أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سفيان جناتي - -الإنتفاضة السودانية- نقلة نوعية في الحركات التحررية















المزيد.....



-الإنتفاضة السودانية- نقلة نوعية في الحركات التحررية


سفيان جناتي

الحوار المتمدن-العدد: 6268 - 2019 / 6 / 22 - 22:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن الصراع الطبقي هو محرك للتاريخ وهو الذي يحدث التغيير المجتمعي كنتيجة حتمية للصراع بين الطبقتين، طبقة تمتلك وسائل الإنتاج والثروة والسلطة وطبقة تمتلك عرق جبينها وليس لديها سوى قوة عملها للبيع، وعلى أمتداد التاريخ شهد الإنسان صراعات وأزمات إقتصادية وسياسية وثقافية، فمنذ أن تملك القلة من الناس أدوات وعلاقة الإنتاج، مما أدى إلى نشوء صراعاُ طبقياُ كانت نهايته ثورية دائماً، فالصراع الطبقي في جوهره صراعاً سياسياً يعبر عن نزوع الطبقات والفئات الإجتماعية نحو السيطرة، وقد ظهر تاريخياُ في ثلاث اشكال رئيسية (الشكل السياسي والأيدولوجي والإقتصادي، ويضيف بولنتزاس الشكل النظري وكذلك هشام غصيب يضيف أشكال أخرى) ففي أحضان كل حقبة زمنية يكون لها تناقضات محددة وفيها تحتضر نظم وسياسات وبنيات بشكل كامل وعلى أنقاضها يولد نمط إنتاج جديد وتناقضات جديدة، هذا التفكك قد يكون سلمياً في مراحل معينة، لكن يصعب مع تقدم التاريخ موتها بدون عنف، والمميز في المرحلة الراهنة هو ظهور الصراع الطبقي بشكل جلي حتى للصبيان (فاحصائية أوكسفام التي تبين أكبر نسبة ثروة والنقد ممتلكة من قبل 1% من إجمالي عدد سكان العالم وكذلك ما تعانيه شعوب المنطقة من تفقير وتجويع ونقص في الأدوية ونقص في موارد العيش مقابل الثراء الفاحش للطغمة المالية المتواجدة محلياً)، مع ذلك نجد البعض من ضيقي الفكر يدَعون بان الصراع ( صراعاً طائفياً أو دينياً أو عرقياً أو بين البدو والتمدن) فالأزمات الإقتصادية في نمط الإنتاج الرأسمالي هي قانون ملازم لهذا النمط، وقد وضح كارل ماركس هذه الفكرة التي لم يستطع الفكر البرجوازي دحضها، كما نعلم انه تقريباً ما بين ثمان سنوات لعشر سنوات هذا النمط يصيبه أزمة تكون أعنف من سابقاتها.
وموجات الصراع الطبقي تتبين بشكل ساطع في الحقل السياسي بإعتباره عقل الإقتصاد، والملاحظ جيداً للأزمة الأخيرة للعام 2008 والتي كانت أكثر عنفاً من الأزمات السابقة، هذا وقد بذلت البرجوازية العالمية ومنظريهم الإقتصاديين أقصى ما لديهم من حلول لتجاوز القانون الملازم (الأزمة). وقد إستطاعت إلى أبعد الحدود تجاوز هذه المعضلة بحلول ترقيعية سرعان ماتكشفت للعيان بعد العام 2014، فالأزمة المشار إليها أعلاه شكلت ضغطاً على نمط الإنتاج الرأسمالي وعلى الهيمنة الأمريكية خصوصاً، لكن ونظراً لقانون التبعية لم تتضرر معاقل الرأسمال أكثر من الأطراف وهذا يتضح من خلال الأنتفاضات العربية للعام 2010 والعام 2011 (في المغرب، مصر، تونس،الجزائر، والأردن... الخ )،هذه الإنتفاضات قد تم تحويرها لتكتفي بإستبدال طبقي (أشخاص من ضمن الطبقة أو من أشخاص من طبقة البرجوازية الصغيرة)، ويعود هذا للعديد من الأسباب وأهمها الفراغ الذي كان قائم في مخيلة الشعوب ومن جهة ثانية ضعف القوى الحاملة لمشروع الغد المطلوب تاريخياً. تم وأد الإنتفاضات العربية بتدخلات خارجية وأذيالها داخل المنطقة وخدام رأسمالها، كل هذا التدخل واللجم الذي تعاني منه الحركات التحررية راجع بالأساس إلى التبعية الإقتصادية وبنيته السياسية والثقافية، فسابقاً كان الإنتاج من المركز الرأسمالي، لكن اليوم يتم الإنتاج في الأطراف وتحويل الثروة المنتجة من قوة العمل الوطنية لأنها بأرخص ثمن وأقل من اليوم الوسطي للعمل، ففي السابق كانت عالمية التبادل انضافت لها عالمية الإنتاج في الوقت الراهن بقيادة البنك الدولي ( وصندوق النقد الدولي). وبهذه العلاقة تكون حدة الأزمات الإقتصادية في المراكز أقل بكثير من الأطراف. فالخصخصة التي تساهم في إغناء الطغمة المالكة وتساعد في تحويل هذه الثروة إلى ثروات أجنبية وفي مقابل هذا يزداد السواد الأعظم من الشعوب الذي يعيش الفقر المدقع ، كل هذا لا يمكن أن يكون إلا بفقدان السيادة الوطنية، وهذه الطبيعة هي القاسم المشترك بين شعوب المنطقة (من جنوب أفريقيا مروراً بشمال إفريقيا وصولاُ الى عُمان بإستثناء البلدان النفطية "دول الخليج") والقاسم المشترك بين الدول الإمبريالية هو البحث عن المزيد من القيمة وفائض القيمة ومن أجل هذا تطارد كل ثروات البلدان في الأطراف.
وبناءاً عليه ومن أجل تراكم رأس المال تستغل البرجوازية بمنظومتها الفكرية كل القيم الإنسانية في الداخل وفي الخارج وتستغل قوة العمل محلياً وقوة العمل في البلدان التابعة، وهذا ماإنعكس من جديد على البلدان وأدى لخروج العديد من الإنتفاضات والإحتجاجات الشعبية في أواخر العام 2018 وبداية العام 2019 تزامناً مع الأزمة التي يعيشها معقل الرأسمالية (الإنشقاقات في الإتحاد الإوروبي والتباين الإقتصادي بين شمال وجنوب اوروبا وما تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها من تقهقر) كل هذا يوضح الأزمة الخانقة التي تنبأ بها العديد من منظري الإقتصاد السياسي من تيارات فكرية مختلفة. فهذه الأزمة يبدأ إنعكاسها على الأطراف مع بدايتها حتى نهايتها وهذا هو الهدف من هذا المقال وليس إبراز مظاهر الأزمة الإقتصادية الجديدة وربما يكون مقال قادم حول التحولات الإقتصادية التي تقع على الصعيد العالمي.

 أهم المراحل للإنتفاضة الشعبية في السودان :
فالغاية من هذه الكتابة هي إستفزاز الأسئلة الراهنة حول التراكمات التي أحدثت النقلة النوعية للإنتفاضات الشعبية، بحيث أن إنعكاس الأزمة الأخيرة سيجعل من الحركات التحررية تتخطى نتائج الإنتفاضات العربية الأخيرة(الأساتذة،الأطباء بالمغرب،الحراك الأردني،الحراك في لبنان ،مالي وليبيريا)، والنماذج الأبرز لهذه النقلة الجزائر والسودان مع الأخذ بعين الإعتبار إختلاف طبيعة الإنتفاضات وقياداتها من السودان للجزائر، كما أنه يمكن إعتبار إنتفاضة الشعب السوداني أرقى تجربة من حيث معالمها في التنظيم والوعي الجماهيري والتحالفات والصمود والمشاركة الواسعة لمختلف الفئات والطبقات الإجتماعية (العمال، الفلاحين، الحرفيين، الطلاب، الأطباء، الطيارين، المهندسين والمعلمين .... الخ) .
وهذه الإنتفاضة لم تكن بمحض الصدفة بل هي نتيجة حتمية لزمن طويل من الإفقار والتجويع يرافقه وعياً بأن لا سبيل للسودان في النهوض إلا بالقضاء على قوى الإسلام السياسي والذي يمثل نظام الإنقاذ وهذا نتيجة لعمل دؤوب ومسؤول في الإطارات النقابية (السودان لها تاريخ نقابي متميز) ورغم كل التضييق والتحريم والتجريم للعمل النقابي، إلا أن قوى الشعب إستطاعت أن تؤسس إطارات سيكون لها شأن كبير في الإنتفاضة الأخيرة، فالمجتمع المدني في السودان شهد تطوراً كبيراً يجب النظر اليه بعين أكثر نقدية وجدية.
وأول نقطة مثيرة للعديد من التساؤلات بعد المهنيين السودانيين هو دور الحزب الشيوعي في السودان، وهنا سنضطر بالرجوع للوثيقة في إبريل 2010 والتي صاغها الحزب ودعا فيها إلى إسقاط النظام عبر أوسع تحالف لإستعادة الديموقراطية، وفي تنفيذ هذا الشعار أعتمد على التحالفات لحل التناقضات الرئيسية والثانوية وسط الجماهير وحدد تناقضه الرئيسي في النظام الديكتاتوري مع الجماهير. وإسقاط هذا يتم عبر إنتفاضة شعبية سلمية يكون لجان المقاومة في الأحياء والمدن والقطاعات تصب في تحالف عريض على المستوى الوطني ودفع الإنتفاضة الى العصيان المدني والإضراب السياسي (حسب الوثيقة للحزب الشيوعي حول الوضع السياسي) وهو ليس حزباً كبيراً بحجم أحزاب أخرى إلا أن له تضحيات جسيمة وله وزناً سياسياً قوياُ ، وهذا يبين أهداف الحزب من تلك الحقبة ولغاية يومنا هذا.
فالأزمة الإقتصادية والفقر هم مقدمة حقيقية للإنتفاضات التي تتطور وتنمو وتتسلح بالوعي الثوري من البسيط إلى المعقد وهذا ما حدث في السودان، فقرارات أكتوبر الإقتصادية التي تتضمن تحرير سعر الصرف، حيث وصل السعر الرسمي الى 47.5 جنيهاً للدولار، وهذا سينعكس على الخبز والوقود مما زاد من معاناة أوسع الطبقات الإجتماعية في السودان التي تعيش الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار وانعدام الحرية وتضييق على الحريات التنظيمية والنقابية، إضافة الى تضييق الخناق على الأحزاب الفاعلة أدى إلى خروج العديد من القطاعات بشكل متفرق كالأطباء، لكن سرعان ما إنتقل الفعل الى كافة المدن .
فصباح يوم الحادي عشر من ديسمبر في مدينة الدمازين وتلتها القضافر حتى الإنتفاضة الكبرى في عبطره في التاسع عشر من ديسمبر، وفي يوم الخامس والعشرين من ديسيمبر قامت القوى السياسية في السوادان بالدعوة الى إسقاط النظام وهذه الأخيرة جاءت نتيجة الى تراكمات نوعية تاريخياً وكذلك الإستفادة من الإنتفضات العربية التي كان السودان ضمنها في السابق .
بادر التجمع المهني للسودانيين والذي يجمع إطارات وازنة مثل الأطباء،المهندسين، المحامين ويضم نخب وكوادر لها وزنها، وهذا ماأوجد أرضاُ خصبة لدى الجماهير والتي إكتسبت وعياُ متقدماً عن الوعي الذي ساد في انتفاضة 2018 وسيبتمبر 2013 التي إفتقدت القيادة فكان أجهاضها من طرف القمع سريعاً، وتم التجاوب لهذا النداء بشكل واسع من طرف الجماهير حتى إندهش البعض وبمجرد الدعوة في هذا التوقيت يعتبر تحدياُ كبيراً لسلطة البشير تخطتها الجماهير مع أول نداء، وذلك لأن ذاكرة الشعب السوداني فيها إثراء من التجارب التاريخية والإطاحة بالسلطة (إبراهيم عبود عام 1964 وحكم وسلطة مشير نميري عام 1985 الذي تخطى إتفاقية أديس صبابة- الداعية للسلام بين الشمال والجنوب).
والمميز في التجربة الى اليوم هو تراكم الوعي الطبقي لدى الجماهير، ففي البداية كانت الفكرة تقديم مذكرة إحتجاج على الأوضاع المعيشية ثم تحولت الى مطالبة البشير بالتنحي، حيث قابلها البشير بلغة المراوغة والعنف والبطش وإستعمال الخطاب الديني عبر أبواقه من قوى الإسلام السياسي، وفي هذه المراحل كانت الجماهير تكتسب وعيها بأهمية التغييرالشامل وطرح مشروع البناء الوطني، فتصلبت الجماهير وسط العمل الدؤوب للثوار والتنظيمات والمستقلين ووسط النقابات ولجان الأحياء والمقاومة – صمام الأمان - للثورة في السودان. فالوعي لدى السودانيين نشأ معارضاً وينمو ويكتمل على هذا الأساس، لا يتساوى لديهم اليأس مع الطموح فوعيهم حالم بالغد الجميل .
فمن اليوم الأول أظهرت الجماهير أن هذا فعلاً وليس رد فعل، وتحول إلى فعل منظم خصوصاُ الخرطوم وباقي المدن، وكانت المدينة العمالية وسندها المجيد في تاريخ الحركة النقابية السودانية "عبطرة" قد أبدعت في نضالها بالإلتحاق بالمعتصم في قطار لم ينساه الثوارعبرالعالم وصل مملوءاُ بالجماهير وأظهرت أرقى اشكال التضامن الجماعي حول مطالب الثورة.
وذلك دون أن ننسى ملاحم الثوار في أم درمان ودنقلة وكريمة ونيالة وبورسودان، فمع الأيام الأولى شعر البشير بالخطر نظراً للقوة الجماهيرية والتنظيم المختلف عن سابقه ومطالبه السياسية رغم الجوع والفقر ومن الشعارات التي أطَرت ممارسة الجماهير( يسقط بس، ماسقط يسقط ثاني، مدنية خيار شعبي، مدنية وبس، حرية، سلام وعدالة، ثوار أحرار رح نكمل المشوار) وما يزيدنا يقيناً بأن الوعي الجماهيري مُعطى مهم في كل مراحل الثورة السودانية هو المجالات التي انعكست عليها هذه الثورة من الفن (الرسم، الموسيقى والندوات)، ومن جهة ثانية وعيهم التام بان الجماعات الإسلامية خلفت وراءها كوارثاً إقتصادية ودولة منهارة وانقسامات وحروب.
وبهذا الوعي إبتدعت الجماهير اشكالها التنظيمية مؤطرة تحت لواء الحرية والتغيير"ميثاق الثورة" والتي عبرت عن ممارساتها ببرامج نضال أسبوعية يصدره هذا التكتل، كل هذا لم يكن في غياب الثورة المضادة بل كانت تتهيأ، فاعلن النظام في فبراير 2019 حالة الطوارئ بهدف تلجيم وكبح جماح الجماهير الشعبية التي إنتظمت في الشارع السياسي،فتخطى المد الثوري الجماهيري هذا الإعلان وكانت البداية الحقيقية لشعار اسقاط النظام والتغيير فإلتحقت الجماهير بالقيادة العامة للجيش ونصبت الخيام عازمةً على النصر وكانت 6 إبريل للعام 2019 شاهدة على عزمهم، فتخللت بمواجهات بين الشرفاء من الجيش وجهاز الأمن "القمعي" ، حيث راح فيها العديد من الشهداء ومنذ اليوم الأول بدأت الجماعات الإسلامية عبر المؤتمر الوطني في ترتيب الأمور للثورة المضادة فكانت أول مهمة لهم هي الهجوم على المعتصمين عشية اليوم الأول من الإعتصام (الأمن الشعبي والطلابي) وبعد فشل السيناريو الأول لجأت إلى تحريك أدواتها ليس داخل الجيش فقط بل داخل كل الأجهزة الأمنية، وهذا كان واضحاً من خلال تسليم المناصب السيادية والحساسة لقادة الحركات الإسلامية،بعد إسقاط البشير. وبتاريخ 11/4/2019 تم إعلان إستلام الجيش للسلطة وتم تعطيل وتجاوز الدستور المؤقت لسنة 2005 وتم إعتقال البشير وإعلان إبن عوف رئيساً شكلياً والذي من جانبه قدم العديد من المقترحات، لكنها لم تلبي مطالب الجماهير السودانية.
ومع السطر الثاني من خطابه وجد الجماهير في الشوارع تهتف يسقط ( ثاني) ووصلت الجماهير بكل حزم ومسؤولية إعتصاماتها المركزية والهامشية وهي ترسم لنا أروع اللوحات عن المسار الثوري في السودان (وكيف ننسى صباحيات الموسيقى،وكيف ننسى جدارية الثورة وحلقات النقاش الفكرية)وجسدت التسامح الذي لم ينعم به السودان طوال حياته(لاننسى صلاة المسلمين والمسيحين يحرسونهم أثناء صلاتهم يوم الجمعة، ولاننسى صلاة المسيحيين والمسلمون يحرسونهم أثناء صلاتهم يوم الأحد) وبهذه العزيمة تم حل المجلس العسكري بعد تنحي أبن عوف وتكوين مجلس عسكري جديد بقيادة عبدالفتاح برهان والسفاح الحميديتي، فتم رفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين السياسين وعلى إثر هذه الإنفراجات دخلت "الحرية والتغيير" في التفاوض مع المجلس العسكري، حيث إستمرت لمدة طويلة في حوارات ماراثونية لكن كل هذا كان لذر الرماد في عيون السودانيين، حيث تبين بالملموس أن كل هذا ماكان إلا إستبدالاً لشخصيات ورموز ولكسب الوقت من أجل ترتيب البيت الداخلي للثورة المضادة، وهذا ما حذر منه الحزب الشيوعي السوداني في بيانه وكذلك بعض الأطراف خارج قوى الحرية والتغيير،لكن رغم هذا النقد فإن الحزب تنازل عن بعض خياراته .ونظراً للعديد من المعطيات التي تغيب عنا وذلك لأننا لسنا في الموقع الذي فيه الحزب الشيوعي، حيث لا يحق لنا الحكم والنقد أو التسرع في الحكم قبل النتائج، فقد وضح هذا الحزب أن التنازل عن بعض المواقف كان من أجل ضمان وحدة "الحرية والتغيير" والتشبث بميثاق الثورة وهو يوضح ذلك في البيان الذي قدم فيه نقد لأصحاب الهبوط الناعم، وكما أعتقد شخصياً بأن الحزب الشيوعي كان له الفضل في تصحيح مسار الثورة مرتين عبر بيانين نقديان لمسار الثورة، حيث اثار جدلاً واسعاً، وهناك من أيد مواقفه وهناك من انتقده بدعوى أن له عداءاً مع الجيش، والمتابع للإنتفاضة الشعبية في السودان سيرى أن الحزب الشيوعي كان دائماً سباقاُ بخطوة على كل القوى المنضوية تحت لواء "الحرية والتغيير"، وشعار العصيان المدني والسياسي كان الحزب الشيوعي سباقاً في طرحه في إحدى بياناته "الموجودة على صفحة الحزب". وما يمكن إجماله حتى آخر حوار هو الصراع الذي كان بين قوى الشعب والنظام الممثل في العسكر وأذياله كتيار التسوية وقوى الهبوط الناعم. وقطعت الثورة أشواطاً متقدمة من ديسمبر 2018 مروراً ب6 نيسان ولغاية 29 حزيران 2019، تصلبت الجماهير وأصبحت واعية بأهمية الصمود حتى إكمال الثورة وإستمرت الجماهير في المعتصم بشهر رمضان رغم الصيام والمعاناة اليومية في الميدان لكنها كسرت أمل وطموح المتأمرين في الخفاء والعلن، حيث كانوا يعتقدون أن رمضان سيقلل من العزيمة الثورية لدى الثوار وجماهيرهم، وقد رأينا كيف كانت تبدع الجماهير كل يوم بجديد وبشكل متنوع وراقي جداً يعبر عن روح التضامن والتشارك داخل المعتصم (من أكل وشرب وأفكار وفن وتراث)، هذا يبين للكل أن المعتصم هو نموذج صغير للوطن المطلوب من أبناء السودان وجسدوا أروع الذكريات الثورية مؤرخين لأشياء لم نراها في مرحلتنا، كنا نقرأ عن الثورة وملامحها وهاهي تتجسد بصورة أو بأخرى في السودان. في البداية كانت الجماهير تدافع عن الجيش وكان وعيها لم يصل الى المعرفة المطلوبة من أجل تخطي العسكر وأعتقد أن هذا ما جعل "الحرية والتغيير" في البداية تتبنى التفاوض لأن الجماهير كانت أول من سترفض أي أنعزال عن الجيش وهذا ما يتبين من ردود الفعل على الحزب الشيوعي حينما صرح بموقفه من التفاوض مع الجيش، حتى وصل اليوم الأسود والذي تأرخ في اذهاننا ببالغ الأسى والحزن كمتتبعين للثورة السوادانية ولايمكن إطلاقاً أن ننسى هذه المجزرة حيث قام الجنجويد وقوى الإسلام السياسي والجيش وكل القوى المدافعة على بقايا نظام الإنقاذ بأبشع الممارسات في حق أبناء السودان فيوم الثالث من حزيران كان يوم للحزن كتب في ذاكرتنا الجمعية ، سقط على إثرها 118 شهيد وشهيدة تم إنتشال 44 منهم من نهر النيل والإغتصابات بالجملة، وتم فض الإعتصام بطرق الحرب وليس غير ذلك،هذه الإبادة جاءت بعد الزيارة لآل سلمان المعروف بالمنشار وكذلك بعد زيارة السيسي المتصهين الصغير فتبين بالملموس أن الضوء الأخضر جاء من آل سعود وحلفاءه إن لم نقل ترامب ، باع برهان والحميديتي دماء السودانيين من أجل دراهم معدودة وللحفاظ على الجيش السوداني يحاربون في اليمن (لأنه بدون الجيش السوداني لكان الحوثيون وسط مكه) فهذا الخطأ الجسيم من الجيش وحلفاءه سيكون محط التحول شعار الثورة وأهدافها والمزاج الجماهيري سيطالب بإسقاط الجيش ثاني وثالث والمدنية خيار الشعب، فدخل الجيش في أزمة داخلية وخارجية وتم عزله من طرف الجماهير وقواه الحية تجعله يقع في الأخطاء يوماً بعد يوم حتى جعلت الإختلافات بين مؤيديه خارجياً (السعودية ،الإمارات ومصر) وجعلته يقع في الأخطاء حتى أعترف بنفسه أنه هو القاتل والدليل الساطع على عزله تجسد لنا في العصيان المدني والذي يعتبر أرقى عصيان في المرحلة الراهنة، حيث نجح بنسبة 95% (لا يمكن أن ننسى المطارات الفارغة والشوارع الخالية من الناس) فهذا العصيان هو تفويضاً شعبياً للقيادة الجماهيرية وبين لنا مدى تجذر الوعي الجماهيري. فدماء الشهداء أعطت مساراً آخراً للثورة في السودان وساهمت في تجدير المواقف لدى الجماهير وقيادتها، رغم أنه في الأيام الأولى من فض الإعتصام ساد نوع من الخوف والهلع، لكن سرعان ما بين الشعب السوداني عن وعيه وإقتناعه بشكل لافت بأهمية التغيير الجذري من أجل بناء وطن يستوعب الكل، فخرجت الجماهير في الأحياء وبدأت قوى الحرية والتغيير تتحرك عبر خطابات في الإعلام وكذلك في لجان الأحياء والمقاومة وظلت هذه هي الرابط بين القيادة والجماهيروتلعب أدوراً خلاقة في الميدان، حيث رأينا برنامج التثقيف الثوري الأخير لقوى الحرية والتغيير والذي جاء نتيجة لخروج الجماهير في الصحافة وأم درمان وبري والعباسية وجبرا والسنار وعبطره وتمت إقامة العديد من الندوات الفكرية داخل هذا الأسبوع وراينا الحضور الجماهيري الوازن لهذه المخاطبات وتم فضها بالأمس بالقمع والترهيب حتى في المنازل، هذا ما يبين نوعية الوعي الذي يحاربه المجلس الإنقلابي ونفس الصورة للعديد من الأحياء الأخرى التي لم تصل لنا أخبار عنها بسبب حجب شبكات الإنترنت منذ اليوم المشؤوم لكن رغم هذا تصل أخبار مفرحة من كل المدن وهي عازمة على النصر ولاننسى الدور الذي تلعبه النخبة من الجالية السودانية في ظل التعتيم الإعلامي، لعبت أدواراً بارزة في تعرية العسكر وحشدت الرأي العام العالمي ضد العسكر ومع الثورة السودانية فكان التضامن العالمي وبطرق متنوعة(الجزائر، تونس، المغرب،غانا، كينيا، كولومبيا، فنزويلا....) وحتى هذه اللحظة تعطي لنا الجماهير السوادنية ارقى صور النضال والصمود، حيث تطور وعيها تاريخياً وراهناً ويتضح ذلك من وقوف الشعب على كل هفوة من قيادتهم "الحرية والتغيير" يقدمون نقدهم وهم متشبثين بقيادتهم وإذا كان الخطاب فيه نوعاً من المهادنة والدبلوماسية تجد الإنتقادات بالجملة وهذا ما يفرض على القيادة الإستماع والتواصل الدائم. ويتضح هذا في نقدهم للعديد من البيانات وصولاً حتى اللحظة، بحيث خرج أعضاء من الحرية والتغيير بتاريخ 21/6/2019 بالموافقة على التفاوض مع العسكر بعد العودة من أثيوبيا بالأمس وهذا ما جعل الجماهير تقدم نقداً لاذعاً للقيادة، وكان الحزب الشيوعي معارضاً لهذا الطرح وكذلك إلى أبعد الحدود تجمع المهنيين السودانيين ففي بيانه الأخير يتبرأ من مقترحات أثيوبيا بشكل أو بآخر، فكان التجاوب كبير مع الحزب الشيوعي وهذا من المفترض أن يقود الى تيار التسوية والتيار الجذري داخل الحرية والتغيير، فعلى القوى الجذرية أولاً إعادة النظر في التحالفات فإذا تنازل أعضاء الحرية والتغيير فالجماهير ستتخطى القيادة بكل تأكيد لأنها في الشوارع ضمنياً حتى قبل إعلان الحرية والتغيير عن برامجها بعد فض الإعتصام. وبعد هذا السرد التاريخي لمحطات الثورة سنقدم لمحة عن التحالفات داخل القيادة "الحرية والتغيير"

تحالفات داخل "الحرية والتغيير"
فالجماعات الإسلامية هي ضمنياً مع النظام وضمنياً مع التبعية لأنها بالنهاية تدافع عن مصالحها الخاصة، ومشروعهم مبني على هذا الأساس فالبتالي هي بعيدة عن التكتل الطبقي النقيض .
في يناير للعام 2019 أطلق إعلان "الحرية والتغيير" ويمكن إجمال القوى الخمسة المشاركة فيه وهي تجمع المهنيين السودانيين، الإجماع الوطني ، نداء السودان والتجمع الإتحادي المعارض،وقوى المجتمع المدني، تحت شعار أسقاط البشير وتحقيق السلام وحكومة إنتقالية لمدة أربع سنوات.
• تجمع المهنيين السودانيين: في جو القمع والترهيب وخنق الحريات التنظيمية السياسية والنقابية، برز هذا الإطار النوعي في الحركة النقابية (نوعياً ليس في السودان وحسب وإنما على صعيد المنطقة)، حيث سيعود النقاش إلى السطح حول دور النضال النقابي في الممارسة السياسية والتغيير بشكل عام وسيعيد مفهوم المجتمع المدني إلى الواجهة، فهذا الإطار من أول المشاركين في الإنتفاضة السودانية وقد تطورت أدواته وهو في معمعان الصراع الطبقي، وليس محصوراً على هيكل واحد أو درعاً نقابيا لحزب معين أو جناح للحزب الشيوعي كما يحاول البعض أن يروج له في الأبواق الإعلامية الصهيوأمريكية (العربية ....)، ونشير الى قول محمد يوسف وهو قيادي التجمع "أن المشهد السياسي والإقتصادي والثقافي في السودان يفتقد إلى قائد يجمع الناس حوله" وتطورت هذه الحاجة لدى القوى النقيضة لنظام البشير ، فالهدف منه هو تنظيم ما يقوله الشعب وإضفاء المعنى عليه سياسياً، وهذا لا يعني بأنه لايوجد أحزاب قومية وكذلك الحزب الشيوعي داخل التجمع، بل إن كل القوى ساهمت وطورت هذا الهيكل وفيه عدد كبير من أعضاء الأحزاب المعارضة، وتغيب عنا المعطيات الدقيقة حول أعضاء هذا التجمع نظراً للحظر القانوني على تشكيل النقابات في السودان . وفي العام 2012 قام ما يزيد عن 200 استاذ بجامعة الخرطوم بتكوين نقابة وهذا كان محفزاً كبيراً وكان أول عمل للنقابة في العام 2013، مما دفع العديد إلى الإنتساب إلى العمل النقابي. وفي العام 2016 قررت العديد من الجمعيات الغير رسمية الإنضمام الى تجمع المهنيين السوادنيين.هذا الجسم يضم حقول مهمة في الصراع (صيادلة،بيطريون،إعلاميون، أساتذة، محاميين وعمال....)، وقد وجه النداء وإستجابت الجماهير في أوسع القطاعات المهنية التي لم يقدر عليها أكبر الأحزاب اليسارية في المنطقة، لهذا وجب دراسة وتأمل هذه التجربة بعمق، وماهذه الكتابة سوى لطرح التساؤلات حول هذا المسار المنير للنضال النقابي ودوره في الممارسة السياسية.
• قوى الإجماع الوطني: التي أعطت موقفاً في إتساق مع الثورة والتغيير الجذري (إسقاط النظام وتفكيكه ومحاسبته، أنظر بيانات الحرية والتغيير)من أجل تكوين حكومة قومية إنتقالية لقوى الإنتفاضة لمدة أربع سنوات وذات مهام محدده تعمل على هدم وتفكيك النظام وإرساء قواعد الدولة المدنية الديموقراطية "أنظر بيان الحزب الشيوعي". هذا ويتضمن قوى الإجماع الوطني (الحزب الشيوعي السوداني والمؤتمر السوداني المعارض، وحزب البعث والناصريين، ومبادرات المجتمع المدني).
• نداء السودان: الذي يعتبر القوى الثالثة المشاركة في بداية الإنتفاضة،وهذا التيار يجمع مختلف التوجهات المدنية والعسكرية، وقد تأسس في كانون الأول للعام 2014 في العاصمة الأثيوبية من طرف القوى السياسية المعارضة مثل الجبهة الثورية المسلحة المكونة من حركة تحرير السودان فصيل ميني آركو ميناوي وحركة تحرير السودان فصيل عبدالواحد نور، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال وأيضاً حزب الأمة بزعامة صادق المهدي .
• قوى تجمع الإتحاد المعارض: هذا التيار كانت له قاعدة واضحة في زمن البشير وهي اللاحوار مع النظام، وأهدافه يمكن إجمالها في إسقاط البشير وتحضير الجماهير وإستنفارالقواعد الشعبية، لتمتلك وعياً ورغبة في اسقاطه.
• قوى المجتمع المدني: وهي تتشكل من العديد من الجمعيات المستقلة والمعبر عنها في "الحرية والتغيير" عباس مدني ، وموقفهم إلى الآن مشرف.

لكن هذا لايعني أن كل القوى المشاركة في الثورة ستظل على نفس المواقف وستستمر حتى نجاح الثورة، فكل مسار ثوري وكل تجذر جماهيري تتساقط معه التيارات التي تنتقد النظام في السودان من موقعه أساساً، من ذوي الأفق الضيق بمعنى أن في كل المراحل لا بد أن يسقط أفراد وأحزاب لأنهم في الأساس جزءاً من موقع الطبقة الحاكمة، لذلك لا يجب أن نندهش أو نتخوف من مثل هكذا خيانات، فالثورة والتغيير يخرج من أحضان القائم وهو متسخ ولا يمكن إطلاقاً أن يستمر الكل حتى النهاية، فالثورة الكاملة مسار طويل لا يظل فيه سوى الشجعان وأصحاب الفكر الحر.
فشهدنا في البداية تدخل صبية النظام لخلق بلبلة وأنشقاق في الميدان (ذوالنون بعد عودته من خارج السودان لغاية في نفس يعقوب والكثير من أمثاله مروراً بتراجي مصطفى الآكلة من الموائد السلطوية والباحثة عن الظهور والإستعراض صاحبة جميعة الصداقة مع إسرائيل) لكن ظل ذلك واهناً أمام حنكة الجماهير وأعضاء الحرية والتغيير. هذا من جهة ومن جهة أخرى يوجد إشكالات مع جزء من قوى نداء السودان (حزب الأمة القومي ... ) حيث كان لهم العديد من المحاولات لجر قوى الحرية والتغيير الى طاولة التسويات مع بقايا النظام البائد، وذلك أتضح جلياً في محاولة سيطرة المؤتمر على إعلام الحرية والتغيير.
وموقف صادق المهدي رئيس نداء السودان وعراب التسوية كانت مصلحته ضمنياً مع بقايا النظام، لكن وجب هنا ضرورة التمييز بين قيادة الأحزاب وقواعدها حيث أنها إلى جانب الثورة، مما سيفرض على صادق المهدي وأمثاله من أصحاب التسوية والهبوط الناعم الإنضباط للقواعد وألا ستلفظه الثورة (كما لفظت في الأيام الأخيرة الملقب بالعبطراوي ومصعب وأحمد الضي) وحتى لايقول القارئ أننا نتهم هؤلاء فتصحريحاتهم ضد تجمع المهنيين وتأسيس حزب في هذا الوقت بالذات تبين خيانتهم للثورة، والأكثر منه وقاحة الإعلان عن نيتهم في كسر الصف سيكون على قناة الثورة المضادة التي لم تقر بالشهداء ولم تنشر عن الحادثة وعن الإبادة الجماعية سوى ما أعطاها الحميديتي السفاح وسنعود للحديث عنه لاحقاً .
أما عن الفصائل المسلحة والتي لم توقع عن الحرية والتغيير مثل حركة تحرير السودان جناح الأستاذ عبدالواحد نور، يؤيد الحل الجذري التي أصدرت بيانات الى قواعدها في دعوة للمشاركة الفعالة في الإحتجاجات ونفس الموقف للحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال جناح عبدالعزيز الحلو(أنظر خطاب عبدالعزيز الحلو يوم15/6/2019) .
أما عن التحالف الطبقي الرجعي والذي يمثل الثورة المضادة فهو تحالف طويل وعريض هدفه الأول لجم الثورة الشعبية ويمثل هذا التحالف داخلياً وخارجياً، داخلياً توظيف الجنجويد (ولايجب أن نسميه بقوة الدعم، بل هي منظمة إرهابية بدعم من الإتحاد الإوروبي سفكت دماء السودانيين في دارفور وسفكت دماء السودانيين في الخرطوم، ناهيك عن التفقير والتحقير) وقوى الإسلام السياسي بكل أطيافها ومسمياتها تحاول الإبقاء على نظام الإنقاذ في صورته الجديدة بحيث تم استخدام أساليب خسيسة للجماعات(صادق الرزيقي، طيب مصطفى، وعبدالحي يوسف والداعشي محمد الجازولي وبوق الصحافة الهندي عز الدين) ووضعوا القرآن والخطاب الديني في وجه الثورة وشيطنة الثوار، وهي ليست أساليب غريبة عليهم، أما عن الأطراف الخارجية فحتى لا نكون من المتهاونيين ومن أصحاب تغطية الشمس بالغربال نقول أن الصهيوأمريكية اي الهيمنة الإمبريالية عبر أدواتها في المنطقة والمؤسسات الدولية والإفريقية والآسيوية لها الدور، أن لم نقل هي السبب الرئيسي في ما يعيشه السودان وباقي الشعوب في المنطقة تاريخياً وراهناً وذلك بِرهن السودان وخيراته ومقدراته للمستعمرعبرعلاقات الإنتاج التبعية، وحتى لاننخدع نقول إن مواقف الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الإوروبي ومعه الإتحاد الإفريقي ومواقفهم اليوم إلى جانب الثورة ماهي إلا ذر الرماد في أعين السودانيين، ونظراٌ لقوة الجماهير فكل هذه المؤسسات ملزمة أن تنضبط مع شعاراتها ولو ظاهرياً لكن وبمجرد تغير موازين القوى على الأرض ستنقض كل هذه الأطراف على الثورة كالكلب المسعور، وهل يعتقد السودانيين أن السعودية والإمارات ستخرج عن توصيات الصهيوأمريكية (أمريكا مع الثورة والسعودية والإمارات ضد الثورة) إنه الغباء بعينه إذا إعتقدنا أن هذه الكيانات تحمل لنا الحل.
وببساطة تحرير السودان وبناء نظامه الديموقراطي الشعبي هو بداية حقيقية لدك الإمبريالية في الأطراف وإنعتاق السودان هو تهديد لعروش ومراكز رأس المال العالمي ومجرد نجاح الثورة في هكذا زمن هو إعطاء الضوء الأخضر لشعوب المنطقة التي تعيش تناقضات إجتماعية حادة لتنفجر في قادم الأيام لا محالة وخصوصاً الإنتفاضة الجزائرية.
وبناءاً عليه لابد أن نعلم أن هذه المواقف (للولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي)مبنية على ثلاث شروط أساسية:
 الشرط الأول :أن المد الجماهيري الثوري هي القوى الحقيقية والمخلص الوحيد للشعب السوداني.
الشرط الثاني: التوازنات الإقليمية والعالمية والتحالفات القائمة في هذا الإطار، وفي مجال السياسة بالمعنى الضيق التسويات لصالح التحالفات يتغير بين عشية وضحاها، أي أن هذه المواقف تجاه الثورة السودانية قد تتغير بين هذه المؤسسات بتسوية واحدة. فتناقضات البرجوازية تتحد جميعها ضد أي عدو يهدد عرشها ( نمط الإنتاج الراسمالي).
 الشرط الثالث: لهذه المواقف تنبني أساساً على فهم لدى الدوائر الإمبريالية اتجاه السودان تحديداً، تعي جيداً أن الوعي السوداني وصل إلى نبذ العسكر وقوى الإسلام السياسي، وأصبحت أوراق مكشوفة ومحروقة فرهانها اليوم على أطراف مدنية داخل الحرية والتغيير مستقبلاً، لربط السودان بها من جديد، لكن هيهات هيهات فالسودانيون وقيادتهم عازمين على البناء الوطني ، وعازميين على التكثيف والتكافل الجماعي لبناء وطنهم. هذا مما يجعلنا فاقدي أي ثقة في أي قوى غير قوى الشعب.

 أهم العبر المستخلصة إلى اليوم من الإنتفاضة السودانية :
يجب أن يكون في أذهاننا ونحن نناقش هذا الأمر خصوصاً مسألة النقد ومن هذا الموقع وبعيدة عن الموقع العياني، فبذلك قد نصيب وقد لا نصيب وفي آخر المطاف فهي ليست حقائق مطلقة، فإن التراكمات النوعية والكمية التي عرفتها الإنتفاضة السودانية من السادس من نيسان لليوم قد تتلخص في طابعها النوعي الذي طغى على ممارسة الجماهير تنظيمياً وتثقيفياً وكذلك الإيمان القاطع للجماهير بالمسألة التنظيمية والقيادة وهذه النقطة بالذات لا تتوفر في كل أرجاء المنطقة(يوجد نفور كبير بين التنظيمات والجمعيات في علاقتها مع الجماهير) وهذا يبين مدى العمل الشاق والمسؤول من النخبة والكيانات السياسية منذ زمن طويل في السودان.

 علاقة النقابي والسياسي وتجديرالفعل النقابي:
ونشير في هذا الصدد إلى تجربة المهنيين السودانيين، حيث يمكن إعتبارها كأسطع تجربة في المنطقة الراهنة من النقاط المهة جداً والمثيرة للإهتمام .

 دور المجتمع المدني في السودان:
جذريته وإتساقه مع طرح الثورة بشكل تام، وهذا يبين نوعية النخب الممارسة في هذا المجال.

 لجان الأحياء والمقاومة: صمام الأمان للثورة في السودان ، وأكثر مايثير الإنتباه هو أنضباط هذه اللجان للمركزية "الحرية والتغيير" (هذا الإنضباط ليس بالمعنى التقديسي لكن فيه النقد والتوجيه ......).

 الوعي الجماهيري: والذي تطور من اليوم الأول الى اليوم وتم شحذ وإستنهاض ذاكرة الجماهير وتاريخها المجيد في إسقاط الأنظمة، فالجماهير لا تتعلم دفعة واحدة بل بشكل تدريجي، حيث تتكشف لديها المسرحية بشكل واضح ويمكن إعتبار الوعي الذي راكمته هذه الأخيرة هو نتيجة لفقرات من التثقيف والتوعية في الإعتصام أثناء المعركة والتي تمثلت في اشكال حضارية راقية جداً نقلت الوعي السوداني من موقع الضعف الى موقع الفخر والإعتزاز.

 دور المرأه السودانية في الإنتفاضة: لم تكن مساهمة النساء الأخيرة مجزئة عن تاريخ نضالهم الطويل ومساهمتهم المبدعة والخلاقة في التاريخ النضالي للشعب السوداني فدورها لايمكن نسيانه في الإنتفاضة الأخيرة، بحيث كان لها مساهمة فعالة في القيادة الميدانية بجانب الرجل تساهم في تمليك الوعي للجماهير ولها تضحيات جسام وحدها تحتاج الى مقال أو كتاب. رسمت لنا الكندكات ارقى صور وأرقى معرفة على الأدوار الطلائعية التي تلعبها في التغيير كانت تقود الجماهير في الميدان، شعاراتها تكون أكثر قابلية وأكثر تنظيماً وخطابها يصل الجميع وما "الاء صالح" إلا نموذج بسيط لهذه الأعمال الخلاقة والتي جعلت في اذهاننا العديد من التساؤلات حول مهام وأدوارالمرأة في حركات التحرر الوطني.

أن أهم ما يمكن إستخلاصه من الإنتفاضة الشعبية في السودان إلى اليوم هو تخطي الخيبات التي نتجت عن الإنتفاضات العربية في العام 2011، حيث أعطت آفاقاً أخرى لتنظيم الجماهير عبر المجتمع المدني والعمل النقابي، كما وجعلت وعي الجماهير يتمسك بالتغيير الشامل وليست النخبة فقط كما عهدنا في أرجاء المنطقة، فرغم كل النواقص التي توجد في التحالف الشعبي المعارض تحسب له العديد من الممارسات والخطوات النضالية، وهنا نشير لكل النقاد بأن الأمر متعلق بالسودان وليس المانيا فبمجرد ظهور تجربة كهذه فهو تقدم ملموس في تطور حركات الصراع الطبقي في بلدان الأطراف تستحق منا الإهتمام حتى النقد، لكن وفق تملك معرفي بالواقع السوادني إقتصادياً وثقافياً وسياسياً، لذلك على اليسار واليساريين الإهتمام بهذه التجربة الساطعة ودراسة حيثياتها بشكل دقيق وماهذه الكتابة إلا جزء من هذا الإهتمام من جهة ومن جهة أخرى هي شكل من أشكال التضامن مع الشعب السوداني. كل الإدانة للعسكر والإسلام السياسي وكل التضامن مع الشعب السوداني والثوار، وتعازينا الحارة للشعب السوداني وأهالي كل الشهداء .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,421,820,385
- -الإنتفاضة السودانية- نقلة نوعية في الحركات التحررية


المزيد.....




- مغني مصري يعتذر بعد أن رفض التقاط صورة مع معجب.. ومغردون يها ...
- تحضيرات في قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية.. ماذا نعلم ...
- تعزيزات عسكرية أمريكية إلى السعودية قريبا
- الخارجية الألمانية: تحقيق سلام دائم في أوروبا يمكن فقط بالتع ...
- آكلة لحوم البشر.. سمكة قرش تسحب صيادين مسافة 3 كيلومترات!
- الصين تحضّر فخا لصناعيي الولايات المتحدة
- إيران ستفرّق بين ترامب وبوتين بصورة نهائية
- إعصار مرعب يضرب مدينة سوتشي الروسية
- بعد تأجيل العرض بسبب انقطاع الكهرباء.. جينيفر لوبيز تقيم حفل ...
- ثالث مدافع ينضم لأتليتيكو مدريد قبل الموسم الجديد


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سفيان جناتي - -الإنتفاضة السودانية- نقلة نوعية في الحركات التحررية