أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أنوار العمراوي - قواعد ممارسة العمل الإنساني















المزيد.....



قواعد ممارسة العمل الإنساني


أنوار العمراوي

الحوار المتمدن-العدد: 6302 - 2019 / 7 / 26 - 19:43
المحور: حقوق الانسان
    


المقدمة
لقد كان لمبدأ السيادة الذي ظهر مع ميلاد الدولة القومية ثم تطور مع تطور الدولة القومية في أوروبا وظهور المؤتمرات والمنظمات الدولية ، الأثر الكبير في ضبط ممارسة العمل الإنساني, و الدفع نحو تكريس شروط و ضوابط هذه الممارسة, وذلك من خلال تكريس ضرورة موافقة الدولة على عروض المساعدة و دخول المنظمات الانسانية من جهة , و المساهمة في ظهور مبادئ العمل الانساني باعتبارها قيود أساسية تفرض نفسها على كل مقدم للمساعدة الإنسانية من جهة ثانية .
و يتميز العمل الإنساني بشكل تام وكلي بطبيعته الإنسانية والمدنية , فهو يُنفذ بدون تمييز وبما يتمشى مع الاحتياجات الأشد إلحاحا , ونظرا لتعدد التعاريف القانونية و الفقهية للمساعدات الإنسانية , فإننا سنقتصر على تعريف الأمم المتحدة التي عرفتها بأنها "معونة تقدم لسكان متضررين , و يقصد بها في المقام الأول السعي إلى إنقاذ الأرواح والتخفيف من معاناة السكان المتضررين بالأزمة , و يتعين أن يكون تقديم المساعدات الإنسانية وفقا لمبادئ الإنسانية و مبدأي الحياد و النزاهة " .
وبناءا على ذلك فأهمية الموضوع تكمن في كون مسألة احترام و الالتزام بضوابط و شروط ممارسة العمل الإنساني تشكل حجر الزاوية و أساس لإضفاء طابع الشرعية على هذا العمل من جهة , و تشكل أهم أوجه الاختلاف بين المساعدة الإنسانية و النظريات المشابهة لها .
وقصد الإحاطة بالموضوع , لا بد من الإجابة عن الإشكال المحوري التالي : ما هي ضوابط العمل الإنساني ؟
وتتفرع عن الإشكالية المحورية , الأسئلة الفرعية التالية :
- هل يمكن تقديم المساعدة الإنسانية دون الحصول على موافقة الدولة المعنية ؟وهل هذه الموافقة مطلقة أم خاضعة لضوابط معقولة ؟
- هل هناك حلول القانونية لتجاوز رفض الدولة لتلقي المساعدة ؟
- و ما هي أهم مبادئ العمل الإنسانية ؟ و هل تطرح أية إشكاليات عملية ؟

إن دراستنا للموضوع اقتضت منا أن نعتمد على المنھج الاستقرائي حيث قمنا باستقراء ما يتعلق بالموضوع من جهة , مع الاعتماد على بعض آليات التحليل قصد تحليل مختلف جوانب الموضوع , وذلك من خلال التصميم التالي :


المبحث الأول: ضوابط ممارسة العمل الإنساني المستمدة من ميثاق الأمم المتحدة
المطلب الأول : موافقة الدولة على المساعدات الإنسانية
المطلب الثاني: مدى شرعية التدخل العسكري لفرض المساعدات الإنسانية
المبحث الثاني: ضوابط ممارسة العمل الإنساني المستمدة من خارج ميثاق الأمم المتحدة
المطلب الأول: المبادئ الأساسية لممارسة العمل الإنساني
المطلب الثاني: الاشكاليات التي تثيرها بعض المبادئ على المستوى العملي



المبحث الأول : ضوابط ممارسة العمل الإنساني المستمدة من ميثاق الأمم المتحدة
إذا كانت المساعدة الإنسانية ضرورية للتخفيف من المعاناة التي يعاني منها الإنسان بسبب الظروف الطبيعية مثل الأوبئة و المجاعة , أو لأسباب ذات صلة بالنزاعات المسلحة مثل مساعدة النازحين و اللاجئين و ضحايا الحروب , فيجب ألا تتخذ كحجة للمساس بسيادة الدول , سيما في ظل التنظيم الدولي الحالي الذي يصعب التمييز فيه بين الأوضاع التي تبرر التدخل و تلك التي تقتضي تقديم مساعدة إنسانية . فحق تقديم الإغاثة حق مشروط بضرورة الحصول على موافقة الدولة المعنية , إذ يجب أن يتماشى حق المساعدة الإنسانية مع صون السيادة .
ويطرح شرط احترام سيادة الدولة المعنية بالمساعدة الإنسانية ضرورة الحصول على الموافقة , و مع هذا فهل هذه الموافقة حق مطلق للدولة أم أنه يخضع لضوابط معينة و حدود معقولة , و هو ما نتناوله في (المطلب الأول) , و إن تمسكت الدولة بالرفض أو عدم الموافقة فهل هناك حلول قانونية لهذا الموقف , و هذا ما نتلمسه في (المطلب الثاني) .
المطلب الأول : موافقة الدولة على المساعدات الإنسانية
سنناقش في هذا المطلب الأول , السند القانوني المؤكد لشرط الموافقة (الفقرة الأولى) , ثم التعرض لحدود التمسك بالموافقة و هل يمثل ذلك انتقاصا من السيادة (الفقرة الثانية)
الفقرة الأولى : الموافقة شرط أساسي لتقديم المساعدة الإنسانية
يعتبر شرط الموافقة من الشروط الجوهرية للعمل الإنساني حيث يمكن تعريفه بأنه ذلك القبول المبدئي لتوزيع المساعدة الإنسانية على أراضي الدولة ، وهكذا فالمساعدة الإنسانية لا تعتبر قانونية إلا إذا احترمت هذا الشرط ، وهو شرط تكرس عبر مجموعة من النصوص القانونية (أ) والتوصيات والقرارات الصادرة عن الجمعية العامة (ب) نذكر منها :
أ‌- الأساس القانوني للموافقة
بالنسبة للقانون الدولي الإنساني , فإن موافقة الدولة المعنية بالمساعدة كتعبير عن السيادة يعد مبدءا جوهريا و ثابتا , فبناءا على نص المواد 9 , 9 , 9 و 10 من اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949 على التوالي " لا تكون أحكام الإتفاقية عقبة في سبيل الأنشطة الإنسانية التي يمكن أن تقوم بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو أية هيئة إنسانية غير متحيزة , بقصد حماية و إغاثة الجرحى و المرضى وأفراد الخدمات الطبية و الدينية , شريطة موافقة أطراف النزاع المعنية " .
و تثار بالنسبة للنزاعات المسلحة الداخلية مشكلة جوهرية تتعلق بالموافقة , فحسب المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع " يجوز لهيئة إنسانية غير متحيزة , كاللجنة الدولية للصليب الأحمر , أن تعرض خدماتها على أطراف النزاع " , و بناءا على ذلك إذا كان طرفا النزاع هما الحكومة من جهة و الثوار من جهة أخرى , فأي جهة منوط بها التعبير عن الموافقة ؟ و هنا يمكن التفكير في احتمالين , فإذا أرادت هيئة إنسانية التدخل في الأراضي الخاضعة لسلطة الحكومة الشرعية فإن الموافقة يجب أن تصدر عنها , أما إذا أرادت تلك الهيئة التدخل في المنطقة التي يسيطر عليها الثوار فيكون هذا الطرف هو المطالب بالتعبير عن الموافقة دون ضرورة الحصول على موافقة الحكومة الشرعية نظرا لأنه بالإمكان ماديا الوصول إلى هذه الأراضي دون المرور بالأراضي التي تهيمن عليها الحكومة .
فنظام المادة الثالثة وفقا لما كتبه "إيف ساندوز" يسمح عمليا للجنة الدولية للصليب الأحمر (أو لأي هيئة إنسانية غير متحيزة أخرى) بدخول أي أراضي دون موافقة الحكومة التي لا تزال تمثل الدولة بأكملها على الصعيد الدولي .
ومع ذلك ألا يثير هذا التفسير جدلا قانونيا بناءا على المادة 18 من البرتوكول الإضافي الثاني و التي تجعل الموافقة حكرا للدولة دون سواها ؟
بالنسبة للأستاذ " موريس توريللي" فإنه مادام أن البروتوكول إضافي فإن أحكام المعاهدة الرئيسية , أي اتفاقيات جنيف الأربع , تستمر في أن تكون لها الغلبة وفقا لاتفاقيات فيينا لقانون المعاهدات , نظرا لأن البروتوكولين وضعا من أجل تحسين مصير الضحايا و ليس العكس .
وتأكيدا لذلك اعتمدت لجنة موناكو الطبية القانونية –أثناء دورة انعاقدها العاشرة - قرارا تم التأكيد فيه على :" في المنازعات المسلحة غير الدولية , و عملا بالمادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع يحق لأي منظمة طبية غير حكومية أن تتصرف لدى كل طرف من الأطراف , سواء كان حكوميا أو غير حكومي , شريطة الحصول على موافقة الطرف الذي تتدخل لديه " .
وهنا وجب الإشارة إلى أنه في حالة الأراضي المحتلة ينبغي الحصول على الترخيص من سلطة الاحتلال وليس من السلطات الشرعية 1 ،ويرجع ذلك دون أدنى شك إلى أن سلطة الإحتلال هي التي تسيطر فعليا على السكان الذين سيتلقون تلك المساعدات كما تسيطر على الممرات التي سوف تمر و توزع فيها تلك المساعدات.
يتضح مما سبق أن نصوص اتفاقيات جنيف الأربع و بروتوكولاتها الاضافيين واضحة في هذا المجال غاية الوضوح , فضرورة الموافقة المسبقة ثابت و مستقر .
ب‌- توصيات الجمعية
أكدت الجمعية العامة على ضرورة احترام شرط موافقة الدولة محل الكارثة الإنسانية في مجموعة من التوصيات الصادرة عنها نذكر منها :
 قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 43/131 , الذي أعطى في ديباجته اولوية للسيادة الوطنية على المبادئ والاعتبارات الإنسانية إذ جاء في ديباجة القرار أنه " يجب مراعاة سيادة الدولة وسلامتها الإقليمية ووحدتها الوطنية قبل كل شيء..." , و تضيف الديباجة " أن المسؤولية تقع على كل دولة بالمقام الأول في أن تعنى بضحايا الكوارث الطبيعية و حالات الطوارئ المماثلة التي تحدث في أراضيها " , أما المادة الثانية من نفس القرار فتأكد على مبدأ سيادة كل الدول و وقوع الدور الأساسي على عاتق الدولة المعنية باتخاذ المبادرة و التنظيم و التنسيق و القيام بالمساعدة الإنسانية على أراضيها ".
 ويؤكد قرار الجمعية العامة رقم 45/ 100 , بدوره على وجوب احترام سيادة الدولة المتضررة و دورها الأساسي في القيام بتنظيم و تنسيق و تنفيذ خطط تقديم المساعدة الإنسانية على أراضيها , و يشترط القرار إيجاد ممرات مؤقتة للمساعدة الإنسانية العاجلة و ذلك بالاتفاق ما بين الدول المتضررة و الحكومات و المنظمات الدولية الحكومية و غير الحكومية.
 وتثبت الجمعية العامة مرة أخرى أولوية السيادة و الوحدة الإقليمية للدولة في قرار رقم 46/182 أن :" السيادة , السلامة الإقليمية و الوحدة الوطنية للدول يجب أن تكون لها الأولوية وفقا لميثاق الأمم المتحدة و في هذا الإطار فإن المساعدة مشروطة بموافقة الدولة المعنية , و بناء ا على طلب هذه الأخيرة . ووفقا للفقرة الرابعة من ذات القرار فإن الدور الأساسي يعود للدولة المعنية في المبادرة , تنسيق و تنفيذ المساعدة الإنسانية على أراضيها
ومن خلال ما سبق ذكره من توصيات الجمعية العامة يظهر أن مشروعية المساعدات الإنسانية هي رهن بقبولها من جانب الدولة المتضررة , و لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يكون هناك قرار يفرض على الدولة المتضررة قبولها بالمساعدة الإنسانية , أو يجبر غيرها على مرور قوافل الإغاثة عبر أراضيها إلى أراضي دولة مجاورة متضررة . إذ أن تنفيذ عمليات المساعدة عنوة على إقليم الدولة المعنية بها و دون أخذ موافقتها المسبقة أو إجبارها على الموافقة أو إلزامها بالموافقة يعني عدم مشروعية المساعدة , فالقواعد التي تحكم نظام المساعدة الإنسانية تستدعي الحصول على موافقة الدولة صاحبة السيادة على الإقليم الذي ستتم فيه عمليات المساعدة .
الفقرة الثانية : حدود الموافقة
إذا كان شرط الموافقة يفرض ضرورة الحصول المسبق من طرف المتدخلين على موافقة الدولة، فإن تجاوز هذا الشرط يترتب عليه عدم قانونية المساعدات الإنسانية، وبالتالي تفقد الحماية المقررة لها بمقتضى القانون الدولي الإنساني وذلك لأنها تنتهك حرمة السيادة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما يترتب عليه تعريض العاملين في تقديم تلك المساعدات إلى المنع والمعاقبة والمصادرة، لكن دون الوصول إلى حد استهدافهم عسكريا من طرف السلطات الحكومية لأن ذلك لا ينفي عنهم صفتهم المدنية.
لكن السؤال المطروح هو: ما العمل في حالة رفض الدولة محل الكوارث السماح للعاملين في المجال الإنساني الوصول إلى الضحايا الذين هم بحاجة لتلك المساعدات ؟
هذا ما سنحاول تبيانه من خلال الحديث عن السند القانوني لحدود الموافقة ثم لموقف القضاء و الفقه الدوليين من هذه المسألة .

أ‌- الاتفاقيات الدولية
يمكن التأكيد على أن شرط الموافقة ليس بشرط مطلق بل يمكن تجاوزه في بعض الحالات , فالفقرة الثانية من المادة 18 من البروتوكول الإضافي الثاني و المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول و المادة 14 من البروتوكول الإضافي الثاني " تحظر على الدولة تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب " . كما اعتبرت فقرة 2-ب من المادة 8 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن الإنكار المتعمد للمساعدة الإنسانية كما هو منصوص عليها في اتفاقيات جنيف يشكل جريمة حرب دولية , كما أشار البروتوكول الإضافي الأول أشار إلى مسؤولية أي طرف في النزاع في توفير الاحتياجات الإنسانية وضرورة السماح بدخول مواد الإغاثة الإنسانية في حالة عدم تزويدهم بما يكفي من مدد الغذاء والمدد الجوهري للبقاء .
و يرى الأستاذ " موريس توريللي " أنه لا يجوز نقض حق المبادرة بتقديم المساعدة الإنسانية , التي واففت عليه الدول قانونا على أساس أنه يمثل تدخلا , إذ أن الدول باعترافها به تكون قد عبرت عن سيادتها .
ب‌- القضاء الدولي
و في هذا الإطار أكدت محكمة العدل الدولية في قرارها الخاصة ب"قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية الامريكية في نيكارغوا و ضدها " أن مساعدة الصليب الأحمر المحصورة في أغراضها و المقدمة دون أي تمييز , لم تكن لها طابع التدخل المشجوب في الشؤون الداخلية للدول , كما صرحت المحكمة بأنه يجب أن يحترم حق السيادة والاستقلال السياسي لجمهورية نيكاراجوا على غرار كل الدول الأخرى، احتراما تاما ولا يمس بأي شكل من الأشكال سيادتها جراء أي نشاط عسكري أو شبه عسكري محظور بموجب القانون الدولي، ولاسيما المبدأ القاضي بحظر استعمال القوة أو التهديد باستعمالها في العلاقات الدولية ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة .
ج‌- الفقه الدولي
إن القرار الذي اعتمده معهد القانون الدولي بشأن جاك دي كومبستيل بتاريخ 13/09/1989 يؤكد على أنه :" لا يمكن اعتبار أي عرض تقدمه دولة أو مجموعة من الدول أو منظمة دولية أو هيئة إنسانية غير متحيزة , نظير اللجنة الدولية للصليب الأحمر , بغرض منح معونة غذائية أو صحية لدولة تتعرض حياة سكانها أو صحتهم لخطر جسيم بمثابة تدخل غير مشروع في الشؤون الداخلية لهذه الدولة " , و يضيف ذات القرار في مادته الخامسة أنه لا ينبغي للدول التي تقع في أراضيها حالات ضيق أن ترفض بطريقة تعسفية تقديم مثل هذه المعونة .
وقد ازدادت الدعوة أكثر فأكثر إلى عدم جعل السيادة الداخلية للدولة حاجزا أمام تقديم المساعدة الإنسانية إلى كل من هو في حاجة إليها , بل يجب على الدولة تسهيل هذه المهمة , خصوصا و أن قضايا حقوق الإنسان لم تعد خاضعة للاختصاص المانع للدول , و بالتالي لا يمكن إشهار سلاح السيادة في وجه المجموعة الدولية لغرض حماية الحقوق و الحريات الأساسية .
والقانونيون كما السياسيون يعلنون بأن المساعدة الإنسانية لا ترتقي إلى التقليل أو انتهاك السيادة , و لكنها فقط تعني ضرورة ممارسة الدولة لسيادتها في اتجاه أكثر إنسانية و أخلاقية , و أن ضرورة الإقرار بحق الوصول إلى الضحايا أو على الأقل تحرير لمبدأ الوصول إلى الضحايا لا يعني بأي حال من الأحوال تنازلا عن السيادة , و إنما لجعل ممارسة الدولة تتخذ مرونة أكثر .
ولكن ورغم ما ورد بشأن عدم وجود حق مطلق للدولة في إبداء الموافقة أو الرفض. فهل استمرار الدولة المعنية في الرفض و عدم قبولها لعروض المساعدة الإنسانية يتيح للمجتمع الدولي إمكانية فرض هذه المساعدة الإنسانية بالقوة العسكرية إن لزم الحال ؟ بمعنى آخر كيف يكون استخدام القوة العسكرية مشروعا ؟
المطلب الثاني : مدى شرعية التدخل العسكري لفرض المساعدات الإنسانية
إن استعمال القوة العسكرية لأي غرض يعد غير مشروع وفقا لمقتضيات المادة 2 الفقرة 4 ، من الميثاق (الفقرة الأولى) ، غير أن ذلك لا يخل بتدابير القمع التي يتخذها مجلس الأمن وفقا للفصل السابع من الميثاق ، وهذا ما قررته المادة 2 من الفقرة 7 من الميثاق (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى : تحريم اللجوء الى القوة لفرض المساعدات الإنسانية
إن تدخل الدول إذا اتخذ شكل التدخل المسلح يعد غير مشروع دائما في نظر القانون الدولي، وقد تم التأكيد على هذا التحريم في قرار الجمعية العامة رقم 2625 الصادر بتاريخ 10 أكتوبر1970" إلمتعلق بمبادئ القانون الدولي المتصلة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة" والذي يعتبر آلية أساسية لتفسير ميثاق الأمم المتحدة ، حين أكد على :" تحريم استعمال اللجوء إلى القوة من أجل انتهاك حدود دولة أخرى معترف بها دوليا، كما أنه لا يجوز استعمال هذه الوسيلة لانتهاك الحدود الدولية " . وقد تم التأكيد على ذلك في إعلان مانيلا . و قد كان موقف محكمة العدل الدولية واضحا، عندما صرحت أن :" القانون الذي يرعى حق التدخل ما هو إلا تعبير سياسي لقوة سياسية اثبتت في الماضي الانحرافات الخطيرة ضد الانسانية ولا يمكن إدراجها ضمن أي هدف دولي ".
ويؤكد القرار الذي اعتمده معهد القانون الدولي أنه:" لا يجوز أن يتخذ تقديم المعونة، لاسيما بالوسائل المتبعة حاليا شكل التهديد بالتدخل المسلح أو باتخاذ أي إجراء زاجر آخر.
وفي نفس السياق جاء قرار الجمعية العامة رقم 36/103 الصادر بتاريخ 09/16/1980 ليتم ويؤكد في نفس الوقت القرارات التي سبقته وذلك بالنص على :" واجب الدول في الامتناع عن استغلال وتشويه قضايا حقوق الانسان كوسيلة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول، أو لممارسة الضغط على مجموعات الدول وفيما بينها "، ويمثل قرار الجمعية العامة رقم 36/103 بالنسبة للأستاذ " شانتل كاربونتيه " دليلا على أن المساعدة الانسانية مستثناة من استعمال القوة، ولا يمكن استعمال المساعدة الانسانية كذريعة أو وسيلة لتخطي عقبة التحريم التي تمنع الدول من التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى .
وتثبت مرة أخرى المادة الثالثة من البروتوكول الاضافي الثاني حرمة السيادة الوطنية ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول لأي سبب كان، والحظر هنا عالم ولا يعني بالتالي الدول فحسب بل حتى الكيانات الأخرى من المنتظمات الدولية الحكومية وغي الحكومية التي قد تتذرع بالبروتوكول للتدخل في شؤون الدول التي يدور على أراضيها النزاع المسلح .
وإذا استثنينا القرارات التي يتخذها مجلس الأمن، فإن النظام الذي يقضي به ميثاق الأمم المتحدة لا ينص على استخدام القوة سوى في حالة الدفاع الشرعي، وبما أن الدفاع الشرعي حق فردي أو جماعي فإنه يسمح بطبيعة الحال بتدخل الدول التي لا يقع عليها الاعتداء مباشرة ، ولكنه بكل وضوح على الحالات التي تكون فيها أي دولة عضو في موضع اعتداء مسلح.
والحجج البديهية التي تحول دون هذه الممارسات تستند إلى كون التساهل في قبول التدخل الإنساني يتسبب في خلق جو من الريبة والشك في العلاقات الدولية ويلحق الضرر بمجمل نظام الأمن الذي وضع بالاستناد إلى إلى ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي سوف يؤدي بالتأكيد إلى حصول التجاوزات والمخالفات التي ربما تجعل من انتهاك حقوق الانسان ذريعة للتدخل لأغراض أخرى .
الفقرة الثانية: الاستثناءات الواردة على مبدأ تحريم اللجوء إلى القوة
يمنح القانون الدولي استثناءا يتعلق باللجوء إلى القوة من طرف مجلس الأمن وفقا لمقتضيات الفصل السابع من الميثاق، وفقا لما جاء في المادة 2 فقرة 7 من الميثاق .
فقد تم تخويل مسؤولية إقرار السلم والأمن الدوليين لمجلس الأمن فقط، وفقا لنص المادة 39 من الميثاق يملك مجلس الأمن إزاء أي تهديد للسلم أو إخلال به، أو أي عمل من أعمال العدوان إصدار توصيات أو اتخاذ القرار بشأن الاجراءات الواجب اتخاذها هذا الصدد وفقا للمادتين 41 و 42 وهذا من أجل إقرار السلم والأمن الدوليين ، وهذه الاجراءات الواردة في الفصل السابع من الميثاق قد تشمل الاجراءات القمعية أي استخدام القوة العسكرية.
فإذا تبين أن الاجراءات التي تشير إليها المادة 41، لا تفي بالغرض، جاز لمجلس الأمن " أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية، من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدوليين، أو لإعادته إلى نصابه، ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء الأمم المتحدة .
كما يملك مجلس الأمن سلطة تفويض مهامه لإحدى الدول، كما تقضي المادة 53 فقرة 1، بإمكانية لجوء مجلس الأمن إلى منظمات إقليمية للقيام بأعمال عسكرية تحت سلطته المباشرة،. ويملك مجلس الأمن في سبيل المحافظة على السلم والأمن الدوليين سلطة تقديرية واسعة في تحديد الحالات التي تمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين .
ولكن ورغم التنصيص القانوني لطريقة اللجوء إلى القوة العسكرية، فإن إفلاس النظام المركزي لحماية السلم والأمن الدوليين المجدد في الميثاق، خلال سنوات عديدة قبل اندحار الاتحاد السوفييتي، بسبب الشلل الذي أصاب مجلس الأمن من خلال الاستعمال المفرط لحق الفيتو من قبل الدول العظمى، أضف إلى ذلك عدم انضمام العديد من الدول الى الاتفاقيات الخاصة بالتسوية السلمية للمنازعات الدولية، كل ذلك أدى إلى اللجوء المفرط للقوة من قبل الدول، وفقا للأسباب التي تراها تبيح شرعية تدخلها وتعد استثناءات على مبدأ تحريم اللجوء إلى القوة الوارد في المادة2/4 من الميثاق .
وقد ظهرت بهذا الخصوص عدة نظريات أهمها:
1_ حق التدخل لأجل حماية رعايا الدولة في الخارج، وقد بررت العديد من الدول تدخلاتها العسكرية وفقا لذلك ومنها تدخل إسرائيل في عنتابة، وعملية تحرير الرهائن الأمريكيين في إيران، وتدخل الولايات المتحدة الأمريكية في جرينادا .
_ حق التدخل الإنساني .
_ حق اتخاذ الاجراءات المناسبة لصد أعمال العدوان .
_ حق الدول المستعمرة في اللجوء إلى القوة، وشن حرب تحريرية، مع إمكانية الحصول على الدعم الخارجي " ولقد لقي هذا الاتجاه قبولا واسعا من خلال الجمعية العامة ". غير أن أغلبية هذه النظريات تبقى محل استفهام كبير، ومن جهة أخرى فإن الواقع يبرهن على وجود اعتراض بين عليها.
وتبقى الوسيلة الوحيدة الشرعية للجوء إلى القوة في ميثاق الأمم المتحدة تنحصر في الفصل السابع من الميثاق والجهاز الوحيد المخول له اتخاذ إجراء وتدابير القمع العسكري هو مجلس الأمن الدولي.
وهذا ما يوضح لنا كيف أن الجمعية العامة من خلال أمينها العام -أثناء الوضعية المأساوية التي شهدتها البوسنة والهرسك- كانت تترجى مجلس الأمن اتخاذ اجراءات جديدة مستعجلة وفقا لمقتضيات الفصل السابع من الميثاق، ولأجل ذلك جاء قرار مجلس الأمن رقم 770 بتاريخ 13/8/1996، الذي اعتبر بأن الوضعية المأساوية في البوسنة والهرسك تشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين ، وأن تسليم المساعدة الإنسانية يعد عاملا مهما في جهود المجلس لإعادة السلم والأمن الدوليين إلى المنطقة. ويشير ذات القرار إلى ضرورة استخدام القوة العسكرية من أجل حماية قوافل المساعدة الإنسانية المرسلة إلى السكان المدنيين في البوسنة و الهرسك , ففي مقدمة القرار يؤكد مجلس الأمن " تصميمه على توفير الشروط الملائمة وفي أسرع وقت ممكن لإرسال المساعدة الإنسانية حيثما هناك حاجة في البوسنة و الهرسك طتقا للقرار 764 " .
كما أن قرار مجلس الأمن رقم 794 بتاريخ 3/12/1992،بشأن الحالة في الصومال و تدهورها قد اعتبر أن "جسامة المأساة الإنسانية التي سببها النزاع في الصومال و التي زادت حدتها نتيجة للعقبات التي توضع أمام توزيع المساعدة الإنسانية تشكل تهديدا للامن و السلم الدوليين " (الفقرة الثانية /المقدمة) , و مستندا إلى هذا الاستثناء، نظم عملية عسكرية مستعجلة في الصومال " ONUSOM". وفي 27/03/1997، صدر قرار مجلس الأمن رقم 1101 الذي سمح بإنشاء قوة دولية في ألبانيا من أجل تسهيل عمليات المساعدة الإنسانية والمساهمة في خلق بيئة آمنة لتسهيل مهام المنظمات الدولية بها .
و اتخذ مجلس الامن الدولي كذلك قرار رقم 1973 المعقود في جلسته 6498 سنة بشأن لأوضاع في ليبيا سنة 2011، الذي أعرب فيه عن قلقه البالغ إزاء تدهور الوضع وتصاعد العنف والخسائر الفادحة في صفوف المدنيين، حيث رأى القرار أن الهجمات الممنهجة الواسعة النطاق التي تشن حاليا في الجماهيرية العربية الليبية على السكان المدنيين قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
كما فرض القرار حظر على جميع الرحلات الجوية في المجال الجوي للجماهيرية الليبية العربية من أجل المساعدة على حماية المدنيين، على ألا ينطبق الحظر المفروض بموجب الفقرة 6 على الرحلات الجوية التي يكون غرضها الوحيد غرضا انسانيا، كما شدد القرار على حظر توريد الأسلحة المفروض بموجب الفقرتين 9-10 منه.
وتأسيسا على ما سبق يمكن القول بأن المساعدات الانسانية تخضع لمجموعة من المبادئ الأساسية كما أنها تثير مجموعة من الاشكالات على المستوى العملي .

المبحث الثاني : ضوابط ممارسة العمل الإنساني المستمدة من خارج ميثاق الأمم المتحدة
تعتبر مسألة احترام مبادئ و ضوابط ممارسة العمل الانساني مسألة عقيدة عند المنظمات الإنسانية ، ولكنها تبدو لمن هم خارج المجال ضبابية ، فالمساعدات دون مبادئ توشك أن تصبح مساعدات دون المستوى ؛ إذ قد تفضي إلى بعض الخير ، ولكن ما لم تحركها تقييمات وقرارات غير منحازة ، فمن المرجح ألا تستطيع تلبية الاحتياجات الأكبر ، وقد تزيد من التوتر بين مختلف الجماعات . فعدم احترام هذه المبادئ سيجعل من هذه الأخيرة طرفا في النزاع ما سيهدد ممارستها لعملها و يثير الكثير من الشكوك حولها .
وهذا ما يفرض علينا التطرق لمبادئ العمل الإنساني الأساسية الواجب مراعاتها حين تقديم المساعدة الانسانية - المتمثلة في " مبدأ الإنسانية , مبدأ الحياد , مبدأ عدم التحيز " -, والتي تم الإعلان عنها لأول مرة في إطار مؤتمر الدولي العشرين للحركة في فيينا بالنمسا سنة1965 وتم التأكيد عليها خلال المؤتمرات اللاحقة للحركة الدولية للصليب الأحمر و الهلال الأحمر , إلا أن الإعلان عنها لا يعني أنها مبتكرة بل هو في الحقيقة تدوين و تقنين لقواعد عرفية حكمت عمل الصليب الأحمر منذ نشأته , وهذه القواعد التي قامت باستمرار على أفكار معينة لها طبيعة أخلاقية , وشكلت وحدة فكرية بمثابة العمود الفقري لحركة الصليب الأحمر . فقد كان مبدأ السيادة الوطنية وضرورة موافقة الدولة على عروض المساعدة الإنسانية ودخول المنظمات الإنسانية الأثر الكبير في ظهور هذه المبادئ ضمن سياق العمل الانساني، باعتبارها قيود أساسية تفرض نفسها على كل مقدم للمساعدة الانسانية .
وبناءا على ما سبق سنحاول في هذا المبحث تحديد المقصود بهذه المبادئ (المطلب الأول) , على نناقش بعض الإشكاليات التي تثيرها على مستوى التنفيذ العملي (المطلب الثاني)
المطلب الأول : المبادئ الأساسية لممارسة العمل الإنساني
سنتناول الحديث في هذا المطلب الحديث عن مبدأ الإنسانية (الفقرة الأولى) , ثم عن مبدأ الحياد (الفقرة الثانية ) مبدأ عدم التحيز (الفقرة الثالثة) و أخيرا سنتحدث عن مبدا النزاهة (الفقرة الرابعة)
الفقرة الأولى : مبدأ الانسانية humanite"
و هو مبدأ شامل يحفز على العمل والدافع الطبيعي لمساعدة بني البشر وهو موجود في جميع الثقافات ، ويجسد هذا المبدأ ويعبر عن قيم إنسانية مشتركة : من تراحم وتعاطف ومشاركة وجدانية ومساعدة متبادلة، ورغبة في الوصول إلى الآخرين للتخفيف من معاناتهم وحمايتهم من التعرض لمزيد من الضرر وتشكل هذه المفاهيم أساس مجموعة من القوانين والمبادئ الأخلاقية والأعراف في جميع الثقافات تقريبا .
و مبدأ الإنسانية كما يحدده النظام الأساسي للصليب الأحمر يعني تدارك معاناة البشر وتخفيفها في جميع الأحوال ويستهدف حماية الحياة والصحة وضمان احترام الإنسان .
و في تعليقه على هذا المبدأ يقول "جان بكتيه" بأن : " مصدر مبدأ الإنسانية موجود في الأخلاق الاجتماعية، ويمكن تلخيصه في جملة واحدة، افعل للأخرين ما تريد ان يفعل لك، هذا الأمر موجود بطريقة تقريبا متطابقة في كل الأديان سواء الديانة الإبراهيمية، اليهودية، المسيحية، الإسلام ،البوذية.......وهي قاعدة ذهبية للوضعيين الذين لا يعتمدون على الدين ولكن على المعطيات والتجارب كسبب وحيد " , وهذا المبدأ يسعى الى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية وهي:
أ‌- تخفيف والوقاية من المعاناة الإنسانية .
ب‌- حماية الحياة الصحة واحترام الشخصية الإنسانية
ج‌- تعزيز التضامن الدولي والسلام الدائم
وقد أكد قرار الجمعية العامة رقم 43/131 السابق الذكر على مبدأ الانسانية ،"... حيث يجب أن تكون مبادئ الإنسانية ... فوق كل اعتبار لدى جميع من يقدمون المساعدة الانسانية ". وبالنسبة لمحكمة العدل الدولية فإن مبدأ الانسانية الذي ينادي الصليب الأحمر به يعد شرطا أساسيا لكل عمل إنساني.
ودائما ونحو تأكيد مبدأ الانسانية ، انتهى المؤتمر الدولي للحقوق والأخلاق الانسانية , إلى تبني مشروع جاء في الفقرة الأخيرة من مقدمته "... أن المبادئ الانسانية يجب أن تسمو على جميع الاعتبارات الأخرى و تفرض نفسها على كل قادر على تقديم المساعدة الإنسانية " .
ووفقا لمبدأ الانسانية فإن المساعدة الإنسانية لا يمكن أن تفرض من المنظمات ، لأنه في الواقع إذا كان بإمكان المنظمات الانسانية استعمال القوة العسكرية وما يتبعه من قتل للأفراد وجرحهم لإنقاذ الضحايا، فإن المساعدة الإنسانية تفقد معناها ومبررها ، ولهذا فإن السعي والعمل لتحقيق فعالية اكبر للعمل الإنساني وفقا لمبدأ الانسانية يفرض العمل بحذر دائم ، خصوصا إذا أدركنا أن طبيعة هذا العمل كانت في وقت سابق محل فهم خاطئ وتشويه كبير .
الفقرة الثانية : مبدأ الحياد Neutral neutralite
يعني الالتزام بمبدأ الحياد أن المسعى الانساني لا يجب أن يرتبط بعملية سياسية مقرونة بأي استعمال للقوة العسكرية ، ولكن فقط لخدمة مصالح كل الضحايا ، وعلى المنظمات الانسانية ألا تتدخل في أي خلافات ذات طابع سياسي أو إيديولوجي أو ديني ، ومعاني الحياد تمنع كما لخصها " برانارد كوشنير" أي تدخل في الخلافات المستمرة للمجموعات المتنازعة .
و يعد مبدأ الحياد مبدأ أساسي للعمل الإنساني , و كذالك الشأن بالنسبة للحركة الدولية لصليب الأحمر و الهلال الأحمر التي تصنفه ضمن مبادئ السلوك بالنسبة للحركة حيث ينص نظامها الأساسي على أنه كي تستمر الحركة في التمتع بثقة الجميع، فأنها تتجنب الانحياز إلى طرف من الأطراف إثناء العمليات العدائية وتنأى بنفسها عن المشاركة في أي جدل ذو طابع سياسي او عنصري أو ديني أو أيديولوجي في أي وقت من الأوقات".
ويتطلب الحياد المطبق في المساعدة الانسانية التمييز بين الأنشطة المرتبطة بتوزيع مواد الإغاثة التي تتدرج عموما تحت كلمة " مساعدة" , و اشكال العمل الأخرى التي يمكن أن تقوم بها المنظمات العاملة بمجال المساعدات الطبية والغذائية ومنها تلك المتعلقة بإدانة الانتهاكات .
ربما يكون الحياد المبدأ الذي يساء فهمه أكثر من بين المبادئ الأساسية الأخرى، رغم انه أحد المبادئ الأساسية الضرورية. ويخطئ البعض أحيانا كثيرة في فهم الحياد اذ يعتقد انه السلبية أو اللامبالاة ، لكن عدم الانحياز ألي طرف في النزاع ال يعني عدم المبالاة، ويمكن مبدأ الحياد المنظمة الإنسانية في الواقع من وضع مبدأي الإنسانية وعدم التحيز محل التنفيذ.
ولكن لماذا يساء فهم الحياد؟ أولا وقبل كل شيء، الحياد هو السبب الرئيسي وراء شعور الجميع على كافة جوانب النزاع بإمكانية الثقة في المنظمة الإنسانية، فالحياد هو الذي يفتح الأبواب، وهو غالبا الذي يمكن مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة السجناء، ويسمح لقوافل الإغاثة بالدخول إلى مناطق النزاع ويساعد على ضمان عدم تعرض متطوعي الجمعيات الوطنية للهجوم ويقاوم المتطوعون بشدة الضغوط الهائلة التي تمارس للانحياز إلى جانب الأخر ،
ومع هذا يبقى مبدأ الحياد مبدأ أساسيا يحظر اتخاذ أي موقف بشأن أسباب النزاع، وهكذا جاء في قرار الجمعية العامة 43/131 ما يلي : يجب أن تكوم مبادئ العمل الانساني والحيدة فوق كل اعتبار لدى من جميع من يقدمون المساعدة الانسانية، وكلمة " جميع" تعني كل الدوائر الحكومية التي تدير بنفسها أعمال الإغاثة الانسانية، والمنظمات غير الحكومية كذلك.
كما تنص المبادئ التوجيهية الملحقة بالقرار 46 / 182 في البند الثاني منها، على أنه يجب أن تقدم المساعدة الانسانية وفقا لمبادئ العمل الانساني والحياد.
وبالمثل ذكر الحياد في الكثير من النصوص التي صدرت في منظمات عديدة مهتمة بمجال الإغاثة لتكون بمثابة خطوط توجيهية لأنشطتها، أو أنشطة المساعدة بوجه عام، وهكذا يظهر مبدأ الحياد ضمن المبادئ والمعضلات الانسانية أثناء العمليات التي تنفذ في مناطق المنازعات المسلحة " التي أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" , وورد ذكر الحياد في " معايير موهونك للمساعدة الانسانية في حالات الطوارئ المعقدة" وفي المبادئ التوجيهية المتعلقة بالحق في المساعدة الانسانية التي اعتمدها معهد القانون الدولي الانساني في دورته المنعقدة في أبريل 1993.
كما وردت مسألة الحياد أيضا في قرار معهد القانون الدولي بتاريخ 1989، حيث يؤكد القرار بأن " العرض المقدم من دولة أو مجموعة من الدول أو منظمة دولية حكومية أو منظمة إنسانية محايدة لا يمكن اعتباره تدخلا غير مشروع". وهو نفس ما جاء في مشروع المؤتمر الدولي للحقوق والأخلاق الانسانية بتأكيده على سمو مبدأ الحياد الذي يجب أن يكون أرقى من أي اعتبارات أخرى .
الفقرة الثالثة: مبدأ عدم التحيز IMPARTIALITE"
يهدف هذا المبدأ إلى التأكيد على أن المنظمات العاملة في مجال تقديم المساعدات الإنسانية لن تتأثر بأية عوامل غير العوامل الإنسانية للقيام بواجبها في الاستجابة لنداء استغاثة أو لتطبيق الاتفاقيات الدولية . و إنه سيرتقي فوق النزاعات التي يمكن أن تؤثر في قرار المساعدة فلا يكون هاجسه سوى تخفيف المعاناة و الآلام , و يكمل هذا المبدأ المبادئ السابقة لجهة التأكيد أيضا على عدم التمييز بين أصحاب الحاجة , ليس فقط في ساحات المعارك بل و في كل مناسبة تستدعي تقديم المساعدة .
وقد أكد النظام الاساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر على هذا المبدأ بالقول " لا تميز الحركة بين الأشخاص على أساس جنسياتهم او عرقهم او معتقداتهم الدينية او وظيفتهم الاجتماعية او آرائهم السياسية. فكل ما تسعى إليه هو التخفيف من معاناة هؤلاء الأشخاص مسترشدة بمعيار واحد هو مدى احتياجاتهم، مع إعطاء الأولية ألشد حالات المعاناة إلحاحا."
وهذا المبدأ يرتكز على ثالثة عناصر مختلفة ، حيث اعتبرها "جان بكتيه" في كتابه المبادئ الأساسية للصليب الأحمر " أكثر من مجرد عناصر مكونة لمبدأ عدم التحيز بل هي مبادئ منفصلة ومستقلة "المساواة، التناسب، وعدم التحيز
أ-عدم التمييز:
يعتبر عدم التمييز جزءا لا يتجزأ من مبدأ الإنسانية وهو يعترف اعترافا كاملا بكل فرد بصفته كائنا بشريا ويشكل جزءا أصيلا من مبدأ الحياد , ويعني ذلك ان الصديق والعدو يحق لهما على قدم المساواة الحصول على المساعدة اثناء النزاعات المسلحة او الاضطرابات الداخلية .
وقد تجسد هذا المبدأ في اتفاقيات جنيف منذ البداية، حيث نصت اتفاقية جنيف لعام 1864 على وجوب جمع المقاتلين المصابين او المرضى والاعتناء بهم، بغض النظر عن جنسيتهم. وقد وسعت اتفاقية جنيف 1949 البروتوكولين الملحقين بها لعام 1977 نطاق اشتراط عدم التمييز بحيث أصبح يمثل "أي تمييز ضار يقوم على الجنس او العنصر او الجنسية او الدين او الآراء السياسية او أي معيار مماثل آخر ."
وهكذا تشير الفقرة الأولى من المادة 70 من البروتوكول الاضافي الأول إلى إيصال الإغاثة ذات الطابع الإنساني والتي تجري بدون أي تمييز مجحف ، وتذكر الفقرة الثانية من المادة 18 من البروتوكول الإضافي الثاني " أعمال الإغاثة لمساعدة السكان المدنيين.." ، والتي تجري بدون تمييز مجحف ، ووفقا للمادة 2 فقرة 1 من البروتوكول الإضافي الثاني فإن التمييز المجحف هو ذلك التمييز المبني على العرق أو اللون أو الانتماء السياسي أو الجنس أو اللغة...، ويمثل واجب عدم التمييز أحد ركائز عمل الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر في عملياتها الانسانية، حيث يشير قرار محكمة العدل الدولية السابق الذكر- المتعلق بقضية نيكارغوا- بشكل مباشر إلى ممارسة هذه المنظمة غير الحكومية.
ب-المساعدة بالتناسب مع المعاناة:
لا يعني عدم التمييز المعاملة المتطابقة بل يعني ان المعاملة غير المتحيزة تأخذ في الحسبان مدى المعاناة التي يكابدها الأفراد ومدى حاجتهم الملحة ، وتوزع المساعدات بالتالي على من هم في أشد الحاجة اليها أولا على وجه السرعة ، وقد نص القانون الدولي الإنساني أيضا على وجوب منح معاملة تفضيلية لبعض الفئات المستضعفة من الأشخاص بصفة خاصة، مثل الأطفال والنساء وكبار السن، وينبغي إيلاء القدر نفسه من الرعاية والحماية للمرضى والجرحى وتحديدي الأولوية في منح الرعاية على أساس الدواعي الطبية العاجلة وحدها.
ج-عدم التحيز: تجنب المحاباة الشخصية:
يتطلب مبدأ التحيز أيضا طرح محاباة او انتماءات شخصية جانبا، فإذا قام أحد متطوعي أو موظفي منظمة إنسانية في سياق عمله بمنح صديقه معاملة أفضل من تلك التي يمنحها للآخرين فانه بذلك يخالف مبدأ عدم التحيز فهذا المبدأ يقتضي ضرورة بذل الجهد لتخطي جميع الأحكام المسبقة , ومقاومة تأثير العوامل الشخصية- بوعي او غير وعي - واتخاذ القرارات على أساس الحقائق وحدها،من اجل العمل دون محاباة او تحامل . "
ويؤكد القرارين رقم 43/131 و 45/100 الصادرين عن الجمعية العامة على احترام ذات المبدأ ، حيث جاء في القرار 43/131 أنه في حالة الكوارث الطبيعية والحالات المستعجلة المماثلة، يجب أن تكون مبادئ العمل الانساني وعدم التمييز فوق كل اعتبار من قبل من يقدمون المساعدة الانساني، وفي قرار معهد القانون الدولي لسنة 1989 نجده يؤكد على أن تتم المساعدة والإغاثة بدون أي تمييز".
أما محكمة العدل الدولية فقد وضعت مبدأ عدم التمييز على رأس الأولويات، وحسبها حتى لا تتخذ المساعدة طابع التدخل المشجوب في الشؤون الداخلية لدولة ما، لا يجب فقط أن تكون المساعدة مطابقة لما كرسته ممارسات الصليب الأحمر في سبل التخفيف من معاناة البشر والحفاظ على الحياة والصحة وضمان احترام الشخصية الانسانية، ولكن يجب أن تمنح دون أي تمييز لكل من هو في حاجة إليها .
الفقرة الرابعة: مبدأ النزاهة
تعرف النزاهة كبدا عمل في المجال الإنساني بمعنى العمل الإنساني بجب ان يدار بموجب معيار موضوعي أي ان المساعدة تقدم على أساس المعيار الموضوعي دون أي اعتبارات اخرى وقد لا يعني هدا ان كل الأطراف المتنازعة اثناء النزاعات المسلحة سوف تتلقى نفس الكمية من المساعدات
وقد تناول المؤتمر الخامس و العشرون للحركة الدولية لصليب الأحمر و الهلال الأحمر في سنة 1982 :. مسالة النزاهة و اعتبرها تعني الابتعاد عن التميز سواء بالنسبة للجنس .الجنسية.المعتقد الديني او الرأي السياسي ،. وأنها كمبدأ عمل تسعى للتخفيف من معاناة الأشخاص وفقا لمعيار الحاجة مع إعطاء أولوية للحاجات اكثر استعجالا .
ولهدا سعة الجمعية العامة للأمم المتحدة الى ادراج مبدا النزاهة كأحد المبادئ الأساسية التي ترافق تسليم المساعدة الإنسانية و تفرض نفسها على كل مقدم للمساعدة الإنسانية فقد ذكرت في قرارها رقم 46 / 182 على ان المساعدة الإنسانية يجب ان تقدم بموجب مبدا النزاهة و قد اكدت المادة 18من البرتوكول الإضافي الثاني لسنة 1977 على ذات لمبدا . وخلص المؤتمر الدولي للحقوق و الاخلاق الإنسانية الى ان : مبادئ (….) والنزاهة يجب ان تسمو على أي اعتبارات أخرى و تفرض نفسها على كل قادر على المساعدة الإنسانية .

المطلب الثاني : الاشكاليات التي تثيرها بعض المبادئ على المستوى العملي
وهذا ما يفرض علينا طرح الإشكالات التي تثيرها هذه المبادئ على مستوى التنفيذ العملي , وذلك من خلال التطرق للإشكاليات التي يثيرها مبدأ الحياد (الفقرة الأولى) , ثم الإشكاليات التي يثيرها مبدأ عدم التمييز خاصة في حالة تدخل مجلس الأمن(الفقرة الثانية) .
الفقرة الأولى : الإشكاليات التي يثيرها مبدأ الحياد
لا شك أن الحياد يثير عدة إشكاليات ضمن سياق العمل الإنساني , وسوف نحاول تلمس أهم هذه الإشكاليات فيما يلي :
أ‌- الحياد و التنديد بحقوق الانسان
كثيرا ما تجد منظمات العمل الإنساني نفسها في خضم إشكالية معقدة وهي التزام الحياد في الصراعات , فالمنظمات الإنسانية التي تعرف بنفسها كمنظمات " قائمة على مبادئ " - أي تستند في أعمالها على مبادئ عدم التمييز و الحياد و الاستقلال - تجد نفسها في موقف غير مريح , فمن الناحية الأخلاقية لا يمكن لها ان تسكت على المآسي وألا تفضح الخروقات التي تمس حقوق الإنسان , و في هذا الصدد يرى الأستاذ "ماريو بتاتي" بأنه لا شك في أن الحياد شرط أساسي للعمل الانساني , و لكن ليس من المقبول اليوم , كما كان الحال سابقا , أن تكون فكرة شاملة عن عواقبه الوخيمة في بعض الحالات . ولذلك فإن الجيل الثاني المعني بالعمل الانساني , أي جيل الأطباء الفرنسيين و العديد من المنظمات غير الحكومية الطبية و الصحية المؤسسة في نهاية الستينات , ترفض ما يترتب على الحياد المشل من آثار سلبية , و من الآن فصاعدا , ليس من المقبول أن يؤدي الحياد إلى الجمود و إلا كان الثمن فسادا جسيما " .
بل و إن البعض يقرر بأن التقيد بالحياد في المنازعات التي تقع داخل الدولة فشل في كثير من الحالات في استعادة السلم , و أنه في بعض الحالات الأخرى كما حدث في البوسنة قد يطيل المعانات بالفعل .
ومع ذلك يجد فاعلو العمل الإنساني أنفسهم في أغلب الصراعات مجبرين على الصمت ، وهو "صمت ضروري" لكي لا تمنع من أداء دورها الإنساني من طرف الجهات السياسية المتنفذة في الصراع عملا بالمقولة: "التزموا الصمت وعالجوا.." , فليس على العامل في المجال الإنساني أن يحكم على من هو المخطئ في الصراع ومن هو الضحية فالمهم توفير المساعدة لمن يحتاجها , فالعمل الإنساني في هذه البيئة المعقدة يتطلب -لكي يقبل به- الكثير من الحذر والحياد . حيث يتوقع من جميع أعضاء المنظمة الإنسانية ممارسة ضبط النفس والامتناع عن التعبير عن آرائهم الشخصية اثناء قيامهم بمهامهم , و هنا لا يطلب من المتطوعين ان يكونوا محايدين -فكل انسان يحق له تكوين راي- لكن المطلوب منهم ببساطة هو التصرف بصورة محايدة .
إذ لا يكفي إنجاز مهمات إنسانية للحصول على قبول الدول , إذ دائما ما تشرع الدول في التنديد بالتدخل في شؤونها الداخلية , لا سيما في حالات نشوب نزاعات مسلحة داخلية ولذلك يتطلب الأمر كسب ثقة الدول و الحفاظ عليها , و يرى الأستاذ " إيف ساندروز" أن التشدق بالوصول إلى الضحايا دون موافقة السلطات العسكرية التي تهيمن على إقليم ما يعني التناسي عن قصد أن 95 بالمائة من احتياجات السكان , بل الأكثر من ذلك , لا يمكن تلبيتها إلا بموافقة تلك السلطات , لأن إعلان الحياد ليس كافيا , بل يجب إثبات ذلك علنيا " .
وبناء على ذلك , فإن الحدود بين العمل الإنساني والمواقف السياسية ينبغي أن تظل واضحة لا لبس فيها. فالدور الإنساني الذي على الفاعلين في العمل الإنساني أن يضطلع به هو في الأساس مساعدة المحتاجين ومعالجة المصابين ، وينبغي أن يصل إلى كل المتضررين في مناطق الصراع. وفي المقابل ليس على هذه المنظمات أن تقوم بأدوار سياسية أو حقوقية فذلك دور الإعلام والمنظمات الحقوقية باعتبارها الجهات المعنية بالكشف عن الجرائم وفضح ممارسيها والإبلاغ عنهم ومتابعتهم قضائيا وذلك حتى تبقى ثابثة على مبادئها و مقيدة بضوابط عملها ومقبول عملها من طرف الجميع .
ب‌- الحياد و استخدام القوة المسلحة
لا شك أن استخدام القوة المسلحة لفرض إرسال المساعدة الإنسانية يثير ارتيابا كبيرا حول مفهوم الحياد و مدى توافره , فهل القوات المسلحة تعد طرفا محايدا ؟ وماذا عن مواقف المنظمات الإنسانية منها ؟ و هل تستطيع أن تتعاون معها دون أن تفقد صفة الحياد ؟
1- مدى تأثير القوات المسلحة على مبدأ الحياد
إن أي مساعدة مفروضة من جانب القوات المسلحة في إطار عملية من طرف واحد تشكل تدخلا , و بالتالي لا تستوفي معيار الحياد , و هكذا نجد كاتبان تناولا موضوع "حق التدخل " و هما " ب.كلاين و أ.كورتن" يعتبران تنفيذ عملية إغاثة إنسانية عقب الرفض التعسفي من جانب الدولة مقابل رد فعل مسلح من طرف واحد محظورا بموجب القانون الدولي , و كمثال على ذلك يشير الكاتبان إلى قيام طائرات هندية في عام 1987 بإسقاط مواد غذائية و أدوية بالمظلات في جفنه (سبري لانكا) في منطقة التاميل , غير أنهما يقرران أن مشروعية العملية تظل مع ذلك غير مؤكدة نظرا لأن الطائرات المدنية رافقتها طائرات عسكرية من طراز ميراج 2 .
وبالنسبة لمجلس الأمن فإنه حينما يتخذ الإجراءات الضرورية وفقا لمقتضيات الفصل السابع من الميثاق , فإنه لا يمكن أن يعتبر طرفا محايدا , باعتباره كيانا سياسيا للغاية .
ويرى البعض أن المرافقة العسكرية بغرض حماية المساعدات التي تقدمها أحد المنظمات الإنسانية لا تفقد هذه المساعدات طابعها المحايد , هذا ما دام الطرف أو السلطة التي تسيطر على الأراضي التي تقدم فيها المساعدة الإنسانية موافقة تماما على مبادئ و أساليب المرافقة العسكرية , و ما دام هدف هذه المرافقة هو حماية مواد الإغاثة من قطاع الطرق و مجرمي القانون العام .
وقد أثيرت مشكلة أساسية تتمثل في استعمال قوات حفظ السلام الأممية كمساعدة للمنظمات الإنسانية , و يتعلق الأمر باستدعائها لخلق شروط الأمن الكافية في سراييفو ومطارها لتسليم المساعدة الإنسانية , و بعد ذلك حملت مسؤولية إسناد اللجنة الدولية للصليب الأحمر لحماية قوافل المحتجزين الذين أطلق صراحهم (القرار 776) .
إن قوات حفظ السلام الأممية هذه ارتبطت بقرار التسوية السياسية للنزاع , و استعملت كوسيلة لتوزيع المساعدة الإنسانية , و كان ينظر إليها من قبل القوات المتحاربة نظرة شك كبير و ارتياب رغم ما حققته من نجاح حيث ضمنت وصول المساعدة إلى المحتاجين فعلا , كما رفعت من إمكانية تقديم مساعدات أكبر عندما وثقت الدول المانحة بالحركات الإنسانية .
غير أن البعض يعترض على قيام القوات الأممية و تدخلها في العمل الإنساني , فالمساعدة الإنسانية يمكن أن تقوم على دوافع و مبادئ عالمية و لكنها تكتسي في تنفيذها حتما بطابع سياسي متشبع , و أن تقديم المساعدة الإنسانية لا ينسجم مع طبيعة قوات حفظ السلام التي تتدخل تحت راية الأمم المتحدة لأنه يشكل خطرا على حيادها - أي حياد المساعدات الإنسانية - .
2- موقف المنظمات الإنسانية من العمل العسكري و تأثيره على مبدأ الحياد
تطرح مسألة الحياد حينما يتعلق الأمر باستخدام القوة المسلحة لفرض إرسال المعونة , حتى على أساس قرارات الأمم المتحدة , و موقف المنظمات الإنسانية منها . و في هذا الشأن يرى الأستاذ "إيف ساندوز" أن مسألة شرعية أو مشروعية التدخل يجب أن تبقى بعيدة عن اهتمام المنظمات الانسانية , بل يجب أن تلزم نفسها بالكثير من التحفظ , لأن أي موقف قد تتخذه بشأن مسؤولية الأطراف فيما يخص سبب النزاع من شأنه إلحاق الضرر بدورها الفعال المدعوة لمباشرته لمصلحة كافة الضحايا .
3- مسألة تعاون المنظمات الإنسانية مع القوات المسلحة و تأثيره على الحياد
والسؤال المطروح في هذا الصدد هل يمكن للمنظمات الإنسانية أن تتعاون مع القوات المسلحة ؟ و ما تأثير هذا التعاون على مبدأ الحياد ؟
وبهذا الخصوص يقدم الأستاذ "إيف ساندوز" إجابة تتعلق بداية باللجنة الدولية للصليب الأحمر , و فيها ينبغي الإجابة بالنفي بغض النظر عن الأسباب التي تبرر مثل هذه الأعمال لأنها تؤدي إلى مواجهات مسلحة و يترتب عليها بالتالي العديد من الجرحى و الأسرى , و لو اشتركت اللجنة الدولية مع إحدى القوات المسلحة المعارضة لفقدت كل مصداقية كوسيط محايد , و لفقدت بالتالي كل الفرص المتاحة لها لأداء مهمتها بهذه الصفة .
وبالنسبة للجمعيات الوطنية للصليب و الهلال الأحمر فإنه بإمكانها التعاون مع الوحدات الصحية للقوات المسلحة التابعة لبلدانها , بل حتى مع الوحدات الصحية التابعة لبلد ثالث شرط الحصول على موافقتها مبدئيا . ولا يجوز التفكير في مثل هذا التعاون إلا لمباشرة المهام المخصصة لأفراد الوحدات الصحية , كما هي محددة في اتفاقيات جنيف . وينبغي إجراء هذا التعاون تحت مسؤولية الوحدات الصحية للقوات المسلحة . و لا يجوز لأية جمعية وطنية أن تضع شارة الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر بصفتها الوكالة التنفيذية لحكومة ما من أجل إرسال أي معونة غذائية في حالة نشوب نزاع مسلح . وبالنسبة للوكالات المتخصصة للأمم المتحدة أو لأجهزتها الفرعية , فإنه لا يجوز لها بأي حال من الأحوال التعاون في الأعمال التي تخرج عن نطاق النظام المنصوص عليه في الميثاق , أما إذا تعين عليها التعاون في أي تدخل مسلح ذي طابع إنساني على أساس قرارات مجلس الأمن فإنها تتصرف بصفتها منظمات إنسانية مساعدة للقوات المسلحة , و ليس في إطار أعمال الإغاثة ذات الصبغة الإنسانية غير المتحيزة التي تباشر دون تمييز .
و بالنسبة للمنظمات غير الحكومية فتعاونها متوقف على القواعد المحددة في أنظمتها الأساسية , و لو أن مثل هذا التعاون سوف يكون على حساب استقلالها .
الفقرة الثانية : مبدأ عدم التمييز و عمل مجلس الأمن
لقد أدرج مجلس الأمن المشاغل الإنسانية في قانون الأمم المتحدة بموجب القرار 688/1991 الخاص بمسألة أكراد العراق المحتاجين إلى مساعدات إنسانية وحماية إنسانية , غير أن هذا الاتجاه نحو تنامي العمل الإنساني خارج إطار قانون المنازعات المسلحة يثير مشكلات عدة فوفقا للنظام القانوني للأمم المتحدة , لا يجوز المنازعة في تكييف الحالات و القرارات التي يجوز لمجلس الأمن أن يتخذها , حتى و لو كان بالإمكان انتقادها من الناحية السياسية , و لا شك أن هذا العمل الذي تبناه مجلس الأمن يظل احتماليا , إذ يجوز دائما أن يعطله حق النقض (الفيتو) وهو يتوقف على تقدير أعضاء المجلس لمناسبته , و لا يمكن أن يكون النهج الإختياري إلا نهجا تمييزيا . فالممراسة الدولية أثبت أن عمل أجهزة الأمم المتحدة هو طريق تمييزي و ينهج سياسة الكيل بمكيالين و ذلك أثناء ممارسة السلطة التقديرية من طرف أعضائه حينما يتعلق الأمر بالعالم الثالث , و من الواضح أنه لا يمكن التدخل ضد دولة قوية .
فعلى سبيل المثال قام وزير الشؤون الخارجية الجزائري في 25 أبريل 1991 بالمطالبة بممارسة حق التدخل الإنساني لمصلحة الشعب الفلسطيني و لكن مثل هذا الطلب لم بجد له إي صدى إيجابي , و كذلك كان هناك تعامل تمييزي بين الشيعة و الأكراد في العراق.
ولذات الاعتبارات تحرم شعوب من تلقي المساعدة الإنسانية بسبب موقف بعض الدول مثل اعتراض إسرائيل على وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بفلسطين , رغم أن المآسي التي يعاني منها سكان القطاع لا تختلف عن تلك التي تعاني منها الكثير من الجماعات البشرية .
و مع أن الأمم المتحدة أكدت على ضرورة استئذان الدول والمنظمات التي تقوم بعملية تقديم المساعدات الإنسانية من الدول المحتاجة إلى هذه المساعدات ، فإن هذه الأخيرة توسعت في استعمال وسائل التدخل وتجاهلت هذا الشرط وراحت تصنع بالعمل الإنساني ما تراه يتماشى ومصالحها الخاصة .

خاتمة :
وختاما ينبغي الإشارة إلى أن ممارسة العمل الإنساني في وقتنا الراهن أصبح حجة في يد الدول العظمى ، حيث أصبح هناك تجاوزا للهيئات الأممية واللجوء إلى الأعمال الانفرادية من جهة ، ومن جهة أخرى أصبح هناك تجاوز لموافقة الدولة المعنية بالمساعدة ، وبالتالي أصبحت المصالح و الاعتبارات السياسية و الاقتصادية و العسكرية وغيرها تطغى على الممارسة الدولية في تقديم المساعدات الإنسانية، وهذا ما يجعل الدول المعنية تأخذ موقف متردد يطغى عليه الارتياب من العمل الإنساني، وتدافع بقوة عن مبدأ السيادة وبعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مما يعقد في كثير من الأحيان عمل المنظمات الإنسانية ، ويضعها موقف اتهام بالتحيز وعدم الحياد والانتقائية في تقديم المساعدات وأنها أدرع لتنفيذ أجندات الدول الكبرى.
ينبغي على الدول و المنظمات الدولية الحكومية و غير الحكومية المقدمة للمساعدات الإنسانية السعي للحصول على موافقة الدولة المعنية بالمساعدة قبل تقديم تلك المساعدات واحتراما لسيادتها.كما ينبغي تقديم هذه المساعدات على أساس احترام المبادئ الإنسانية التي تقتضي تقديم تلك المساعدات بشكل نزيه إلى الضحايا و المحتاجين وفق معيار الحاجة و دون انتقائية أو تمييز بينهم بحسب أصولهم أو معتقداتهم أو توجهاتهم السياسية أو غيرها من الاعتبارات.

لائحة المراجع
الكتب
- بوجلال صلاح الدين , الحق في المساعدة الإنسانية – دراسة في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني و حقوق الإنسان , دار الفكر الجامعي , الطبعة الأولى , 2008
- أنس أكرم محمد العزاوي ،التدخل الدولي الإنساني بين ميثاق الأمم المتحدة والتطبيق العملي - دراسة مقارنة- ,الجنان للنشر و التوزيع ,الطبعة الأولى 2008 .
- هشام حمدان , دراسات في المنظمات الدولية العاملة في جنيف . دار عويدات الدولية , بيروت-باريس , الطبعة الأولى 1993 .
- محمد علي مخادمه , واجب التدخل الإنساني , دار الكتاب الثقافي للنشر و التوزيع و الدعاية و الإعلان , الطبعة الأولى , سنة 2012 .
- الجنة الدولية للصليب الاحمر، المبادئ الاساسية للحركة الدولية للصليب والهلال الاحمر : اخلاقيات وأدوات العمل الانساني ، نونبر2015 .
الوثائق والاتفاقيات الدولية و القرارات
- النظام الأساسي للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.
- ميثاق الأمم المتحدة
- اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949
- البرتوكولان الإضافيان لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1977
- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 43/131
- قرار الجمعية العامة رقم 45/ 100
- قرار الجمعية العامة رقم 46/182
- قرار مجلس الأمن رقم 794
- قرار مجلس الأمن رقم 770
- قرار مجلس الأمن رقم 1101
المراجع باللغة الأجنبية
- Christophe Swinarski,etudes et assais sur le droit international humanitaire et sur les principes de la Croix_Rouge , Genève,1984.
- Jean Pictet , Les principes de La Croix Rouge ,CICR ,Genève,1955.
- Kate Mackintosh , the principles of humanitarian Action in international Humanitarian Law , HPG Report 5March 2000.

المقالات و الندوات
- ريطال صالح، المساعدات الإنسانية من الطابع الإنساني إلى التسييس، ، مجلة جيل حقوق الإنسان - العام الثالث- العدد 14 ديسمبر 2016 .
- بن سهلة ثان بن علي، , المساعدة الإنسانية بين شرعية التدخل والتعارض مع سيادة الدول ، مجلة الشريعة والقانون، كلية القانون ، جامعة الإمارات العربية المتحدة ، عدد 49 ، يناير 2012 .
- الأزمات في ظل نظام عالمي جديد تحدي المشروع الإنساني , أوراق أوكسفام 2011
- تقرير ندوة حول جدلية العلاقة بين السياسة والعمل الإنساني , مركز الجزيرة للدراسات .
- حيدر كاظم و قاسم مهدي، المساعدات الإنسانية دراسة في ضوء القانون الدولي الإنساني، مجلة الحقوق الحلي للعلوم القانونية و السياسية ،العدد الثالث، السنة الثامنة 2016
مواقع إلكترونية
- http://www.croix-rouge.fr
- https://www.icrc.org
- http://studies.aljazeera.net
- http://ar.guide-humanitarian-law.org
- http://www.un.org
- http://hrlibrary.umn.edu





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,384,597





- ناشطة سعودية: لبنان يحتاج لمثل محمد بن سلمان من أجل مكافحة ا ...
- الأمم المتحدة تحث فرنسا على حماية أهالي مقاتلين في سوريا
- اليمن: الأمم المتحدة تبدأ نشر نقاط ضباط الارتباط بين الجيش ا ...
- ناشطة سعودية: لبنان يحتاج لمثل محمد بن سلمان من أجل مكافحة ا ...
- مطالب بمساعدات دولية لإغاثة المنكوبين في شمال سوريا
- آلاف اللبنانيين يتظاهرون لليوم الثالث على التوالي ضد الطبقة ...
- الأمم المتحدة تدعو مصر للإفراج عن نشطاء بينهم الصحفية إسراء ...
- بريكست: عشرات الآلاف يتظاهرون في لندن من أجل استفتاء ثان على ...
- الأمم المتحدة تدعو مصر للإفراج عن نشطاء بينهم الصحفية إسراء ...
- اعتقال 7 أشخاص تسللوا من الأردن إلى إسرائيل -بحثا عن عمل-


المزيد.....

- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أنوار العمراوي - قواعد ممارسة العمل الإنساني