أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي(1)















المزيد.....


الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي(1)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 6237 - 2019 / 5 / 22 - 02:24
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


"علم الكلام واف بمقصوده غير واف بمقصودي"
(الغزالي)

لم يترك الغزالي أبحاثا خاصة في صراعه مع الفكر المعتزلي، كما هو الحال بالنسبة لصراعه مع الاتجاهات الفلسفية في (تهافت الفلاسفة) وفضائح الباطنية في (المستظهري، أو فضايح الباطنية). غير أن الاعتزال الإسلامي ظل مع ذلك أحد الهواجس العميقة في تطوره الفكري. ولم يكن ذلك بسبب تقليدية الصراع الأشعري- المعتزلي، الذي كان لابد من أن يتأثر به في بداياته الأولى، بل وفي وحدة البحث عن الحقيقة التي ميزت تطوره في خضم الصراعات الفكرية وتقاليدها القائمة آنذاك، أي كل ما اسهم في صنع آليته الطبيعية مخاض أربعة قرون من الجدل الثقافي الهائل. إذ لم يكن بإمكان أي مفكر أن ينشأ ويتطور خارج تقاليد العداء المتبادل وقوالبها المذهبية. ولعل ما يميز الغزالي عن أسلافه الأوائل هو افراطه الأولي واقتصاده اللاحق في الجدل ثم خموله الصوفي. فهي المعاملة التي يمكن ملاحظتها في مواقفه من كافة الاتجاهات الأخرى بما في ذلك الباطنية التي ظل يكن لها مناهضة قوية، رغم الكثير من القواسم المشتركة بينهما.
فالاعتزال الإسلامي نفسه، الذي أدخل في تقاليد الفكر آنذاك قضايا العقل وحرية الإرادة باعتبارها معضلات أساسية للذات المفكرة ،وبالتالي العناصر الجوهرية في منظومة الوجود الاجتماعي الأخلاقي والسياسي، لم تنشأ في بادئ الأمر إلا بوصفها التعبير الثقافي عن الصراعات الاجتماعية والسياسية والعقائدية الكبرى. وبالقدر الذي كان مفهوم الاعتزال سلبيا في مظهره الخارجي، فإنه كان في الواقع الصيغة الأكثر فعالية في دخول المعترك الثقافي والاجتماعي السياسي لحياة الخلافة. حيث شكل المعتزلة الخميرة الفاعلة في تثوير حرية الرأي والمعرفة. ومن الممكن القول بأن الثقافة العربية الإسلامية لو لم تبدع حتى ذلك الوقت سوى الجاحظ (ت- 255 للهجرة) لكان ذلك كافياً للاعتزاز بقرنين ونصف من عالم الخلافة. إلا أن التاريخ لا يتعامل مع ابداعاته على أساس كونها قوى مغتربة. لهذا السبب لم تشكل المعتزلة آنذاك في وعي الثقافة التاريخية سوى من بدا في بادئ الأمر تيارا ممثلا لاستمرارية الحياد الاجتماعي السياسي. ولم ينظر مؤرخو الخلافات والاختلافات بين المدارس الفكرية والسياسية بما في ذلك الغزالي، إلى هذه الظاهرة سلبا. على العكس! لقد جرى النظر إليها ضمن أحكام الضرورة وقناعة اليقين بالشكل الذي يجعلها تجليا لتطابق العالم الداخلي للذات الانسانية وممارستها السياسية. ومن التجني على الحقيقة تصوير هذه المواقف بأحكام السياسة المعاصرة والبحث فيها عن يسار أو يمين، ثورية أو محافظة، من أجل أن تحتل موقعها المناسب في تاريخ الثقافة. ولا ينبغي في الوقت نفسه ترك هذه الظاهرة سائبة للدرجة التي يتطابق فيها الاعجاز مع العجز، و التحديد النسبي لجزئياتها مع حيثيات الحقائق المطلقة.
فمهما بدت عملية الاعتزال في بدايتها سلبية المظهر من حيث تجاهلها ضرورة الموقف الفعال في نصرة الحق، فإن للأخير حقيقته الخاصة في عالم المصالح. فالسلطة ليست حقيقة، بل قوة. وبهذا المعنى لا يمكنها تمثيل الحقيقة. غير أن "حقيقتها" السلطوية يمكن أن تبدع "حقائق" تبريرية وأخرى مناهضة. وبهذا يمكن للاعتزال أن يصنع عالم السمو الفكري في التعامل مع مواده الملموسة بوصفها معضلاته الروحية لا قضاياه العملية السياسية. وهو ما جرى بالفعل حتى زمن السيطرة الأموية. آنذاك بدأ الصراع في التعمق للدرجة التي بدأت الوسيلة تتخذ في الوعي صيغة الوسيلة، والذريعة صيغة الذريعة، والغاية صيغة الغاية.
إن هذه الحصيلة المجردة في التطابق بين الواقع والفكر لم تكن بسيطة للدرجة التي يمكن اخضاعها على الدوام لمبدأ أعلى، إلا أنه التمييز الذي يعكس معالم العملية الواقعية لتطور الفكر المجرد. فقضية مرتكب الكبيرة، على سبيل المثال، والتي شكلت في بعض جوانبها قوة الفاعل الفكري في اظهار "اعتزال" المعتزلة، لم يكن بإمكانها أن تصنع تيارا مستقلا دون أن تكون قد تضمنت في أعماقها طاقة الصراع المنصرم، أي القوة التي اختزلت صراع الاتجاهات الاجتماعية السياسية العقائدية حول السلطة. إلا أن المصادر الأولية قد اضمحلت تماما كما ينشأ الشجر من البذور. ولا يبقى في أعين الناظرين كقوة جذابة سوى الثمار والأزهار. ومن الصعب أن نطابق بين شاعرية الطبيعة وقسوة الصراع حول مرتكب الكبيرة، إلا أن كل منهما يكّمل الآخر في ميدان وعي الحقائق. ففي ميدان الصراع الاجتماعي والعقائدي الدائر آنذاك لم يكن لمرتكب الكبيرة، كمبدأ انشقاقي جديد، الارتكاز إلى ذاته دون أن تصوغ عناصره مبادئ الصراع المتكونة في مفاهيم وممارسة السبب والنتيجة، والغاية والوسيلة، والذريعة والهدف. فمسألة مرتكب الكبيرة ضمن سياقها التاريخي بوصفها فكرة وممارسة، لم تعان من مشكلة تناقض الشكل والمضمون بقدر ما أنها حلت هذه المعضلة في الممارسة كذريعة في ( معارك الجمل وصفين) وكمبدأ في (معارك الخوارج) ضد السلطة. ولم تحصل هذه القضية على قوتها الفاعلة وتأثيرها الهائل بمعزل عن قضايا الصراع الاجتماعي السياسي والثقافي القائم آنذاك. إذ لا معنى لفكرة مرتكب الكبيرة في صنع اتجاه فكري حيوي دون أثر تلك القضايا والمعضلات الآخذة في التحول إلى عناصر جوهرية في صرح الوعي الثقافي المتكامل كقضية القضاء والقدر وحرية الإنسان، وعلاقة الحكمة الإلهية بالعقل الإنساني، والمنقول بالمعقول وغيرها من قضايا الوجود الاجتماعي والأخلاقي للأمة ومؤسساتها الدولتية الجديدة. فالخلافة الراشدية، التي جمعت في ذاتها عناصر الصيرورة الحادة لكيان الدولة المستقل، ظلت مع ذلك أسيرة وعيها الأخلاقي. وفي هذا تكمن مآثرها الجذابة وعالم مثالها الحي عن العدالة والحق الطبيعي، الذي لم تفتقده أيضا بدايات السلطة الأموية. على العكس! أنها عمقت بعض جوانبه، في حال النظر إلى وقائع تطور الدولة من خلال معطيات الثقافة الروحية (الأدب خصوصا) ومؤلفات التاريخ واللاهوت، أي كل ما أسدل حجابه الثقيل على وقائع الماضي، دون أن يشوهها كليا.
فالدولة الأموية عمّقت أخلاقية السلطة لا سلطة الأخلاق. وقد أعطى ذلك لمعاصريها ولاحقيها شعور الرفض دون عناء أو تعنّي لإدراك "طبيعية" الظاهرة. فالتطور التاريخي للدولة يجري على الدوام في صراع بين صيرورتها المستقلة ووعي مظاهرها وتأثيرها الاجتماعي الأخلاقي. فقد شكلت الاخلاق ولعبت في البدايات الأولى للخلافة دورا هائل الشأن بفعل عناصرها الفكرية الأولية، التي لم ترتكز إلى وعي صراع المصالح، بل إلى وحدة المبدأ. لهذا السبب كان ينبغي على الدوام الرجوع إلى الماضي ومبادئه المطلقة (الشرع). ولم تكن هذه العملية سلبية الطابع. على العكس! إنها مثلت الوسيلة الاشد حذراً، والأكثر يقينية في تطوير وعي الذات، أي تأدية وظيفتها المناسبة في صنع نماذج التيارات الإسلامية اللاحقة في كافة الميادين، التي ظلت ترتبط رغم كل اختلافاتها وتناقضاتها بروابط لا تحصى. وهي الظاهرة التي تبرز بوضوح في ممارسة التأويل الاولية. لكن هذه الظاهرة لم يكن بإمكانها أن تنشأ وتتطور كمبدأ مستقل ومعترف به من قبل الجميع، قبل استتباب نفسية وذهنية القبول الحر بقدسية النص. لهذا السبب لم تؤدّ إلى تضييق إمكانية الوعي بقدر ما انه كان يوجهها إلى حد ما في اتجاه إرساء أحد مكونات الثقافة الإسلامية. والمقصود بذلك الثقافة المرتبطة بصيرورة الدولة وتطورها التي تجعل من التأييد والاحتجاج وسيلة الفكر الأولية. أما التاريخ الاجتماعي السياسي والثقافي الإسلامي الأول فقد انصهر من الناحية الواقعية في وحدة السبيكة السياسية الفكرية الثقافية.
إن كل حركة ناشئة في ثقافة الإسلام اضطرت إلى رفع أهمية الكلمة إلى مصاف المطلق أو استمدت منه شعارها الخاص. وفيما لو طرحنا جانبا التفسيرات والصيغ المتباينة العديدة لمحاولات إيجاد الخلفية الفكرية للصراعات اللاحقة، قبل تاريخها المباشر (التفسيرات التي عكست تطور وعي معاصريها وبالتالي امتلكت حرية التعامل مع التاريخ بشمولية أوسع من حكمة معاصريه)، فإن الحركات الاجتماعية السياسية والعقائدية الأولى بدت كما لو أنها شهيدة الكلمة. فالشعار الذي رفعه الخوارج من أنه (لا حكم الا لله) قد تضمن المفارقة التاريخية للسياسة التي بلورها الإمام علي في كلماته الشهيرة "كلمة حق أريد بها باطل"! ولم يقصد هو بذلك سلوك أو حقيقة الخوارج، بقدر ما انه تعامل مع الفكرة المجردة ذاتها دون أن يهمل قوتها السياسية التي قابلها وجهاً لوجه في النهروان ودفع حياته ثمناً لها.
إلا أن كل هذه العملية لم تذهب سدى. فالتاريخ لا يعرف انعدام المعنى. أما النجاح والهزيمة فلهما نسبتهما في الممارسة العملية واستمرارهما الدائم في الوعي. وبهذا المعنى، فإن التجربة اللاحقة اضطرت، لكي تمتلك شرعية "حكمتها" الحية، إلى النظر من جديد إلى تراثها السابق لتأمل اخفاقاتها. وفي هذه العملية تظهر البراهين والأدلة والتبريرات والحذلقة. ويظهر لكل كيان معارضة. ولا تخضع هذه العملية بحد ذاتها إلى صيغة جامعة، أو قانون محدد باستثناء قانونيتها الخاصة، أي الحركة الدائمة للصراع. أما أشكال ظهوره فتلك خاصة القانون الفعلية نفسها. فالعقلانية ليست بالضرورة معارضة للسلفية السياسية. كما أن اللاعقلانية لا تعني ظلمة الفكر في مواجهة الواقع. وبهذا المعنى ليست الجبرية من سوء الأزل، كما أنه ليست القدرية من فضيلة الإرادة. فكل ما يظهر هو عرضة للزوال وتبقى حقيقة الممارسة والفكر واستعادتها في وعي الذات الاجتماعي الثقافي العنصر الوحيد الحق. وهي الحالة التي يمكنها توحيد المتناقضات في الشخصية. ومن ثم يجعلها شديدة الاحترام في حياتها السياسية وتعيسة في الذاكرة التاريخية، أو أن يجعلها ممقوتة في تراث الوعي الحر، دون أن يفقدها مآثرها الأخرى. إننا نستطيع إطراء الدهاء السياسي لمعاوية وندين في الوقت نفسه أخلاق الخيانة والمراوغة والخداع، أو أن نلعن الحجاج وزياد بن ابيه مع الاعتراف بقدرتهما اللغوية (الخطابية) البارعة. وبقدر ما ينطبق ذلك على رموز السياسة الماضية ينطبق أيضا على انطواء الحاضر على الماضي وانحلال شخصيات المفكرين إلى عناصر الوعي غير المتناهي.
فميدان الفكر الثقافي هو ميدان اللامتناهي. على عكس عالم السياسة وقيودها. وحالما تستجمع الشخصية كليهما، آنذاك أما أن تظهر بكل قوتها أو تنحلّ بالصورة التي تتلألأ بها أحيانا في وعي الخواص، والتي يفقد معها التاريخ السالف إحدى أهم صفاته الجميلة: التضحية من أجل الفكرة، والفكرة في خدمة التضحية. آنذاك تنحلّ قيود التعميم المجرد ويظهر الواقع الملموس بوصفه وسيلة تجلي الحقيقة. ولعل مثال الثالوث القدري (معبد الجهنى وعمرو المقصوص وغيلان الدمشقي) والجبرية الثورية للجهم بن صفوان، والاجتماعية الأخلاقية للحسن البصري، هي الصورة الأكثر بروزا لها .
غير أن ذلك لا يعني تحويل الماضي إلى رمز، مازال الاخير قائماً فيه، بوصفه الرابطة الضرورية للوعي الثقافي والسياسي. فالمعتزلة أنفسهم، والتي سعت الذهنية التاريخية ربطها بمراحل الصراع السياسي الاولي بين أطراف الأمة الأسلامية الناشئة (معركة الجمل)، قد أرست إمكانية المقارنة الرمزية بين أحداث التاريخ المتباينة. وبهذا المعنى كان اختزال التاريخ السياسي في مفهوم الاعتزال اللاحق، يعادل قدرة الفكر المجرد في محاولته إيجاد الصلة بين حركة التاريخ والوعي. حقيقة أن هذه الظاهرة لا تبدو على الدوام واضحة للعيان، على الأقل بالنسبة للكثير من معاصريها. لكن ذلك لا يعني غيابها الكلي. فالقدرية الأولى والجبرية والمرجئة والخوارج لم يكن بإمكانهم أن لا يعوا أنفسهم بوصفهم ممثلون لوحدة التاريخ والفكرة. لقد بحث كل منهم عن مثاله المطلق وعاش حياته وتقبّل مصيره الفردي بصورة ملموسة. ولم يحتو ذلك بالنسبة لأي منهم على تناقض في السلوك والوعي. وهذه بدورها ليست إلا الظاهرة الطبيعية التي لا يحق للوعي، لكي يكون حقيقيا، إفرازها على أنها كيانات مستقلة قائمة بحد ذاتها.
ومن الممكن حل هذه المعضلة من خلال إعادة وعي الظاهرة التاريخية من جديد بإيجاد قيمتها ورموزها المعنوية، باعتبارها مصادر التثوير الروحي. فالفعل الذي ينسب إلى واصل بن عطاء في اعتزاله الحسن البصري وجلوسه إلى عمود آخر من أعمدة المسجد، في حالة افتراض دقته الفعلية، هو فعل رمزي. فهي الحركة البسيطة التي كّثفت بذاتها تحديد الموقف من مرتكب الكبيرة، مرحلة تاريخية سياسية وفكرية دينية كانت تسعى للوجود بوصفها كيانا مستقلا. إذ ليس كل حركة انتقالية من مكان لآخر ومن جانب أي كان، وفي كل زمان، يمكنها ان تترمز في كيانها وكينونتها. فالرمز يحصل على "شرعية" وجوده في الوعي الثقافي بعد أن تتطابق حركته وهيئته الظاهرية تطابقاً كلياً مع مجرى التطور التاريخي لهذه الحركة أو تلك. وهو ما اسميته بوحدة الحركة التاريخية والفكرة. وإلا سيكون من الصعب فهم تحول الكلمة العادية والبسيطة الى مصدر الشقاق والوحدة، والأمان والمعركة. فمن الناحية العادية يفتقد مجرى الصراع بين الاشخاص والجماعات حول تحديد مرتكب الكبيرة بكلمة فاسق أم منافق للرزانة العقلية.
إلا أن هذا التحديد بالذات، الذي بلوره للمرة الأولى واصل بن عطاء عن مرتكب الكبيرة بوصفه فاسقا لا منافقا على خلاف ما كان سائدا آنذاك، هو الذي ترتب عليه وضع صاحبها في "منزلة بين المنزلتين" والإيمان والكفر ، ومن ثم فسح المجال أمام تبلور معالمه بالصيغة التي جعلت من العبارة المعتزلية الجديدة نتاجها الطبيعي. فهي تظهر في موشور الأخلاق كما لو أنها خطوة إلى الوراء، وفي ميدان السياسة كما لو أنها تعبير عن انعدام المبالاة الظاهرية، أما في عالم الفكر فإنها ظهرت كتجل معقول للحرية. وهو ما يفسر التحامها بقضية الحرية، باعتبارها القضية المركزية في وعيها الاجتماعي السياسي والأخلاقي. وبهذا يكون الاعتزال قد تمثل في ذاته قيمة الحرية التي بدونها يصبح من الصعب فهم تطور الأمة وثقافتها الروحية. فقد جسدت المعتزلة قيمة الحرية في كافة الميادين ببحوثها وجدالها وصراعها الفكري. إنها أنارت في التراث العربي الإسلامي شعلة الوعي الحر. غير أنها نشأت، شأن الاتجاهات الفكرية الكبرى في في مجرى الصراع بوصفها نتيجته أيضا. لهذا كان لابد لها من خوضه الدائم لتبرير وجودها. وبقدر ما ينطبق هذا على المعتزلة، ينطبق على الاتجاهات الكبرى للثقافة الإسلامية. حقيقة إن الاعتزال الإسلامي سيعاني من خفوت نسبي مقارنة بالأشعرية. إلا أن هذا الخفوت والاضمحلال لا يعني غيابه الفعلي بما في ذلك بعد شخصياته الكبرى كالجبائي والقاضي عبد الجبار. لقد ظل تأثيره جاريا في الاتجاهات والمنظومات الفكرية. بما في ذلك تلك التي ناصبته العداء بصيغته النموذجية كما هو الحال عند الاشعري.
فالمعتزلة لم تواجه تياراً ما محدداً، بقدر ما أنها استثارت مختلف الاتجاهات بفعل جرأتها الفكرية والسياسية. الأمر الذي عرّضها لاحقاً إلى هجوم استند إلى كل تقاليد المناهضة الجدية والمتباينة المصادر والمستويات من سلفية فقهية ممثلة بمالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل، وسياسة كلامية كما هو الحال عند ابن الراوندى (210-294 للهجرة) وكلامية فرقية كما هو الحال عند الأشعري والباقلاني والجويني. بصيغة أخرى، إن لتجربة الصراع الفكري مع المعتزلة بما في ذلك تلك التي عاصرت الغزالي، تراثها الهائل. وبهذا المعنى، فإن انتقاد الغزالي الجدلي ضد المعتزلة هو استمرار للجدل الاشعرى -المعتزلي. لكنه كان موجها في الوقت نفسه ضد الاتجاهين معا ونموذج صراعهما الذي لا هوادة فيه.
وقبل أن يصل الغزالي إلى هذا الاستنتاج، الذي كان في جوهره أيضا نتاجا لموقفه من علم الكلام باعتباره أيديولوجية للعوام (أو ما اسماه بعلم الدفاع عن عقيدة العوام)، كان لابد له من أن يخوض غمار وسائله وأساليب وعيه السائدة في ثقافة العصر آنذاك. فهو يشير إلى هذه الظاهرة في (المنقذ من الضلال) على مثال تطوره الفكري الشخصي. حيث يؤكد على أنه منذ عنفوان الشباب إلى ريعان العمر، قبل أن يبلغ العشرين من العمر كان يقتحم لجج اختلاف الخلق في الأديان والنحل (المدارس الفكرية) متوغلاً في كل مظلمة ومهاجما كل منها من أجل الكشف عما أسماه بأسرار المذاهب وحوافز مواقفها ومقدماتها وغاياتها . انه التعطش، كما يقول الغزالي، إلى درك حقائق الأمور التي وضعت في جبلته، أي كل ما ساعده على حل رباط التقليد . ولم يعن الغزالي بحلّ رباط التقليد سوى نزع الهيبة التقليدية العمياء وليس كل تقليد. بمعنى أن لكل تقليد مثالبه الخاصة وبالأخص حالما يفتقد إلى ملكة أو صفة استقلال التفكير والفكر. ففي الاستقلال الفكري الباحث عن الحقيقة يفقد التقليد معناه. وهو ما سعى لتحويله لاحقا إلى محور الصراع مع الاتجاهات الباطنية لإبطال عصمة الإمام باعتبارها فكرة متناقضة بحد ذاتها. إنه حاول أن يجعل من الشك والنظر مقدمة إدراك الحقائق، بينما لا يعدو التقليد أكثر من كونه مقدمة ووسيلة التحصيل العلمي في بدايته.
إن معضلة التقليد التي حاربها الغزالي، بما في ذلك في موقفه من المعتزلة، لم تخلّصه هو الآخر منها على الأقل في بداية مراحل صراعه مع الاعتزال. فثقافته الأولية كانت حصيلة الآراء والمواقف والأحكام الأشعرية ومناهجها. وهذا بدوره لا يعني صواب المواقف والتصورات الواسعة الانتشار عنه والقائلة، بأن كل آرائه وتحولاته بما في ذلك انتقاله إلى الصوفية لم تغير شيئاً من ذهنيته الأشعرية. والقضية هنا لا تقوم في رفض الغزالي الشخصي انتماءَه لأي من الاتجاهات بما في ذلك الأشعرية ولا حتى في تأكيده اللاحق على انه ليس لأي من الاتجاهات حكم ومستند عليه ، بل في مجمل تطوره الفكري ونتائجه في منظومته الشاملة، أي التطور الذي لابد لعناصر المنظومات الفكرية القائمة آنذاك، والأشعرية من بينها بوصفها إحدى الاتجاهات الكبرى، من أن تترك أثرها وبصماتها القوية في وعيه اللاحق. غير أن هذا الجانب يعادل الحالة الفكرية الطبيعية والمنفية في عملية الوعي ذاته، الذي جعل موقفه المستقل من الأشعرية مبنياً على أساس الموقف من الحقيقة. أنه تعامل معها كما في (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) تعامله مع حرية البحث عن الحقيقة. فقد أشار في معرض انتقاده للتكفير المتسرع إلى هذا النوع من المواقف وبالأخص ما هو مستند منه إلى أحكام الفِِرق، هو نوع من التقليد المتعصب. ففي فكرته هذه وموقفه لم يقصد الغزالي رفض الفِرق واختلافاتها قدر ما كان يقف إلى جانب استقلالية الحقيقة. لهذا السبب لم يربط الحقيقة بشخصية ما على اساس مصدرها التأسيسي. فأحقية الأشعري ليس لكونه الأسبق والأقدم. وأن مخالفة الباقلاني له لا يعني كفر الأخير دون الأول . وهي الفكرة التي سيبرزها بوضوح على مثاله الشخصي عندما سئل عن مذهبه فأجاب "مذهبي في العقليات على مذهب البرهان، وفي الشرعيات على مذهب القرآن" . وفي (المنقذ من الضلال) نراه يشدد على استقلاله الكامل واستقائه المعرفة من مشكاة النبوة، القائمة في وحدة الحقيقة ويقينها الذاتي. إذ لا معنى للحديث عن الاستقلال المطلق في عالم الوجود الاجتماعي والمعرفي. فالاستقلال نفسه وكيفية تبلوره هو نتاج الصراع الفكري. وتطور الغزالي المعرفي وموقفه من المعتزلة قد جرى ضمن سياق هذه العملية المتوازية والمتفاعلة والمتناقضة. بمعنى المسير ضمن تقليد الصراع مع المعتزلة وبموازاته البقاء ضمن نفسية وذهنية الاستقلال الفكري. فتقليدية الصراع، أو بصورة أدق الكيفية النوعية للصراع المعتزلي الاشعري الذي أصبح وسيلة التربية المدرسية، كان لابد وأن يشّق لنفسه الطريق إلى كتابات تلك المرحلة وشخصياتها الفكرية بما في ذلك الغزالي. وفي الوقت نفسه عكس هذا الصراع الحاد البقايا المتبقية لقوة الكلام السائدة آنذاك. غير أننا نلاحظ أيضا المحاولات الأولية التي قام بها الغزالي في تذليل هذا الصراع من خلال توجيه الانتقاد ضد علم الكلام نفسه. وللغزالي هنا سابقة خصوصاً في المدارس الفلسفية التي سينتقدها. إلا أن صراعه المباشر مع الفكر الفلسفي وضع تراثه الكلامي أمام محك تطويره إلى مصاف الفلسفة النقدية، التي ستكشف له في آن واحد تهافت الفلاسفة والمتكلمين على السواء. أما الإشارة التي سيقدمها ابن خلدون لاحقا في (المقدمة) عن الطريقة الجديدة التي أدخلها الغزالي في علم الكلام، إي إدخال الرد على الفلاسفة بما خالفوا فيه العقائد الايمانية ، فتبقى مجرد إشارة للظاهرة التاريخية الفكرية لا غير. أما حقيقة الجديد الذي عكس هذا الصراع فهو أثره على تطور الغزالي نفسه وموقفه من الفِرق الكلامية بما في ذلك المعتزلة، أي وعي محدودية علم الكلام. (يتبع......)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,398,880,739
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(3-3)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(2-3)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي (1-3)
- بارتولد - المستشرق الروسي الكبير
- ابن خلدون. من التجارب السياسية إلى الفكرة النظرية
- عبد الحميد الزهراوي(1855-1916) ونقد الاستبداد والاستعباد(6).
- عبد الحميد الزهراوي(1855-1916) وتأسيس الفكرة القومية الجديدة ...
- عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) وفكرة التربية السياسية والرو ...
- عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) وإشكاليات التنوع والاختلاف و ...
- عبد الحميد الزهراوي ((1855-1916) الواقعية والعقلانية في الفك ...
- عبد الحميد الزهراوي والفكرة العربية السياسية
- المثقف الكبير التزام روحي دائم
- البحث عن عقلانية إنسانية عربية
- الفكرة الإصلاحية وإشكاليات الإصلاحية الإسلامية
- عبد الكريم كاصد - إشكالية الروح والمعنى
- محمد رسول الإرادة
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا(5)
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (4)
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (3)
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (2)


المزيد.....




- الصادق المهدي يطالب بالتهدئة في السودان.. و-الحرية والتغيير- ...
- بومبيو: إذا اندلعت حرب مع إيران فلأنهم اختاروا ذلك
- استنفار في نينوى بعد حريق المشراق
- مظاهرات الجزائر: ما قصة العلم الذي اعتقل بسببه متظاهرون؟
- أعلام أثارت الجدل في شمال أفريقيا
- بومبيو: إذا اندلعت حرب مع إيران فلأنهم اختاروا ذلك
- هل تذهب إلى صالة التمرين كثيرا؟.. ربما أنت معرض لخطر الإدمان ...
- عقب تسليمه نفسه.. الأمن يواصل اختطاف ابنة سياسي مصري
- برهم صالح: لا نريد حربا بالمنطقة ولسنا منصة لضرب الآخرين
- سويسرا تمنع شركة طائرات من العمل بالسعودية والإمارات


المزيد.....

- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي(1)