أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - محمد يعقوب الهنداوي - الشيوعية والدين والإنقلاب التاريخي الذي أطاح بإلوهية المرأة















المزيد.....

الشيوعية والدين والإنقلاب التاريخي الذي أطاح بإلوهية المرأة


محمد يعقوب الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 6312 - 2019 / 8 / 6 - 20:35
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


يقول مثل يوناني قديم: "لو وضعت مائة طبق طعام قدّام رجل دين فسيعرف فورا ألذّها وأغلاها ويأتي عليه قبل ان تستطيع عدّها!"

ويقول مثل عراقي:

"لا تأتمن رجل الدين على دجاجة ولو عرجاء ولا على إمرأة ولو حدباء!"

هذا "التراث" أصيل وشائع وشامل في كل رجال الدين في كل مكان وفي كل العصور، بل ويضاف اليه أن شراهة وجشع رجل الدين تبلغ أنه يطمع بكل الأطباق حتى ليكره ان يشاركه فيها أحد وخصوصا لو كان رجل دين مثله، لأن كليهما يعرف "من أين تؤكل الكتف"، كما هو واضح في سلوك ومنطق العلامة الفقيه "جلال نستلة" الذي أصبح هذا اللقب ماركة تجارية له يحق له معها أن يطالب الشركة بحقوق الدعاية والرعاية.

وعلاقة رجال الدين بالغرائز قديمة ومتأصلة وشهيرة. ومثل صلته بالطعام كذلك صلته بكل شيء قابل للاستحواذ والامتلاك. فهو "يشِيع" و"يحلّل" لنفسه كل ما يشتهي، ويحرمه على غيره، وفتاواه جاهزة دائما لتبرير غرائزه البهيمية.

ومن هنا نشأت علاقة العداء المستحكم بين الشيوعية ورجال الدين عبر التاريخ وفي كل العصور والمجتمعات.

والحق أن العداوة بدأها ويستمر بنفخ سعيرها رجل الدين الذي اختار أولا ان ينفرد بمزايا ومنافع كانت مباحة للجميع فاحتكرها لنفسه وحرّمها على سواه، وهو من قام فعليا بالحطّ من شأن وقيمة المرأة وجعل منها "متاعاً ولباساً وفراشاً" ومادة للمتعة المبتذلة وبعضا من ممتلكات الرجل (يمهرها ويملكها ويدخل بها ويسترها ويعيلها ويؤويها ويهجرها ويضربها ويعطيها ويحرمها)، وفق المفردات الدينية الشائعة في أعراف المجتمعات العربية والاسلامية بخصوص الزواج، بعدما كانت انسانة كاملة وسيدة متفوقة في كل المجتمعات، بل وإلهة معبودة كما هو الحال مع عشتار وأثينا وافروديت، وابتدع صنوف الآيات والأحاديث والمقولات والروايات ليبرر سطوته تلك واستبداده.

ولأجل ذلك، ولكي يكون الأكثر تسلطا وتملكا واستمتاعا بغرائزه المنفلتة، اختار رجل الدين لنفسه وظيفة أن يكون بلا عمل لكنه يستحوذ على ثمار جهد غيره مقابل نشر الفتنة والنفاق والبغضاء والهراء المقدس بين البشر وأن يحرص على ان يمنع اتحادهم واكتشافهم حقيقة خديعته المبطّنة بعلوم ومعارف خرافية موهومة ما أنزل الله بها من سلطان.

لكنه يستثمر طيبة وبساطة وسذاجة المجتمع وتعاليه عن الخديعة والشك وسوء النوايا، فلا أحد يجرؤ على التدقيق بصحة ما يقول ومحاكمته عقليا، وخصوصا حين كانت معارف البشرية محدودة جدا وكان رجل الدين يلعب دور العارف والساحر وطارد الشر والقحط والبلاء وجالب الخير والمطر، وحواريّ الآلهة ووكيلها والقيّم على ممتلكاتها على الأرض حيث "ملكها يسع كل شيء" أي ان لرجل الدين أن يستحوذ باسم الإله على "كل شيء"!

حتى أنه أطلق على خرافاته الواهية صفة "علوم الدين" وسمّى نفسه وزمرته الطفيلية من ناشري الأكاذيب والدجل والشعوذة "علماء الدين".

فصار بيته/المعبد أعلى من كل بيوت المجتمع وأكثرها قدسية وحصانة، وحصته من كل شيء أكثر من حصص جميع افراد المجتمع. وصار ايضا وكيل الآلهة يتملّك باسمها ويستحوذ على كل ما يشاء، ويتصرف كما يعجبه بأملاك الآلهة المزعومة وفي بيع وشراء عقاراتها في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ونصّب نفسه أيضا مالك حقوق الغفران والرحمة والثواب والعقاب والمتصرّف المطلق اليد نيابة عن الربّ، وجعل من المرأة إحدى ممتلكاته وأدوات تسليته ومتعته فحرمها من حريتها واستقلاليتها وقيمتها الاجتماعية والانسانية، وأباح لنفسه وسائل شتى للاستمتاع بجسدها بتعاويذ مخادعة وخزعبلات وتراتيل وحركات وشعوذات وألاعيب تهدف الى استغفال الوعي والفطنة بوسائل دنيئة لا تخدم أحدا سواه.


وقبل ذلك، كانت الشيوعية هي الطابع السائد في المجتمع وحافزَ ومبرّرَ ومنظّمَ حياته وشبكة علاقاته وممارساته وسبل تلبية احتياجاته. وكان الجميع يتشارك في ما يجنيه ويحصل الجميع عليه، فلا يعلو أحد على أحد ولا يجوع أحد حين يمتلك سواه ما يفيض عن حاجته.

وكانت المرأة سيدة المجتمع ومديرته ومدبّرة شؤونه وكانت المعبودة الأولى لدى الأقوام البشرية لأنها كانت "رحم الطبيعة" الأقرب الى إدراك البشر، فهي التي تلد وترضع وترعى وتربي وتحمي وتداري وتعلم وتقود، وهي التي يعرف الانسان أصله من خلالها بحكم دفء أحضانها وحنانها وتغذيتها، وهي مبدعة الحضارة فهي التي اخترعت الزراعة والاستقرار وأنشأت القرية والمدينة، فكانت أول فلاحة في الوجود بينما كان الرجل يسرح في البراري والفلوات يعيش مع الوحوش والكواسر بوصفه راعٍ وربيب الحيوانات الأول في التاريخ.

ومن هنا جاءت منزلة عشتار بصفتها ربّة الحب والخصب في الحضارات الرافدية مثلما كانت أثينا ربّة الحكمة في بلاد اليونان وايزيس لدى الرومان، رمزا لكل نبيل ومقدس وأصيل في حياة المجتمعات البشرية يحمي وينظم علاقاته ويضمن تجدد الحياة ربيع كل عام.

وكان النسب البشري يعود للأم لعهود طويلة قبل أن تنتصر أنانية الرجل وخبثه على طيبتها ونقائها فارتضت اعتزال بقية الرجال في بيت الأسرة لترعى الأطفال وتحمي حقوقهم من كدها وتعبها، فانقلب عليها الرجل ومنح نفسه الوصاية والأولوية وجعل منها عبدة لنزواته.


وكان الدين خير أدواته ورجل الدين خير حلفائه والمتآمرين معه الذين برروا له ودافعوا عن تآمره مقابل حصة ينالونها من حقوق الجماعة البشرية.

وترسّخت مكانة رجل الدين بوصفه العاطل الذي يأكل أكثر من جميع العاملين ويتنعم أكثر من جميع الكادحين ولا ينتج شيئا سوى الكذب والهراء والفتنة والنفاق واحتقار المرأة التي سعى الى تحويلها من إلهة معبودة وسيدة الأقدار الى أداة وضيعة محتقرة ممتهنة للجنس والمتعة والخدمة والطرف المستضعف في الأسرة وفي المجتمع وموضع الشك والإدانة حتى لو لم تتحرك من موضعها.

وسيصبح هذا الحال إدانة دائمة لها على مر العصور والأجيال ترسخها الأديان.

هذه السيرة التاريخية لتطور المجتمع البشري سلبياً باتجاه عبودية المرأة والاستبداد بها والتعالي عليها ستجد تجسيدها والتعبير عنها بأوضح التفاصيل والصور في الملحمة الرافدية الخالدة "گلگامش" حين يثور گلگامش بوجه الإلهة عشتار ويهينها ويتهمها بالفسق والفجور والخيانة فيخاطبها قائلا:

“أيّ خيرٍ سأنالُه لو تزوجتُكِ؟
أنتِ! ما أنتِ الا الموقد الذي تخمد ناره في البرد
أنتِ كالباب الناقص لا يصدّ عاصفةً ولا ريحا
أنتِ قصرٌ يتحطّم في داخله الأبطال
أنتِ فيلٌ يمزّق رِحْلــَه
أنتِ قيرٌ يلوّث من يحمله وقربةٌ تبلّل حاملَها
أنتِ حجرُ مرمرٍ ينهار جدارُه
أنتِ حجر "يـَـشْبٍ" يستقدم العدو ويغريه
وأنتِ نعلٌ يقرص قدمَ منتعلِه...
أيٌّ من عشاقِكِ من أقمتِ على حبّه أبداً
وأيٌّ من رعاتِك من رضيتِ عنه دائما؟
تعالي أقصّ عليك مآسي عشاقِك!" *

* * *

ومن هنا ورث الشرق "مأثرة" احتقاره للمرأة والحطّ من قدرها في كل المجالات والسبل والطعن بقدسيتها وكبريائها ونزاهتها ونبلها، وإهانتها نيابة عن "الآلهة" بكل تلك البذاءة!

* * *

وكانت تلك الثورة الفحولية على سلطة المرأة الأم المانحة للحياة والمربية والفلاحة المنتجة وقائدة المجتمع وأصل نسبه، هي ما عبرت عنه في تراث بلاد الرافدين، أيضاً، الملحمة العظيمة المعروفة: "قصّة الخليقة السومرية"، والتي نشأت عنها لاحقا "قصّة الخليقة البابلية" و"قصّة الخليقة الآشورية" و"قصّة الخليقة الكنعانية" في بلاد الشام، وكل الملاحم والروايات التاريخية التي وصلتنا في ما وصلنا من آثار. أما التراث الذي سبق هذا الانقلاب فقد طمسته وأبادته كله هيمنة الرجل ليحرم الانسانية من إرث عظيم.

وحين اكتشفت البشرية سوء العاقبة الذي وقعت فيه حين تراكمت مصائب الظلم والاستغلال وسوء الإدارة والدور التآمري الطفيلي لرجال الدين وحاولت إعادة الأمور الى نصابها والعودة بالمجتمع الى علاقات الشيوعية القديمة حيث العدالة وحسن توزيع الخيرات والإدارة الجماعية للمجتمع، وقف رجال الدين سداً منيعاً بوجه تلك المحاولات واتهموا كل دعاتها والساعين اليها بالكفر والإلحاد والزندقة والتمرد على سلطة الآلهة وممثليها على الأرض...

ومن هنا بدأت تهمة الكفر والإلحاد تلاحق الشيوعية والشيوعيين في جميع الأزمان والعصور لأنها تحمل نور الحقيقة والكشف ولأنها كانت تهتدي دوما بنور العلوم والمعارف الجديدة التي يكتسبها المجتمع عبر فلاسفته وعلمائه ومفكريه، واصطفت ضدها كل قوى العهد القديم من الطفيليين والرجعيين وساندهم في ذلك دعاة التخلف والمنتفعين من الفساد، لأن الجهل أسهل والكسل أهون والذلّ الذي بشر به رجال الدين ونشروه أقل تطلبا وأرخص ثمنا من الكفاح والبطولة التي تفتقر اليها الأكثرية الخاملة المستسلمة لسلطة السحر والدجل والشعوذة.... ولأن الحرية لا تليق إلا بالأحرار.

وسيرث العقلانيون والعلمانيون والتنويريون وكل التيارات الانسانية السامية تلك "اللعنة" والكراهية من المؤسسة الدينية وطفيلياتها الى يومنا هذا.

فالشيوعية والعلمانية والتنوير هي جوهر ومضمون وبشائر الحرية والانسانية الحقة وهي ثورة المرأة والانتصار للطفولة والطبيعة والحياة المتجددة، مثلما هي ثورة الحق والعدل والمساواة والارتقاء بالبشرية فوق مستوى الغرائز والأنانية والقتل والأحقاد والحروب، ونبذ الخرافة، والايمان بعقل الانسان وقدرته اللا محدودة على اجتراح المعجزات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(الترجمة أعلاه للأبيات من "ملحمة كلكامش" هي للعلامة الراحل طه باقر. ويمكن أيضا الاستعانة بالأعمال العبقرية التي أنجزها الباحث السوري العملاق فراس السوّاح للإطلاع على التفاصيل الكاملة لملاحم تلك الفترة من التاريخ.)

* * *





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,523,564,883
- مَيْس
- بَيْن يَدَيْك
- رَواد
- مُنى
- نوافذِ روحي
- معاً يا حبيبي
- موجبات زوال الرأسمالية (7) لماذا لابدّ للرأسمالية أن تزول
- لماذا لابدّ للرأسمالية أن تزول؟ (6)
- شهرزاد
- نقاط ضعف أمريكا (5)
- صمتاً...
- لماذا لا يظهر المرجع السيستاني علناً (4) في الذكرى السنوية ل ...
- أجمل وأكفأ وأرقى فنانة رآها العراقيون... واختفت كالحلم
- ماهي الرأسمالية وما هي مآلاتها؟ (4)
- لا تَنْكأِي يا زهرةَ الرُمّان جرح القمر
- مرحى لشباب العراق في ثورته ضد المرجعيات المذهبية (3) في الذك ...
- المراحل التاريخية لتطور المجتمعات البشرية وفق المنهج الماركس ...
- نبعُ يَنابيعِ الفَيض
- مرحى لشباب العراق في ثورته ضد ديمقراطية المعاصصة الفاسدة (2)
- لا الشهدُ يَعْدِلُهُ ولا القدّاح


المزيد.....




- هكذا احتفل برج خليفة في دبي بالذكرى 25 لمسلسل -friends-
- -المصريون يكسرون جدار الخوف-!!
- الشرطة المصرية تقضي على 15 إرهابيا في العريش
- للمرة الرابعة مسلسل "صراع العروش" يفوز بجائزة أيمي ...
- إيران تعلن الإفراج عن ناقلة نفط سويدية محتجزة منذ أكثر من شه ...
- مظاهرات مصر: مسؤول حكومي يرجح حجب موقع بي بي سي عربي إثر تغط ...
- للمرة الرابعة مسلسل "صراع العروش" يفوز بجائزة أيمي ...
- إيران تعلن الإفراج عن ناقلة نفط سويدية محتجزة منذ أكثر من شه ...
- الشرطة المصرية توقف المحامية الحقوقية ماهينور المصري
- قمة عراقية مصرية أردنية في نيويورك.. وهذه أهم مخرجاتها


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - محمد يعقوب الهنداوي - الشيوعية والدين والإنقلاب التاريخي الذي أطاح بإلوهية المرأة