي يلعب دورا مهما في إثبات شرعية –إن صحّ التعبير- مواطنته "المواطن هو الفرد المولود لأب مواطن ولأم مواطنة، وأحد هذين الشرطين لا يكفي، قد يذهب بعضهم بالتحرج إلى أبعد من ذلك فيشترط أبوين أو ثلاثة بل أكثر من ذلك. غير أنه من هذا التعريف الذي يظن به أنه بسيط بقدر ما هو جمهوري تنشأ صعوبة أخرى، وهي أن يعلم هل كان الجدّ الثالث أو الرابع مواطنا؟" لقد تمّ وضع هذا الشرط التاريخي ليثبت الفرد جدارته بالتمتع بالمواطنة، لأنّه في ما مضى كانت تندلع ثورات في المدن الإغريقية من شأنها أن تغيّر البنى الاجتماعية وأن تؤثر في الجانب الديمغرافي للمدينة بقتل أفراد وظهور أفراد جدد و بإنهاء حكم سلالة وبزوغ سلالة حاكمة جديدة.. هذا ما عرجّ عليه أرسطو وهو يستشهد بمثال تاريخي يتمثل في ثورة قادها كلستين في أثينا "وقد يكون مشكوكا فيه على وجه أقوم حق أولئك الذين لم يصيروا مواطنين إلا على أثر ثورة كما فعل كلستين بعد طرد الطغاة من أثينا إذ أدخل في القبائل زمرا من الأجانب والعبيد المقيمين.." إنّ الاحتراز الشديد الذي تتخذه الطبقة السياسية المشرعة للقوانين في اليونان في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد من أولئك العبيد والأجانب الذين يعتبروهم متطفلين على المدينة، إذ بإمكانهم أن يتحولوا إلى مواطنين لهم حقوق وواجبات ويصبحون متساوون مع بقية المواطنين في المدينة إثر ثورة ما أو حرب.. هذا الاحتراز يكشف عن وعي ارستقراطي يتشكل من حيوية المصالح الاقتصادية والسياسية للطبقة الارستقراطية الحاكمة التي تسعى جاهدة للحفاظ على هذه المصالح فتجتهد للحفاظ على التقسيم الطبقي في مجتمعاتهم، فمن جهة تجعل العبيد في مسافة كبيرة عن المواطنة لكي ينشغلوا بالمهمات الاقتصادية والاجتماعية الموكولة لهم في العمل الزراعي وطاعة الطبقة الارستقراطية، ومن جهة أخرى تجعل من الأجانب في مسافة أيضا مع المواطنة، فقد يقيموا إقامة مؤقتة أو دائمة، إلاّ أنهم لا يمكن أن يشتركوا مع مؤسسي المدينة وأبنائهم في المواطنة. ألا يذكرنا هذا الأمر بشخصية لاكوس في نص مسرحية هرقل مجنونا، هذه الشخصية التي اتفق جميع الشخصيات في لا شرعية حكمها لمدينة طيبة لأنها لا تنتمي إلى سلالة كادموس (أهل طيبة). نعتقد أنّ هذه الشخصية التي نصّبت نفسها حاكما على طيبة تذكرنا بشخصية كلستين الذيأدخل في أثينا زمرا من الأجانب والعبيد..
إننا نجد لاكوس الشخصية المسرحية وشخصية كلستين في التاريخ اليوناني يشتركان في عملية انتزاع الحكم عبر إشراك:
- طبقات اجتماعية كانت وظيفتها الاجتماعية محدودة في وظائف معينة ونقصد بها العبيد الذين كان فعلهم الاجتماعي مقتصرا على خدمة الطبقة الارستقراطية.
- الأجانب الذين لا يمكن أن يتمتعوا بالمواطنة لأنهم لا يستطيعون إثبات جذور المواطنة في سلالتهم الغريبة عن المدينة اليونانية.
وهذه التركيبات الاجتماعية (العبيد والأجانب) التي تشارك في الحياة السياسية اليونانية قسرا بزعامة لاكوس في النص المسرحي وكلستين في التاريخ اليوناني، نجدها تتجاوز الحدود الحمراء في المجتمع اليوناني الذي جعل من الجينات العرقية معيارا للمواطنة والسلطة.
3- جينات السلطة في نص مسرحية أنتيغون لسوفكليس
يمكن أن يتضح لنا موضوع السلطة في نص أنتيغون من خلال التأمل في خرافة النص ، إذ يمكن بعد التأمل فيها أن ندقق في مسألة السلطة العرقية في مستويان:
- السلطة في نص مسرحية أنتيغون.
- السلطة بين نص مسرحية أنتيغون والنصوص المسرحية الشكسبيرية.
• السلطة في نص مسرحية أنتيغون:
تبسط خرافة نص أنتيغون عدة أقطاب تتدافع من أجل السلطة، ولعل من أبرزها بيولينيكس وايتوكليس أبناء أوديب اللذين ينتميان إلى سلالة لابداسيد Labdacides، واللذين اكتسبا شرعية دموية للحكم ورثاها من والدهما أوديب وجديهما لايوس ولابدوس. هذان الأخوان تسلمّا الحكم من عند والدهما أوديب دون أن يبينان له أيّ قلق على مصيره تجاه المصائب التي لحقت به. لقد اتفقا على تسلم مقاليد الحكم وفق اتفاق يقتضي أن يقوما بتبديل عرش الحكم كل سنة من أجل التداول على السلطة سلميّا، إلاّ أنّ ايتيوكليس الذي كانت له السنة الأولى من الحكم يرفض التنحي، ممّا يجعل الحرب من أجل السلطة تندلع بين الأخوين بمهاجمة بولينيكس طيبة مع مؤيديه. فهل يمكن أن نكتفي بقراءة هذه الأحداث على أنها مجرد أحداث درامية أم أنها تتجاوز أوراق الكتاب التي دُونت فيه لتلامس سياق اجتماعي وتاريخي بتجلياته السياسية والأخلاقية والثقافية..؟ سنحاول الإجابة عن هذا السؤال وفق نظرة شمولية لمسألة السلطة استنادا: للنص المسرحي، الميثيالوجيا كركيزة أساسية للبنية الذهنية للمجتمع الإغريقي (والسياق الاجتماعي والتاريخي الذي كتب فيه نص أنتيغون بالعودة إلى كتابات بعض المؤرخين والمختصين في الأسطورة اليونانية مثل جان بيار فرنان وبيار فيدال ناكييه.
يمكن أن ننظر لمسألة السلطة في نص أنتيغون من خلال الشجرة العائلية التي تنطلق منها جذور الحكم (مؤسس الحكم) وتتفرع منها الأغصان والفروع متمثلة في الأجيال التي توارثت السلطة، إننا أمام السلطة المبنية على دم نقي يحافظ على نقاء السلطة عبر نقاء الدم، وهذا من أهم المقاييس المتبعة للوصول للحكم في اليونان القديمة قبل ظهور ما يسمى بالديمقراطية الأثينية، وقبل ظهور الفكر الحقوقي السياسي الذي قاده مشرعون ورجال قانون مثل سولون أسسوا لمبادئ تنظم العلاقات السياسية والقانونية بين المواطنين.
إن نص أنتيغون هو آخر نص في ثلاثية سوفكليس المسرحية التي تنطلق بأوديب ملك ثم أوديب في كولونا. وفي هذه النصوص التراجيدية تشترك عدة شخصيات تراجيدية تمتعت بالسلطة بفصيلة دم مشتركة تسيل في سلالة لابداسيد التي عرفت فيها أجيال لعنة أصابت كل فرد منهم عند وصوله سدّة الحكم. هذه السلالة التي حكمت طيبة عرفت مصائب لاحقت أجيالها، انطلاقا من لايوس ابن لابدوس الذي هلع بنبؤة تقول بأنه سيلقى مصرعه على يد ابن من صلبه، يحاول لايوس أن يبطل هذه النبؤة إلاّ أنه لا ينجح في ذلك لأن ابنه أوديب يقتله في مفترق ثلاثة طرق. يصل أوديب إلى حكم طيبة بعد أن بارك المواطنين ذلك بتخليصهم من الوحش سفنكس، إلاّ أنه يستقيل عن حكم المدينة بعد اكتشافه لجرائمه التي ارتكبها بقتل أبيه وزواجه من أمه. ويسلم الحكم لولديه بيولينيكس وايتوكليس، اللذين يحاولان إيجاد اتفاق سلمي للتداول على السلطة يقتضي بتسلم كل فرد منهما سدّة الحكم لمدة سنة ثم يسلمها لأخيه. هذا الصراع السياسي على السلطة بين الأخوين هو بالأساسي صراع درامي يؤثر في الحبكة الدرامية للنص ويؤثر فعلا في بقية الأحداث المنتظرة التي سيجعل من أنتيغون تتحدى قرارات كريون ويساندها في ذلك ابنه هايمون خطيب أنتيغون، ويكون مصيرهم جميعا الموت (انظر خرافة نص أنتيغون)
• السلطة بين نص مسرحية أنتيغون والنصوص المسرحية الشكسبيرية.
السلطة في نص أنتيغون هي محور اهتمام أفراد لهم نفس القرابة الدموية، إلاّ أنهم يتصارعون فيما بينهم لنيلها، تنبثق هذه السلطة في النص المسرحي من الراويات الأسطورية الإغريقية المتناقلة التي استفحلت في ألسنة المواطنين الإغريق (ناقلي الروايات ) وتراكمت في أذنهم (متقبلي الروايات ). سيتضح لنا موضوع السلطة المستوحى من الرواية الأسطورية في النص المسرحي أنتيغون كموضوع تتوارثه الأجيال من خلال رؤيته في هذا النص وفي تجارب مسرحية أخرى. هذه الرؤية لن تكون في شكل مقارنة، بل محاولة في فهم موضوع السلطة في النص المسرحي المستوحى من سلّة الميثيالوجيا، المختلف نصوص أخرى تستوحي مواضيع السلطة من سلّة الواقع أو التاريخ.. ولإنجاح هذه الرؤية سنقوم بإطلالة على هذا الموضوع في نصوص درامية أخرى مختلفة عن النص التراجيدي الإغريقي، ومغايرة للسياق الاجتماعي والتاريخي المتمثل في اليونان في القرن السادس والخامس قبل الميلاد. وهذه الرؤية من شأنها مساعدتنا على:
- التعرف على تأثير الرواية الأسطورية في مواضيع النص المسرحي التي لها علاقة بالجوانب الحياتية -كالسلطة- للإنسان الإغريقي.
- التأكيد على أنّ جينات السلطة في النص المسرحي لا تتشكل عبر تراكم مادي تاريخي مبني على أفعال إنسانية حسيّة، بل عبر نبوءة أو لعنة تصدرها الآلهة على أجيال تتوارث تلك السلطة.
إنّ موضوع السلطة هو من المواضيع المتواترة في النصوص المسرحية، الذي يمكن أن يؤثر في المكونات الجمالية للنص، فمن شأنه أن يخلق في النص صراعا دراميا سياسيا بين الشخصيات المسرحية تحرص كل منها على تحقيق مشروعها ألا وهو الوصول للسلطة. وللوصول إليها تبحث الشخصية المسرحية عن تبريرات وحجج تفسر شرعيتها السلطوية كالقوة العسكرية أو مساندة المؤسسة الدينية لها أو عبر مقياس سياسية تقوم على رأي الأغلبية أو على الشرعية الجينية المتمثلة في توارث الحكم. إلاّ أن هذه التبريرات والحجج التي تستند إليها الشخصيات المسرحية في مشاريعها لشرعنة سلطتها قد تواجه مشاريع أخرى من قبل شخصيات تسعى أيضا للوصول إلى سدّة الحكم، ممّا يخلق تصادما بين المشاريع ومن ثم صراعا دراميا بمثابة الإعصار الذي ينتزع كل ما يمرّ بجانبه من أفعال وردود أفعال وأحداث.. إنّ صراع ايتوكليس مع أخيه في النص المسرحي لئن تشابه بالصراعات الدرامية التي تغلب عليها النزعة السياسية مثل تلك النصوص التي ستكتب لاحقا في محطة تاريخية مسرحية هامة وهي المسرح الإليزابيثي. يمكن أن نجد العامل السياسي لصراع ايتوكليس مع أخيه بيولينيكس حاضرا في نصوص وليام شكسبير، كالصراع بين ريتشارد الثالث وهنري السابع في مسرحية ريتشارد الثالث. كما يمكن أن نجد هذا العامل السياسي في الصراع على السلطة بين أفراد لهم نفس القرابة الدموية التي تجمع ايتوكليس وأخيه بيولينيكس في الصراع القائم بين هملت أمير الدانمارك وعمه كلوديوس في مسرحية هملت. إلاّ أنّ الصراعات الدرامية السياسية في نصوص شكسبير المستمدة من خياله ومن السياقات الموجودة في انجلترا و الدانمارك.. ليست كتلك الصراعات الدرامية الموجودة في النصوص الدرامية التراجيدية الإغريقية، لأنّ هذه الأخيرة تستمد مكوناتها الجمالية بما فيها الصراعات من سلّة الميثيالوجيا، والتي من خلالها نجد قوى غيبية تتدخل في أفعال المتنازعين على السلطة حتّى لو كانوا ينتمون إلى نفس السلالة. فما هي الخاصية التي تميز الصراع الدرامي السياسي في نظام السلطة العرقية في نص أنتيغون عن الصراع الموجود في النصوص المسرحية الأخرى والتي تسجل فيها جينات السلطة حضورها (وهنا نضع الصراع في النص الشكسبيري مثالا للمقارنة)؟
إنّ الصراعات الدرامية على السلطة في النصوص الشكسبيرية هي صراعات تتحرك بأيادي بشرية أي عبر فعل إنساني خالص متأتي من سلوك، عاطفة وإدراك.. الشخصية المسرحية. يمكن عبر الفعل الإنساني أن نفهم سيكولوجيا الرغبة الجامحة للوصول إلى الحكم والإنفراد به مثلما هو الحال مع شخصية ريتشارد الثالث في نص ريتشارد الثالث أو أن نفهم إصرار هملت على الانتقام من عمه الذي قتل والده والذي افتك منه السلطة في نص هملت. وإلى جانب قابلية فهم هذه الصراعات فهما علميا لا يتجاوز العقلانية والمنطق، يمكن أن نفهم أيضا توارث السلطة في تلك النصوص أو في نصوص أخرى شكسبيرية بأنها تخضع أيضا إلى أفعال إنسانية، أي أنّ الفعل الإنساني هو الذي يجعل السلطة الجينية تمتد أو تنقطع، ونجد مثالا على ذلك في مسرحية ريتشارد الثالث شخصية ريتشارد الثالث التي تسعى إلى جعل سلالة يورك تحافظ على استمرارية الحكم في انجلترا وأن تنتصر الوردة البيضاء على الوردة الحمراء حتّى لو تطلب من ريتشارد الثالث تحديد طريقة خاصة في توارث الحكم لسلالته عبر مقاييس هو الذي يخلقها. فالمهم في ذلك هو أن تحتكر سلالة يورك السلطة في انجلترا وتنتصر في حرب الوردتين . إن هذه الأفعال الإنسانية التي تؤسس في النص المسرحي صراعا دراميا سياسيا على السلطة والتي تصنع جسرا يربط بين الأجيال المتداولة على الحكم يمكن أن نجد لها مظلة سياسية واجتماعية وتاريخية يلتجأ لها وليام شكسبير لتغطي له نصوصه. ولكن النص التراجيدي الإغريقي يكمن أن نجد فيه هذه المظلات متخفية في تحت أسطر النص Sous Texte، لأنّ المظلة الكبرى الظاهرة في نص تراجيدي كنص أنتيغون هي مظلة الميثيالوجيا التي تحمي المكونات الجمالية للنص بما فيها الموضوع والصراع.
إنّ موضوع السلطة في نص أنتيغون لئن نلتمس فيه تلك الأفعال الإنسانية الصادرة من ايتوكليس وبيولينيكس، أفعال تتحرك في النص لنيل السلطة، للإنفراد بها ولاحتكارها.. إلاّ أنّ الشخصيتين المسرحيتين في النص التراجيدي يحتكمان إلى المسؤولية المأسوية التي تجعل منهما يتحملان أفعال حُضرت مسبقا في أحكام ونبؤات الآلهة "فالأفعال الإنسانية تكشف معناها الحقيقي عندما ترتبط بنظام لا يستطيع الإنسان الإحاطة به لأنه يتجاوزه" إنها أفعال متأتية من نبوءة الآلهة التي تعتبر المحرك الأساسي للأحداث الدرامية انطلاقا من الاستهلال ( البرولوج Prologue) وصولا إلى خاتمة النص (أكسيدوس Exidos).
إنّ الآلهة في ثلاثية سوفكليس: أوديب ملك، أوديب في كولونا وأنتيغون، إلى جانب دورها الدرامي، نجدها تلعب دورا مهما في البنية الذهنية الإغريقية التي تتخذ من الروايات الأسطورية ركنا أساسيا فيها.. فهذه الآلهة قد تجعل من موضوع السلطة موضوعا غير حسيا وغير عقلانيا مثل الأفعال التي ترسمها ومثل المواضيع المتواترة في النص التراجيدي الإغريقي.. فهل يمكن أن نفهم موضوع السلطة في سياقه الاجتماعي والتاريخي فهما عقلانيا عبر إسقاطه من البنية الفوقية الميتافيزيقية التي يسبح فيها إلى بنية تحتية فيزيقية حسية؟
4- موضوع السلطة بين السياق الاجتماعي والتاريخي والنص المسرحي
إنّ الصراع حول السلطة عن طريق العنف المادي ربما يكشف فراغ الساحة السياسية اليونانية من أنظمة سياسية وتشريعات قانونية تنظم مسألة التداول على السلطة وتنظم العلاقة السياسية بين الأفراد الراغبين في الحكم (الحُكام ) وبقية المواطنين (المحكومين) في ذلك السياق التاريخي الذي كتب فيه سوفكليس نص أنتيغون. ننطلق من هذه الفرضية بعد أن اطلعنا على سخط سولون المشرّع وأحد وجهاء المجتمع اليونانيوهو يشاهد أحد أوائل العروض المسرحية الأعمال التراجيدية، ونعتقد أنّ هذا السخط ليس من وحدة Unité العرض المسرحي بل من غاياته Finalités التي يمكن في انطلاقها من الموضوع والشخصية المسرحية أن تستفز الواقع السياسي والاجتماعي والديني الإغريقي.
إنّ موافقة كريون على نفي أوديب من طيبة بعد أن تم اكتشاف الدنس الذي قام به في مسرحية أوديب الملك، ورفض كريون دفن بيولينيكس في مسرحية أنتيغون، هي مواقف يتخذها كريون لإبعاد شخص علا شأنه في محيطه. وهذا الإبعاد نجده في السياقان الأخيران ماديا بأن يتم نفي أوديب عن طيبة بعد خلعه من عرشه، كما نجده إبعادا معنويا برفض كريون دفن بيولينيكس وبذلك تتم عملية إهانته واستئصال شأنه من ذاكرة مؤيديه. وهذه المواقف القائمة على الإبعاد التي يتخذها كريون في النصين المسرحيين تذكرنا بعملية الأوستراسيسم Ostracismeفي المجتمع اليوناني،"ففي إطار المدينة الإغريقية.. تمّ تأسيس الأوستراسيسم الأثيني في نهاية القرن السادس.. الذي كان يرمي إلى تنحية المواطن الذي ارتفع عاليا في المجتمع حتى صار يُخشى أن يصل درجة الطغيان."
هذه العملية الاجتماعية السياسية ينتهجها المجتمع اليوناني على الأشخاص الذين بلغت أهميتهم ومكانتهم الاجتماعية درجة تجعل من دوائر معينة تشعر بتهديد لمصالحها ونفوذها، ربما هي طبقة اجتماعية ما أو المقربون للسلطة أو مجلس الشيوخ الذي يسنّ التشريعات والقوانين.. ربما هذه الدوائر هي التي ساهمت في تأسيس الأوستراسيسم خشية من الأفراد الذين يشهدون شعبية أو دعما من جماعة ما تساندهم وتؤيدهم في رؤيتهم ومواقفهم التي من الممكن أن تحولهم إلى ظواهر اجتماعية قادرة على خلق نموذج اقتصادي، سياسي واجتماعي.. هذا ما يمكن أن يربك ويهدد المصالح الحيوية لتلك الدوائر التي أسرعت في إيجاد عملية مقننة لإبعادهم والتخلص منهم ومن محاولاتهم في تغيير بعض البنى التي تحرص تلك الدوائر على الحفاظ على ركودها وجمادها. إنّ عظمة أوديب أو ابنه بيولينيكس في نصيّ أوديب الملك وأنتيغون تتمثل في تمكنهما من السلطة في مدينة طيبة، الأول عن طريقة بطولية بتخليص المدينة من الوحش سفنكس، والثاني عن طريقة طريفة في الوصول للسلطة تتمثل في تبادل الحكم مع أخيه كلّ سنة. هذه الطرق البطولية والطريفة والتي لاقت ترحابا من الشعب (سكان طيبة) يمكن أن تجعلهما يكتسبان شرعية لسلطتهم ودعما شعبيا .. إلاّ أنّ عظمتهما يمكن أن تصل إلى خطوط حمراء تجعلهما يصلان إلى درجة الطغيان، فالأولّ قد أصبح يمثل السبب المباشر في حلول الطاعون بمدينة طيبة الذي لن يحلّ عن المدينة إلاّ إذا تمّ كشف قاتل الملك لايوس.. أمّا الثاني فقد شنّ الحرب على أخيه ايتوكليس بغية استرجاع الحكم، وهذا ما يجعل من هاتين الشخصيتين تصلا بهما العظمة إلى درجة من الطغيان أضحت تهدد كلّ من يحيط بهما. وقد كتب سولون Solon في هذا السياق "تهلك المدينة بسبب رجالها الذين يحققون عظمة أكبر من المعتاد."
لقد خصص أرسطو في كتابه السياسة مجالا لدراسة فكرة الأوستراسيسم، فاعتبر أنّ الإنسان إذا تجاوز المستوى العادي بموهبته وخصاله وقدراته السياسية لا يمكن تقبله على قدم المساواة مع بقية المواطنين "فمثل هذا الكائن يصبح بشكل طبيعي مثل إله بين البشر."
ولكن هل يمكن أن نجد تفسيرا آخر مختلفا عن التفسير الذي ذهبنا إليه في انبعاث عملية الأوستراسيسم؟ هل يمكن أن نجد تفسيرا تاريخيا سياسيا لهذه العملية، وهل أنها تطبق على جميع المواطنين أو هي عملية استثنائية، ولو كانت عملية استثنائية إجرائية، فلماذا تطبق على أولئك الحكام والملوك أمثال أوديب وابنه بيولينيكس الذين يتمتعون بحصانة سياسية تجعلهم ربما بمنأى عن القوانين والتشريعات الزجرية؟ بعودتنا إلى كتاب السياسة لصاحبه أرسطو الذي يسلط فيه الضوء على النظام الأوليغراشي الديمقراطي والدولة اليونانية وطبيعة المواطنة فيها عائدا إلى أهمّ القوانين التي سنّت لتنظيم الحياة السياسية بين المواطنين ومستندا لدساتير إسبرطة وقرطجانة وكريت،نجد أرسطو يتحدث عن مبدأ هام يجب أن يتوفر عند الحاكم في المدن اليونانية وهي الفضيلة، هذا المبدأ الذي يعتقد أرسطو بأنه بمثابة الميزة التي على المواطن اليوناني أن يتحلى بها سوى كان محكوما أو حاكما، فيقول" ومن المشترك بين أولئك الذين يطيعون وبين أولئك الذين يأمرون. التبصر ليس البتة فضيلة الرعية، بل الفضيلة الخاصة بالرعية هي ثقة عادلة بالرئيس. والمواطن الذي يطيع هو كصانع الزمارات، والمواطن الذي يأمر كالفنان الذي يستخدم الآلة"
فالفضيلة حسب أرسطو تتعلق بالمواطن إذ كان يأمر أو يطيع وهما ملكتان ضروريتان له، فقط عليه تحملها ومن ثم استيعابها حسب موقعه في مجتمعه،"فالإنسان الذي يطيع وذلك الذي يأمر لا ينبغي أن يتعلما كلاهما أشياء بعينها. وثانيا بأنّ المواطن يجب أن يجمع بين الملكتين ليعرف الاستمتاع بالسلطان وتارة الاستسلام للطاعة تارة أخرى" ومن هذا الاستشهاد الأخير نلاحظ أنّ أرسطو ينادي بمعادلة تجمع بين ملكتي الأمر والطاعة والتي منهما نستنطق مبدأ الفضيلة الذي يتعلق بالمواطن الإغريقي سوى كان حاكما أو محكوما. فمبدأ الفضيلة عبر معادلة الجمع بين ملكتي الأمر والطاعة نجده يتنافى مع الطغيان، وهذا ما يذكرنا بشخصيتي أوديب و ابنه بيولينيكس اللذين وصلا إلى درجة من الطغيان جعلت من مجتمعها يبعدهما إبعادا ماديا ومعنويا عبر عملية الأوستراسيسم. ونعتقد أنّ هاتين الشخصيتين المسرحيتين مثلهما مثل الأفراد الإغريق الذين تمتعوا بسلطة سياسية جعلتهم حكاما وملوكا وصلوا إلى درجة من الطغيان تجعل من مجتمعهم الإغريقي يبعدهم عبر الأوستراسيسم، لأنهم تجاوزوا ميزة من الميزات الهامة التي تتوفر في المواطن الإغريقي وهي الفضيلة، التي تعتبر ميزة تكاد تكون ضرورية عند الحاكم الإغريقي. إذ ينادي أرسطو بالفضيلة السياسية التي يعتبرها من الخصائص المعنوية التي على الحكام أن يتدربوا عليها مثل بقية الخصائص المادية كالفروسية وفنون القتال والكتابة.. "إنّ الحاكم الحقيق بالإمرة التي يقوم بها والذي هو فاضل.. من أجل ذلك قيل أنه ينبغي أن يؤتي الرجال المرشحون للسلطان تربية خاصة، وفي الواقع نحن نرى أبناء الملوك يتعلمون على الأخص العدالة والسياسة"

خاتمة
لقد كانت رغبتنا في الاطلاع على السياق الاجتماعي- التاريخي في النص التراجيدي الإغريقي منذ البداية مجرد إطلالة أو وقفة على السياق الاجتماعي والتاريخي في النص التراجيدي، إلاّ أننا بعد قراءات متعددة لنصوص تراجيدية مختارة (نصوص أوديب الملك، أوديب فيكولونا وأنتيغون لسوفكليس، نص المستجيرات لاسخيلوس ونصي هرقل مجنونا وسبعة ضد طيبة ليوربيدس) وجدنا أنفسنا نغير شكل بحثنا عن السياق في النص من إطلالة إلى دراسة نستخرج منها تماثل المكونات الجمالية في النص مع السياق الاجتماعي والتاريخي المتمثل في اليونان في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد ونحلل علاقة تلك المكونات الجمالية من شخصيات، مواضيع وصراعات مع سياقها وفق نظرة شمولية تجعل من الجزئيات في علاقة مع الكلّ والعكس بالعكس. لقد وجدنا النص التراجيدي الإغريقي نابعا من خيال كُتابه فكان أثرا فنيّا منحوتا بتقنيات الكتابة الدرامية البدائية عند مؤسسي الدراما الإغريقية الثلاثة اسخيلوس، يوربيدس وسوفكليس، كما أننا لاحظنا قدرة هؤلاء الشعراء/ الكُتاب على تطويع البنية الذهنية لمجتمعهم في نصوصهم عبر تطرقهم للروايات الأسطورية وتسخير مواضيع مسرحياتهم منها.. ولئن كانت تلك النصوص المسرحية تمثل أرضية جمالية بُعثت فيها أولى التراجيديات في تاريخ المسرح، إلاّ أنها لعبت دورا آخر لا يقل أهمية وهو الجمع بين الفكر الحقوقي السياسي والروايات الأسطورية، وهذا ما حاول لويس جرنيه Louis Gernetإبرازه عندما حللّ مفردات وبنية بعض الأعمال التراجيدية الإغريقية،فأظهر أنّ الفكر الحقوقي الناشئ في اليونان قد سجل حضوره في بعض النصوص التراجيدية، برصده للمفردات القانونية التقنية التي كان يستخدمها المؤلفين التراجيديين وهذا ما يؤكد على القرابة بين بعض المواضيع المتواترة في التراجيديا وبين بعض الحالات التي تعود لصلاحيات المحاكم في تلك الفترة. وفي هذا السياق الأخير حاولنا إيجاد معنى اجتماعي قانوني لحالات الإبعاد والنفي الواردة في بعض النصوص التراجيدية ونذكر منها أوديب في كولونا وأنتيغون لصاحبهما سوفكليس، فوجدنا أنّ الشخصيات الواردة في النصان الأخيران وهما أوديب وبيولينيكس بوصولهما لدرجة من الطغيان الذي يهدد أمن المجتمع اليوناني يتم إبعادهما إبعادا ماديّا عبر النفي أو إبعادا معنويا عبر رفض دفن جثة الميّت. ولقد وجدنا تفسيرا لهذا الإبعاد الدرامي من الواقع الإغريقي يتمثل في عملية الأوستراسيسم Ostracisme وهي عملية استنبطتها المؤسسة الاجتماعية اليونانية لإبعاد الأفراد المتمتعين بسلطة سياسية تجعلهم يتهورون في استعمالها ممّا يجعل درجة الطغيان التي يصلوا إليها تهدد أمن المدينة، فيقرروا المواطنين إبعادهم. كما أننا في قراءتنا لبعض النصوص التراجيدية نجد تواتر موضوع السلطة فيها، فسلطنا الضوء على نص هرقل مجنونا لصاحبه يوربيدس كنموذجا لدراسة موضوع السلطة، ووجدنا هذا الموضوع يلازم الخط الدرامي للنص ويجعل من الشخصيات المسرحية تضع لمشاريعها الدرامية هدفا وهو الوصول إلى كرسي السلطة. حاولنا فهم السلطة في السياق التاريخي الذي كُتب فه النص المسرحي المتمثل في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، فوجدنا أنّ تلك الفترة عرفت حكم سلالات معينة في مدن اليونان مثل سلالة كادموس ولابداسيد، والتمسنا وجود شروط محددة على الفرد اليوناني تحقيقها حتى يتسنى له إمكانية النشاط السياسي، كأن يكون مواطنا ينتسب إلى مؤسسي المدينة، وهذا ما يشير إليه أرسطو في كتابه السياسة عندما عاد لكلستين الذي طرد الطغاة من أثينا وأدخل في القبائل زمرا من الأجانب والعبيد فأضحى لهؤلاء فرصة سانحة ليتحولوا إلى مواطنين.. وهذا ما تضع له المؤسسة الاجتماعية اليونانية خطا أحمر تجعل من إمكانية تحول الأفاقيين لمواطنين أمرا مستعصيا نظرا للشروط التعجيزية التي تضعها أمامهم لتمنهم من التمتع بالمواطنة. ففهمنا من ذلك بأن المشاركة في الحياة السياسية والتمتع بالمواطنة في اليونان في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد يتطلب إثبات الجذور العرقية في المدينة اليونانية فأضحينا حينها كأننا نتجول في المدينة اليونانية في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد عبر النص المسرحي لنكشف موضوعي السلطة والمواطنة اللذين انبثقا من الفكر الاجتماعي للمدينة .
إنّ الوقوف على النص المسرحي في مهده جعلنا نصنع لأنفسنا رهانا أولّي في عملية البحث، يتمثل في دراسة النص داخل سياقه الاجتماعي، ولكن هذا النص يجذب مكوناته الجمالية من الروايات الأسطورية التي تحوم في عالما ميتافيزيقيا بعيدا كل البعد عن العقلانية، فيه من الأفعال والشخصيات والمواضيع ما ينتج شفرات مسرحية تجعل من القارئ ينبهر بالعالم الميثيالوجيي السحري والخيالي! إلاّ أنّنا لوهلة ونحن نقرأ تلك النصوص المسرحية حاولنا تجاوز الانفعال الجمالي الذي ينادي به بيل كلايف وحاولنا رؤية تلك النصوص وفق نظرة شمولية تجعلنا نقرأ النص ونحن نحاول فهمه في المكان والزمان اللذين ولد فيهما. لقد عدنا إلى كتابات أرسطو التي إلى جانب تفسيراتها الفنية للنصوص التراجيدية في كتاب فن شعر، نجد منها أيضا تفسيرات اجتماعية، سياسية وتاريخية لتلك النصوص في كتابه السياسة. وإلى جانب ذلك عدنا لأولئك الباحثين المتخصصين في الأسطورة اليونانية مثل لويس جرنيه الذي يعتبر أنّ "المادة الحقيقية للتراجيديا نفسها هي الفكر الاجتماعي الخاص بالمدينة." وعبره توصلنا إلى عدة مراوحات في النص التراجيدي تنطلق من مراوحة كبرى بين الفكر الحقوقي السياسي والتقاليد الأسطورية والبطولية ومن ثم مراوحات صغرى:
- بين التصورات الدينية القديمة وأشكال الفكر الجديدة.
- بين كل ما هو متفق عليه وما هو غير متفق عليه.
- بين الميتافيزيقي والفيزيقي.
- بين الحياة اللاهوتية في هاديس والحياة المدنية في مدن كطيبة وأثينا..
لقد حاولنا قدر الإمكان أن نقرأ النص التراجيدي في بيئته الاجتماعية بالرغم من ارتباطه الوثيق بالأسطورة. هذا الارتباط قد يصل أحيانا إلى سيطرة مطلقة الميثيالوجيا على النص التراجيدي الإغريقي، ولذلك عدنا إلى رينيه جيرارRené Girard الذي حاول في دراسته للأسطورة في النص التراجيدي إيجاد معاني اجتماعية وتاريخية وثقافية له، فانطلقنا من فكرة أنّ الأسطورة ابتكرها الإنسان لخدمة الإنسان، فتكون إثرها الروايات الأسطورية محاولة لفهم الحياة الإنسانية وكأنها تقص حكايات حبلى بالمعاني الاجتماعية، الدينية، السياسية والتاريخية.. فنفهم من ذلك أنّ الإنسان هو مركز اهتمام الأسطورة، وهذه الأخيرة وجدت لتجد له ربما تفسيرات لكيانه وللعالم المادي الذي يحيط به.

إنّ رينيه جيرار يحفز الباحث الذي يدرس النص المسرحي التراجيدي الإغريقي أن يتوغل في الأرضية التي كتب فيه النص ويفهم المناخ الفكري والسياسي الذي وجد فيه حتى يتسنى له فيما بعد إمكانية شرح المجتمع والعالم وبذلك يتسنى للباحث رؤية الأسطورة عبر زاوية عقلانية، فيزيقية وحسية إذ "إنّ الأساطير، في نظر جيرار، هي أول ما وافانا به الفكر البشري من شروحات للعالم والمجتمع، في حين أنّ الطقوس هي أولى التمثيلات الرمزية، والمحظورات أولى القوانين الأخلاقية... وتكون الثقافة والحضارة إلاّ محاولة شرح للعالم والمجتمع، ونشاطا دؤوبا من أجل خلق نظام رمزي يحيل إلى مدلول خفي، وتنظيم علاقات البشر بعضهم ببعض."
إلى هذه اللحظة من بحثنا، وجدنا أنّ الفن مجال إنساني أوجده الإنسان كعدة مجالات أخرى كالسياسة والثقافة والاقتصاد.. مجالات عديدة ومن بينها الفن، وُجدت لتجد للإنسان تفسيرات لكيانه وتشرح له العالم. الفن، المسرح والنص المسرحي هي حلقات تختلف في حجمها ولكنها تشترك في مكونان جماليان هما المكان والزمان اللذين منهما يصاغ الإطاران المكاني والزماني واللذين يحتويان على الأحداث الدرامية التي يحركها الممثل في العرض المسرحي والشخصية في النص الدرامي. نفس هذان المكونان، نجدهما يرتبطان بولادة الإنسان، الذي يحتاج فقط للحظة زمنية ما ومكان محدد يولد فيه، إنه إطار بيولوجي بامتياز. داخل هذا الإطار: يجد الإنسان مؤسسته الاجتماعية (العائلة) تتبنى ثقافة ما وتندرج في حضارة معينة.. وهذه المؤسسة قد تعتنق دينا ما.. وقد تتموقع في طبقة اجتماعية معينة لها وزنها الاقتصادي الخاص بها.. وقد يجد الإنسان عن طريق مؤسسته الاجتماعية أو عبر ذاته فنا يحقق له الانفعال الجمالي أو الحدس الفني أو انعكاسا على واقعه .. داخل هذا الإطار يجد الإنسان نفسه في واقع يضخ يوميا معطيات ثقافية، حضارية، دينية واقتصادية.. قد يتفاعل معها وقد ينفرها، قد يقبل بها وقد يغيرها، قد يتعايش معها وقد يثور عليها.. إنها أفعال، ردود أفعال، أفكار ومواقف تُتخذ في مكان ما وزمان محدد..
إنّ الفن عموما والفن المسرحي خصوصا من المجالات المتحركة داخل ما سميناه بالإطار البيولوجي للإنسان، يتطور هذا الفن داخل هذا الإطار وتتغير جمالياته ويتلون في عدة تيارات وعدة مدارس، ولكن عنصرا أساسيا فيه ألا وهو النص يأخذ من ذلك الإطار مكوناه ويحولهما إلى مكونان جماليان هما المكان والزمان. هكذا يكون السياق الاجتماعي والتاريخي في النص المسرحي يستجيب لمعادلة قائمة بين الجانب الجمالي والجانب الاجتماعي والتاريخي بين الإطارين المكاني والزماني والإطار البيولوجي، هذا السياق يستجيب أيضا للحظة تاريخية من التاريخ الإنساني ولحظة كتابة الكاتب لنصه المسرحي، هذا السياق أيضا من شأنه أن يخلق تواصلا بين الكاتب (الباث) والجمهور (المتقبل) في درجة أولى وبين الجمهور فيما بعضهم البعض في درجة ثانية ليصبح ذلك النص حاملا لبعد جماعي بامتياز. "إنّ طابع اللحظة التاريخية التي تتوضح بشكل دقيق في الزمان والمكان يفرض بعض القواعد المنهجية لدى تفسير الأعمال التراجيدية، فكل مسرحية تمثل رسالة، وهذه الرسالة متضمنة في نص.. لكنّ هذا النص لا يمكن أن يفهم بشكل كامل إذا لم يؤخذ بعين الاعتبار السياق الذي أتي فيه. وهذا السياق هو الذي يسمح بتحقيق التواصل بين المؤلف وجمهوره في القرن الخامس قبل الميلاد.."


قائمة المصادر والمراجع:

1. أرسطو، فن الشعر، ترجمة وتقديم وتعليق --- إبراهيم حمادة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1983،
2. أرسطو طاليس، السياسة، ترجمة: أحمد لطفي السيّد،الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة،
3. جيرار رينيه، العنف والمقدس، ترجمة: سمير ريشا، مراجعة: جورج سليمان، المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 2009،
4. سلامة أمين، الأساطير اليونانية والرومانية، القاهرة، دار الفكر العربي، 1948،
5. فرنان جان بيار وناكييه بيار فيدال، الأسطورة والتراجيديا في اليونان القديمة، ترجمة: حنان قصاب حسن، الأهالي للطبعة والنشروالتوزيع، الطبعة الأولى، دمشق،
6. يوربيديس، هرقل مجنونا، ترجمة وتقديم: أحمد عثمان، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2001،
















كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,689,659,972
- جورج بشنار خالق -فويتسك-


المزيد.....




- صفقة القرن: هل تقضي خطة ترامب للسلام على الرواية التاريخية ل ...
- -الثقافة- تختتم دورة لأمهات ذوي الاحتياجات الخاصة حول الحرق ...
- أول ظهور للفنان المصري أحمد الفيشاوي بعد قرار حبسه
- -يجب على الأفلام الوثائقية أن تعالج ما يشغل المجتمعات العربي ...
- الفنانة المصرية نادية لطفي تدخل في غيبوبة
- الرباط تحتضن المنتدى الإفريقي الأول لإدارات السجون وإعادة ال ...
- شاهد بالصور.. بيضة تدخل فنانا تركيا موسوعة غينيس
- فنان يدخل موسوعة غينيس بواسطة بيضة... صور
- بالصور.. الفتيت ووزير الصحة والجنرال حرمو يتفقدون مستشفى مكن ...
- بن شماش يدعو إلى إصلاح القطاع  البنكي لتعزيز مساهمته في الدي ...


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - غوث زرقي - -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي والتاريخي بالنص المسرحي الإغريقي، من خلال التطبيقات التالية: هرقل مجنونا ليوربيدس وأنتيغون لسوفكليس