أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم حبيب - هل من عوامل تدفع باتجاه الحنين غير العقلاني للعهد الملكي في العراق؟ الحلقة الخامسة: العوامل المتنوعة والمتباينة في الموقف من النظام الملكي















المزيد.....

هل من عوامل تدفع باتجاه الحنين غير العقلاني للعهد الملكي في العراق؟ الحلقة الخامسة: العوامل المتنوعة والمتباينة في الموقف من النظام الملكي


كاظم حبيب
(Kadhim Habib)


الحوار المتمدن-العدد: 6305 - 2019 / 7 / 29 - 13:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الحلقة الأولى من هذه السلسلة ذكرت وجود أربع مجموعات من الناس، بغض النظر عن حجم كل منها، ولكنها موجودة كفكر وممارسة، وهي تطرح تصورات متباينة ومغايرة للواقع الذي كان قائماً في العراق في العهد الملكي. وفي هذا المقالة اتابع بنية هذه المجموعات وبلورة وإبراز العوامل الكامنة وراء والمحركة لكل منها:
1) مجموعة من الشبيبة لم تتعرف على طبيعة وسياسات وسلوكيات حكومات النظام الملكي، ولكنها تعيش مأساة النظام الحالي، وتلك التي عاشت مأساة وكوارث وحروب النظام البعثي التوسعية، أو سَمَعتْ عنه من جهات معينة رأيها في النظام الملكي وحسناته، وابتعدت كلية عن ذكر سوءاته، التي كانت سبب الإطاحة به.
هذه المجموعة من شبيبة العراق التي ولدت في نهايات فترة النظام الدكتاتوري البعثي التي عانت من الاستبداد وعواقب الحروب والحصار الاقتصادي الدولي، من المجاعات والبؤس والفاقة، أو تلك التي ولدت في فترة النظام السياسي الطائفي المقيت الراهن التي زاد في معاناتها الإرهاب والتشريد والقتل والفساد والتمييز الديني والمذهبي المتشدد، ومن واقع السبي والاغتصاب والنزوح الداخلي والتهجير القسري بعد اجتياح داعش لمحافظة نينوى وعبث الميليشيات الطائفة المسلحة بالمجتمع والاقتصاد الوطني.. إلخ، من جهة، وهي التي لم تعش في فترة الحكم الملكي ولا تعرف عنه، ولكنها لا يمكن تتصور بأنه يماثل ما يعانيه الناس في الفترة التي هي فيها، من جهة أخرى، هو الذي يجعلها تنفر وتعتقد بأن ما حصل في 14 تموز 1958 كان السبب في كل ما حصل لاحقاً، والمسؤول عن الأوضاع البائسة والمدمرة التي تعيش تحت وطأته يومياً.
لا شك، إن ما حصل في العهد الملكي من أوضاع سيئة لا يمكن مقارنتها، بما حصل أثناء وبعد انقلاب شباط 1963، أو ما حصل بعد عودة البعث ثانية إلى الحكم وبقاءه فيه بين 1968-2003، أو معاناتها مع ما يحصل اليوم في البلاد. وهذه حقيقة واقعة حقاً لا يجوز إنكارها أو إهمالها. ولكن يفترض فيمن عاش تلك العقود أن يطرح للشبيبة العراقية حقيقة أنهم، وهو يعيشون حياة مليئة بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المعقدة التي تجعل من حياة الغالبية العظمى من المجتمع جحيماً لا يطاق، يكمن بالأساس جوهر سياسات النظام السياسي الذي أقامته الفئات الحاكمة في العهد الملكي، إذ لم يكن الأساس الذي بني عليه العراق متيناً وديمقراطياً جيداً، بل كان وإلى حدود بعيدة غير ديمقراطي وسيء، كما بينته في الحلقتين الثالثة والرابعة، بل وأشرت إليه في الحلقة الثانية التي جرى فيها الإشارة إلى بعض إيجابيات النظام الملكي. فتشويه الدستور الديمقراطي وتزوير الانتخابات والقبول بوجود نظام اقتصادي سياسي شبه إقطاعي–شبه استعماري، وتشكيل تحالف بين كبار الملاكين والكومپرادور التجاري وكبار موظفي النخبة الحاكمة، وعلى رأسها نوري السعيد والوصي عبد الإله بن علي وصالح جبر، مع بريطانيا، وقبولها تدخل بريطانيا الفظ واليومي في جميع شؤون حياة الشعب وسياسات الحكم، واتساع الفجوة بين حياة وغنى الأغنياء وبؤس وفاقة الفقراء، وتدهور شديد للحياة الديمقراطية وامتلاء السجون بالسياسيين ...الخ، كلها كانت سبباً في تحرك أجزاء من القوات المسلحة، التي تشكل جزءاً من الشعب وتتأثر بأوضاعه وحياته اليومية، للإطاحة بنظام الحكم الملكي وإقامة الجمهورية العراقية. إن من واجب كل الوطنيين والديمقراطيين شرح هذا الواقع وذلك الدور، لاسيما وأن ذاكرة الكثير من الناس قصيرة وينسون مما عاناه الآباء والأمهات في العهد الملكي، والتي كانت سبباً في تأييدهم الحار والحاسم بما لعب الدور الفعلي في تحويل تلك الانتفاضة العسكرية في 14 تموز 1958 إلى ثورة شعبية عارمة شملت البلاد كلها، فيما عدا تلك القوى التي كانت تحكم البلاد والتي خسرت حكمها ومكاسبها وامتيازاتها واستغلالها للشعب.
لم يكن من العبث أن تقف الغالبية العظمى من الفئة المثقفة العراقية الواعية من مختلف الاختصاصات ومن مختلف الفنون الإبداعية إلى جانب قوى المعارضة العراقية في فترة الحكم الملكي وتتلقى من الحكم الملكي كل العنت والاضطهاد والسجن، كما حصل في زج طلبة المتوسطة والثانوية والشبيبة في معسكر الشعيبة عقاباً لنشاطهم السياسي، أو في حجز معسكر جمهرة كبيرة من طلبة الكليات والمثقفين والعلماء وأساتذة الكليات والمعاهد في معسكر السعدية بسبب مواقفهم الفكرية والسياسية، دع عنك امتلاء السجون بالمثقفين وخريجي الكليات والمعاهد والفنانين، إضافة إلى الكثير من المال والكسبة والحرفيين.
2) مجموعة من الناس عاشت مرحلة النظام الملكي وعرفت سوءاته، ولكنها عند مقارنة ما حصل فيما بعد، لاسيما بعد انقلاب شباط/فبراير 1963، تجد إنه كان أفضل بكثير من العيش في ظل نظام البعث أو في ظل النظام الطائفي والفاسد الحالي.
إن هذه المجموعة من الناس ربما عانت أو لم تعانِ من مشكلات ومصاعب كبيرة ومباشرة في العهد الملكي، لهذا تجد في العهود التي تلت 1963 وفي الواقع الراهن، ما لا يمكن مقارنته بالعهد الملكي من حيث السوء والمعاناة. وهي على حق في ذلك، إذا نظرنا إلى حجم المعاناة والقسوة المفرطة والمدمرة التي حصلت مع انقلاب شباط 1963. ولكن هذه المجموعة تنسى حقيقة أساسية هي أن النظام الملكي أرسى الأساس الهش لدولة ديمقراطية ومجتمع مدني علماني من جهة، وزاد في الطين بلة حين بدأ بتشويه الدستور وتزور الانتخابات علناً حتى تجرأ نوري السعيد ليتحدى أعضاء المجلس النيابي ليقول لهم بشحمة لسانه بأنه يتحدى جميع النواب في قدرتهم الذاتية للوصول إلى مقاعد مجلس النواب دون دعم الحكومة المباشر لهم. قالها في واحدة من جلسات مجلس النواب العراقي. هكذا كان واقع الأمر فعلاً!
وهنا يمكن الإشارة على عامل آخر، عامل الحنين الذي يمتلك الناس: كل الناس، لاسيما حين يمرون بفترة عصيبة وقاسية. وحين يلاحظون بأن الفترة التي عاشوا فيها لم تكن سيئة كالتي يعيشون فيها حالياً. تشير معاجم اللغة العربية (معجم عربي عربي) إلى الحنين بكونه: صوت الأم الى ولدها ؛ صوت الذي في فؤاده نزعة ألم ؛ صوت الريح والنسيم الرقيق ؛ صوت العود عند النقر عليه ؛ صوت القوس عند الإنباض ؛ صوت المرأة تفتقد زوجها ؛ صوت المشتاق. (موقع المعاني). أما الشاعر محمود درويش فيصف الجنين بصيغ شتى منها قوله: "الحنين أنين الحق العاجز عن الإتيان بالبرهان على قوة الحق أمام حق القوة المتمادية." وفي موقع آخر يقول: "أنين البيوت المدفونة تحت المستعمرات، يورثه الغائب للغائب، والحاضر للغائب، مع قطرة الحليب الأولى، في المهاجر والمخيمات." كما يقول "لا أحد يحن إلى وجع". (محمود درويش، لا أحد يحن إلى وجع، موقع أدبنا، 14/09/2016). ولكن وجع اليوم ينسي الإنسان وجع الأمس، ويبدأ الحنين للماضي!
كتب الصديق الفنان والمخرج السينمائي والكاتب قيس الزبيدي رسالة شخصية معبراً عن ارتياحه لمضمون المقالين الأول والثاني في هذه السلسلة وتعليق عليهما بصدد الحنين: "درس العلماء مؤخرًا الشعور بالحنين للماضي وما فيه من سعادة يشوبها الألم، ووجدوا أن لهذا الشعور وظيفة إيجابية؛ إذ إنه يحسِّن الحالة المزاجية، وربما الصحة النفسية أيضًا؛ فقد ألقت دراسة جديدة بالضوء على فائدة الشعور بالحنين للماضي، وتوصلت إلى أن هذا الشعور لا يحبسنا في الماضي، بل إنه في الواقع يرفع من معنوياتنا وشعورنا بالحيوية." (أرشيف الكاتب). حين أتصفح مواقع الاتصال الاجتماعي أو الرسائل الإلكترونية التي تصلني عبر البريد الإلكتروني أجد كمَّاً هائلاً من الصور التي تُنشر عن حياة المجتمع في العهد الملكي، عن الطالبات والمعلمات فارعات الرؤوس في المدارس الثانوية وفي الكليات، عن شوارع بغداد في الخمسينيات من القرن الفائت، عن التمور العراقية، عن الأكلات الشهية حينذاك، عن الحفلات الموسيقية والمسرحيات ومجالس الأدباء، وعن البلم والقفة والمسگوف على نهر دجلة... إلخ. وبهذا الصدد كتب قيس الزبيدي في رسالته الآنفة الذكر مشيراً إلى أن الباحث تيم وايلدشوت -أحد المشاركين في دراسة عن الحنين من جامعة ساوثهامبتون مع سيديكايدس- أن هناك الكثير من الطرق التي يشعر الناس من خلالها بالحنين للماضي؛ ومنها النظر إلى الصور أو طهي وجبات معينة أو مشاركة قصص الذكريات أو عزف الموسيقى. ويصف وايلدشوت هذا الشعور الذي نمر به بصورة طبيعية عدة مرات في الأسبوع بأنه “استجابة مناعية نفسية، تحدث عندما تواجهك بعض عقبات الحياة”. لذا إذا شعرت بأنك مضطرب قليلاً في موسم الأعياد، اصطحب نفسك في رحلة إلى الماضي مستعيناً بألبوم صور الذكريات." (المصدر السابق نفس).
3) مجموعة لبرالية فكرا ًوسياسة تؤيد النظام الملكي وتكتشف بعض سيئاته، ولكنها تعتبر إن ما حصل كان البداية للتطور المدني الذي قطعه انقلاب 14 تموز 1958، من جهة، وهي في الغالب الأعم ذات منحى يميني وضد القوى اليسارية، لاسيما ضد الحزب الشيوعي العراقي، وتوجه نيرانها ضدهم وكأنهم وحدهم كانوا وراء إسقاط النظام الملكي أو الخراب الذي حصل فيما بعد. لقد كانت بداية النظام الملكي طيبة عموماً، ولكنه تراجع منذ منتصف العقد الرابع من القرن الفائت، وتفاقم سنة بعد أخرى، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية إلى حين سقوط النظام، ولم تعد هناك أي نسمة ديمقراطية.
لقد كان للعهد الملكي مثقفوه وجمهرة من السياسيين والاقتصاديين، لكنهم لم يشكلوا الأكثرية في إجمالي القوى المثقفة والسياسية والاقتصادية، بل كانوا قلة بالقياس للقوى الديمقراطية واليسارية والمستقلة، لاسيما في صفوف المثقفين. وكان هؤلاء المثقفون والسياسيون والاقتصاديون، سواء من أيد منهم نظام الحكم أم خالفه في سياساته، وجدوا في النظام الملكي البرلماني قاعدة أساسية لمجتمع قائم على أساس اللبرالية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهي وجهة نظر سائدة في العالم الرأسمالي وفي غالبية البلدان النامية، وبالتالي كانوا يعتقدون بأن أي إصلاح في الوضع الداخلي يفترض أن يأتي عبر الانتخابات النيابية وبعيداً عن استخدام العنف والسلاح. وهو أمر صائب من حيث المبدأ. ولكن السؤال الذي يبتعد هؤلاء عن الإجابة عنه هو: هل فسح نظام الحكم الملكي لقوى المعارضة السياسية الحق في العمل السياسي العلني، أم كان بين فترة وأخرى يلغي الأحزاب والنقابات والصحف والمظاهرات والاجتماعات ويفرض الأحكام العرفية (حالة الطوارئ) في البلاد؟ وهل كان النظام يسمح بمعالجة ملكية الأرض الزراعية التي استحوذ عليها شيوخ العشائر والميسورون في المدن؟ الجواب يأتينا من نوري باشا السعيد الذي وضَّحَ رأيه في كيفية حل المسألة الزراعية، الذي سنأتي عليه لاحقاً، أو في موقف المحاكم من الفلاحين ومطاردة الشرطة لهم في المدن التي لجأوا إليها للعمل مع عائلاتهم، لإعادتهم إلى "سيدهم!" الإقطاعي ليعملوا لديه بالسخرة كالرقيق عملياً. وهل فسحوا لوجهات النظر الفكرية والسياسية أن تتصارع، أم كان السجن نصيب من يخالف، وشملت القوى والشخصيات البرجوازية الوطنية الإصلاحية التي كان نصيبها السجن أيضاً، كما حصل للأستاذ كامل الجادرجي أو الأستاذ محمد مهدي كبة أو عشرات غيرهم، دع عنك امتلاء السجون بالشيوعيين واليساريين والديمقراطيين والمستقلين؟ وهل وظف الحكم الملكي أموال النفط فعلاً للتنمية والإعمار. لقد أنجزت دراسة حول المناهج الاقتصادية التي وضعها مجلس الإعمار في فترة الحكم الملكي 1950-1958 لمتابعة مستوى وضعها وتنفيذها:
"لقد وضع مجلس الإعمار خلال هذه الفترة ثلاثة مناهج استثمارية خمسية، صدر أولها في عام 1951 ليغطي الفترة حتى عام 1955، ثم عدل وأضيفت عليه مبالغ جديدة ومدد حتى عام 1956. وقد جرى تخصيص مبلغ قدره (31) مليون دينار تقريباً لتنمية الصناعة الوطنية. إلا إن ما صرف فعلاً من هذا المبلغ كان (5,4) مليون دينار فقط، أو ما يعادل 17،4% من المبلغ المخصص للصناعة، أو ما يعادل 3،5% من مجموع تخصيصات المنهاج الخماسي الذي بلغ مجموع تخصيصاته 155،3 مليون دينار. وفي عام 1955 صدر المنهاج الاستثماري الثاني ليشمل الفترة حتى عام 1959، وقد كان نصيب الصناعة في التخمينات 43،6 مليون دينا أو ما نسبته 14،3/ من المجموع الكلي للمنهاج"، من ثم جرى تمديد فترة المنهاج حتى العام 1960، إلا أن تنفيذ المنهاج الثاني لم يكن بأفضل من المنهاج الأول. كما إن تنفيذ مشاريع المنهاج الكلية في القطاعات الأخرى لم تكن بأفضل حالاً من المنهاج الصناعي. (راجع: د. كاظم حبيب، دراسة في اتجاهات ومشاكل التطور الصناعي في العراق للفترة 1917-1963، مجلة الجامعة المستنصرية، العدد 2، السنة 1971، مطبعة سلمان الأعظمي، بغداد، 1971).
من هنا لم تكن الإطاحة بنظام الحكم الملكي نابعة عن رغبة وإرادة ذاتية لبعض الضباط الأحرار فحسب، بل جاءت وبالأساس بسبب نشوء شروط موضوعية وذاتية نضَّجت ووفرت مستلزمات الانقضاض على النظام وإسقاطه، إذ لم يعد أمام القائمين بالانتفاضة العسكرية طريقاً آخر غير هذا الطريق وما أعقبه من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية في البلاد.
4) مجموعة من الناس من عائلات محافظة وميسورة تضررت من منجزات ثورة الرابع عشر من تموز 1958، منهم بشكل خاص كبار ملاكي الأراضي الزراعية والعقارات أو المستحوذين عليها، وكبار التجار الكومبرادور، وأغلب المؤسسات والمرجعيات الدينية ... الخ، وهؤلاء جميعاً يحنون للماضي ويكرهون الثورة التي أطاحت بحكمهم الملكي وسحبت امتيازاتهم وقلصت مصالحهم حينذاك. علماً بأن هؤلاء وغيرهم من نفس النمط الفكري والسياسي الرثين قد استعادوا كل، بل وأكثر مما صادرته ثورة تموز 1958 من الأراضي التي كانت بحوزتهم أو السلطة والنفوذ والتأثير والبريستيج التي أُخذت منهم وزادوا عليها نهباً وسلباً للمال العام وتخريب وتلويث البلاد.
إن الكثير من أبناء وأحفاد تلك القوى السياسية التي حكمت العراق بين 1921-1958 قد استعاد أوضاعه السابقة من جديد، وزاد عليها. وهو أمر يمكن متابعته من خلال الدور المتعاظم لشيوخ العشائر وملاك الأراضي وغيرهم حالياً في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد. إن هذه المجموعة من البشر تقوم اليوم بنشر رأيها بتمجيد العهد الملكي وشتم ثورة تموز 1958 على نطاق واسع، ومنها أو عبرها تنشر الكثير من صور الحياة الماضية وإشاعة الحنين للماضي، ولكنها تسكت عن معايب ذلك النظام والمنجزات التي حققتها ثورة تموز في السنتين الأولى والثانية على نحو خاص. هذه المجموعة محكومة فيما تقوم به بعاملين مهمين هما:
** جسد نظام الحكم الملكي السابق تحالفاً بين القوى الاجتماعية والسياسية المالكة أو المستحوذة على الأراضي الزراعية والمهيمنة على التجارة الخارجية والداخلية، وعبر عن مصالحها المشتركة خير تعبير، ووفِّر لها امتيازاتها وغناها وثرواتها وعيشها المرفه، وبالتالي فهي التي خسرت نظامها السياسي وفقدت امتيازاتها وتضررت مصالحها بقيام الثورة وبالسياسات والإجراءات التي اتخذتها حكومة الثورة برئاسة عبد الكريم قاسم.
** كما إن النظام السياسي الحالي يجسد جزءاً أساسياً مما تطمح إليه ويوفر لها شروط استعادة مصالحها ومواقعها في السلطة والمجتمع، وهي تحاول دفع الأمور بالاتجاه الذي يلبي مشاريعها، وتتطلع إلى إعادة نظام الحكم الملكي للعراق، كما في طروحات "الأمير" علي بن حسين بن علي بن الحسين شريف مكة، الذي يعمل من أجل ذلك، وهي بالتالي تحاول أن تستثير عواطف وحنين الناس إلى ماضٍ لم يتعرفوا عليه ولم يعانوا منه، بل عاشوا مرارة حكم البعث الدموي والحكم الطائفي الفاسد ومراراته وخرابه الجاري.
في عام 2004 كتبت مقالاً أهديته لهذا "الأمير" تحت عنوان "ذكريات مرة في ضيافة التحقيقات الجنائية- بمناسبة اليوم العالمي ضد التعذيب-، نشر في الحوار المتمدن بالعدد 880 بتاريخ 30/06/2004 في محور حقوق الإنسان، أشرت فيه إلى أساليب التعذيب الوحشية التي مورست بحق رفيقي الفنان وعزف الكمان الأستاذ عبد الأمير صالح الصراف وبحقي خلال فترة الاعتقال في التحقيقات الجنائية ولمدة أسبوعين، وهي عينة بسيطة من الأساليب التي مورست في تعذيب المعتقلين حينذاك.
وعليه يمكن القول بأن ما ينشر حول مدح النظام الملكي يعبر من جانب عن حنين لما كانت تعيش فيه هذه المجموعة من الناس من بحبوحة وحكم، ومن جانب أخر رغبتها الشديدة في العودة الفعلية إلى النظام الملكي أو في ظل نظام يلبي كل مصالحها التي هي ضد مصالح غالبية الشعب. وأرى ضرورة تأكيد حقيقة أن هذه القوى كانت هي السبب الأساسي والرئيسي وراء تشوه النظام الملكي والإساءة البالغة للدستور الديمقراطي وحياة المجتمع، وهي التي وفَّرت مستلزمات إسقاطه. ولم تكن حركة الضباط الأحرار إلا اليد التي نفذت ما أستوجبه تطور الأحداث والوقائع في العراق. إن من واجب من يتصدى لهذا الموضوع أن يميز بين المجموعات التي تتحدث عن الماضي وعن ثورة تموز 1958. وألَّا يرمي كل هذه المجموعات في سلة واحد، وكأنهم شيء واحد!
بودي أن أختم هذه الحلقة بما كتبه الأستاذ قيس الزبيدي بصدق ووضوح:
"نجد أن النوستالجيا (الحنين) لابد أن تفهم في سياق الحاضر والعلاقة معه، فحالة النوستالجيا مؤشر على وجود علاقة مرتبكة بين الذات وإدراكها للعالم والواقع من حولها، سواء نحن كأفراد أو كجماعات في لحظة تاريخية معينة، وحينما يكون الواقع غير مدرك أو مستوعب تماما من قبل الذات تصبح غير قادرة على تعريف هويتها أو تسكين نفسها في موضع آمن داخل هذا العالم، فتلجأ إلى العيش في الماضي كنوع من المراوغة والالتفاف على الواقع المرفوض، ويظل الحنين مصاحبا لها إلى ما يشعرها بالأمان والاستقرار. إلا أن سؤالا هاما يمكن أن يُطرح علينا، حول ما إذا كانت النوستالجيا دوما تتجلى باعتبارها هروبًا من الواقع المأزوم." وجوابي عن هذا السؤال هو: ليس في كل الحالات أو بالضرورة، كما حاولت تبيانه في هذه الحلقة وميزت بين المجموعتين الأولى والثانية من جهة والمجموعة الثالثة من جهة أخرى، ثم المجموعة الرابعة أخيراً.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,192,710
- هل من عوامل تدفع باتجاه الحنين غير العقلاني للعهد الملكي في ...
- هل من عوامل تدفع باتجاه الحنين غير العقلاني للعهد الملكي في ...
- هل من عوامل تدفع باتجاه الحنين غير العقلاني للعهد الملكي؟ ال ...
- هل من عوامل تدفع باتجاه الحنين غير العقلاني للعهد الملكي؟ ال ...
- من يقف وراء محاولة اغتيال الدكتور محمد علي زيني؟
- لتبقى ذكراك عطرة صديقي ورفيقي العزيز أبا دنيا (حكمت تاج الدي ...
- دولة وسلطات الإسلام السياسي وعواقبها الشريرة في العراق
- الحشد الشعبي والصراع الأمريكي – الإيراني في الساحة السياسية ...
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...
- رسالة مفتوحة إلى السيد مقتدى الصدر في 22/06/2019
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...
- نظرات في كتاب: -مقالة في السفالة- للدكتور فالح مهدي - الحلقة ...


المزيد.....




- بعد مقتل جندي تركي.. هل -وقف إطلاق النار- شمال سوريا لا زال ...
- السلطات المصرية تعلن وجود مومياوات بداخل التوابيت المكتشفة ح ...
- الإجهاد والشوكولاته وأشعة الشمس.. ما هو جيد وسيء لبشرتك؟
- ألعاب أطفال داخل مسجد سعودي تثير ضجة.. والسلطات تتدخل
- الخطوط الأسترالية "كانتاس" تسافر 20 ساعة دون توقف ...
- الخطوط الأسترالية "كانتاس" تسافر 20 ساعة دون توقف ...
- أكاديمي لبناني: النظام الطائفي وصل إلى طريق مسدود؟
- أمراء حرب وزعماء طوائف.. 6 رجال يتصدرون المشهد السياسي اللبن ...
- نائب لبناني: وجود وزرائنا في الحكومة لم يعد مفيدا ولن نكون ش ...
- لافروف: على روسيا وأمريكا استعادة عمل البعثات الدبلوماسية بش ...


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم حبيب - هل من عوامل تدفع باتجاه الحنين غير العقلاني للعهد الملكي في العراق؟ الحلقة الخامسة: العوامل المتنوعة والمتباينة في الموقف من النظام الملكي