أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الفرفار العياشي - عودة المقدس : التدين في زمن العولمة















المزيد.....

عودة المقدس : التدين في زمن العولمة


الفرفار العياشي

الحوار المتمدن-العدد: 6241 - 2019 / 5 / 26 - 22:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عودة المقدس : التدين في زمن العولمة

العولمة كشفت مفارقة حادة , تتمتل في عودة المقدس - و الذي تمت معاداته لمدة طويلة و محاولة القضاء عليه - و أن الإله الذي قلته العلمانية عاد للحياة من جديد ؟؟
مواطن القرن الحالي و هو مواطن متدين , بغض النظر عن أسباب التدين و رهاناته , هي بلاشك كثيرة و متعددة بتعدد الرهانات و المصالح و الغايات و السياقات المنتجة له .
ربما الحداثة الأوربية بشرت بإنهاء سحر الأديان , و قطعت العلاقة بين السماء و الأرض , أو على الأقل جعلت الدين سلوكا ارضيا لاينزل من السماء .
المفارقة الحادة كشفت أن إنسان القرن الحادي والعشرين هو كائن متدين , وان معاداة الدين في مرحلة (ما )لا يعني استئصاله نهائيا .
ربما اللحظة الأكثر راديكالية في تدبير مجال تدين الإنسان في تاريخ البشرية هي لحظة نتشه , و الذي صاح في مؤلفه هكذا تكلم زرادشت : إن الإله قد مات , و إن حفاري القبور قد كفنوه و دفنوه , وان الإنسان هو من قتل الإله لكي يعيش ويسود .

انه الدرس النتشاوي في اقسى درجات الثورة على المقدس , و إعلان القطيعة النهائية مع عالم القيم المتعالية , باحتقار المقدس و الاحتفاء بالمدنس .
نتشه لم يكن حالة فردية معزولة , بل هو جزء من نسق كامل لبنية تعكس فلسفة الانسان الأوربي ورؤيته للوجود و الحياة المعلمنة و اللائكية , الرغبة في القضاء على عالم السماء وعلى قي السماء كقيم متعالية وليست محاثة للوجود الانساني كقيم الجسد و الارض و الطبيعة و الاقتصاد و اللذة و الرغبة و الموت .
رؤية جديدة تعادي الدين وتنصب المسيح عدوا و جعلت محمدا لصا , رؤية تعادي المقدس لتعلن في لحظة تاريخية ما , القضاء النهائي على الميتافيزيقا بموت الاله و ميلاد الانسان القوي القادر فك كل الاغلال و التحررمن كل القيود , الانسان الذي لا يقبل بالتفاوض و بأنصاف الحلول , وهو الانسان الذي لا يخاف الموت , بل يبحث عنه , هو القادر على خوض حربين كونيتين في اقل من 20 سنة كلفت اكثر من 45 مليون قتيل ؟؟
رؤية انتجت ميلاد إنسان بلا اله قادر على صناعة الفناء و إنتاج كل إشكال التدمير و القتل الجماعي هيروشيما وناكازاكي نموذجا , و تدمير البيئة و القضاء على الحضارات و الشعوب الاصلية وهو ما يقود الى نهاية العالم ؟؟ .
نتشه الذي لا يفكر الا عندما يحمل معه مطرقته , من اجل تهديم الاصنام و تفكيك الاوثان لتهيئ الطريق لظهور انسان جديد قادر على تكسير قيود الدين , و اغلال الكنسية و تحقير اخلاق الكنهوت من اجل الخلاص.
ينتشه يعتبر عصر الأنوار و فلسفة الانوا رمذنبة، لأنها لم تحارب ضد الأوثان الميتافيزيقية. وانما صنعت أصناما جدد مثل : العقل , الذات، الوعي، الإرادة،التاريخ، التقدم، الحرية، الديمقراطية , المساواة , الحق .
في اقل من مئة على سيادة هذا الخطاب المعادي للدين و المقدس و الذي قتل الإله و انتصر للقوة و اللذة و الغريزة على حساب العقل و القيم و النظام , الذي انتصر لقيم الأرض و الجسد على قيم الروح و السماء , وقع تحول عميق في بنيات التفكير و الاعتقاد لدى الإنسان الأوربي تحديدا من خلال العودة إلى المقدس و انتعاش السلوك الديني .
ربما غياب الإله جعل العالم يعيش أزمة قيم و أزمة معنى , و سادت حالة من القلق و الوجودي و الاغتراب و التشظي و الضياع و العبث و هو ما عبرت عنه الفلسفة الوجودية مع كيركجارد و سارتر و كامي و باردييف و غيرهم . .
ربما الإنسان اكتشف حالة الضياع نتيجة غياب المعنى , حاول البحث عن الهوية المريحة بدل الضياع و القلق من خلال استعادة الاسئلة الكبرى المحررة للعقل الاوربي من هيمنة التقنية و القراءات الدقيقة الجزئية قتلت الانسان و أعلنت نهايته و انتهاء فعاليته / فلسفة نهاية الانسان .
الرغبة في استعادة المقدس هي طريق لاستعادة المعنى , وارجاع الروح للانسان الذي حولته التقنية و العقلانية الى كائن جامد بلا عاطفة و بلا احساس , يمكن تلمس هذا الاحتياج في رواية تولستوي" لماذا نحيى" حيت كان انشغاله الّأساسي هو البحث عن جوهر الحياة و التحرر من كل الظواهر الخادعة , و انطلق من قصة رمزية: ان الرب عاقب الملاك الذي رفض ان يقبض روح ام لطفلين صغيرين بعد وفاة والدهما و معاقبته تكمن في تحويله من ملاك الى ا نسان مع ترك باب التوبة مفتوحا لكي يعود الى اصله , لكن بعد ان يعرف المعنى من الحياة و لمذا يعيش الانسان على هذه الارض ؟؟؟
رؤية تولستوي هي إطار ناظم تعكس ميلاد رؤية جديدة للإنسان في مرحلة ما بعد الحداثة , و انبثاق حركية جديدة وسط الكنائس و في الأزقة و والشوارع و الجامعات و المدارس و الساحات العمومية ولدت رغبة جديدة في البحث عن المعنى الأساسي للوجود
فكانت الرغبة في استعادة المقدس , و استعادة جاذبية الخطاب الديني و انتعاشه .
في هذا السياق انتعش الدين و السلوك الديني من جديد , و استعاد المقدس قيمته و حضوره واحتفاليته في الفضائين العام و الخاص .
الاكيد ان للعودة اسبابها الكثيرة و المتعددة بما يستيعد السبب الوحيد المفسر , دور العولمة احد هذه الأسباب , لانها النظام الباحث عن الربح و تحويل أي شئ الى سلعة قابلة للعرض و البيع و الشراء و من ثم الربح , وهو ما يقود الى استنتاج انها عملت الى تحويل الدين الى فعل تجاري و حولت المؤسسات الدينية الى شركات تبيع منتوجا دينيا متنوعا يجعل من المتدين زبونا ,عبر خلق اسواق دينية لبناء اقتصاد ديني و تحويله من اقتصاد غير مهيكل الى اقتصاد مهيكل خاضع للمراقبة و للدورة الاقتصادية والتسويقية .
ما يدعم هذه الفرضية ان العولمة وفرت فضاءات واسعة لحركية التنقل و التجوال و عبر طرق سيارة في كل مكان و عبر شبكات متداخلة و مفتوحة أمام الجميع بفضل التطور التقني في مجال الاتصال و التواصل .وهو ما منح للانسان حرية التنقل و فرصة التجول بين الديانات من اجل استكشاف الأرض التي سيقيم عليها مشروعه الوجودي .
كما أن العولمة الغت و فسحت المجال امام عرض منتوج ديني معولم وهو ما اتاح للإنسان حرية الاختيار و بناء الديانة التي يريد و فق ما يحلو لهم , بذلك أصبح المتدين زبونا يختار دينه كما يختار ملابسه او نوع طعامه .
حتى أولئك الذين يرفضون التدين فهو متدينون لكن خارج المضمار وفق تسمية السوسيولوجي المتخصص في الدين إيف لامبير "التدين خارج المضمار"، أي خارج مجاله، وينتشر هذا التدين في فرنسا وهولندا البلدين الأكثر علمانية في أوروبا.
أصبح الإنسان المعاصر كثير الترحال لأنه مازال يشعر بعدم تملك الحقيقة و المعنى معا . و هو ما يكشف حالات تغيير الديانات بشكل مستمر و علني .
ربما احدى التفسيرات لهذا الترحال هو البحث عن المعنى و ربما وفق رؤية الروائي تولستوي من اجل الرجوع الى الأصل , فكان الإنسان تائها وفقد طريق العودة الى ذاته .
يمكن القول ان الحداثة و العلمانية لم تستطع القضاء على المقدس , و صرخة نتشه بموت الإله لم تدم طويلا , اذ سرعان ما اعلن ان الحداثة أنجبت التدين و هو مؤشر على شروق الدين و غروب شمس الحداثة المعادية لكل نزعة دينية .
ربما ما سبق ان اعلن عنه نتشه حول انفصال بين عالم السماء و الأرض لم يكن الا رد فعل عن واقع و ممارسة دينية , و ليس ضد التدين كسلوك يبحث عن معاني الوجود و يبني ارضية الاستقرار النفسي و الوجودي .
يوسف الصديق الفيلسوف التونسي اعتبر ان القرن 21 انتعش بعودة الدين الى الفضاء العام , و هو ما يعني انحسار الفضاء العمومي الذي تحدث عنه هابر ماس و الذي ينبغي ان يكون مؤسسا عى قيم العقلانية و الحوار و الايمان بفاعلية الفرد داخل هذا الفضاء .
الانتشار الكيثف لمظاهر التدين بما فيها اعتناق اوربيين لافكار جهادية, و انخراطهم في صفوف التيارات العنيفة والتي تأخد من العنف أداة للعمل , دفعات الرئيس الفرنسي الى محاولة تاسيس علمانية صلبة تؤمن بحق الاعتقاد , وهي محاولة من اجل التحكم و اذابة الاسلام داخل النسق الفرنسي .
مستشار الرئيس الفرنسي حكيم القروي و الذي اعتبر ان ان الاسلام ديانة فرنسية , طالب بالتعامل الجدي مع الخطر الاسلامي القادم من الاسفل ةو من المجتمع الفرنسي نفسه اظافة الى المهاجرين .
لذا طالب بضرورة البحث عن التعامل الصارم و الحذر مع السلوك الاسلامي و هنا يفهم لماذا طالب بضرورة دعم التمرد الثقافي و القيمي داخل الاوساط المسلمة من اجل التشتيت .
الامر الذي اكدته الباحث الفرنسي ميشيل أونفري الذي انتقد الإسلام في "نفي اللاهوت". حين اعتبره دين حرب و دم و ان المسلمين يتلذذون باراقة الدماء و انه دين فاشي .
التحولات اشرت على انعطافة جديدة في نمط وجود الانسان فالمسيح لم يعد عدوا , و الله لم يمت , حيت عادت مظاهر التدين الى الفضاءات العامة .
أمام هذا الفيض الديني المتعدد الأشكال والتعابير و اكتساج موجات التدين بكل أشكالها و خصوصيتها اكدت السوسولوجيا عودة المقدس و اكتساحه للفضاءات العامة و الخاصة كمرحلة جديدة تكشف عن تعدد و تعقد مسارات التجربة الايمانية .
ربما يكفي جولة بالمدينة لتكشف حجم شكل التدين , في الساحات العمومية في متاجر الملابس في البرامج ,حركية الاقتصاد الديني , السياحة الدينية , الطب البديل , الرقية الشرعية , ممولي حفلات الدفن و العزاء و غيرها من المظاهر التي تشير الى كثافة مظاهر السلوك الديني بالفضاءات العامة , اظافة الى الحركات الاحتجاجية من اجل ضمان حرية الشعائر الدينية / الحجاب نموذجا .
ربما عودة الدين تفسر برد فعل على الظروف التي انتجتها العولمة ومؤسساتها و يمكن اعتبار الدين الية دفاعية من اجل الاحتماء من عنف العولمة الناتجة عن غياب قيم المساواة و تزايد التفاوات الطبقية لان الفرق بين الاغنياء و الفقراء يولد حالة احباط مولد للعنف و التوثر .
الهروب من الواقع المعولم و العنيف و الذي جعل لكل شئ ثمن , دفع الفرد الى تبني خيارات دفاعية و بالتالي البحث عن حلول فردية للخلاص عبر الارتماء في شكل ذاتي لتدبير و التعامل مع الواقع .
لذا يفهم ان التدين الخاص يعني الرغبة في بناء كينونة خاصة تحقق السعادة داخلها , انها رحلة العودة الى الذات و هو ما يفسر حركية الاقبال على الاسلام لاسيما في تجارب الصوفية و اعتناق البوذية من اجل بناء صفاء داخل الذات وخروجا من الواقع / الايمان الفردي او تدميرا له / الحركات التكفيرية .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,733,312
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية


المزيد.....




- لافتات إعلانية تحتوي على رسالة معادية لليهود والمسيحيين في ...
- لافتات إعلانية تحتوي على رسالة معادية لليهود والمسيحيين في ...
- عندما ارتدى المسيحيون واليهود والمسلمون الطربوش الأحمر.. زمن ...
- فيديو.. قوات الاحتلال الإسرائيلي تمنع المصلين من دخول المسجد ...
- تطبيق "تيك توك" للتواصل يزيل فيديوهات دعائية لتنظي ...
- شاهد: الشرطة الإسرائيلية تمنع الفلسطينيين من الدخول إلى المس ...
- تطبيق "تيك توك" للتواصل يزيل فيديوهات دعائية لتنظي ...
- العلمانية... هل تكون حلا لمشكلات العالم العربي؟
- شاهد: الشرطة الإسرائيلية تمنع الفلسطينيين من الدخول إلى المس ...
- مظاهرات لبنان: هل بدأ نظام المحاصصة الطائفية يتصدع؟


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الفرفار العياشي - عودة المقدس : التدين في زمن العولمة