أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - كتاب ( الصبر فى الاسلام )















المزيد.....



كتاب ( الصبر فى الاسلام )


أحمد صبحى منصور

الحوار المتمدن-العدد: 6235 - 2019 / 5 / 20 - 06:27
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كتاب ( الصبر فى الاسلام )
هذا الكتاب
نشرت مقالا بعنوان : (رباعية الأرض ، الانسان ، الموت والسلام : ثقافة يجب تعميمها لنشر السلام والتعايش السلمى ). جاء تعليق د عثمان محمد على عن المظلوم صاحب الحق. رددت بمقال : ( فى سبيل السلام : المظلوم والصبر الايجابى ). ثم توالت المقالات فى موضوع الصبر. ونجمعها فى هذا الكتاب عن ( الصبر فى الاسلام ) ، وجعلنا مقال ( رباعية الأرض ..) المشار اليه هو مقدمة هذا الكتاب مع المقال الأول .
والله جل وعلا هو المستعان .
أحمد صبحى منصور.
الأحد 19 مايو 2019 .

الصبر فى الاسلام : الفهرس
هذا الكتاب
مقدمة ( رباعية الأرض ، الانسان ، الموت والسلام . ثقافة يجب تعميمها لنشر السلام والتعايش السلمى ) ( فى سبيل السلام : المظلوم والصبر الايجابى )
الفصل الأول : أنواع من الصبر : ( فى سبيل السلام : الصبر الايجابى فى القتال الدفاعى ) ( الصبر وحتميات القدر ) ( الصبر الايجابى للمؤمن على ظلم الظالمين ) ( الصبر الايجابى للمصلحين فى داخل مجتمعاتهم ) ( الصبر فى قصص الأنبياء ) ( الصبر العظيم فى النعمة والصبر العادى فى النقمة )

الفصل الثانى : الصبر والتوكل : ( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ وَكِيلًا﴿٣﴾ الاحزاب ) (
بين الصبر والتوكل على الله جل وعلا ) ( الايمان والصبر الايجابى والتوكل على الله جل وعلا ) ( بين الصبر والتوكل على الله جل وعلا : فى التعامل مع المعارضة )
الفصل الثالث : المستضعفون والصبر : ( المستضعفون فى الأرض والصبر ) ( ( شيال الحُمول يا متولى ) إستغاثة الصبر السلبى للمستضعفين المصريين ) ( للصبر الايجابى خلود فى الجنة وللصبر السلبى خلود فى النار)
مقدمة :
(رباعية الأرض ، الانسان ، الموت والسلام )
ثقافة يجب تعميمها لنشر السلام والتعايش السلمى
أولا : لمحة
1 ـ شقيقان إختلفا على ميراث الأرض ، تشاجرا ، قتل كل منهما الآخر بسبب هذه القطعة من الأرض . تحولا الى تراب فى هذه الأرض المتنازع عليها وبقيت الأرض ، بعدهما حدث نفس التنازع حول نفس الارض والقتال بسببها ، ومات المتقاتلون وبقيت الأرض ، ولا زالت الأرض باقية ويتقاتل حولها الناس ويموتون من أجلها جيلا بعد جيل ويتحولون الى تراب ، ولا هم يتوبون ولا هم يتذكرون .
2 ـ يحدث هذا على مستوى الورثة الأقارب ، وعلى مستوى الأفراد كما يحدث على مستوى الدول .
3 ـ فى كل الحالات ينسى الجميع الموت ، مع أنه حتمى لا مهرب منه . قال جل وعلا :( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ) (٨﴾ الجمعة ) . لو تيقن الانسان من أنه سيموت حتما ما تصارع من أجل حفنة تراب لأنه سيعرف أنه سيموت ويتحول الى تراب. لو تيقن الانسان من أنه ميت لا محالة لآثر أن يعيش مع أخيه الانسان فى سلام ، لأنه فى النهاية فإن الذى سيرث الأرض ومن عليها هو الخالق جل وعلا القائل : ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ) ﴿٤٠﴾ مريم ). وهو جل وعلا من أسمائه الحسنى ( السلام ) ( الحشر 23 ) وشريعته جل وعلا مؤسسة على السلام والرحمة والعدل والاحسان والحرية وكرامة الانسان .
4 ـ هنا نتوقف مع رباعية : ( الأرض ، الانسان ، الموت والسلام ).
ثانيا : هذا هو الحل للصراع الفلسطينى الاسرائيلى
1 ـ الصراع الفلسطينى الاسرائيلى قائم على أساس الأرض . وهو صراع دموى تسبب فى قتل الألوف ، وهناك آخرون مرشحون للموت قتلا .
2 ـ لو أدرك الاسرائيليون أنه لا مفر من الموت لآثروا السلام ، يكفى أن مؤسسى دولتهم ماتوا ولحقهم وسيلحقهم الآخرون. إذن لماذا التقاتل على أرض لا نلبث أن نصبح ترابا فيها ، كانت قبلنا وستبقى بعدنا الى أن يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها.
3 ـ لو أدرك الفلسطينيون حتمية الموت وأن الحياة فى هذه الدنيا مهما طالت فهى قصيرة وأن الأفضل لهم أن يعيشوا فى سلام ووئام مع غيرهم ما حدث كل هذا التناحر ، خصوصا وأن المستفيد من الصراع على الأرض هم قادتهم وهم مستبدون يرون الأرض بمن عليها ملكية خاصة بهم دون الشعب الفلسطينى الذين يستغلون إسمه ويسرقون رزقه ، لو عقل الفلسطينيون لأدركوا أن حياتهم القصيرة فى هذه الدنيا أفضل تحت سيطرة الحكومة الاسرائيلية منها تحت إستبداد حماس أو السلطة الفلسطينية . المهم أن تعيش مسالما متمتعا بحقوقك وكرامتك خلال حياتك القصيرة فى هذه الدنيا .
4 ـ ما يسمى الآن بفلسطين تتابع على سكنها أجناس وأمم ، وإحتلها أجناس وأمم ، وتقاتل من أجلها أجناس وأمم قبل هذا الصراع الفلسطينى الاسرائيلى . إنتهى الجميع الى تراب فى أرض فلسطين ، وسينتهى أيضا الفلسطينيون والاسرائيليون ؟ فهل يفهمون الدرس ؟
5 ـ ماذا لو حل السلام والتسامح بين الاسرائيليين والفلسطينيين ونبذوا القتال ، وإرتضوا تعايشا سلميا قائما على تبادل المنافع والعدل والمساواة . هذا يحقق الأمن للطرفين ، والأمن هو المشكلة الكبرى للإسرائيليين والفلسطينيين ، ولا يمكن تحقيق الأمن بالعنف وتربص كل فريق بالآخر .
ثالثا : فى صراعات الشرق الأوسط
1 ـ معظم سكان الشرق الأوسط محمديون ، يقدسون إلاها مصنوعا من أكاذيب ، أسموه محمدا ، وهو يتناقض مع الشخصية الحقيقية للنبى محمد فى القرآن الكريم الذى يؤكد أن النبى محمدا وكل الأنبياء هم مجرد بشر ولكن تميزوا بالوحى الالهى أنه ( لا إله إلا الله ) ، وانهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا ، وسيتعرضون للحساب شأن بقية البشر يوم القيامة. المحمديون لا يكتفون بتأليه ( محمد ) بل يؤلهون آلهة أخرى من الأئمة والخلفاء والصحابة ، ولهم أديان أرضية يزعمون لها وحيا إلاهيا ، ولهم شرائع أرضية تتناقض وشريعة الاسلام فى القرآن . واشدهم تطرفا هم الوهابيون السنيون . قال جل وعلا للنبى محمد عليه السلام : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴿١٠٧﴾الأنبياء ) ، وهم صنعوا إلاها أسموه محمدا جعلوه إرهابا للعالمين .
2 ـ نكرر ونؤكد الآتى : هناك معنيان للإسلام :
2 / 1 : الاسلام السلوكى بمعنى السلام . وشريعة الله جل وعلا أساسها السلام فى التعامل مع الناس بعضهم بعضا ، والايمان السلوكى هو الأمن وأن يكون المؤمن موثوقا به يأمنه الناس فى تعاملهم مع بعضهم . وجعل رب العزة من أسمائه الحسنى ( السلام المؤمن ) ( الحشر 23 ). وجاهد النبى محمد وقاتل قتالا دفاعيا فقط من أجل أن يحل السلام محل الغارات التى إعتادتها قبائل العرب. وحين دخل العرب فى السلام أفواجا إعتبر رب العزة جل وعلا أنهم دخلوا فى دين الله أفواجا ، أى إن السلام ( الاسلام السلوكى ) هو دين الله ، وهذا ما رآه النبى ، قال له جل وعلا : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ ﴿١﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّـهِ أَفْوَاجًا ﴿٢﴾ النصر ). النبى محمد لم يكن يعلم غيب السرائر ، ولم يكن يعرف أن أقرب أصحابه اليه كانوا منافقين مردوا على النفاق ( التوبة 101 ) ، وهم الذين تولوا الحكم خلفاء له فإرتكبوا جريمة الفتوحات والتى بها نشروا الكفر بالاسلام على أنه الاسلام. النبى محمد لم يكن له ان يحكم عليه على ما فى السرائر . وهو عليه السلام رأى السلام سلوكا دخل فيه العرب أفواجا ، وهو هو نصر الله للنبى والمؤمنين. تطبيق الشريعة الأسلامية هو حسب السلوك فقط وليس له دخل بالنيات وما فى القلوب ، ولذا فإن الكافر والمشرك هو حسب التعامل أى الذى بسلوكه يكون معتديا يقتل الناس ، والأفظع من هذا أن يقتل بإسم الله جل وعلا . وهذا ما تخصص فيه الخلفاء بعد موت النبى محمد عليه السلام، وسار على سنتهم المحمديون ، يعتبرون غيرهم من المسالمين كفارا حتى لو كانوا من داخل نفس الدين . هذا يتناقض مع الاسلام دين السلام.
2 / 2 : الاسلام القلبى بالايمان بالخالق جل وعلا وحده إلاها لم يلد ولم يولد ، والكفر القلبى بتقديس البشر والحجر مرجع الحكم فيهما الي الله جل وعلا يوم القيامة. وليس للبشر حتى النبى محمد فى حياته أن يتدخل فى هذا . كان مأمورا أن يقول للكافرين الرافضين لعقيدة أنه ( لا إله الا الله ):( اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴿١٢١﴾ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴿١٢٢﴾ هود ) ، أى أن ينتظر حكم الله جل وعلا عليهم وعليه يوم القيامة . المحمديون فى أديانهم الأرضية وشرائعهم يطبقون الإكراه فى الدين والذى يصل الى قتل من يخرج على دينهم الأرضى بالقتل بما يسمى ب ( حد الردة ) ، ناهيك عن إستحلال الهجوم الحربى والاحتلال ، وبهذا تأسست الدولة السعودية ، وتأسست نظم إستبدادية أخرى تعتمد على الكهنوت الدينى السُّنّى ـ وكلها تنشر الفساد والدمار والحروب وحمامات الدم داخل وخارج بلادها ، بحيث أصبحت أخبارهم تتصدر نشرات الأخبار . طبقا للإسلام هم كفار بسلوكهم ، ولا شأن لنا بما فى قلوبهم .
3 ـ رباعية : ( الأرض ، الانسان ، الموت والسلام ) هى الحل فى مواجهة الاستبداد والفساد فى الشرق الأوسط . ليس فقط لأنها منطقة المشاكل فى العالم ولكن أيضا لأن رباعية : ( الأرض ، الانسان ، الموت والسلام ) تنبع من القرآن الكريم نفسه . فإذا كان الله جل وعلا قد قال للنبى محمد فى حياته ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ﴿٣٠﴾) الزمر ) فلا حياة خالدة لأحد فى هذه الدنيا من الحكام والمحكومين .
وما يحدث فى الحياة أكبر دليل ، وهناك مثل رائع يقول ( لو دامت لغيرك ما وصلت اليك ) وهو يصدق على حال المستبد الذى وصل للحكم بعد مستبد سابق ، وسيصل غيره بعده الى الحكم لأن الدنيا لا تدوم لأحد ، فالموت محطة كل منا يصل اليها فى قطار الحياة . وفى خلال عشرين عاما فقط مات مستبدون كثيرون منهم أمير الكويت سعد العبدالله سالم الصباح والشيخ زايد الاماراتى و الملك فهد والملك عبد الله آل سعود ، وسقط صدام ومبارك وبن على والقذافى وبوتفليقة وعمر البشير . ولا يستطيع الطغاة الآخرون ان يهربوا من الموت ولو كانوا فى بروج مشيدة . قال جل وعلا : ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ) ﴿٧٨﴾ النساء ) .
رابعا : فى الصراعات الدولية
1 ـ فى العصور القديمة حيث الصراعات الدولية : أين ذهب أباطرة الفرس والروم ـ وأباطرة أثينا وخلفاء العرب والعثمانيين والمغول والأسبان وملوك أوربا وغيرهم ؟ ماتوا جميعا وتركوا الأرض بعدهم. فى الكشوف الجغرافية وما تلاها من إبادة شعوب لاحتلال أراضيهم ، مات السفاكون وأصبحوا ترابا فى هذه الأرض مع صفحات فى التاريخ تلعنهم. نفس الحال فى عصرنا ، أين ذهب هتلر وستالين وموسولينى ؟ ماتوا وتحولوا الى تراب ، ولم ينجحوا إلّا فى سفك دماء الملايين ظلما وعدوانا .
2 ـ المطلوب أن تتحول رباعية : ( الأرض ، الانسان ، الموت والسلام ) الى ثقافة تنتشر بين الأفراد والشعوب . وهذه مهمة إنسانية لإحلال السلام فى العالم .
أخيرا :
1 ـ لا بد من أن تكون رباعية : ( الأرض ، الانسان ، الموت والسلام ) اساسا فى حل النزاعات الدولية.
2 ـ ليس هذا ترفا فكريا ، وليس يوتوبيا خيالية ، إنها تقع فى إطار الممكن ، لأنها غاية فى البساطة ، فلا يوجد من ينكر أن الأرض لا تستحق التقديس لأننا نسير فوقها بأقدامنا ولأنها مسخرة للإنسان ، قال جل وعلا : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ) ﴿١٥﴾ الملك ). ولا يوجد من ينكر الموت مهما كانت أفعاله تتناقض مع إعترافه بحتمية الموت. ولا يوجد من ينكر أن السلام هو الأجدى من الحرب . يعرف الجميع أن الحرب لا تحل مشكلة بل تزيدها ، وان السلام يرتبط بالإزدهار والرخاء لمصلحة الشعوب. هذا موجود فى الضمير البشرى ، وبالتالى يمكن تحقيقه.
3 ـ وقد سبق تحقيق بعض هذا من قبل .
3 / 1 : المجتمع الدولى توصل لاتفاقات بالنسبة لبعض الأسلحة الذرية فى إطار الردع المتبادل ، فلماذا لا يصل الى إتفاق لمنع معظم الأسلحة ؟، ولماذا لا يتوصل الى إتفاقات لتقليم أظافر مؤسسات السلاح وتدخلها فى صنع سياسات تؤدى لإشعال حروب لا تلبث أن تمتد الى بلادهم فى عصر الانترنت والقرية الكونية ؟
3 / 2 : وإذا كان الحلفاء قد عقدوا محاكم نورنبيرج للقصاص من مجرمى النازية بعد الحرب العالمية الثانية ، وإذا كانت الجنائية الدولية قد حاكمت وأدانت بعض السفاحين من الرؤساء ، فلماذا لا يتسع عملها لمحاكمة المستبدين فى أفريقيا والشرق الأوسط بالذات وهم الذين ينشرون حمامات الدم فى العالم ؟ وإذا كانت الجنائية الدولية قد أدانت عمر البشير فلماذا تسكت عن ابن سلمان وابن زايد والسيسى وغيرهم ؟
4 ـ لدى الأمم المتحدة الكثير مما تقوم به ، ومعها منظمات حقوق الانسان . ولقد تقدم العالم كثيرا بعد الحرب العالمية الثانية وبعد تأسيس الأمم المتحدة. لقد تأسست الأمم المتحدة وفق ثقافة عصرها . العالم الآن دخل فى ثقافة عالمية جديدة ومتحدة تقريبا ، وهذا الوضع العالمى الجديد يحتم تطويرا فى مهمة الأمم المتحدة والمجتمع الدولى ليكون معبرا عن الانسان وفى مواجهة الحكومات ، وليقف مع بلايين المستضعفين فى الأرض ضد مجموعة أشخاص يفسدون فى الأرض .
5 ، آن الأوان للأمم المتحدة أن تتبنى رباعية : ( الأرض ، الانسان ، الموت والسلام ) لتجعلها ثقافة عصرنا وقريته الكونية. آن الأوان لكى تفرضها فى وسائل الاعلام وفى التعليم ليتربى عليها هذا الجيل والأجيال القادمة ليكون العالم أكثر أمنا وأكثر سلاما.

التعليقات
سعيد على
ثقافة القناعة وتحريم الطمع
الأمم المتحدة من أسف ( غير متحدة ! ) ماذا لو عممت هذه المنظمة الأممية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و فرضت تدريسه على جميع ( الأمم ) . أين حكماء العالم ؟ لماذا لا تتبنى الأمم المتحدة هيئة عالمية تضم حكماء العالم من أجل نشر ثقافة ( القناعة ) و السلام و نبذ الإعتداء و تجريم التسلح ؟ .. حفظكم الله جل و علا أيها المصلح العزيز ..
Ben Levante.
وجهة نظر
السلام عليكم
عندما أقرأ "ليس هذا ترفا فكريا ، وليس يوتوبيا خيالية ، إنها تقع فى إطار الممكن ، لأنها غاية فى البساطة" أستطيع اتهمامك (طبعا زورا وبهتانا) بأنك تريد ما هو من غير عند الله، فالنفس البشرية خُلقت بخيرها وشرها والصراع بين الخير والشر سيبقى إلى يوم القيامة، فالامر إذاً ليس في التخلص من أحد هذه القوى، أي ليس في حسم الصراع وانما بإدارته، وليس وضوح الفروق هو مفتاح الحل. ولكي نستوعب صعوبة الامر أذكر مثلا على ذلك في التعامل مع زيادة الوزن عند كثير من الناس، فهؤلاء يعلمون علم اليقين أن عليهم خفض وجبات الطعام أو ممارسة الرياضة أو اتخاذ تدابير أخرى، ونحن ندرك كم هي صعوبة التطبيق بالرغم من أن الأمر يتعلق بنفس الشخص ولمصلحته وليس على حساب هذه المصلحة، فكيف إن كان الامر بين شخص وآخر أو شعب وآخر أو دولة واخرى، إذ يدخل عامل الانانية المتأصل في النفس البشرية في معادلة الصراع، ليس بين الخير والشر فقط وانما بين المصالح التي تجعل الحدود بين الخير والشر حدودا نسبية.
ما يلفت النظر في الازمنة الحديثة هو تحول طبيعة الصراع بين الشعوب والدول، خاصة الكبرى منها، من صراع حربي إلى صراع اقتصادي. الصراع الحربي القديم كان صراعا مشحونا يتفجر بين حقبة واخرى ليصبح صراعا مكشوفا وآنيا يتبعه موت ودمار وضحاياه ظاهرة للعيان، أما الصراع الاقتصادي فهو صراع خافت مستتر ومزمن، يصعب إثبات جرائمه وحصر ضحاياه. الصراع الحربي بقي في مناطق النفوذ فقط وفي المناطق التي لم يأخد فيها العامل الاقتصادي زمام الامور بعد. بالرغم من مساوئ الصراع الاقتصادي، إلا أني أرى فيه خطوة إلى الامام، وتقدما في إدارة الصراع بين المصالح، لكني وكما قلت سابقا فالصراع باق ما بقي بشر على هذه الارض.
أحمد صبحى منصور
شكرا أحبتى وأقول :
استاذ سعيد على : لا نطلب تغيير الأمم المتحدة وتأسيس غيرها. نتمنى أن تعبر عن الانسان قبل تعبيرها عن الحكومات التى تتحكم فى الانسان. نطلب أن تتطور لتواكب ثقافة حقوق الانسان لا أن تتخلف عنها، نتمنى أن تعبر عن الضمير الانسانى وليس عن حكومات سياسيى تجرى وراء المنفعة حتى لو أدت الى سفك الدماء ، وهى تؤدى فعلا الى سفك الدماء .
استاذ بن ليفنت : الله جل وعلا خلق النفس البشرية على اساس الفجور والتقوى وترك لها حرية الاختيار ، وقال جل وعلا ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) . أى يمكن للانسان يسمو بنفسه وان ينهى نفسه عن الهوى ، كما يمكنه أن يهبط بها . دعوتنا هى لأن نسمو بأنفسنا . ما نحققه بالسلام يفوق أضعاف أضعاف ما تحققه الحروب. ليس للسلام تكلفة وليس فيه معاناة . فى الحروب بشاعة المعاناة . ليس عسيرا أن نجعل حياتنا القصيرة سلاما ومحبة ومشاركة وتعاطفا .. وهذا يجلب الرخاء والازدهار .
د عثمان : سأرد على سؤالك بمقال خاص نظرا لأهميته.
الرد بهذا المقال :
فى سبيل السلام : المظلوم والصبر الايجابى
مقدمة : على المقال السابق جاء تعليق د عثمان محمد على . يقول ( يبقى سؤال : .. ولكن هُناك سؤال بالتأكيد يجول بخاطر كل من ينتهى من قراءة هذا المقال ،الا وهو . وماذا عن المظلوم صاحب الحق فى الأرض كالفلسطينيين الذين تتخذ حكومة إسرائيل قرارات بمصادرة أملاكهم لبناء مستوطنات او مصانع عليها ، او كمن يعتدى أخاه الأكبر عليه وعلى حقه وميراثه وليس له سواه ليعيش منه ، فماذا يفعل ،هل يستسلم ويترك ارضه وحقه ، ام يُدافع عنه مهما كلفه الأمر ؟؟ فلو إستسلم ورضى بالأمر الواقع إيثارا للسلام فستكون غابة وتضيع فيها الحقوق . وماذا لو قُتل اثناء دفاعه عن حقه ؟؟) .
وأقول :هذا يدخل فى علاقة معقدة بين السلام والصبر الايجابى . ونعطى بعض التفصيل:
أولا : بين الظالم والمظلوم
1 ـ أظهرت الحرب العالمية الأولى ــ والتى جرت بين إبنى آدم وقتل أحدهما الآخر ـ وجود ظالم ومظلوم . وقتها كانت النسبة بين الظالم والمظلوم متساوية 50% لكل منهما .
2 ـ بإتساع العمران البشر وزيادة عدد البشر أصبح المظلومون هم الأغلبية الساحقة ، بل هناك مظلوم ويظلم ، والعادة أنه فى مجتمع الاستبداد تشيع ثقافة الظلم ، يظلمون رب العزة جل وعلا فيتخذون معه آلهة مخلوقة ، ويتظالم الناس فى التعامل بينهم. ، القوى يظلم الضعيف ، والضعيف يظلم من هو أضعف منه ، وتتضاءل الفوارق بين مجتمع الاستبداد ومجتمع الغابة . وهذا نراه واقعا حيا فى الشرق الأوسط فى عصرنا .
3 ـ وجود ظالم من البشر يعنى وجود مظلوم من البشر . من حق المظلوم أن يطالب بحقه ، وله أن يترك حقه . يوجد فى البشر أمثال قابيل القاتل وأمثال هابيل الذى لم يدافع عن نفسه ورضى أن يقتله أخوه الشقيق. المظلوم قد يرضى بالظلم ويستكين له فيشجع على إستمرار الظلم ، ويضيع السلام ، وقد يصبر صبرا إيجابيا ، يكون فى تحقيق السلام
ثانيا : المظلوم والصبر الايجابى
1 ـ بعض الأديان الأرضية يعتبر الرضى بالظلم والصبر عليه فضيلة دينية كما يعتقد بعض الأقباط المصريين . وفى عقيدة التناسخ الهندية تكريس للنظام الطبقى الصارم فى الهند ، فالمنبوذون إذا رضوا بالظلم الطبقى وتعايشوا مع وضعهم تتناسخ ( أرواحهم ) فى مخلوقات أعلى ، أما الذين يرفضون الظلم فتتناسخ ( أرواحهم ) فى حيوانات ومخلوقات أدنى . عندهم يكون الصبر السلبى بالرضا بالظلم فضيلة دينية ، مما يكرس الظلم ، فالذى يعتبر الظلم واقعا مفروضا يتعايش معه كأنه قدر مفروض لا فكاك منه ، ولا يعرف حقوقه الضائعة ، ويرى المستكبرين يتصارعون فوق جثته تنافسا على تملكه ، وهو الضحية بإستمرار شأن الأنعام المملوكة . هذا يتنافى مع تكريم الانسان . لذا فليس الصبر السلبى للمظلوم من قيم الاسلام العليا .
2 ـ ( الصبر الايجابى ) قيمة عليا فى الاسلام لأن الاسلام دعوة للإصلاح بالوعظ وليس بالفرض والإكراه فى الدين ، هو بالدعوة القولية أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ، فإن لم تكن هناك إستجابة فالمؤمن يعرض عنه منتظرا حكم الله جل وعلا يوم القيامة ، متمسكا بقوله جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٠٥﴾ المائدة ) ، ويقول لمن أعرض عن الحق:(وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴿١٢١﴾وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴿١٢٢﴾ هود ) .
3 ـ المؤمن فى تفاعله الايجابى مع الحياة آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر يتعرض للظلم من المستكبرين فى الأرض . ولا بأس بهذا فهو سعى لتحجيم الفساد. والاصلاح هو لُبُّ دعوة الأنبياء ضد المستكبرين أكابر المجرمين . قال جل وعلا عنهم (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( ١٢٣﴾ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّـهِ ۘ اللَّـهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّـهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٤﴾ الانعام ) . لا يرضى المستكبرون المفسدون بالاصلاح الدينى والاجتماعى والسياسى لأن الاصلاح يعنى نهايتهم ، لذلك لا بد أن يتسلطوا على المصلحين بالأذى . حدث هذا مع الأنبياء ومع خاتم النبيين . المؤمن فى دعوته الاصلاحية يتأسى بخاتم النبيين فى الصبر الايجابى ـ وخاتم النبيين كان مأمورا أن يتأسى بصبر أولى العزم من الرسل .
ثالثا : الصبر الايجابى للرسل فى الدعوة
1 ـ كل الرسل فى دعوتهم الاصلاحية تعرضوا للأذى من أقوامهم ، ومع إختلاف الزمان والمكان والأقوام والألسنة فقد قالوا نفس القول لأقوامهم إنهم يصبرون عن أذاهم متوكلين على الله جل وعلا . قالوا : ( وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّـهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿١٢﴾ ابراهيم )
2 ـ وتعرض خاتم النبيين لأذى شديد من قومه قريش من مزاعم واتهامات ومطالب لمجرد العناد والاستكبار تكذيبا بالقرآن الكريم .
2 / 1 : منها طلب آية حسية بديلا عن القرآن فقال له ربه جل وعلا يذكره بصبر الأنبياء السابقين : ( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚوَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣٤﴾ الانعام ).
2 / 2 : وكانوا يستعجلون العذاب تكذيبا وتحديا ، فأمره ربه جل وعلا أن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا يستعجل نزول العذاب بهم ، قال له جل وعلا : ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ) ﴿٣٥﴾ الاحقاف ). وقال جل وعلا عن إقتراب نهاية العالم ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿١﴾ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴿٢﴾ مِّنَ اللَّـهِ ذِي الْمَعَارِجِ ﴿٣﴾ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿٤﴾َفاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴿٥﴾إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴿٦﴾ وَنَرَاهُ قَرِيبًا ﴿٧﴾ المعارج )
2 / 3 : والنبى يونس عليه السلام لم يصبر فهرب من قومه وركب سفينة فإلتقمه الحوت . قال جل وعلا لخاتم النبيين يأمره بالصبر ويحذره من أن يفعل ما فعل يونس صاحب الحوت : ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴿٤٨﴾ لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٥٠﴾ القلم ).
3 ـ وتوالت الأوامر بالصبر فى سياقات مختلفة :
3 / 1 : يأتى الأمر له بالصبر مقترنا بوعد الله جل وعلا الحق مع أمره بالاستغفار والتسبيح : ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴿٥٥﴾ غافر). وأيضا قال جل وعلا : ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴿٧٧﴾ غافر) .
3 / 2 : وأن يكون صبره إبتغاء مرضاة ربه : ( وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿٧﴾ المدثر )،
3 / 3 : وأن يكون صبره رضى بحكم ربه ، وألا يطيع أحدا من الكافرين الآثمين وأن يواصل ذكر الله جل وعلا بكرة وأصيلا : ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴿٢٤﴾ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٢٥﴾ الانسان )، وقال جل وعلا إن رضاه بحكم ربه يجعله فى عناية الرحمن ورعايته طااما يسبح بحمد ربه : ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴿٤٨﴾ الطور )
3 / 4 : وأن يستعين على صبره بربه جل وعلا ، ولا يحزن لكفرهم ولا يضيق بمكرهم : ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّـهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ( ١٢٧﴾ النحل )
3 / وتكرر الأمر له عليه السلام بالصبر على ما يقولون دليلا على أنه تعرض لحملة دعاية مركزة من الأكاذيب والافتراءات والتشنيع . قال له ربه جل وعلا :
3 / 1 : ( فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴿٣٩﴾ ) ق)
3 / 2 : (فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴿١٣٠﴾ ) طه )
3 / 3 : ( اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴿١٧﴾ ) ص )
3 / 4 : وأمره ربه بالصبر على ما يقولون وأن يهجرهم هجرا جميلا : ( وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴿١٠﴾ المزمل )
4 ـ ومن روعة السمو الخلقى فى الاسلام أن يكون الصبر جميلا : ( فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴿٥﴾ المعارج )
5 ـ هذا يذكرنا بحملات التشنيع والتشويه والأكاذيب التى نتعرض لها من أربعين عاما ، وهم يكررون ما كان كفار العرب يفعلون. ولا جديد تحت الشمس .
رابعا : الصبر الايجابى فى المواجهة الحربية
1 ـ قريش أخرجت النبى والمؤمنين ثم تابعتهم بالهجوم الحربى فى مستقرهم الجديد فى المدينة. لم يكن مسموحا للمسلمين بالرد على غارات قريش ، وبعد الاستعداد الحربى نزل لهم الإذن بالقتال الدفاعى ، وفيه مسوغات هذا الإذن ، ومنه أنهم يتعرضون للقتال الظالم وقبلها أخرجوهم من ديارهم ظلما ، ثم إن القانون الالهى هو أن يقف للظالم من يواجهه وذلك ليتحقق السلام وينقشع الاكراه فى الدين وتعم الحرية الدينية وتكون لكل بيوت العبادة حصانة . قال جل وعلا : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴿٣٩﴾ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّـهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّـهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠) الحج ).
2 ـ هذا لا يشمل الكافرين الذين لا يرفعون السلاح ، والذين يكتفون بالأذى القولى . الرد عليهم هو بالصبر والتقوى والاعراض عنهم .
2 / 1 : قال جل وعلا عن المنافقين : ( هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١١٩﴾ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿١٢٠﴾ آل عمران ).
2 / 2 : وقال جل وعلا عن كفار أهل الكتاب الذين يؤذون المؤمنين بالقول فقط : ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿١٨٦﴾ آل عمران) .
2 / 3 : وقال جل وعلا عن أذى الكافرين والمنافقين للنبى : (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ وَكِيلًا ﴿٤٨﴾ الاحزاب ) .
3 ـ الأذى القولى يكون الرد عليه :
3 / 1 : بالصفح والغفران . قال جل وعلا : (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴿٥٥﴾ القصص ) .
3 / 2 : ويكون برد السيئة ليس بالحسنة بل بالأحسن منها ، قال جل وعلا : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٣﴾ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾ فصلت ). هؤلاء هم الذين صبروا هم أصحاب الحظ العظيم .
3 / 3 : هنا صبر إيجابى فى الدعوة السلمية ، بالتسامح والاحسان .
4 ـ وفى حالة اللجوء للحرب الدفاعية فالصبر الايجابى يصاحب هذه الحرب أيضا .
ونأتى للتفصيل عن الصبر فى الحرب الدفاعية فى الاسلام.

تعليقات
شكرا جزيلا استاذى العزيز د منصور
وهذا موضوع جديد فى التدبر القرءانى عن الصبر الإيجابى فى السلم والحرب الدفاعية ،سواء كانت حربا قولية (أذى بالقول ) أو حربا بالسلاح ، وفى إنتظار الجزء الثانى .
وتحياتى لحضرتك مرة أخرى.









الفصل الأول : أنواع من الصبر
فى سبيل السلام : الصبر الايجابى فى القتال الدفاعى
أولا :
1 ـ الاعتداء بالهجوم الحربى على من لا يعتدى هو سمة الكافرين . فإذا كان ممكنا التعرف على المسلم بسلوكه السلمى وعلى المؤمن بإيثاره الأمن والأمان فإنه من السهل التعرف على الكافرين بهجومهم الحربى على من لا يعتدى عليهم ، وأشدهم كفرا هو الذى يستخدم إسم الله جل وعلا ودينه فى هذا الاعتداء ، يهتف الله أكبر وهو يقتل الأبرياء . بهذا ممكن أن تعرف الكافرين المنتمين الى الاسلام إسما وهم أعدى أعدائه.
2 ـ لا بد لقوى الخير أن تتصدى لقوة الشر الباغية المعتدية ، حتى لو كانت تزعم الايمان قال جل وعلا : (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّـهِ ۚفَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ الحجرات )
3 ـ وقد تكرر مرتين قوله جل وعلا : ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ ).
3 / 1 : تعقيبا على تغلب بنى اسرائيل على جالوت المعتدى المستكبر . قال جل وعلا : ( فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّـهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّـهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٢٥١﴾ البقرة) وفيها تعرض المؤمنون المسالمون من بنى اسرائيل للطرد من بيوتهم . ذكر الله جل وعلا قولهم للنبى : ( قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ) ﴿٢٤٦﴾ البقرة)
3 / 2 : وتكرر هذا فى الإذن بالقتال للمؤمنين فى دولة النبى محمد . قال جل وعلا : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴿٣٩﴾ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّـهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّـهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠) الحج ). وهنا أيضا تعرض المؤمنون المسالمون للطرد من بيوتهم .
3 / 3 : القتال فى الحالتين هو لمواجهة الفساد فى الأرض . ويتعدى هذا حتى مع عدم وجود قوة للخير تتصدى لقوة الشّر الباغية . لو سيطرت قوة شريرة واحدة على هذا الكوكب لعمّ الفساد فيه وقاسى المستضعفون أكثر وأكثر . ولكن حين تعلو قوة فإن قوة أخرى تنافسها ، وهذا على مستوى عصابات المافيا المحلية وعلى مستوى العالم .
4 ـ يسبق القتال الدفاعى ويواكبه دعوة للاسلام السلوكى أى السلام ومنع الحرب مع دعوة للاسلام القلبى لدخول الجنة لمن شاء. المؤمنون يتعاملون بالصبر الايجابى فى الدعوة ، بالحكمة والموعظة الحسنة وبالصفح والغفران عن المسىء ورد أذاه وإساءته بالتى هى أحسن ، ولكن إذا تطور الأمر الى هجوم حربى فعلى المؤمنين الاستعداد لصد الهجوم ثم بعد الاستعداد يردون الاعتداء بمثله وفق تشريعات القتال فى الاسلام والتى تعرضنا لها من قبل. وفى كل الأحوال يكون الصبر الايجابى مصاحبا لهم فى قتالهم الدفاعى .
ثانيا : بين الإهلاك والمواجهة الحربية فى تاريخ الأنبياء
1 ـ أرسل الله جل وعلا رسلا لكل المجتمعات البشرية من بعد هلاك الكافرين من قوم نوح . ولم يذكر رب العزة جل وعلا كل الأنبياء . قال جل وعلا : ( وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ )﴿١٦٤﴾ النساء )( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ )﴿٧٨﴾ غافر). بالتالى فإن الله جل وعلا أرسل رسلا الى بقية مناطق العالم من الهند والصين الى استراليا والآمريكيتن وغيرهم. قال جل وعلا : ( وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴿٢٤﴾ فاطر).
2 ـ ويقول جل وعلا : (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( ١٢٣﴾ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّـهِ ۘ اللَّـهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّـهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٤﴾ الانعام ). المستفاد من هذا أنه كان فى كل قرية أكابر المجرمين ، وهم الحكام المستبدون ، والذين لا نزال نشقى بهم فى الشرق الأوسط . وأكابر المجرمين فى تاريخ ما قبل نزول القرآن الكريم كانوا يكذبون الرسل إستكبارا. وتعبير ( قرية ) فى القرآن يعنى المجتمع والدولة . بالتالى فهنا لمحة عن تاريخ عالمى قبل نزول القرآن فيه أكابر المجرمين يكفرون بالرسالات الالهية الداعية للعدل والحرية والسلام.
3 ـ وتاريخ الأمم قبل نزول القرآن ينقسم الى قسمين : أمم أهلكها الله جل وعلا وأبقى مؤمنيها ، كان المؤمنون غاية فى الضعف بحيث جاء التدخل الالهى بإهلاك المستكبرين . ثم جاءت مرحلة فى تاريخ الأنبياء والمؤمنين أصبح فيها المؤمنون يواجهون المعتدين المستكبرين بالقتال الدفاعى متمسكين بالصبر الايجابى وهم يقاتلون فى سبيل الله.
4 ـ عن مرحلة الاهلاك قال جل وعلا : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ) ﴿١٧﴾ الاسراء ).
وعن مرحلة القتال الدفاعى قال جل وعلا : ( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٦﴾ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿١٤٧﴾ فَآتَاهُمُ اللَّـهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤٨﴾ آل عمران ). وصفهم رب العزة بالصابرين : (وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) ووصفهم بالمحسنين (وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ). والله جل وعلا يحب الصارين ويحب المحسنين.
ثالثا : بنو إسرائيل فى مرحلتى الاهلاك والقتال الدفاعى
1 ـ فى مرحلة الاهلاك : تعرضوا لإضطهاد هائل من فرعون . أوصاهم موسى عليه السلام بالصبر وبالاستعانة بالله جل وعلا والتقوى ، أى الصبر الايجابى : ( قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّـهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٢٨﴾ الاعراف ). الصبر الايجابى هنا واضح فى إدراكهم للظلم الذى يتعرضون له وعدم رضاهم عنه كما يفعل الآخرون من أصحاب الصبر السلبى الخانع . لذا ردوا قائلين لموسى بما يعبر عن مدى إحساسهم بالظلم : (قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) ﴿١٢٩﴾ الاعراف ) . ولأنهم لا حول لهم ولا قوة فقد جاء التدخل الالهى بإغراق فرعون وجنده وقومه وتدمير منشئاته ، وورث بنو اسرائيل ملكه من بعده . قال جل وعلا : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴿١٣٧﴾ الاعراف ). كان هذا لأن بنى إسرائيل صبروا صبرا إيجابيا (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ).
2 ـ فى مرحلة القتال : كتب الله جل وعلا لهم الأرض المقدسة ، وعليهم أن يدخلوها ، وهذا يستلزم تحركا إيجابيا ، وهم لم يتعودوه. تعودوا على المساعدة الالهية ومعجزات عصا موسى . بعد أن انتهى بقاؤهم فى مصر تركوها الى الشرق . قال لهم موسى يذكرهم بنعم الله جل وعلا عليهم : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴿٢٠﴾ المائدة ) . ودعاهم الى دخول الأرض المقدسة : ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴿٢١﴾. كان هذا إختبارا لهم ، وقد رسبوا فيه بجدارة : ( قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿٢٢﴾ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٢٣﴾قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴿٢٤ ) المائدة )
3 ـ ومات موسى وتعرض بنو اسرائيل بعده لهجوم وطرد من بلادهم ، فطلبوا من نبى لهم أن يختار لهم ملكا يقودهم الى القتال للعودة الى بلادهم . قال جل وعلا : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٢٤٦﴾ البقرة ) ، نلاحظ وصف رب العزة لأصحاب الصبر السلبى المتقاعسين عن القتال بأنهم ظالمون. وتنتهى القصة بإنتصار المؤمنين الصابرين صبرا إيجابيا . قال جل وعلا : ( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّـهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٢٤٩﴾ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٥٠﴾ البقرة ) . يتردد هنا وصف الصبر فى القتال الدفاعى : (وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ( وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ) .
4 ـ القتال الدفاعى كان مفروضا فى التوراة والانجيل ونزل فرضا فى القرآن الكريم. قال جل وعلا : ( إِنَّ اللَّـهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚيُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١١﴾ التوبة ).
5 ـ وفى معرض وعظ المؤمنين أشار رب العزة جل وعلا الى تصادمات حربية بين المؤمنين والكافرين فى عهد عيسى عليه السلام. قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّـهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّـهِ ۖ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴿١٤﴾ الصف )
رابعا :الصبر الايجابى فى القتال الدفاعى فى دولة النبى محمد عليه السلام
1 ـ إقتتال القبائل العربية كان عادة سيئة ، وإستفادت قريش من هذا بسبب قيامها على البيت الحرام ، فعاشت فى أمن ، قال جل وعلا : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚأَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّـهِ يَكْفُرُونَ ﴿٦٧﴾ العنكبوت ) ، لذا كانت دعوة الاسلام الاصلاحية السلمية ضد مصالح قريش ـ فكذبوا بالقرآن وإفتروا لهو الأحاديث ليضلوا عن سبيل الله. قال جل وعلا فى الآية التالية عن قريش : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ﴿٦٨﴾ العنكبوت ) ، وقال بعدها عن المؤمنين المجاهدين : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٦٩﴾ العنكبوت ) .
2 ـ أرغمت قريش النبى محمدا والمؤمنين على الهجرة الى مكة ، ثم تابعوهم بالغارات فى المدينة ليرغموهم على ترك الاسلام. قال جل وعلا : (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) 217 ) البقرة ) . إستعد المؤمنون للقتال ماديا ولكن كان إستعداهم النفسى ناقصا ، كان معظمهم رافضا للقتال ( النساء 77 ) وكارها له :( البقرة 216 ) ، كانوا مسلمين سلوكيا بمعنى السلام . لذا أمر الله جل وعلا رسوله أن يحرضهم على القتال . قال جل وعلا فى خطاب مباشر للنبى محمد : (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّـهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ﴿٨٤﴾ النساء ). وجاء التحريض مرتبطا بالصبر الايجابى فى القتال ، قال جل وعلا للنبى محمد : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴿٦٥﴾ الْآنَ خَفَّفَ اللَّـهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٦٦﴾الانفال ). إذا صبروا فى القتال فالله جل وعلا معهم لأنه جل وعلا مع الصابرين.
3 ـ وفى موقعة بدر همت طائفتان من المؤمنين أن تفشلا ، وجادلون النبى فى رفض القتال إذ كانوا لا يريدون المواجهة الحربية ( آل عمران 122) ( الانفال 5 : 8) ، وجاءهم الوعد بالنصر إذا قاتلوا وصبروا صبرا إيجابيا . قال جل وعلا : ( بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴿١٢٥﴾ آل عمران ). وبعد الانتصار فى موقعة بدر قال جل وعلا يحثهم على الصبر الايجابى فى القتال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٤٥﴾ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٤٦﴾ الانفال ) . إذا صبروا فى القتال فالله جل وعلا معهم لأنه جل وعلا مع الصابرين.
4 ـ وفى الارتبط بين الجهاد والصبر الدفاعى قال جل وعلا للمؤمنين :
4 / 1: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّـهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٢﴾ آل عمران ). هنا إرتباط الجهاد فى سبيل الله جل وعلا بالصبر ، والمكافأة هى الجنة .
4 / 2 : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٢٠٠﴾ آل عمران ). هنا الصبر والمصابرة والمرابطة أى الحراسة الدفاعية .
5 ـ ولأنه صبر إيجابى يصاحب القتال الدفاعى فقد قال جل وعلا فى صفات المتقين الأبرار الصادقين : (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿١٧٧﴾ البقرة) . هنا الصبر فى البأساء والضراء أى المحن ، والصبر حين البأس أى فى الحرب .

الصبر وحتميات القدر
أولا : الحتميات المقدرة سلفا
الحتميات هى التى لا مهرب منها ولا إختيار لنا فيها ولن نكون مسئولين عنها يوم القيامة ، وهى أربعة : الميلاد والوفاة والموت و الرزق والمصائب التى تنزل على الانسان من خير أو شر وبلا قصد منه . ليس فى إمكان مخلوق التحكم فى ميلاده ونشأته ،ولا فى رزقه ولا فى الافلات من موعد ومكان موته. كل ذلك مقدر سلفا، وناقشنا الحتميات وموضوع الرزق فى حلقات مطولة من برنامجنا على اليوتوب ( لحظات قرآنية ) . ونعرض لها بإيجاز :
1 ـ حتمية الميلاد : الله جل وعلا هو الذى يحدد موعد دخول النفس الى جنينها ، وهو الذى يحدد نوعية الجنين وصفاته ، قال جل وعلا : ( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴿٦﴾ آل عمران ) وموعد ميلاده والعمر المقرر له سلفا أن يعيشه فى هذه الدنيا ، كل ذلك فى كتاب ، قال جل وعلا : ( وَاللَّـهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚإِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ ﴿١١﴾ فاطر) وكل شىء بمقدار وتقدير ، قال جل وعلا : (اللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴿٨﴾ الرعد ) . الانسان لا يختار والديه ولا أسرته ، ولا ملامح وجهه وجسده .
2 ـ حتمية الموت مكانه وزمانه : لكل نفس موعد موتها ، أو الأجل المحدد لها لتغادر هذه الحياة تعود الى البرزخ الذى أتت منه ، قال جل وعلا : (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴿٣٨﴾الرعد)( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ) ﴿١٤٥﴾ آل عمران ) . ومحدد أيضا مكان موت كل نفس . وفى هزيمة موقعة أُحُد وجدها المنافقون الفرصة ليقولوا : لو إنكم إتبعتم رأينا ما قُتل القتلى فى جبل أُحُد . نزل الرد عليهم بأن مكان الموت محدد سلفا لا مهرب منه ، قال جل وعلا : ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ )﴿١٥٤﴾ آل عمران )
3 ـ حتمية الرزق : هو جل وعلا الذى يتحكم فى الرزق ، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أى يقلل . ونحن نتحدث عن الرزق غير الأساس والذى فيه التفاضل بين الناس ، قال جل وعلا : (وَاللَّـهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) ﴿٧١﴾ النحل ). هذا لا يشمل الرزق الأساس الذى به قوام الكائنات الحية ، وهذا الرزق الأساس تكفل به أيضا رب العزة جل وعلا القائل : ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴿٦﴾ هود )، وقال جل وعلا : (وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّـهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ) ﴿٦٠﴾ العنكبوت ) . لو كان الرزق بيد البشر لأصبح الجميع بليونيرات وما إفتقر غنى وما أفلس ميلونير .
4 ـ حتمية المصائب : هى ما يصيب الانسان من خير أو من شر بدون تدخل منه كأن يعثر على كنز أو يصيبه مرض ، وكل ذلك مقدر سلفا ومكتوب قبل وجودك فى هذه الحياة. المؤمنون يقولون : ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴿٥١﴾ التوبة ) والمؤمنون يتخذون موقفا محايدا من هذه المصائب الحتمية لا يفرحون بها ولا يتحسرون عليها . قال جل وعلا : (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ ﴿٢٢﴾ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗوَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿٢٣﴾ الحديد )
ثانيا :
البشر أسباب فى حدوث ( بعض ) الحتميات :
1 ـ فى الميلاد لا بد من تدخل البشر ، من لقاء جنسى بين ذكر وأنثى بالزواج أو بغيره. وفى الرزق ترى الناس اسبابا فى الرزق ؛ صاحب العمل يحتاج الى العمال ويحتاج الى التاجر ليشترى منه والتاجر يحتاج الى مستهلك، والابن سبب فى رزق أبيه والأب سبب فى رزق إبنه ، والله جل وعلا هو الذى يرزق الجميع. قال جل وعلا عن الآباء والأبناء : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) ﴿٣١﴾ الاسراء ) (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) 151 ) الانعام ). وفى الموت قتلا يتسبب فيه القاتل ، وكذا فى إحداث المصائب من خير أو شر ، قد تكون بفعل فاعل .
2 ـ القاتل لا يحدد مكان أو زمان من يريد قتله . قد يرتكب جريمته عمدا وبإصرار ، ثم لا ينتج عنه قتل ، لأن موعد الموت لم يأت بعد للضحية ، فيتم إنقاذه . الانسان فى تدخله فى الحتميات لا يعلم الغيب وهو يقوم بها عامدا متعمدا . فرعون الذى إحتكر القوة قام بكل جرائمه بحريته المطلقة وبإختياره الشخصى ، ولم يكن يعلم الغيب وإنتهى الأمر بغرقه وجنده . القاتل وأى مجرم ينال عقابه على إرادته الشريرة وعمله بغض النظر عن الحتميات الالهية . وأى فاعل خير ينال الثواب بغض النظر عن الحتميات الالهية .
3 ـ كل هذا يدخل فى موضوع الابتلاء بالخير والشر وحرية الانسان فى عمل الخير أو عمل الشر ، والابتلاء فتنة ، والله جل وعلا يقول : ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴿٢٠﴾ الفرقان ). هنا يأتى موضوع الصبر فى موضوع الحتميات وموضوع الابتلاء : ( أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ).
4 ـ فيما سبق نعرف إن هناك حتميات يكون البشر سببا فيها ، وهناك حتميات تحدث بدون تدخل بشرى كالمرض والكوارث الطبيعية . ولكنها كلها تدخل تحت بند الابتلاء بالخير والشر والفتنة فى هذه الحياة الدنيا ثم يأتى الموت ثم اليوم الآخر، قال جل وعلا : ( كلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿٣٥﴾ الانبياء )
ثالثا : الصبر الايجابى للمؤمنين على ابتلاء الحتميات التى تحدث بدون تدخل الانسان
1 ـ فى إبتلاء ابراهيم عليه السلام رأى فى المنام أنه يذبح إبنه فأخبر إبنه ورضى الاب والابن بتنفيذ الحلم ، وقال الابن لأبيه أنه سيجده إن شاء الله من الصابرين : ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿١٠٢﴾ الصافات ). وإبتلى الله جل وعلا النبى أيوب فصبر صبرا إيجابيا إستحق أن يقول جل وعلا عنه : ( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿٤٤﴾ ص )
2 ـ والتواصى بالصبر الايجابى جاءت به الأوامر الالهية :
2 / 1 : عن صبر المتقين من بنى اسرائيل قال جل وعلا : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) ﴿٢٤﴾ السجدة ) . وأمر الله جل وعلا بنى اسرائيل بأن يستعينوا على كل شىء بالصبر وبالصلاة،قال جل وعلا : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة ) ٤٥( البقرة )
2 / 2 : وهو نفس الأمر للمؤمنين ، فى قوله جل وعلا ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٣﴾ البقرة ). يكفى أن يكون الله جل وعلا ( مع الصابرين ).!
3 ـ والتواصى بالصبر يكون بين المؤمنين :
3 / 1 أوصى لقمان إبنه فقال : ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿١٧﴾ لقمان )
3 / 2 ـ والتواصى بالصبر والتراحم من صفات المؤمنين المفلحين يوم الدين ، قال جل وعلا : ( ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴿١٧﴾ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴿١٨﴾ البلد ) .
4 ـ وجاءت البشرى الالهية للصابرين على ما اصابهم :
4 / 1 : قال جل وعلا : ( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴿٣٤﴾ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣٥﴾ الحج )
4 / 2 : وفى التأكيد الالهى على إبتلاء وأختبار المؤمنين . قال جل وعلا : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) (١٥٥﴾ البقرة ) أى جاءت لهم البشرى إذا صبروا على هذه الابتلاءات ، بعدها يقول جل وعلا عن صبرهم الايجابى : ( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿١٥٦﴾ البقرة ) . أى نحن مملوكون للرحمن جل وعلا واليه مصيرنا يوم القيامة . وتأتى الآية التالية بأروع ما يكون من البشرى قال جل وعلا : ( أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴿١٥٧﴾ البقرة ) . جزاؤهم أن يصلى الله جل وعلا عليهم أى يرحمهم .
رابعا : الكفر مكان الصبر
نحن نتقلب في حياتنا بين نعمة ونقمة ، بين إبتلاء بما نحسبه خيرا وإبتلاء نحسبه شرا. وكلها أمور نسبية ، وموقفنا هو الذى يحدد إن كانت خيرا أو شرا. إن صبرنا صبرا إيجابيا فنشكر ونصبر خرجنا من الابتلاء بالخير. إذا كان صبرا سلبيا بالشكوى وبالكفر خرجنا من الابتلاء بالخسارة والشّر . وحقيقة الايمان تتجلى فى هذه الابتلاءات عند الانسان . مع ملاحظة ان مصطلح الانسان فى القرآن الكريم يأتى عن العُصاة.
ونعطى بعض تفصيل:
1 ـ على عكس الصبر الايجابى للمؤمنين ترى ضعيف الايمان إذا أصابته مصيبة غضب وكفر. وهذا صنف موجود بين الناس فى كل زمان ومكان ، قال جل وعلا : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّـهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿١١﴾ الحج )
2 ـ الانسان لا يسأم من دعاء الخير ، وإذا مسه سوء أصابه اليأس والقنوط ، قال جل وعلا : ( لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴿٤٩﴾ فصلت )
3 ـ الانسان عند النعمة يغتر ويعرض عن الحق وعند النقمة ييأس من رحمة الله جل وعلا ، قال جل وعلا : ( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ﴿٨٣﴾ الاسراء ) أو يشكو متبرما ( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ﴿٥١﴾ فصلت )
4 ـ نعمة ثم تعقبها نقمة :
4 / 1 : يفرح بالنعمة ثم إذا أصابته مصيبة بسبب عمله السىء يقع فريسة اليأس ، قال جل وعلا : ( وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴿٣٦﴾ الروم ) .
4 / 2 : أو يقع فى الكفر . قال جل وعلا : ( وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ ﴿٤٨﴾ الشورى )
4 / 3 : أو فى الكفر واليأس معا ، قال جل وعلا : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴿٩﴾ هود )
4 / 4 : إذا أنعم الله جل وعلا عليه بالثروة يظن أنه أثير الى ربه فإذا أصابه فقر ظن ان الله جل وعلا أهانه ، قال جل وعلا : ( فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴿١٥﴾ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴿١٦﴾ الفجر )
5 ـ نقمة ثم تعقبها نعمة :
5 / 1 : تصيبه مصيبة الضراء فإذا أبدلها الله جل وعلا بنعمة يصيبه الغرور، قال جل وعلا : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴿١٠﴾ هود ) لا يقع فى هذا المؤمنون الصابرون صبرا إيجابيا. قال جل وعلا فى الآية التالية : ( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١١﴾ هود )
5 / 2 : تصيبه مصيبة الضراء فإذا أبدلها الله جل وعلا بنعمة وقع فى الكفر ، قال جل وعلا : ( وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّـهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴿٢١﴾ يونس )
5 / 3 : وإذا ذاق الخير بعد سوء أصح مغرورا الى درجة يكفر باليوم الآخر ويظن نفسه أثيرا محبوبا من ربه سيدخل الجنة مهما عصى . قال جل وعلا : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٥٠﴾ فصلت ).
التعليقات
Ben Levante
وجهة نظر في موضوع العلم بالغيب وإرادة وإذن الله
السلام عليكم
أولا العلم بالغيب: الانسان لا يستطيع أن يدرك من الزمن إلا موضعا واحدا، فإحداثية الزمن لا يدركها كباقي الاحداثيات، فلا يستطيع معرفة ما سيحدث مستقبلا، أي قبل أن يتشكل الحدث ليقع. والانسان لا يستطيع حتى تصور هذا الادراك. علم الله بالغيب وبأحداث المستقبل لا يعني بالضرورة أن الله قد أمر وخطط لهذا الحدث، وهذا في رأيي هو الاعجاز في علم الغيب، إذ ليس من علم الغيب مثلا أن يعلم رئيس دولة عن قتل أحد المعارضين إذا كان هو من خطط للقتل.
ثانيا إذن الله: في رأيي، لا شيء يحصل دون موافقة الله على حدوثه. الله يستطيع أن يمنع حدوثه أو يأمر بحدوثه، أو يجعل سبباً لحدوثه وفي هذه الحالات هو المخطط لهذا. أو أن يسمح بحدوثه، فلا يكون المخطط والآمر لذلك وانما يعطي الضوء الاخضر لحدوثه. أعطي مثلا على ذلك: عندما يعمل أحد من الناس في شركة ما، يستطيع الدخول يوميا من بوابة الشركة، وفي هذه الحالة يدخلها بإذن الشركة، لكن الشركة لا تقوم بآيقاظه وأخذه إلى الشركة، فهو الذي يقرر أن يذهب أو أن لا يذهب. بناءً على هذا فالله يعلم متى سيموت شخص ما وأين (العلم بالغيب)، ولن يموت هذا إلا بإذن الله (إلا بإذنه)، وهذا دون التخطيط لموت هذا الشخص. إذا كان الامر غير هذا فأنا أطرح السؤال التالي:
إذا كنت على قناعة بعكس ما جئت به أعلى وأن الموت وبتوقيته ومكان حدوثه هو مخطط له من الله، فأنا أستطيع أن ألقي بنفسي من أعلى جبل شاهق دون الخوف من الموت، إذ إن كان الموت مقدرا لي جدوثه فسأموت في قمة الجبل أيضا. هذا مع العلم بأن ما سأقوم به ليس انتحاراً، ذلك لقناعتي بأنني لن أموت من جراء القفز. حسب قناعتي سبب الموت هنا هو القفز من الجبل. الله كان يعلم بحدوثه وسمح بحدوثه، لكنه ليس هو بالضرورة من أمر به. وإن أحد قال أن القفز كان بأمر الله، فمعنى هذا أن الانسان مسيرٌ وليس مخيراً.
ملاحظة: الموت شيء حتمي. أنا أتكلم هنا عن متى وأين. الموضوع خضنا به مراراً
أحمد صبحى منصور
علمه جل وعلا بالغيب منبعه انه جل وعلا خالق الزمن. وكل كائن مخلوق حى له جزء من الزمن يحياه ، وهذا الزمن المقدر له فد قدره رب العزة جل وعلا سلفا . وفى النهاية فكل شىء هالك الا وجهه ، وكل من على هذه الأرض فان ويبقى وجهه جل وعلا الأول والاخر والظاهر والباطن والذى هو بكل شىء عليم
محمد العودات .
يستطيع الشخص الواقف اعلى الجبل ان يشرب فنجان من القهوه او ان يجلس على القمه ويغادر او ان يتأمل في خلق الله او ان يقفز ويقرر الانتحار الخيارات متاحه امامه ... والعدد الغير محدود من هذه الطرق الله يعلمها فأذا قرر الانتحار فهذا موت محتم تنتهي حياته واذا قرر التامل فستسمر حياته ويعلم الله ان بعد هذا التامل سيتزوج ويعلم الله بعد فنجان القهوه سيسافر الى فرنسا . الخلاصه : اي طريقه سلكها هذا الشخص ، الله يعلم متي سيموت اذا قرر شرب فنجان القهوه سيموت بعد يومين في سكته قلبيه واذا قرر التامل سيموت عند الذهاب الي الحج ...


الصبر الايجابى للمؤمن على ظلم الظالمين
أولا : الصبر الايجابى والاحسان
1 ـ لنفترض أننى مظلوم ( ولقد تعرضتُ للظلم ولا أزال ) : أمامى أن أعفو أو أن أرد السيئة بمثلها : (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ) ﴿٤٠﴾ الشورى ) . إن عفوت فهذا إحسان : ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٤٠﴾، وإن عاقبت قصاصا السيئة بمثلها فهذا هو العدل.
2 ـ والاحسان فى الاسلام فوق العدل. والله جل وعلا أمر بالعدل والاحسان ونهى عن الفحشاء والمنكر (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٩٠﴾ النحل 90 ) .
3 ـ والاحسان درجات :
3 / 1 : الدرجة الدنيا ، وهو مجرد الغفران مع الصبر على الأذى ، وهذا لغير القادر على دفع السيئة إلا بالسكوت والصبر والغفران تسامحا وأملا فى ألجر من رب العزة الذى لا يكلف نفسا إلا وسعها . قال جل وعلا : ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٤٠﴾) (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴿٤٣﴾ الشورى ). الصبر هنا إيجابى لأن المظلوم لديه وعى بما يحل به من ظلم ، ووجوب مقاومته ولكن لا يستطيع إلا الصبر والعفو.
3 / 2 : الدرجة العليا : أن ترد السيئة بالحسنة ، وليس مجرد العفو. كأن يشتمك شخص فترد عليه بالدعاء له . قال جل وعلا فى الصابرين إبتغاء مرضاة ربهم جل وعلا : ( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴿٢٢﴾ القصص ). أى يردون السيئة بالحسنة . ومن صفات عباد الرحمن أنهم يردون على جهل الجاهلين بالسلام ، قال جل وعلا : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴿٦٣﴾ الفرقان )
3 / 3 : الدرجة الأعلى :
3 / 3 / 1 أن ترد السيئة بالتى هى أحسن . قال جل وعلا : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) ﴿٩٦﴾ المؤمنون ).
3 / 3 / 2 : أى أن يسبك شخص فتدعو له وتمدحه وتعطيه مالا . هذه درجة عليا تستلزم صبرا عظيما ، لا يقوم بها إلا أحسن المؤمنين إيمانا وصبرا. قال جل وعلا :( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ فصلت ) أنت بهذا تخاطب الخير فى داخله فلا يملك إلا أن يستجيب لك بالخير ويتصرف ( كأنه ) ولى حميم ، وما هو ب ( ولى حميم ). فى الآية التالية قال جل عن هذه الدرجة من الصبر الايجابى والاحسان والتسامح : ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾ فصلت ).
ثانيا : صبر الدعاة للحق
1 ـ الداعية للحق هو الأكثر تعرضا للأذى ، ولأنه يبتغى مرضاة ربه جل وعلا وليس مرضاة الناس فهو لا تأخذه فى الحق لومة لائم . فى معرض التأنيب للصحابة ضعاف الايمان قال جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٥٤﴾ المائدة ). الداعية الى الحق يرجو ان يكون بجهاده فى سبيل الرحمن ضمن أولئك الذين يحبهم الله جل وعلا ويحبونه ومن المتمتعين بفضله جل وعلا ، لذا لا تعنيهم مرضاة الناس أو سخط الناس ، يكفيهم مرضاة رب الناس ، ولو تعرضوا الى لوم فى قول الحق لا يأبهون بهذا اللوم .
2 ـ يأتيهم اللوم من طبيعة الدعوة للحق ، فهى لا تعرف التوسط : ( لا إله إلا الله ، لا يعلم الغيب إلا الله ، ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع ، فبأى حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) ، وهذا يعنى تحطيم أساطير الشفاعات وتقديس الأنبياء والأولياء وتقديس الكتب والأحاديث . المشركون يعتبرون هذا سبّا فى آلهتهم ، أن تصف النبى محمدا بما جاء عن بشريته فى القرآن الكريم يكون عندهم سبّا وعداءا للإله الذى أسموه محمدا . أن تعرض أعمال الصحابة وخلفائهم ( الراشدين ) على القرآن الكريم فهذا عندهم كفر بالصحابة المعصومين عندهم . أن تثبت كذب البخارى وغيره فهذا إنكار لدينهم أو إنكار للسنة. أن تناقش خرافات التشيع والتصوف فهذا كفر عندهم . الداعية يصدع بالحق ويعرض عن المشركين الجاهلين ، فهذا ما قاله رب العالمين لخاتم النبيين : (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾ الحجر ) (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٦﴾ الانعام ) ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴿١٩٩﴾ الاعراف ).
2 ـ الصبر الايجابى لدى الداعية للحق يتجلى فى تمسكه ما إستطاع بالدرجة الأعلى من الاحسان والصبر . قال جل وعلا : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٣﴾ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾ فصلت ) .
3 ـ الايمان باليوم الآخر ويوم الحساب وما يتبعه من خلود فى الجنة أو خلود فى النار يدفع الداعية للتسامح والصفح الممزوج بالصبر .
3 / 1 : تأمل قوله جل وعلا لخاتم النبيين : ( وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴿٨٥﴾ الحجر) . أى ليس مجرد الصفح ولكنه الصفح الجميل .
3 / 2 : وقال له جل وعلا: ( وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلَاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴿٨٨﴾ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴿٨٩﴾ الزخرف). هنا صفح مرتبط بقول السلام. والسلام هو الاسلام السلوكى .
3 / 3 : وقال جل وعلا للمؤمنين عموما يأمرهم بالغفران : (قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّـهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿١٤﴾ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴿١٥﴾ الجاثية ). الغفران لأن الكافرين المشركين يؤذون المؤمنين بالقول وبالفعل ، ويجب على المؤمنين الرد عليهم بالغفران ، ففى النهاية فإن الذى يكسب إثما إنما يأتى يوم القيامة يحمل إثمه . قال جل وعلا : (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّـهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴿٣١﴾ الانعام ). الاضطهاد الذى يتعرض له المؤمنون سينتهى بوقته أما جزاء الكافرين فى النار فهو خلود لا نهاية له.!!
4 ـ هذا الصفح الجميل ومقابلة السيئة بالسلام هو أعلى مراتب الصبر الايجابى ، وهذا لا يوجد إلّا لمن لديه إيمان حقيقى بالله جل وعلا مالك يوم الدين.
ثالثا : فى عصرنا الحزين فى بلاد المحمديين
1 ـ المستبد يحتكر السلطة والثروة وبأعوانه وبدولته العميقة يقهر الشعب بالتعذيب. المؤمنون من المستضعفين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ، وهم لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
2 ـ المؤسف أن اكثرية المستضعفين هم أيضا ظالمون ؛ إذ يظلمون رب العزة بتقديس البشر والحجر ، وهم أيضا خانعون راضون بالظلم راكعون له ، يقفون موقفا معاديا من دعاة الاصلاح السلمى ، وهم معادون أيضا للثوار المسالمين كما حدث فى ثورة الأحرار المصريين على حسنى مبارك عام 2011. لا يمكن تحقيق الاصلاح إلا بتغيير هذه الأغلبية ما فى أنفسها من صبر سلبى من خنوع ورضى بالذل الى الصبر الايجابى الذى يعنى النضال والرضى بتحمل النتائج . إذا حدث هذا التغيير فى أنفس الأغلبية بإرادتهم الحُرّة كانت إرادة الله جل وعلا مؤيدة لهذا التغيير . قال جل وعلا : ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (١١﴾ الرعد ).
3 ـ المستبد بأجهزته القمعية يخشى وصول هذا التغيير الى القاعدة العريضة ( الكتلة الحرجة ) ، لذا لا يتأتى هذا التغيير إلا بتضحيات يدفعها المصلحون القائمون بالتوعية ؛ التوعية بالظلم القائم وضرورة التصدى له ، والتوعية بأن التصدى له فرض واجب وهو حتى فى مصلحة الحاكم . فالحاكم فى نظام ديمقراطى لا يعيش فى الرعب الذى يعيش فيه الحاكم المستبد . لو تصدى العراقيون لصدام حسين من البداية لسقط منهم بضعة آلاف ، ولكن سكتوا فسقط منهم ملايين وفقدوا ملايين البلايين من الأموال. لو تمسك الثوار المصريون بمواقعهم ورضوا بالتضحية بعشرات ألوف إضافية لما سقط منهم عشرات الألوف عدا آلاف قادمة من الضحايا وتعذيب وذل وهوان لا مثيل له من قبل .
عقيدة المؤمن الداعية الصابر المجاهد
الذى يدفع المؤمن راضيا الى تقديم هذه التضحية هو إيمانه بالله جل وعلا وباليوم الآخر. ونعطى بعض ملامحها :
1 ـ هذا الداعية الصابر المؤمن يعتبر الدنيا وحياته القصيرة فيها مجرد رحلة يتزود فيها بالتقوى. قال جل وعلا : (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ ۗوَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٧﴾ البقرة ) .
2 ـ وهو لا تلهيه زخارف الدنيا وزينتها لأن مقصوده رحمة ربه وهى خير مما يجمعه المهووسون بالدنيا وزينتها ، قال جل وعلا : (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗوَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٣٢﴾ الزخرف ) .
3 ـ وهو يعلم من القرآن الكريم أن عذابا حتميا سيحل بالظالمين فى الدنيا وفى الآخرة :
3 / 1 : عذاب الدنيا : يسلطه الله جل وعلا على الظالم فى حياته . يقول جل وعلا بأسلوب التأكيد الثقيل : (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٢١﴾ السجدة) الظالم العادى قد يتوب ويرجع . أما المستبدون فعن إجرامهم لا يرجعون . لا يغرنك إبتسامة المستبد وملامح الثقة المصطنعة التى يرسمها على وجهه ، هو مرعوب مرعوب ، تطارده كوابيس ظلمه وأشباح ضحاياه ، ويتوقع الانتقام ، ولا يثق حتى بأقرب الناس اليه . وهو يرى مصارع أقرانه المستبدين وكل يوم يشعر بالاقتراب من نهايته ، ولعلاج هذا يزداد ظلما ليؤمّن نفسه فلا يزداد بظلمه إلا هلعا وخوفا ، ويظل يدور فى حلقة مفرغة من الظلم والرعب الى أن يسقط كما سقط أمثاله.
3 / 2 : عذاب الآخرة : قال جل وعلا : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّـهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴿٤٢﴾ ابراهيم ) . يكفى التدبر فى قوله جل وعلا :(وَلَا تَحْسَبَنَّ ) وهى محمّلة باسلوب التأكيد الثقيل ، ثم قوله جل وعلا عن ذاته (غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) . يقشعر قلب المؤمن من هذا الاسلوب ، ولكن هذا الاسلوب يدفعه لأن يتأكد من بقية الآية وهو عذاب الظالمين المؤجل والذى جاء باسلوب القصر (إنما ) : (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ )
4 ـ وهذا التأجيل يعنى :
4 / 1 : أن ينخدعوا بمظاهر النعمة ويحسبوها مسارعة لهم فى الخيرات . قال جل وعلا : ( فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴿٥٤﴾أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ﴿٥٦﴾ المؤمنون ).
4 / 2 : بالتالى ينغمسون اكثر وأكثر فى آثامهم فيتأهلون لعذاب مهين يوم الدين. قال جل وعلا : ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿١٧٨﴾ آل عمران )
4 / 3 : إنه الاستدراج . قال جل وعلا : ( سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٤﴾ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴿٤٥﴾ القلم )
4 / 4 : إنه الإمهال . قال جل وعلا : ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴿١٥﴾ وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴿١٦﴾ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴿١٧﴾ الطارق )
5 ـ هكذا كان الحال فى الماضى مع الطغاة الأقدمين: ( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴿١١﴾ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴿١٢﴾ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴿١٣﴾ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴿١٤﴾ الفجر ) . كان الله جل وعلا لهم بالمرصاد . وهو جل وعلا لطغاة اليوم بالمرصاد .
أحسن الحديث :
قال جل وعلا : (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴿١٩٦﴾ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٩٧﴾ آل عمران ).!!
تعليقات
Ben Levante
مداخلة خارجة عن الموضوع
السلام عليكم .
البارحة قدمت قناة فرانس 24 التلفزيونية كاتبة وباحثة تونسية اسمها هالة وردي وذلك بخصوص كتابها الجديد "الخلفاء الملعونون". الكتاب باللغة الفرنسية بعنوان "Les califes maudits". للكاتبة كتاب آخر تحت عنوان "الايام الاخيرة لمحمد"، أيضا بالفرنسية "Les derniers jours de Muhammad". على سؤال لمقدم البرنامج "لماذا الكتاب بالفرنسية وليس بالعربية"، أجابت بأن ما يحتويه الكتاب موجود بالعربية، لذلك ألفته بالفرنسية لكي يطلع عليه قراء لا يعرفون أو لا يتقنون العربية. أنا لم أقرأ الكتاب ولن أستطيع قراءته، لكن ما قالته في البرنامج يوحي بأنه يحتوي على ما يشابه ما تكتبون عن الخلفاء، طبعا مع التحفظ فبدون قراءة الكتاب لا يستطيع الانسان أن يعلم النصوص وما خلفها. بحثت عن الكاتبة في الانترنت ولم أجد عنها إلا معلومات شحيحة (لم أجد لها أثرا في الويكيبيديا). كتابها منع في بعض البلدان. أنا أتساءل مع شيء من الحنق والغضب: لماذا يستضيف برنامج مشهور مثل فرانس 24 مثل هذه الكاتبة ولا يستضيف أحمد صبحي منصور، وكأنه غير موجود على البسيطة، علما بأن هذه الكاتبة تأتي بأشياء لا أحد من ذوي اللحى يستسيغها، كما هو الحال مع أحمد صبحي منصور.
رابط البرنامج على قناة فرانس 24:
http://f24.my/4q7y
أحمد صبحى منصور :
أثرت هذه النقطة فى معرض التعتيم علينا فى لقاء مع برنامج عصير الكتب الذى يقدمه الاستاذ بلال فضل. وتم نشر حلقة وننتظر حلقتين قادمتين. نشرنا الحلقة الاولى ضمن اخبار الموقع :
http://ahl-alquran.com/arabic/show_news.php?main_id=46393

سعيد على
هذا هو المؤمن و هذه نظرته الراقية لهذه الحياة .
حفظكم الله جل و علا الدكتور أحمد .. هذا ما يجب أن يتصف به المؤمن الحق .. عليه أن يتجمل بهذه الدرر الرائعة الراقية في حياته القصيرة لأن ما ينتظره و يأمله نعيم أبدي و فرح و سرور سرمدي .. ما أجمل الصفح الجميل .. ما أروع الإحسان في أبهى صوره .. في التأريخ - الاسلامي - الذي يدرس و يتخذ من أساطيره قدوة لا تجد فيهم هذه السمات القرءانية الراقية .. تجد القسوة و القتل و السبي و النهب و القهر أين هم من روعة القرءان الكريم .. يا حسرة .. ألف حسرة و حسرة .. التاريخ يكرر أحداثه .. يدفع البسطاء الثمن و ببعدهم و هجرهم للقرءان الكريم فالبؤس و الشقاء ديدن حياتهم .. الله جل و علا فقط هو المستعان .
استاذ بن ليفانت : هالة الوردي كاتبة تونسية لها كتاب كما تفضلت ( الايام الأخيرة في حياة النبي محمد عليه السلام ) تحدثت فيه من واقع كتب التراث عن تلك الأيام و أستنتجت في فكرتها عودة السلطة القرشية لقيادة العرب .. هالة لو قرأت للدكتور أحمد لأنبهرت و توسعت مداركها و كم كنت أتمنى لو تكون واحدة من قراء الموقع لترجمه أفكار الدكتور أحمد باللغة الفرنسية التي تجيدها و تحذقها . هشام جعيط المفكر و الباحث التاريخي التونسي الأبرز - عمرا و بحثا - سقط سقطه تاريخية في ردة على كتاب هالة الأخير الذي تحدثت أنت عنه ( الخلفاء الملعونون ) .. هشام من أسف لم يتحمل ما قرأ من كتاب هالة .. هالة لو قرأت مقالات الدكتور أحمد لأصلت بحثها و خرجت بنتائج تؤيد رأيها و لكن بتأصيل تأريخي معمق . الدكتور أحمد قامة تاريخية و فكرية أكثر من رائعة و من أسف أن لا ينال التكريم .. لكن هذا هو الدكتور أحمد بكل تواضع .. الدكتور أحمد الكل و بدون مبالغة ينهلون من فكره و هذا أسمى تكريم لأبو محمد .. حفظه الله جل و علا .. الله جل و علا لا يضيع أجر من أحسن العمل
أجمد صبحى منصور .
شكرا ابنى الحبيب استاذ سعيد على ، واقول
أيها السعيد على : ربما لا تعرف أننى ( سعيد ) جدا بتسلل الفكر الذى أتبناه الى عقول وأقلام الكثيرين.
من ثلاثين عاما تقريبا كتبت أقول إن خطابى لا يتوجه الى العوام وأنصاف المثقفين ، بل الى المثقفين ، وهم الذين يصلون به الى من هم دونهم . أرى هذا يتحقق من عشرين عاما تقريبا . السعادة الكبرى فى أهل القرآن الذين تحولوا الى مشاعل فكرية. حين يأتينى الأجل سأموت مستريحا لأن الشجرة التى زرعتها أثمرت فى حياتى ، أصلها ثابت وفرعها فى السماء . ولا عزاء لمواشى الأزهر الذين ظنوا انهم بإحالتى على المعاش وانا فى الثامنة والثلاثين من العمر سأظل عاطلا

الصبر الايجابى للمصلحين فى داخل مجتمعاتهم
أولا : الخطاب القرآنى بين المجموع والفرد
1 ـ الخطاب القرآنى يتوجه فى الأغلب للمجموع : ( يا بنى آدم )، ( يا أيها الناس )،( الذين آمنوا ، الذين كفروا ) .. الخ ) . ويتوجه للنبى الفرد فى خطاب مباشر : ( يا أيها النبى ) . ومنه خطاب خاص به مثل :( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴿١١٠﴾ الكهف )، ومنه خطاب يتعلق بالدعوة وبالتالى يكون خطابا لمن يسير على خُطى النبوة ،مثل : ( قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٨﴾ يوسف ). محمد بن عبد الله كان خاتم النبيين والقرآن الكريم هو خاتمة الرسالات الالهية الى نهاية العالم . والأوامر بالصبر الايجابى أتت للنبى وأيضا لمن يسير على طريق النبى فى الدعوة بالقرآن الكريم الى نهاية هذا العالم .
2 ـ وفى يوم القيامة هناك التوازى بين الفرد ومجتمعه . هناك كتاب أعمال جماعى قال جل وعلا عنه : (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾ الكهف ) ، وهناك كتاب أعمال فردى يسجل كل ما يطير عن الشخص من أعمال وأقوال ونبضات ومشاعر، قال جل وعلا :( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ﴿١٣﴾اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴿١٤﴾ الاسراء ) . كتاب الأعمال لكل فرد يسجل حياته الخاصة وتفاعله مع مجتمعه إن خيرا أو شرا. يؤتى بكل جماعة أو مجتمع جاثية تنتظر موعدها فى الحساب ومعها كتاب أعمالها الجماعى . قال جل وعلا : ( وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴿٢٨﴾ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٩﴾الجاثية ) . من كتاب الأعمال الجماعى تأتى نُسخ لكل فرد (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) . كل فرد من البشر والجن والملائكة والشياطين يأتى فردا للحساب ، قال جل وعلا : ( إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا ﴿٩٣﴾ لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴿٩٤﴾ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴿٩٥﴾ مريم ) .
3 ـ ويوم الحساب يؤتى بالنبيين والشهداء أولا ثم يكون حساب بقية الأمم والأفراد، قال جل وعلا : ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٦٩﴾ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿٧٠﴾ الزمر ) . الشهداء هم الذين يشهدون على أقوامهم.
كل نبى يأتى شهيدا على قومه شهادة خصومة قال جل وعلا : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴿٤١﴾ النساء ) ، وكذلك هناك شهود من غير الأنبياء ، وهم الذين ساروا على طريق النبى فى الدعوة للحق ( لا إله إلا الله ) وتحملوا من الكافرين العنت والاضطهاد. يؤتى بالشهداء الأنبياء و الشهداء غير الأنبياء فى المقدمة ليشهدوا على ما عانوه من أقوامهم .
4 ـ الصبر الايجابى هنا هو محور شهادتهم. كيف صبروا على أذى أقوامهم .
ثانيا : فى التفاعل الايجابى وعظا وإصلاحا فى بنى اسرائيل
1 ـ كان من بنى إسرائيل مؤمنين ورد ذكرهم كثيرا فى القرآن الكريم ، من ذك قوله جل وعلا : ( وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴿١٥٩﴾ الاعراف ). وكانوا صابرين فأصبحو أئمة بصبرهم ، قال جل وعلا : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ۖ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿٢٣﴾ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖوَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴿٢٤﴾ السجدة ). وكان منهم كافرون لا يتناهون عن المنكر ، فإستحقوا اللعن على لسان داود وعيسى عليهما السلام . قال جل وعلا : ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٧٨﴾ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٧٩﴾ المائدة ) . وظلوا الى عهد النبى محمد فقال جل وعلا عنهم : ( وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٦٢﴾ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) ٦٣﴾ المائدة ) . وذكر رب العزة قصة القرية الاسرائيليه الساحلية والتى إعتدت فى السبت ، وقام بعض المؤمنين فيها بوعظ المعتدين فلم يرتدعوا فكان عقابهم ، وأنجى الله الدعاة الواعظين : ( الاعراف 163 : 170 ).
هذا عن بنى اسرائيل فى الداخل. أفراد قاموا بالاصلاح وسط أقوامهم يهدون بالحق وبه يعدلون ، فكانوا أئمة صابرين .
ثالثا : فى التفاعل الايجابى وعظا وإصلاحا فى مجتمعات ( المسلمين )
1 ـ يحتاج الأمر أيضا لأفراد مصلحين بالقرآن الكريم يصبرون على الأذى والاضطهاد ، ومكافأتهم أن يكونوا من الشهداء على أقوامهم يوم القيامة.
2 ـ تأسست للمؤمنين فى المدينة دولة قائدها خاتم النبيين محمد عليهم السلام . ونزلت لهم الدعوة عامة بالتفاعل الايجابى الإصلاحى بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وعظا ونُصحا بمجرد القول ، دون إكراه فى الدين . جاء هذا فى سياق أوامر عامة ونواهى عامة للمؤمنين فى قوله جل وعلا :
2 / 1 : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴿١٠٢﴾ آل عمران ) . هنا أمر للمؤمنين عموما بالتقوى وبالاستمرار على الاسلام حتى الموت.
2 / 2 : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚوَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴿١٠٣﴾ آل عمران ) هنا أمر بالاعتصام بالقرآن الكريم وهو نعمة الله بالهداية.
2 / 3 : ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٠٤﴾ آل عمران ) . هنا خطاب عام أى لتكونوا جميعا أمة تدعو الى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . أى ليس فيها طائفة تأمر الباقين بالمعروف وتنهى عن المنكر وتتسلط على الناس مستمتعة بالنفوذ ، فتقع فى المنكر الذى تنهى عنها ، كما يحدث فى الوهابية ، وكما كان يحدث لدى بعض أهل الكتاب ، وقد قال فيهم رب العزة جل وعلا : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٤٤﴾ البقرة ) ، وكما كان يحدث من بعض المؤمنين وقد أنّبهم رب العزة جل وعلا فقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٢﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٣﴾ الصف )
3 ـ المؤمنون يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر : ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿٣﴾ العصر). التواصى يعنى ان يكونوا جميعا أمة يأمر بعضها بعضا بالمعروف وينهى بعضها بعضا عن المنكر ، أى أن يكونوا أمة تنبض بالخير ، تتعاون على البر والتقوى ولا تتعاون على الفحشاء والمنكر وتتقى الله جل وعلا وهو جل وعلا شديد العقاب ، قال جل وعلا : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۖإِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢﴾ المائدة )
4 ـ هذا يستلزم صبرا إيجابيا .
ثالثا : التواصى بالحق والتواصى بالصبر : تجربة شخصية
1 ـ قد يكون صعبا أن تصل الى الحق وسط ركام من الموروثات الخرافية التى أصبحت ثوابت بسبب مرور القرون عليها دون أن يتعرض أحد لمناقشتها وعرضها على القرآن الكريم . ولكن الأصعب من معرفة الحق هو التمسك به والصبر عليه ومواجهة الناس به عملا بالاصلاح السلمى . وتجربتى الشخصية دليل.
2 ـ نحن فى مجتمع يزعم الاسلام ويدعى الايمان بالقرآن الكريم ، وبالتالى إذا قيل له ( قال الله فى كتابه (.. ) لا بد أن يرد ( صدق الله العظيم ). حدث العكس معى فى شبابى من أكثر من أربعين عاما ، أقول لهم : ( قال الله جل وعلا ) يقولون : ( قال البخارى قال ابن كثير قال النووى قال السيوطى ..) أى أقوال أئمتهم تعلو عندهم فوق الآية القرآنية واضحة الدليل ، وهم شيوخ يحفظون القرآن ربما قبل مولدى .
3 ـ فى بحث الدكتوراة عن التصوف كتبت عن خرافات الأولياء الصوفية وتطرفهم فى الكفر. كنت ــ فى سذاجة الشباب ـ أتخيل التصفيق الذى ينتظرنى من شيوخ الأزهر . فى اكتوبر عام 1977 ، وقبل تقديم النسخة المخطوطة من الرسالة للمشرف عرضتها على ابن عمى الشقيق د عبد الحميد أحمد محمد على ، وكان استاذا فى نفس الكلية وأزهريا تقليديا . قرأ فيها صفحة ثم قال : ( لن يسمحوا لك بمناقشة هذه الرسالة .) . قلت : ( كل ما أكتبه موثق من التراث الصوفى والتاريخى وبالآيات القرآنية ). قال : ( لن يوافقوا على هذا الكلام ) . قلت : ( سيستمر الجدل بيننا عاما على الأكثر ، وأنا ليس مسموحا لى بمناقشة الرسالة إلا بعد عام فقد أكملتها عاما قبل الأوان. ) . قال : ( لا يمكن أن يسمحوا لك بالحصول على الدكتوراة بهذه الرسالة ) . وتحقق كلامه . المشرف على الرسالة قرأ الصفحات الأولى ثم اصابه الخبل . إستمر الصراع بينى وبينهم ثلاث سنوات وتم تغيير المشرف الى إثنين ، ثم حذف ثلثى الرسالة حتى تمت إجازتها فى اكتوبر عام 1980 .
4 ـ وقتها مررت بتجربة نفسية هائلة ، كانوا يهددوننى بتحويلى الى موظف إدارى وهذا يعنى دخولى الجيش وحرمانى من مرتب كان يكفى وقتها ، وكنت متزوجا وصاحب مسئوليات عائلية ، وهم لا تأخذهم فى مؤمن إلّا ولا ذمة. لم يدر بخاطرى على الاطلاق التراجع عما كتبت ، والله جل وعلا شهيد على ذلك .!! . ولكن سيطر علىّ موضوع الرزق ، ماذا أفعل لو أحالونى الى درجة موظف إدارى ؟. أذكر الزمان والمكان الذى كنت افكر فيه فى أزمتى بعد مواجهة حادة بينى وبينهم . قلت فى نفسى : ليس النزاع بيننا شخصيا ، هو نزاع يخص رب العزة جل وعلا ، هم يؤمنون بالله وبالأولياء والأئمة وأنا أؤمن بالله جل وعلا وحده ، آلهتهم لا تملك لى رزقا ولا هم يملكون لى رزقا . الله جل وعلا هو الرزاق وحده . وأنا فى خصومة معهم إبتغاء مرضاة الرحمن جل وعلا ، وهو جل وعلا يبتلينى فلا بد أن اصبر لآنجح فى هذا الابتلاء ، وتذكرت قوله جل وعلا : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّـهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣﴾ العنكبوت ) . لم أُرد أن أكون من الذين يعرفون الحق ويكتمونه حرصا على حُطام الدنيا ، وكيف يلعنهم الله جل وعلا ويلعنهم اللاعنون ، قال جل وعلا : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴿١٥٩﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٠﴾ البقرة )
5 ـ أذكر هذا لأننى تعلمت أن الوصول للحق قد يكون صعبا ، ولكن التمسك به والمعاناة فى سبيله هى الأصعب . ولقد عرفت كثيرين من الشيوخ كانوا يؤيدوننى سرا ، ويعرفون الحق ، ولكنهم يعجزون عن البوح به ، بل بعضهم تطوع بأن يكون ضدى وهو يشاركنى الرأى عارفا بالحق ، ولكنه يخاف على مكاسبه ومناصبه ودنياه ولا يريد أن يتعرض للأذى و( البهدلة ) خصوصا وقد رأى ما حدث لى من فصل من الجامعة وسجن وتشريد . هنا تبدو أهمية الربط بين الحق والصبر على شدائد التمسك بالحق ، وأهمية التواصى بهما معا . لو تواصى المؤمنون بالحق والصبر لاستحقوا ان يكونوا فعلا خير أمة أُخرجت للناس ، وتحقق فيهم قوله جل وعلا : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ ) ﴿١١٠﴾ آل عمران ) . هم الان شرّ أُمّة أُخرجت للناس . هذه حقيقة ساطعة لا ينكرها أحد .
6 ـ الدعوة تأتى للمؤمنين عامة بالصبر على الحق ، ولكن القليلين هم الذين يتصدون لقول الحق ويتمسكون به ويتواصون بالصبر عليه . وهم فى النهاية المفلحون ، غيرهم خاسرون ، وهذا فحوى أقصر سورة فى القرآن : ( وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿٣﴾ العصر).
7 ـ الله جل وعلا وعدهم بالنصر فى هذه الدنيا وبالنصر الأكبر لهم يوم القيامة حين يؤتى بهم مع الأنبياء شهداء على أقوامهم ، قال جل وعلا : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴿٥١﴾ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿٥٢﴾ غافر ). ورأيت تحقق هذا النصر فى حياتى . عام 1977 كنت وحيدا فى مواجهة الجميع . الآن هناك ملايين كفروا بالبخارى وأئمة المحمديين . لولا الصبر الايجابى ما حدث هذا .
8 ـ اللهم إجعلنا من الصابرين .
التعليقات
سعيد على
الصبر للمصلحين إيجابيا فى كل الأحوال ومقال يكتب بماء الذهب
التاريخ الإصلاحي في القرءان الكريم يمثله أنبياء الله جل و علا و رسله و هم القدوة تبعهم في ذلك مصلحون ( عايشوا و زامنوا فترة وجود الأبياء و تفوقوا على بعض الأنبياء في الصبر ! ) و ما أروع القصص القرءاني التي يتجذر فيها الصبر كعادة راقية نهايتها النصر في الدنيا و إن لم يتحقق ففي الآخرة لا محالة . مشكلة من لم يفهم هذه القيمة الإنسانية الراقية و يتسرع فتكون النتائج كارثية و مثال نبي الله يونس عليه السلام و خاتم النبيين عليهم السلام لولا نزول الوحي الكريم بالحث على الصبر و الثقة بالله جل و علا لفقد صبره !
البشر تحكمهم العواطف و الأهواء و أقسى ما ذكره الدكتور أحمد في هذا المقال يتمثل في نوعية منافقة من الناس : ( ولقد عرفت كثيرين من الشيوخ كانوا يؤيدوننى سرا ، ويعرفون الحق ، ولكنهم يعجزون عن البوح به ، بل بعضهم تطوع بأن يكون ضدى وهو يشاركنى الرأى عارفا بالحق ، ولكنه يخاف على مكاسبه ومناصبه ودنياه ولا يريد أن يتعرض للأذى و( البهدلة ) خصوصا وقد رأى ما حدث لى من فصل من الجامعة وسجن وتشريد .حفظكم الله جل و علا و أعانكم على ( البهدله و ما يصاحب أفكاركم لتجليه حقائق الإسلام العظيم من القرءان الكريم من مواقف رافضة و شاتمة و متعصبة !! سبحان الله .. سبحان الله .. سبحان الله .. و دائما صدق الله العظيم
أحمد صبحى منصور
الحرية مسئولية وسنعرف مقدار هذه المسئولية حين يؤتى بنا يوم الحساب ويكون الفرد بين خلود فى الجنة او خلود فى النار.يهون كل شىء فى هذه الدنيا مقابل الخلود فى النار
اللهم إجمعنا فى رحمتك وجنتك.

الصبر فى قصص الأنبياء
مقدمة : تردد الصبر الايجابى فى قصص الأنبياء فى القرآن الكريم ، ونعطى بعض تفصيل :
اولا : نوح عليه السلام :
1 ـ لبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم ، قال جل وعلا : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١٤﴾ العنكبوت ). وهذا دليل على صبر هائل .
2 ـ وجاء فى القرآن نماذج من نقاشه مع قومه وقولهم له : (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٣٢﴾ هود ) ، أى فى النهاية طلبوا منه العذاب الذى كان يخوفهم به.
3 ـ لم ترد كلمة ( الصبر ) فى قصة نوح ، ولكنه ما جاء فى بعض آياتها يدل على صبر عظيم . نقرأ دعاءه لربه جل وعلا بعد أن يأس منهم : (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ﴿٥﴾فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ﴿٦﴾ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴿٧﴾ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴿٨﴾ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴿٩﴾نوح ) وطلب إهلاكهم : (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴿٢٦﴾ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴿٢٧﴾ نوح )
ثانيا : فى قصة يوسف
1 ـ تمثل قصة يوسف وحدة متكاملة متدفقة الأحداث ، تعج بالمواقف الانسانية والدرامية . 2 ـ ويلفت النظر فيها الصبر الإيجابى الذى عايشه يعقوب عليه السلام .
2 / 1 : تآمر أخوة عليه حقدا وحسدا : ( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٨﴾ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴿٩﴾ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴿١٠﴾ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ﴿١١﴾ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿١٢﴾ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴿١٣﴾ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ ﴿١٤﴾ يوسف ). جاءوا لأبيهم بدون يوسف يزعمون أن الذئب أكله . فصارحهم بشكوكه فيهم وصبر مستعينا بالله جل وعلا متوكلا عليه : ( وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّـهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴿١٨﴾ يوسف ).
2 / 2 : وفى موضع آخر من القصة رجع الأخوة بدون شقيق يوسف بعد أن إحتجزه يوسف ( عزيز مصر الذى لم يتعرفوا عليه ) تلقى يعقوب الخبر متمسكا بالصبر الايجابى : ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖفَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّـهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٨٣﴾ يوسف ( لم يمنعه صبره من الحزن والبكاء على ولديه ، قال جل وعلا : ( وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴿٨٤﴾ يوسف ). ولأنه صبر إيجابى فقد طلب منهم العودة للبحث عن يوسف وأخيه : ( يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّـهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٧﴾ يوسف) .
3 ـ وأطاعوه ورجعوا الى مصر وقابلوا عزيزها ( يوسف ) يطلبون شراء المؤونة : ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّـهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴿٨٨﴾ يوسف ) سألهم يوسف عن أفعالهم مع يوسف واخيه . عندها أدركوا أنه أخوهم يوسف نفسه : ( قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴿٨٩﴾ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّـهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٩٠﴾ يوسف ) قال يوسف لهم العبرة إن من يتق ويصبر فإن الله جل وعلا لا يضيع أجره ـ لأن الصابرين محسنون.
ثالثا : فى قصة موسى
1 ـ نشأ موسى فى قصر الفرعون المسرف الطاغية ورأى ما يفعله هذا الفرعون ببنى إسرائيل ، فعايش الخوف ، وكان يتوقع السوء فيندفع غضبا . وتكرر فى القصص الخاص به خوفه وحدته وسرعة غضبه . ونقتصر من هذا على قوله جل وعلا : (وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠﴾ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ۚ أَلَا يَتَّقُونَ ﴿١١﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (١٢﴾ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ ﴿١٣﴾ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴿١٤﴾ الشعراء )
2 ـ وليتعلم الصبر فقد بعثه ربه جل وعلا ليقابل نبيا ممن الأنبياء وليصحبه ليتعلم منه كيف يصبر : ( قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿٦٦﴾ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٦٧﴾ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴿٦٨﴾ قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴿٦٩﴾ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٧٠﴾ الكهف ). إشترط عليه ألّا يسأله عن شىء حتى يخبره . ورضى موسى بالشرط . ولم يف موسى بالشرط ثلاث مرات : ( فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴿٧١﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٢﴾ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴿٧٣﴾ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا ﴿٧٤﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٥﴾ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا ﴿٧٦﴾ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴿٧٧﴾ قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚسَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿٧٨﴾ الكهف ). وشرح له : ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿٧٩﴾ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴿٨٠﴾ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴿٨١﴾ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴿٨٢﴾ الكهف ).
رابعا : فى قصة بنى إسرائيل بعد موسى
رفض بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة التى كتبها الله جل وعلا لهم ، وعاشوا على حوافها فتعرضوا للهجوم والطرد . وطلب من نبى لهم أن يعين لهم ملكا يقودهم للقتال الدفاعى ، وتكون منهم جيش لم يصمد منه سوى القليل الصابرين ، وهم الذين إنتصروا بصبرهم على المعتدين . قال لهم القائد طالوت : ( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّـهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّـهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 249 ﴾ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٥٠﴾ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّـهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّـهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٢٥١﴾ البقرة ).
خامسا : عن عصر النبى محمد عليه السلام
1 ـ عن القصص القرآنى
1 / 1 : أنزل الله جل وعلا القصص القرآنى لتثبيت قلب النبى محمد ووعظه وتذكيره وتعليمه الصبر . قال جل وعلا فى خطاب مباشر للنبى محمد عليه السلام فى ختام سورة هود وما فيها من قصص : ( وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَـٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿١٢٠﴾ هود ).
1 / 2 : وفى نفس السورة وبعد قصة نوح عليه السلام قال جل وعلا : ( تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٩﴾ هود ) .
1 / 3 : وأمره جل وعلا أن يصبر كما صبر جده نوح عليه السلام . وتكرر الأمر بالصبر فى قوله جل وعلا فى خطاب مباشر : ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ( ٣٥﴾ الاحقاف 9).
1 / 4 : وكما مره جل وعلا أن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل نهاه أن يفقد صبره ويكون مثل النبى يونس عليه السلام. قال له جل وعلا : ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴿٤٨﴾ لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴿٤٩﴾ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٥٠﴾القلم ) . لم يصبر النبى يونس على عناد قومه فتركهم هاربا وركب سفينة فى البحر ، وانتهى أمره بإلقائه فى البحر فإلتقمه حوت ، فعاش يستغفر ويدعو ربه فأنجاه ربه . قال جل وعلا : ( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٩﴾إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 140 ﴾ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴿١٤١﴾ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴿١٤٢﴾ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴿١٤٣﴾ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴿١٤٤﴾ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴿١٤٥﴾ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ﴿١٤٦﴾ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿١٤٧﴾ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ﴿١٤٨(الصافات ). هنا نتعرف على أهمية الصبر فى دعوة النبى .
2 ـ وللصبر قصة هامة فى حياة خاتم النبى محمد عليه السلام .
2 / 1 : تكرر كثيرا أمره بالصبر ، وهذا يدل على معاناته من قومه ، فمن أوامر الصبر أن يصبر على ما يقولون وعلى ما يفعلون .
2 / 2 : وهذا يدل أيضا على حرصه الشديد على هدايتهم الى درجة الالحاح الذى قد يصل الى إكراههم فى الدين ( يونس 99 : 100 )، والى درجة لومه بسبب حزنه وحسرته عليهم ( الكهف 6 ، فاطر 8 ، الحجر 88 ، الانعام 33 ، لقمان 23 ، يس 76 ) ، وأرتبط حزنه عليهم بضيقه من تآمرهم ( النمل 70 ) وضيقه من اتهاماتهم ( الحجر 97 ) . وإجتمع هذا كله مع أمره بالصبر إبتغاء وجهه جل وعلا ، قال جل وعلا له : (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّـهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٧﴾ النحل ), وحتى وهو فى المدينة كان يحزن إذا أرتد بعضهم عن الاسلام مسارعا الى الكفر : ( المائدة 41 ، آل عمران 176 ). ليس هنا حد الردة . فليس فى الاسلام إكراه فى الدين .
3 ـ فى ضوء ما سبق نتفهم حرص النبى على هداية المستكبرين من قومه الى درجة أن كان يُعرض عن المؤمنين الفقراء حتى يتصدى للمستكبرين الذين يستنكفون من مصاحبة الفقراء أو أن يكونوا مثلهم فى نفس الدين .
3 / 1 : نزل له العتاب فى قوله جل وعلا : ( عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ﴿١﴾ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ ﴿٢﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ﴿٣﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ ﴿٤﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ ﴿٥﴾ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ ﴿٦﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَىٰ ﴿٩﴾ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ﴿١٠﴾ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴿١١﴾ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ عبس )
3 / 2 : ولم يتذكر ، بل كان يطرد الفقراء تحرجا وأملا فى هداية المستكبرين ، فنزل عليه النهى ، قال له ربه جل وعلا لائما ومحذرا أن يكون من الظالمين : ( وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٥٢﴾ الانعام )
3 / 3 : أطاع ونزل عليه الأمر ( أن يصبّر نفسه ) على صُحبة أولئك المؤمنين الفقراء وأن يبتعد عن المستكبرين. قال له ربه جل وعلا : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴿٢٨﴾ الكهف )
التعليقات
سعيد على
الصبر قيمة إنسانية عظيمة نتيجتها الفرج و لا ريب .
من عادة الدكتور أحمد حفظه الله جل و علا أن يعطي الموضوع حقه من البحث و التمحيص و الإلمام به من كل أو جل أو أغلب جوانبه و لا شك أن موضوع صبر الأنبياء كبير و واسع و يحتاج لمقالات كثيرة قد تتحول إلى كتاب .
في هذا المقال اختار الدكتور أحمد : أنبياء الله : نوح و يوسف و موسى و أخيرا محمد بن عبد الله عليهم السلام مع الإشارة إلى طالوت و الفئة الصابرة معه و لا أعتقد هناك جزء ثان لصبر الأنبياء لأنه ختمه بصبر خاتم الأنبياء عليهم السلام ! هذا مع أن الدكتور أحمد لو كتب عن إبراهيم عليه السلام و صبره و عن أيوب و بقيه الأنبياء لاحتاج إلى مقالات أكثر .
تعقيبا على هذا المقال الجميل و الرائع أقول : تعلمنا منكم أن المشيئة فردية و تأتي المشيئة الإلهية تالية و أن الإنسان له الحرية الكاملة في اختيار الدين بل غن الحق جل و علا قال ( لا إكراه في الدين ) و عاتب خاتم أنبيائه عندما ( تحمس ) و أكرههم في الدين ألا يتعارض هذا مع دعوة نوح عليه السلام لربه عز وجل بأن يهلك قومه ؟ كما و أن قول نوح عليه السلام : ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) ! أليس هذا تدخلا في مشيئة الله عز و جلا و أليس هذا كذلك إدعاءاً بالغيب !! .في قصة موسى عليه السلام هل نفهم بأن الصبر يتعلم من خلال دورة تدريبية ؟ طبعا ليس بالضرورة أن يتخلل هذه الدورة قتل غلام أو ثقب سفينة !! إنما هل يُتعلم و يكتسب أم هو طبيعة في الإنسان و مهارة ! من علّم يعقوب كمية الصبر الراقية المؤمنة و الثبات على الصبر ؟ لا شك أنه الحق جل و علا و لكن لماذا موسى بالذات عليه السلام ؟ ربما لطبيعة نشأته و مركب الخوف الذي لازمه ربما .
أجمل تعليل و سرد موضوعي لعدم صبر خاتم النبيين هو ما أورده الدكتور أحمد و بون شاسع بين ما يطرحه الدكتور أحمد في مسألة صبر خاتم النبيين و بين ما تجده في كتب التراث !!
حفظكم الله جل و علا
احمد صبحى منصور
شكرا إبنى الحبيب استاذ سعيد على ، واقول
1 ـ أعتبر ما أكتبه ــ سواء فى التدبر القرآنى أو البحث التاريخى ــ تمهيدا لدراسات قادمة أتمنى أن يقوم بها الباحثون بعدى. وهناك عشرات الموضوعات القرآنية والتراثية والتاريخية لم تكتمل ولن أتمكن من إكمالها ، بعضها أفكار فى حدود صفحة أو أقل ، وبعضها يصل الى جزء من بحث . وموضوع الصبر جاءت فكرته من تعليق د عثمان ، وكثيرا أترك موضوعا مفتوحا لأجيب على سؤال أو أكتب مقالا فيتحول الى سلسلة تكون كتابا. أرجو أن يقوم أحد الأحبة بتأليف موضوع أكثر تفصيلا عن الصبر فى القرآن الكريم والتراث والموروثات الشعبية .

2 ـ القصص القرآنى يذكر أقوال وأفعال الأنبياء ، وهم بشر ، غير معصومين من الخطأ . لذا ترى من أقوالهم ومن أفعالهم أخطاء ، وبعضها يمكن تبريره . نوح عليه السلام صبر صبرا هائلا وواجه إضطهادا جعله يدعو على قومه ، بل جاء فى دعائه عليهم ( أنى مغلوب فانتصر ) القمر 10 ). وموسى عليه السلام الذى عايش إسراف فرعون فى قتل الأطفال يمكن أن نتفهم نفسيته فى سرعة الغضب وعدم الصبر. الأنبياء نماذج بشرية رائعة ، ومن القصص القرآنى عنهم نتعلم عدم عصمتهم ونتعلم أيضا الاستفادة من أخطائهم . وبعد هذا هم أفضل البشر عليهم جميعا السلام. ولنتذكر أنه لو كان واحد منا فى نفس المواقف التى عاناها الأنبياء فمن المستبعد أن يكون بمثل صبرهم وإخلاصهم . عليهم جميعا السلام .ندعو الله جل وعلا أن يجعلنا من رفقتهم يوم القيامة :( النساء 69 ) كل عام وأنتم بخير.





الصبر العظيم فى النعمة والصبر العادى فى النقمة
مقدمة :
1 ـ هناك صبر عند المحنة والنقمة ، وهناك صبر عند المنحة والنعمة . وتختلف ردود البشر فى الإبتلاء فيما يحسبونه خيرا أو شرا. قال جل وعلا : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿٣٥﴾ الانبياء )
2 ـ مشهور أن الصبر هو عند المحن والنقم ـ فى أوقات المحن قد يجد الانسان أسهل عليه أن يصبر ، وحتى إذا أدركته محنة الغرق أو المرض أسرع يستغيث بربه جل وعلا ، ولكنه بعد أن ينجيه ينسى ، بل قد يقع فى الكفر . قال جل وعلا : ( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّـهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴿٥٣﴾ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ النحل ).
3 ـ الأصعب هو الصبر عند المنحة والنعمة . هناك نعم الثروة الصحة والشباب ، والأغلبية الساحقة تسىء إستعمال هذه النعم . أقلية الأقلية التى تصبر على هذه النعم فتقوم بواجب شكرها بأن يكون الفرد ( صبّارا شكورا ). السلطة والحكم أكبر إختبار للصبر على النعمة . حين يجد الانسان نفسه فى موقع سلطة فمن الصعب أن يصبر عليها ، بل يسارع بإساءة إستعمالها . قلّ أن تجد حاكما يصبر على نعمة النفوذ فيتواضع للناس ويرد بشكر الرحمن جل وعلا مستخدما سلطته فى العدل ورضى ربه جل وعلا . نتذكر أن الله جل وعلا أمر خاتم الأنبياء بالصبر وذكر قصة النبى داود عليه السلام الذى صبر على نعمة المُلك والنعم الأخرى المسخرة له ( ص 17 : 26 ).
3 ـ نعطى هنا تفصيلا عن الصبر عند المحنة والنقمة وعند المنحة والنعمة .
أولا : السحرة المصريون فى قصة موسى عليه السلام : أبرز مثل للصبر الإيجابى عند المحنة والنقمة :
1 ـ السحرة المصريون نموذج الايمان والصبر الايجابى عند المحنة .بمجرد أن رأوا عصا موسى تلتهم ثعابينهم الخرافية سارعوا بالسجود ، أعلنوا إيمانهم فى وجه الفرعون ولم يأبهوا بتهديده لهم بالصلب وتقطيع أطرافهم. هددهم فقال : (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿١٢٤﴾الأعراف )
2 ـ تكررت قصتهم فى القرآن الكريم ، وفيها ردودهم الإيمانية القوية على فرعون الطاغية :
2 / 1 : ( قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴿١٢٥﴾ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴿١٢٦﴾ الاعراف ).
2 / 2 : (قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٧٢﴾ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّـهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴿٧٣﴾ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ﴿٧٤﴾ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَـٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ ﴿٧٥﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ ﴿٧٦﴾ طه )
2 / 3 : ( قَالُوا لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴿٥٠﴾ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٥١﴾ الشعراء )
3 ـ هنا أروع صبر إيجابى عند المحنة . وهل هناك أفظع من الصلب وتقطيع الأطراف؟!.
ثانيا : ( صبّار شكور ) فى تعظيم قدر من يصبر على النعمة فيكون شكورا لربه جل وعلا .
1 ـ فى اللسان العربى تأتى ( فاعل ) وصفا لمن يفعل شيئا ما. ثم هناك صفات مبالغة على أوزان : ( فعّال ، فعيل ، فعول ، فعل: بكسر العين ) . مثلا تقول ( كافر ) لمن يقع فى الكفر، أما المتطرف فى الكفر فيوصف بأنه ( كفّار ) ( كفور ). ويأتى وصف ( آثم ) على وزن فاعل لمن يقع فى الإثم ، أما الذى يدمن الإثم فهو ( أثيم ). وكذلك أوصاف ( كذاب ، أفاك ). وكلها أتت فى القرآن الكريم .
2 ـ على نفس النسق يأتى وصف ( صابر ) لمن يصبر على المحنة والنقمة . ولكن من يصبر على النعمة يأتى وصفه بصفة المبالغة ( صبّار ) على وزن ( فعّال ) ويأتى بعدها وصف المبالغة ( شكور ) على وزن ( فعول ). هنا تعظيم للصبر الايجابى عند النعم ، لأنه يكون ( شكورا ) على نعمة الله.
3 ـ تكرر قوله جل وعلا : ( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) أربع مرات يقترن فيها وصف ( صبّار ) بوصف ( شكور ) ، وهذا فى ثلاثة موضوعات :
3 / 1 : نعمة تسخير البحر للإنسان . المؤمن الذى يشكر ربه على هذه النعمة ( يصبر عليها ) يكون ( صبارا شكورا ) ويكون هذا آية لكل ( صبار شكور ) . قال جل وعلا :
3 / 1 / 1 : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّـهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٣١﴾ لقمان )
3 / 1 / 2 : (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ﴿٣٢﴾ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٣٣﴾ الشورى ) .
3 / 1 / 3 : وفى التأكيد على هذا قال جل وعلا فى الشكر على نعمة ركوب البحر والأنعام : ( وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴿١٢﴾ لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴿١٤﴾ الزخرف )
3 / 2 : وأمر الله جل وعلا رسوله موسى أن يذكّر قومه ب( أيام الله ) أى نعمائه فهى آيات لكل صبار شكور . قال جل وعلا :( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّـهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿ابراهيم: ٥﴾ .كان هذا مقدمة لكى يذكرهم موسى بنعم الله جل وعليهم ، وأنهم إذا شكروا ربهم زادهم من نعمائه ، وإن كفروا بنعمائه فإن عذابه شديد . قال جل وعلا بعدها : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿٦﴾وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴿٧﴾ ابراهيم ). واضح هنا ان عدم الصبر على النعمة يعنى كفرانها . وهذا الكفرين يؤدى الى عذاب شديد.
3 / 3 : الموضوع الثالث فى ورود ( صبّار شكور ) هو فى قصة أهل سبأ فى اليمن ، وقد وقعوا فى كفران النعمة ، جعلهم الله جل وعلا آية لكل صبار شكور . قال جل وعلا : ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴿١٥﴾ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿١٦﴾ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴿١٧﴾ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ﴿١٨﴾ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿سبإ: ١٩﴾ سبأ ) .
ثالثا : بطر النعمة يعنى عدم الصبر عليها
1 ـ البطر على النعمة هو عدم الصبر على النعمة. قال جل وعلا فى إهلاك بعض الأمم السابقة : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴿٥٨﴾ القصص ) .
2 ـ قوم موسى بعد أنجاهم الله جل وعلا من فرعون ثم ملكوا مصر ، تعودوا على البطر ونكران النعمة ، إذ يؤتى لهم بما يطلبون فيردون بالجحود . كانوا أسوأ مثل على عدم الصبر على النعمة .
2 / 1 : جاءهم الأمر بدخول قرية ليأكلوا منها وأن يحمدوا ربهم ، فغيروا القول فعاقبهم رب العزة بالرجز ( الدمامل ) التى عاقب بها من قبل فرعون وقومه. قال جل وعلا : ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَـٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚوَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٨﴾ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٥٩﴾ البقرة )
2 / 2 : طلبوا منه فى الطريق أن يستسقى لهم . قال جل وعلا : ( وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّـهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٦٠﴾ البقرة )
2 / 3 : ومع مياه الشرب أنعم الله جل وعلا عليهم بطيور تناله أيديهم ( السلوى ) ونبات عسلى الطعم ( المن ) . قال جل وعلا : (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٥٧﴾ البقرة ). وتبرموا بهذا الطعام ورفضوه ولم ( يصبروا ) عليه كأنه بلوى ، وفضلوا عليه الطعام المصرى ( الكشرى ). قال جل وعلا : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ) وكانت عقوبتهم ، قال جل وعلا : ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّـهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٦١﴾ البقرة ).
3 ـ ووقع فى البطر قريش : خرجوا للحرب فى ( بدر ) فخورين مختالين ، قال جل وعلا يحذر المؤمنين من حالهم : ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ۚوَاللَّـهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿٤٧﴾ الانفال )
رابعا : عدم الصبر على النعمة يعنى كفرانها وجحدها :
1 ـ عن الكفر بنعم الله جل وعلا والتى لا يمكن إخصاؤها قال جل وعلا : ( وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّـهِ لَا تُحْصُوهَا ۗإِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴿٣٤﴾ ابراهيم )
2 ـ فى التشريع الاسلامى ( المهجور ) أن يكون العبد المملوك شريكا لسيده فى التمتع بالرزق ، يأكل من نفس طعامه ويرتدى نفس نوع ثيابه ، ويساكنه . يكونان سواء . بدون هذه المساواة يكون المالك قد جحد نعمة ربه. قال جل وعلا : ( وَاللَّـهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّـهِ يَجْحَدُونَ ﴿٧١﴾ النحل )
خامسا : القرآن الكريم أعظم النعم ، والكفر بالقرآن
1 ـ الرسالة الالهية التى تنزل بالهداية هى أعظم النعم. وهذا مفهوم من سورة الفاتحة. وحدث فى الرسالات الإلهية السابقة تحريف وتبديل ، ويحدث الآن تحريف فى معانى القرآن . وتوعد الله جل وعلا بعقاب شديد من يفعل ذلك ، قال جل وعلا : ( سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّـهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢١١﴾ البقرة )
2 ـ وجاء وصف القرآن الكريم بالنعمة :
2 / 1 : ردا على اتهامهم النبى محمد عليه السلام بأنه كاهن أو مجنون . قال جل وعلا : ( فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ ﴿٢٩﴾ الطور )( ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴿١﴾ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿٢﴾ القلم )
2 / 2 : فى أمر الله جل وعلا له فى نشر الدعوة القرآنية ( نعمة ربه جل وعلا ) : ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴿١١﴾ الضحى )
2 / 3 : فى إنكارهم القرآن مع معرفتهم أنه حق ، وأن الرسول ليس سوى البلاغ . قال جل وعلا :( فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٨٢﴾ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّـهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٣﴾ النحل )
2 / 4 : فى وعظ المؤمنين بتطبيق ما أمر الله جل وعلا به : ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ) ﴿٢٣١﴾ البقرة ). نعمة الله هنا هى ما أنزله من الكتاب والحكمة يعظهم به. لم يقل (بهما ) لأن الكتاب هو الحكمة.
2 / 5 : قال جل وعلا عن إيمانهم بالباطل وكفرهم بالقرآن نعمة الرحمن : ( أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّـهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴿٧٢﴾ النحل )
3 ـ وجاءت آيات تتحدث عن تمام النعمة ، أى تمام نزول القرآن . قال جل وعلا :
3 / 1 : ( ليَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴿٢﴾ الفتح )
3 / 2 : ( وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥٠﴾ البقرة )
3 / 3 : ( مَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٦﴾ المائدة )
3 / 4 : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) ﴿٣﴾ المائدة )
سادسا : نعمة القرآن ونعم أخرى
1 ـ أنعم الله جل وعلا بالأمن ورغد العيش على قريش ، ثم أنعم عليهم بالقرآن ، فكفروا بنعمة القرآن وبطروا بالنعم الأخرى . قال جل وعلا فيهم :
1 / 1 ـ ( وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٥٧﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴿٥٨﴾ القصص ). إعترفوا بأن القرآن هدى ، ولكن تصوروا أن إتباعهم هدى القرآن سيثير العرب ضدهم ، فذكّرهم رب العزة بنعمة الحرم وما يوفره لهم من أمن ورخاء كما جاء فى سورة قريش .
1 / 2 ـ ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚأَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّـهِ يَكْفُرُونَ ﴿٦٧﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ﴿٦٨﴾ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٦٩﴾ العنكبوت ). عاشوا فى أمن ورخاء بينما تسود الحروب والفوضى حولهم ، فبطروا هذه النعمة وآمنوا بالأحاديث الباطلة وكفروا بالقرآن الكريم نعمة الله ، وكذبوا آياته وإفتروا على الله جل وعلا أحاديث كاذبة .
2 ـ وضرب لهم مثلا تحذيريا فقال : ( وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّـهِ فَأَذَاقَهَا اللَّـهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿١١٢﴾ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١١٣﴾ النحل )
أخيرا :
1 ـ ألا تنطبق الآيات الكريمة السابقة على الشرق الأوسط الآن ، حيث نعمة البترول التى بدلوها كفرا ، ونعمة القرآن التى بدلوها بأحاديث شيطانية ؟
2 ـ قال جل وعلا حكما عاما ينطبق على كل زمان ومكان : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴿٢٨﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴿٢٩﴾ وَجَعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴿٣٠﴾ ابراهيم ).
التعليقات
سعيد على
الصبر و روعته بقلم الصابر الدكتور أحمد نسأل الله جل و علا أن يجعله و يجعلنا من الصبّارين الشكورين .
كالعادة و فوق العادة مقال يغوص في أعماق آيات الكتاب العزيز ليجلب درر هذا الكتاب العظيم .. حفظكم الله جل و علا و أشعر بألم صبرك و تضحيتك و أنت تكتب عن الصبر فالصابر حين يكتب عن الصبر فالنتيجة بلا شك تكون رائعة و رائعة جدا .
قسّم الدكتور أحمد المقال لقسمين : ( الصبر عند النعمة و المنحة و وصفه بالعظيم ) و ( الصبر عند المحنة و النقمة و وصفه بأنه عادي ! ) .. أروع مثال للصبر عند المحنة و النقمة هو سحره فرعون و هو مثال قمة في الصبر على المحنة و النقمة و من أسف أن لا يكون لهؤلاء ( العظماء الصابرين ) أي تخليد في مصر و لا حتى ذكر في الأمثال الشعبية فعند ذكر الصبر يُذكر أيوب عليه السلام و أيوب عليه السلام بلا شك كان صابر على ( المرض ) أما العظماء – سحرة فرعون المصريون – صبروا على الحق و سطعوا به و أمام من ؟ أمام الفرعون . هؤلاء هم الرجال الصابرين الذين يجب أن يُخلّد صبرهم بتماثيل تحكي عن موقفهم ضد الكفر و الاستبداد و الظلم و الإيمان بالله عز و جل و آياته . ( يا حسرة !! ) .القسم الثاني فصّل في الصبر عند النعمة و المنحة و ما أجمل و أروع الأمثلة التي ربطها حفظه الله جل و علا و دائما القرآن الكريم في قصصه تتعظ و تعتبر بها و تبقى حالات عبر التاريخ حدثت بعد نزول القرآن الكريم و مازالت تحدث و تتكرر لأنها بكل بساطة تصديق للقرآن الكريم و فعلا ما يحدث في ( الشرق الأوسط ) تنطبق تماما فقد بدلوا نعمة الله جل و علا كفرا و نعمة القرآن الكريم بالأحاديث .الأروع كذلك في المقال هو معنى ( القرآن الكريم بنعمة الله ) .. حفظكم الله جل و علا و دمت باحثا و مفكرا راقيا و بنعمة الله جل و علا تتحدث .
أحمد صبحى منصور
شكرا إبنى الحبيب استاذ سعيد على ، وأقول :
نعمة الصبر عند الشدائد يتذكرها المؤمن بعدئذ فيشعر بمدى أثرها فى تقويمه وفى تقواه . نعمة الصبر على العطاء الالهى ـ بأن يكون المؤمن الصابر شكورا ـ تعطى راحة نفسية وسعادة غامرة . هناك أثرياء مترفون وبليونيرات لا يصبرون على نعمة الله جل وعلا عليهم ولا يقومون بواجب الشكر والحمد ، لذا تراهم فى بؤس نفسى ، لا يحسون بالمتعة فيما يأكلون ولا ممفى تقلبهم فى البلاد. دائما هم فى هموم وخوف وفى صراع لا يهنأون بلحظة راحة، ويلقى ابناؤهم منهم الاهمال وربما يقعون فى الادمان والضياع. تنقلب النعمة عليهم نقمة. وما ظلمهم الله جل وعلا ولكن أنفسهم يظلمون .أعظم نعمة هى الهداية ، ويتبعها راحة البال لأنك تتوكل على الرحمن جل وعلا وتسعى فى الدنيا متقيا ربك جل وعلا فيرزقك من حيث لا تحتسب .
اللهم اجعلنا من الصابرين المتقين.


الفصل الثانى : الصبر والتوكل

( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ وَكِيلًا﴿٣﴾ الاحزاب )
1 ـ الأصل فى دين الاسلام أن الاستعانة لا تكون إلّا بالله جل وعلا . والدين وجهان : إيمان وعبادة ، أو بتعبير سورة الفاتحة عبادة وإستعانة ، والمؤمن يقول فى صلاته وقارءته الفاتحة ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) )، أى نعبد الله وحده ، ونستعين به وحده ، وندعوه وحده ، أى نتوكّل عليه وحده .
2 ـ ومن هنا يأتى توكل المؤمنين على الله جلّ وعلا وحده ، ويأتى الاسلوب بالقصر والحصر. والتقديم من وسائل التعبير بالقصر والحصر ، مثل ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) )، أى نعبدك وحدك ، ونستعين بك وحدك . ويختلف الحال لو قيل ( نعبد إياك ونستعين بك ) لأنها هنا تفتح المجال للشركاء أو لآخرين ،أى يسمح التعبير بقولك ( نعبد اياك وغيرك ونستعين بك وبغيرك ). هذا ممنوع لغويا حين تقول ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ) فضمير المفعول المنفصل ( إيّاك ) والذى يشير الى رب العزة بالخطاب جاء مقدما على الفعل ( نعبد ) و ( نستعين ) ليفيد الحصر والقصر . ومنه أيضا قوله جلّ وعلا ( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (122)آل عمران) ، فقد تقدم الجار والمجرور الذى يخص رب العزة :( وَعَلَى اللَّهِ) ، على الفعل والفاعل ( فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ )أى فعليه وحده يجب أن يتوكل المؤمنون . ومثله قوله جل وعلا أيضا : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (11)المائدة ).
ـ المؤمنون المتقون هم المتوكلون على الله وحده
1 ـ وقالها النبى يعقوب عليه السلام لأبنائه : ( وَقَالَ يَا بَنِي لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) يوسف ) وقالها كل نبى لقومه متوكلا على الله الذى عليه فقط يتوكل ( المتوكلون ): ( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) ابراهيم ) . فالمؤمنون هم الذين على الله جل وعلا وحده يتوكلون ، وهؤلاء يحظون بحب الله جل وعلا ، وهذا ما قاله رب العزة لخاتم النبيين بأن يتوكل على الله جل وعلا إذا عزم على تنفيذ أمر : ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران ) وإذا أعرض عن أذى وتآمر المنافقين فعليه أن يتوكل على الله جلّ وعلا : ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) النساء ).
2 ـ ولأن التوكل على الله وحده من صفات المؤمنين فقد جعله رب العزّة من سمات الايمان الحقيقى والمؤمنين الحقيقيين فقال رب العزة : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) الانفال ). ، وهذا ما قيل لبنى اسرائيل حين جبنوا عن دخول الأرض المقدسة : ( قَالَ رَجُلانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) المائدة )
ـ التوكل على الله جل وعلا عند الشّدة وغلبة الخوف
1 ـ والمؤمن عند الشدة وغلبة الخوف يستعين بالله جل وعلا ، فحسبه ربه جل وعلا . وحدث أن تعرض المؤمنون بعد هزيمة أحد الى حرب تخويف نفسية ولكنهم اعتمدوا على الله جل وعلا وتوكلوا عليه وطاردوا عدوهم. كان أولئك المؤمنون مثقلين بالجراح ، ولكن لم تمنعهم جراحهم الجسدية والنفسية من ملاحقة المشركين الذين خطفوا النصر ثم فروا ، فطاردهم أولئك المؤمنون وقد تغلبوا على الخوف والجراح ، فرجعوا بنعمة من الله جل وعلا وفضل ، وفى ذلك يقول جلّ وعلا عنهم يعطينا درسا فى أن نخافه وحده ونخشاه وحده ونتوكل عليه وحده : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) آل عمران ). أى إنهم حين قالوا بصدق وإخلاص ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) فقد تغلبوا على مخاوفهم ، واستحقوا النعمة والفضل .
ـ المتوكل على الله حسبه الله ، ويكفيه الله جل وعلا
ومن هنا فكل مؤمن حين يكون الله جل وعلا حسبه وكيلا ونصيرا فلن يخاف من أحد ،وسينجيه الله جل وعلا من كيد أعدائه ، فالله جل وعلا يقول لخاتم النبيين عليهم جميعا السلام عن أعدائه :( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ..(62) الانفال ) وإذا تخلى عنه انمؤمنون فإن الله جل وعلا يأمر رسوله أن يقول : ( حَسْبِي اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) التوبة )
الارتباط بين كون الله جل وعلا وكيلنا وكونه حسبنا لا نبتغى غيره وكيلا
1 ـ تعبير ( حسبنا ) أو ( حسبى ) أى يكفينا ويكفينى ، وبهذا يرتبط هذا المصطلح بكونه جل وعلا وكيلا لا شريك له ، وقد جاء فى هذا قوله جل وعلا للنبى ولنا :( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ .. (62) الانفال )( حَسْبِي اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) التوبة )( وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)( آل عمران ) (قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38))( الزمر ).
2 ـ أن المظلوم يقول عند العجز عن مواجهة الظالم ( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )، وقد يقولها وعظا له وتخويفا له بقدرة المنتقم الجبّار الذى يمهل ولا يهمل . وهذا يعكس فهما لمعنى الوكيل الله جل وعلا الذى يستجير به المظلومون .
3 ـ ولكن ويبقى على أولئك المظلومين أن ينصفوا رب العزة فلا يؤمنون بحديث إلا حديث الله جل وعلا فى القرآن ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)( الأعراف 185،المرسلات 50 ) (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) ( الجاثية ). عليهم أن يكفروا بأكاذيب الوحى السّنى والصوفى والشيعى ، وأن ألّا يظلموا رب العزة بالوقوع فى الشّرك ، والشرك ظلم عظيم: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) لقمان ).
ـ الله جلّ وعلا هو الوكيل للنبى
1 ـ أمره ربه جلّ وعلا بتقوى الله واتباع الوحى وبالتوكل على الله ونهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين ، وهذا ما جاء فى بداية سورة الآحزاب : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (3) )، أى كفى بالله جل وعلا وكيلا للنبى نفسه. وفى مكة كان المشركون يخيفونه بسطوة آلهتهم المزعومة ، فقال له ربه جل وعلا : ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ (36) ( الزمر ) .أى فالله جل وعلا يكفيه ويكفى كل مؤمن يكتفى بالله جلّ وعلا وكيلا .
2 ـ وفى حوار المشركين معه وهم يعتقدون بمقدرة أوليائهم وأوثانهم على النفع والضرر أمر الله جل وعلا رسوله أن يحاورهم ويسائلهم ، فهم يؤمنون أن الله جل وعلا هو خالق السماوات والأرض وبالتالى فتلك الآلهة الوهمية لا تستطيع أن تمنع قضاء الله جلّ وعلا وقدره:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات ِوَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)( الزمر ) . وهو درس لكل من يتقى الله جل وعلا ، أن يتوكل على الله وحده ، وأن يكون حسبه هو الله وعندها يجد العون والرزق من حيث لا يحتسب : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3)( الطلاق )
النبى ليس وكيلا
1 ـ ولأن الله وحده هو الوكيل الذى عليه وحده يتوكل المؤمنون والمتوكلون بما فيهم النبى فإن النبى ليس وكيلا عن أحد .
2 ـ ليس وكيلا عن الصحابة ، فقد دافع عن بعضهم دون أن يعرف أنه ظالم فجاءه العتاب والتوضيح ، ومنه قوله جل وعلا : (هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ) ( النساء 109 ).
3 ـ ولن يحمل النبى عن أحد من أصحابه شيئا من حسابه، كما لن يحمل أحد من أصحابه شيئا من حساب النبى يوم القيامة : ( مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ ) ( الأنعام 52 ).
4 ـ وليس النبى محمد عليه السلام وكيلا عن قريش المكذبين للقرآن الكريم : (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ )(الأنعام 65 ).
صلة هذا بالصبر الايجابى
1 ـ قال جل وعلا لخاتم النبيين عليهم جميعا السلام : ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّـهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٧﴾ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴿١٢٨﴾ النحل ).
2 ـ كان عليه السلام صبره بالله جل وعلا متوكلا على الله جل وعلا . ومفروض أن نتأسى به عليه السلام ، نصبر إبتغاء مرضاة الله جل وعلا متوكلين عليه جل وعلا فى جهادنا الاصلاحى السلمى ، منتظرين الثواب والأجر الحسن من رب العزة الذى لا يُضيع أجر من أحسن عملا .

التعليقات
حسام علم الدين :
كيف نتوكل على الله ؟
عزيزي الدكتور منصور
دائما ما اسمع كلاما عن التوكل على الله وكيف ان الله هو المتصرف فى كل شئ وكيف يجب علينا ان نؤمن ان الله هو مالك كل شئ وان علينا كما عبرت بمقالك ( يجب ان يكون الله وكيلك. عزيزي الدكتور منصور ان حياة الانبياء كانت فى اغلب الاحيان معارك واضحة حول مسائل دينية واضحة فكان السجال بين الاطراف يحمل طابعا حديا اما هذا واما هذا وقد نقل القران الكريم هذه السجالات واكد على الاستمساك بعبادة الله الواحد لا شريك له ونبذ الشرك .
لكن الامور الان لا تجري على هذا النحو اننا كبشر عاديون فى هذه الحياة سواء كنا فى مصر او فى امريكا او فى الصين نباشر حياتنا الطبيعية نعمل ونتعامل مع الناس اجتماعيا وماليا ولا يسألنا احد عن ديننا ولا يطلب منا احد ان نعبد اله آخر غير الذي نعبده
لكننا فى ذات الوقت لا نتمتع بحرية كاملة فى تصرفاتنا نحن الى حد ما محكومين بثقافة العصر فى كل مجتمع فالامور لا تسير كما فى الرياضيات ان فعلت كذا وكذا سوف تحصل على كذا وكذا . بل تحكمنا شبكة معقدة من التعاملات واعذرنى عن عدم ضرب مثل فمن الصعب استيعاب نظام الحياة لكنى اتوقع انك تفهم ما اريد ان اقول : لا احد يقول لك مثلا اسرق او اشهد زور او اكتم الشهادة بالمعنى الواضح المذكور فى القران .
الحياة اصبحت معقدة واصبحت التعاملات بين الناس اكثر تعقيدا بالطبع مازالت الصورة النمطية لهذه الاشياء محرمة لكنها اصبحت الاستثناء لا القاعدة وان انت جعلت على عاتقك ان تتحري الا تقع فى هذه الامور قد تتقوقع حول نفسك وترفض اشياء قد لا تكون فى جوهرها تشكل شيئا محرما وتتهم بالتعقيد والانغلاق وعدم مسايرة العصر . غالبا فضائل العصر هى من تحكم تصرفات الناس ولكن الان فضائل العصر اصبحت محل شك لم يعد بالامكان الوثوق بها وان اتبعت معاييرك فمن الصعب ان تثق فى نفسك فى قدرتك على فهم وتحليل فضائل العصر بدون افراط او تفريط . فى المقابل فإن تصرفاتك تشتبك مع رؤساءك فى العمل وخصومك ويترتب عليها نزاعا بينك وبينهم ساعتها لا يمكن ان تثق انك تحارب فى معركة الحق . ولا يمكن ان تصنف نفسك فى خندق الحق فلا انت تمسكت بفضائل العصر الواضحة للجميع ولا انت تثق فى قدرتك على استخلاصك الشخصي لفضائل العصر
يجعلك ذلك دائما فى حالة خوف بدلا من حالة الامان التى وعد بها المتقون يجعلك ذلك دائما تؤثر عدم خوض النزاعات لانك تخشى ان تتورط فى نزاع توهم نفسك فيه انك تدافع عن الحق وانت لست كذلك . تصور لنا الكتابات دائما ان المؤمنون يعرفون دائما اين الحق ويدافعون عنه . انا يا سيدي ازعم اننى احب الحق واحاول ان اكون مؤمنا لكننى لا اعرف دائما اين الحق ومقدار تشوشى اكبر من مقدار يقينى فهل انا لست مؤمن ؟
واذا اردت ان اتوكل على الله فماذا افعل كيف اتوكل على الله ؟

سعيد على
كفى به وكيلا جل وعلا
ما أحوجنا لدراسه هذا القرءان العظيم منهجا للحياة ( الدنيا و الآخرة ) .. فيه نتذكر أن هذه الحياة دار اختبار و امتحان ( قصير ) قصير بالعمر و لكن نتيجة هذا الاختبار ( أبدية ) ! إما جنة و إما نار هنا لا يجب الإستهانة بحجم ( هذا الاختبار القصير ) و لأنه قصير فمعدل الانحراف عن الإستقامة فيه كبير و كبير جدا . أسوا ما في هذا الاختبار - من وجه نظري - هو : ( يحسبون !! ) : ( ويحسبون انهم مهتدون ) ، ( وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ) ، ( ويحسبون انهم على شيء ) .لاختبار القصير ) و لأنه قصير فمعدل الانحراف عن الإستقامة فيه كبير و كبير جدا) . الله جل و علا هو ( الوكيل ) و عليه ( التكلان ) و من يتوكل عليه جل و علا فهو حسبه و عندما يؤمن ( الإنسان ) إيمانا حقيقيا بأن الله جل و علا هو ( وكيله ) و هو ( حسبه ) فلا شك أن جبالا من الهم و الحزن ستنسف .
حفظكم الله جل و علا و أعانكم جل و علا على تبيان حقائق الإسلام العظيم من القرءان الكريم .

أحمد صبحى منصور
شكرا استاذ حسام وشكرا استاذ سعيد ، واقول
فى الثقافة الانسانية يقولون الضمير ، أو الأنا العليا التى يحتكم اليها الانسان والتى تلومه إذا وقع فى خطأ. ومهما بلغ إجرام الفرد فيظل فى داخله جانب من الخير يعبر عن الفطرة السليمة مهما تراكم عليها. وعند الأزمات الشديدة التى تؤذن بالهلاك تستيقظ هذه الفطرة تستنجد بالرحمن جل وعلا.
المقابل للضمير أو الأنا العليا هو ( التقوى ) . إذا شاء الانسان التقوى فهو يتعامل مع الله جل وعلا فى علاقاته بالناس من حوله . لا يظلم أحدا ليس خوفا من الضبطية القضائية ولكن خوفا من الرحمن . لا يخاف الناس ولكن يخاف رب الناس. أرجو أن تتدبر الآية 175 من سورة آل عمران وهى فى سياق التوكل على الله جل وعلا. إذا خفت الله جل وعلا شعرت بالأمن لأنك فى حماية الرحمن. إن لم تخف الله جل وعلا أخافك الشيطان من كل شىء. التقوى أو الخوف من الله أو خشية الله تجعل الفرد متوكلا عليه ، يفعل الخير ولا يأبه بالنتائج ، يستوى عنده إن شكره الناس أو جحدوا فضله . وطالما هو لا يظلم أحدا فهو فى أمن . إقرأ الآية 82 من سورة الانعام . وأرجو أن تعيد قراءة المقالات السابقة .
شكرا احبتى ، وكل عام وأنتم جميعا بخير



بين الصبر والتوكل على الله جل وعلا
مقدمة
1 ـ هناك صبر سلبى بالقعود والسكون وإنتظار النتيجة والرضا مقدما بها تمسكا بالهوان والخنوع يحسبون ذلك صبرا . هذا يقترب من معنى التواكل ، والاعتماد على( المقادير ) ، ويترك هذا الصابر السلبى نفسه تحمله وتتلاعب به أمواج الحياة كجثة هامدة راضية .
2 ـ الصبر الاسلامى على النقيض . هو صبر إيجابى يقوم ليس مجرد التغيير ، فقد يكون التغيير الى الأسفل ، ولكنه التغيير الى الأفضل ، أى الاصلاح. وهو فى سعيه الى التغيير الى الأفضل يعرف ما يتطلبه هذا الاصلاح من تضحيات ، ويكون مستعدا لها مقدما ، وبهذا يصطحب معه الصبر فى حركته الاصلاحية معتمدا على الله جل وعلا متوكلا عليه . هنا يكون الصبر الايجابى الاسلامى قرينا للتوكل على الله جل وعلا .
3 ـ وهذا الارتباط بين الصبر الاسلامى والتوكل على الله جل وعلا هو موضوعنا . ونعطى بعض تفصيل :
أولا : ( إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )
1 ـ قال جل وعلا فى خطاب مباشر للمؤمنين : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿١٥٢﴾ البقرة ) . هنا اسلوب مجازى هو ( المشاكلة ) كقوله جل وعلا : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّـهُ ۖ وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴿٣٠﴾ الانفال ) ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴿١٥﴾ وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴿١٦﴾ الطارق ) . العقل البشرى لا يمكن أن يتخيل الفعل الالهى ، لذا يأتى التعبير عنه بشكل يفهمه البشر. وهذا معنى المشاكلة . المفهوم من الآية 152 من سورة البقرة أنك إذا ذكرت الله جل وعلا ذكرك الله جل وعلا .إذا ذكرته جل وعلا تعظيما وتسبيحا وحمدا وتقديسا وتنزيها ذكرك جل وعلا برحمته وحفظه . لكن يبقى المعنى الرائع فى أن يذكرك الخالق جل وعلا. أنت فلان ابن فلان ، أو أنا فلان ابن فلان يذكرنى ربى الرحمن ؟ يا له من تكريم .!. فخر هائل تشعر به لو قيل لك إن رئيس الجمهورية او الملك ذكرك ، فكيف بالخالق جل وعلا ؟
2 ـ نفس المعنى إذا قيل لك ان رئيس الجمهورية او الملك معك . سيملأ فخرك الأرض كلها لأنك فى معية الرئيس او الملك ، أو إن الرئيس أو الملك معك . فماذا إذا كان الذى معك هو رب العزة جل وعلا . يتحقق لك هذا إذا كنت من الصابرين لأن الله جل وعلا ( مع الصابرين )
3 ـ معية الله جل وعلا ( مع الصابرين ) تكررت كثيرا فى القرآن الكريم حتى أصبحت مثلا يقال . جاءت فى قوله جل وعلا : ( وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٢٤٩﴾ البقرة) ( وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٦٦﴾ الانفال ) (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٤٦﴾ الانفال )، وهو جل وعلا يبشرهم مقدما : ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ البقرة ) ، وهو جل وعلا يحبهم : ( وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٦﴾ آل عمران )
ثانيا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٣﴾ البقرة )
1 ـ بعد قوله جل وعلا للمؤمنين : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿١٥٢﴾ البقرة ) أمرهم جل وعلا فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٣﴾ البقرة ).
2 ـ لم يقل جل وعلا : إستعينوا على كذا بالصبر والصلاة . لم يقل إستعينوا على النصر او الرزق او النجاح او النجاة او السعادة .. بالصبر والصلاة . جاء التعبير مفتوحا ، بمعنى إستعينوا على أى شىء بالصبر والصلاة . بمعنى إذا كنت تريد تحقيق شىء فإستعن على تحقيقه بالصبر والصلاة .
3 ـ هذا لا يعنى إطلاقا أن تعتكف فى المسجد تصلى وتدعو الله جل وعلا أن يحقق لك ما تريد وانت فى مكانك معتقدا أن هذا هو الصبر وتلك هى الصلاة. هنا يكون الصبر سلبيا . الصبر المُراد هو الصبر الايجابى ، أن تسعى وتناضل فى تحقيق ما تريد صابرا مثابرا ومستعينا أيضا بالصلاة متضرعا أن يحقق لك ربك مسعاك . تعبير ( إستعينوا ) فى حد ذاته يعنى العمل والأخذ بالأسباب متوكلا على الله جل وعلا . وبهذا يقترب معنى الاستعانة هنا بالتوكل على الله .
4 ـ والانبياء كانوا مأمورين بالصبر وكانوا أيضا مأمورين بالتوكل على الله ، وبهذا يكون رب العزة جل وعلا ( معهم ) فى صبرهم وفى توكلهم عليه.
ثانيا : التوكل على الله فى الدعوة الاصلاحية
كل الأنبياء حملت رسالتهم الالهية دعوة إصلاحية ، صبروا على الأذى وإقترن صبرهم بالتوكل على الله جل وعلا . ونعطى أمثلة :
1 ـ كل الأنبياء مع إختلاف الزمان والمكان والأقوام قالوا لأقوامهم قولا واحد فى مواجهة الأذى : ( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١١﴾ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّـهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿١٢﴾ ابراهيم ): هنا الصبر مقترنا بالتوكل على الله جل وعلا .
2 ـ نوح عليه السلام لبث فى قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما . صبر صبرا لا مثيل له فيما نعلم . وكان قومه يخوفونه بغضب ألاهتهم ، فتحداهم بأن يواجهوه بغضب هذه الآلهة المزعومة وهو لا يأبه بهم لأنه متوكل على الله جل وعلا : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّـهِ فَعَلَى اللَّـهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴿٧١﴾ يونس )
3 ـ نفس الموقف حدث مع قوم عاد . ظنوا أن آلهتهم تعرضت للنبى هود بالضرر لأنه كفر بهم ،وإستعدوا عليه آلهتهم .رد هود عليه السلام عليهم قائلا :( مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ﴿٥٥﴾ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّـهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴿٥٦﴾ هود)
4 ـ تكرر نفس الموقف من قريش مع خاتم النبيين عليه وعليهم السلام .
4 / 1 : كرر مقالة نوح عليه السلام بالتحدى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٩٤﴾ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴿١٩٥﴾ الاعراف ).
4 / 2 : كانوا يهددونه ويخوفونه بغضب ألهتهم نوعا من الحرب النفسية . قال له ربه جل وعلا : ( أَلَيْسَ اللَّـهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٣٦﴾ الزمر ). كانوا يخوفونه إنتقام آلهتهم الخرافية وجاء التأكيد من رب العزة جل وعلا بأنه جل وعلا كاف عبده . وجاء هذه بصيغة إستفهامية بالغة الدلالة (أَلَيْسَ اللَّـهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ).
4 / 3 : هذه الآية الكريمة هى العون لنا ضد الحرب النفسية الطاغية التى يشنّها الأزهر والسلفيون .
5 ـ النبى شعيب عليه السلام
5 / 1 : اعلن لقومه تمسكه بالهدى الذى يدعو اليه وأنه يريد الاصلاح بكل ما لديه من استطاعة وينتظر التوفيق من ربه جل وعلا متوكلا عليه : ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّـهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴿٨٨﴾ هود ).
5 / 2 : وكرر توكله على الله مستعينا بربه جل وعلا أن يحكم بينه وبين قومه : ( عَلَى اللَّـهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴿٨٩﴾ الاعراف )
6 ـ العادة فى الأديان الأرضية أن أئمته المختلفين مع بعضهم ومع غيرهم كل منهم يزعم الحقيقة المطلقة ويجعل خصومه فى جهنم وبئس المصير ، ويحتكر الجنة له ولأتباعه. ! خبل منقطع النظير.! . هذا يناقض الدعوة الاسلامية القائمة على التوكل على الله جل وعلا والصبر الايجابى؛ إذ ترتبط الدعوة الاسلامية بالاعراض عن الكافرين المعاندين وتقرير حريتهم فى إختيارهم الدينى وإنتظار الحكم عليهم وعلينا يوم الدين أمام رب العالمين.
6 / 1 : هذا ما قاله شعيب عليه السلام لقومه : ( وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ۖ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴿٩٣﴾ هود ) .
6 / 2 : وهو نفس ما أمر الله جل وعلا خاتم النبيين عليهم جميعا السلام :
6 / 2 / 1 : ( وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴿١٢١﴾ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ( 122 ) هود ) بعدها جاء التقرير بمرجعية الأمر له جل وعلا ، وأمر النبى بالتوكل عليه جل وعلا : ( وَلِلَّـهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) ﴿١٢٣﴾ هود )
6 / 2 / 2 : وتكرر هذا فى إثبات أنه لا ولى معبودا إلا الله جل وعلا ، ردا على إتخاذ أولياء من البشر يقصدهم الناس بالعبادة والاستغاثة وطلب المدد. كان هذا فى الجاهلية العربية ولا يزال بين المحمديين حيث تنتشر آلاف القبور المقدسة يقدسها أكثر من بليون من المحمديين.
6 / 2 / 2/ 1 : بعد إقامة الحجة عليهم كان الأمر له عليه السلام بأن يقول إن حسبه الله عليه يتوكل المتوكلون وأن يعملوا على مكانتهم . قال جل وعلا :( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ ۚ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّـهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّـهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿٣٨﴾ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴿٤٠﴾ الزمر ).
6 / 2 / 2/ 2 : الله وحده هو الولى المعبدود والذى يحيى الموتى وهو وحده القدير على كل شىء . وهو جل وعلا اليه المرجعية فى الفصل بين المؤمنين والكافرين فى هذه القضية ، والنبى مأمور أن يؤكد أنه متوكل على ربه منيب اليه . قال جل وعلا : ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّـهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴿٩﴾ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّـهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿١٠﴾ الشورى ) .
7 : وتكرر هذا فى قوله جل وعلا لخاتم النبيين عليهم السلام فى تقرير الحرية للكافرين ومسئوليتهم على هذه الحرية :
7 / 1 : قال جل وعلا : (قُلِ اللَّـهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي ﴿١٤﴾فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ ۗ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴿١٥﴾ الزمر ) .
7 / 2 : إرتبط هذا الخطاب فى تقرير الحرية الدينية بالتأكيد على التوكل على الله جل وعلا . قال جل وعلا : ( كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴿٣٠﴾ الرعد )
8 ـ وحتى مع المؤمنين إذا أعرضوا وعصوا
8 / 1 : فما على النبى سوى تبليغ الرسالة ، والتوكل على ربه جل وعلا ، لا إله إلا هو رب العالمين . قال جل وعلا فى خطاب مباشر للمؤمنين : ( وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿١٢﴾ اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١٣﴾ التغابن ).
8 / 2 : إذا واجهه المؤمنون بالعصيان فما عليه إلا أن يتبرا ــ ليس منهم ـ ولكن من عصيانهم فقط ، هذا مع تمسكه بالتوكل على العزيز الرحيم جل وعلا. قال له ربه جل وعلا : ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢١٥﴾ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢١٦﴾ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴿٢١٧﴾ الشعراء )
ثالثا : المستفاد مما سبق :
1 ـ التوكل على الله جل وعلا مرتبط بالصبر الايجابى وهو الاستمرار فى الدعوة وتحمل التضحيات مهما كانت .
2 ـ تقرير الحرية الدينية للخصوم وأن يعملوا على مكانتهم من الكفر والانتظار الى أن يحكم الله جل وعلا بين النبى وبينهم .
3 ـ هذه الشخصية الحقيقية للنبى محمد فى القرآن الكريم تتناقض مع الصورة المزيفة التى صنعوها لإله أسموه محمدا ؛ جعلوه يقتل معارضيه بحد الردة ويقاتل الناس لإكراههم فى الدين حتى يشهدوا انه رسول الله .
4 ـ لو كان للنبى نفوذ الاهى ما إحتاج الى الصبر والتوكل على الله إرجاء الحكم عليه وعلى خصومه الى يوم الدين أمام مالك يوم الدين .
5 ـ ولو كان النبى محمد يملك الشفاعة لنزل فى القرآن تخويله بأن يحرم أعداءه من شفاعته . ولكن الذى أخبرنا به رب العزة جل وعلا :
5 / 1 : أنه سيأتى خصما لأعدائه مع التساوى بينه وبينهم فى الموت وفى المساءلة ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ﴿٣٠﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴿٣١﴾ الزمر )
5 / 2 : وأنه سيأتى شاهد خصومة عليهم بسبب إتخاذهم القرآن مهجورا : (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴿٣٠﴾ الفرقان )
5 / 3 : وأن جوهر خصومته لهم عن رفضهم تبيان القرآن الكريم لكل شىء يحتاج الى تبيان : (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿٨٩﴾ النحل ).
ودائما : صدق الله العظيم .!



الايمان والصبر الايجابى والتوكل على الله جل وعلا
أولا : فى الحرب الدفاعية
الحرب هى إستثناء حتى فى تاريخ الشعوب . قد تكون حربا هجومية ، وهى تعتبر كفرا فى التشريع الاسلامى . الدولة الاسلامية مؤسسة على السلام وتحتاج الى ان تستعد بالقوة ردعا لمن يفكر بالاعتداء عليها ( الانفال 60 ) لأن الدولة المسالمة الضعيفة يغرى ضعفها بالاعتداء عليها. المؤمنون حين يضطرون للحرب الدفاعية هم مأمورون بالصبر ـ وقد تعرضنا لذلك سابق ـ وهم أيضا مأمورون بالتوكل على الله جل وعلا . ونعطى أمثلة :
1 ـ رفض بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة التى كتبها الله جل وعلا لهم برغم إلحاح موسى عليه السلام. خرج عن هذا الاجماع رجلان كانا يخافان الله جل وعلا ، نصحا قومهما بالدخول من الباب متوكلين على الله : ( قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٢٣﴾ المائدة ). قالا : (وَعَلَى اللَّـهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ). إن كانوا مؤمنين حقيقيين فعليهم بالتوكل على الله جل وعلا. وهنا الارتباط بين الايمان والتوكل الاسلامى.
2 ـ عن معركة بدر : قال جل وعلا : ( إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّـهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١٢٢﴾ آل عمران ). المؤمنون فقط هم الذين يتوكلون على الله جل وعلا.
3 ـ وعن النصر فى الحرب الدفاعية قال جل وعلا : ( إِن يَنصُرْكُمُ اللَّـهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١٦٠﴾ آل عمران ). المؤمنون فقط هم الذين يتوكلون على الله جل وعلا.
4 ـ وعن تحرش حربى إستهدف المؤمنين وبنعمة الرحمن لم يكتمل حربا قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚوَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١١﴾ المائدة ). المؤمنون فقط هم الذين يتوكلون على الله جل وعلا.
5 ـ بعد هزيمة ( أُحُد ) صمم فريق من الجرحى المؤمنين على مطاردة جيش العدو الذى سرق نصرا سريعا وهرب . لم يأبهوا بتحذيرات أقرانهم وانطلقوا فى المطاردة خلف العدو الهارب قائلين : حسبنا الله ونعم الوكيل . قال جل وعلا عنهم يمدحهم : ( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿١٧٢﴾ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ آل عمران ). إزدادوا إيمانا بتوكلهم على الله جل وعلا وهو حسبهم.
6 ـ الاستعداد الحربى واجب للردع ، فإن جنح العدو للسلام فيجب قبول السلام مقترنا بالتوكل على الله ، وحتى لو كانوا مخادعين فإن الله جل وعلا هو الذى سيتكفل بنصر المؤمنين . قال جل وعلا : ( وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٦١﴾ وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّـهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٢﴾ الانفال )
7 ـ الخلاصة أن الايمان الحقيقى مرتبط بالتوكل على الله جل وعلا ، وهذه صفات المؤمنين الحقيقيين ، قال جل وعلا :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾ الانفال )
ثانيا : ( وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) = (وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ )
فى بعض الايات السابقة تكرر قوله جل وعلا ( وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ). وفى آيات أخرى جاء قوله جل وعلا : (وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ). فالمتوكلون هم المؤمنون والمؤمنون هم المتوكلون . ونعطى أمثلة :
1 ـ يعقوب عليه السلام قال لأولاده : ( وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّـهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿٦٧﴾ يوسف )
2 ـ وجاء ( وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) = (وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) فى قول الرسل لأقوامهم : ( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١١﴾ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّـهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿١٢﴾ ابراهيم ).
ثالثا : الايمان فى التوكل على الله يعنى ( لا إله إلا الله )
هذه قضية بالغة الحساسية ، لأن الكفر والشرك يعنيان وجود إيمان قليل لا يقبله رب العزة . كل الكافرين المشركين يؤمنون بالله وآلهة وأولياء معه . التوكل على الله يعنى الايمان بالله جل وعلا وحده . فالمشرك الكافر الذى يقدس بشرا أو حجرا لا يمكن أن يكون متوكلا على الله جل وعلا . ثم إن التوكل على الله وحده يعنى ألا تضع فى حسبانك التوكل على بشر لأنه يكفيك أن تتوكل على الخالق جل وعلا الذى بيده مقادير كل شىء . ولذلك فإن صياغة آيات التوكل جاءت بأسلوب القصر أى قصر التوكل على الله جل وعلا وحده ـ وبما يفيد معناها . ونعطى أمثلة :
1 ـ التوكل باسلوب القصر .
1 / 1 : من أساليب القصر : التقديم والتأخير مثل
1 / 1 / 1 : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) لا يقال نعبدك ونستعين بك ، لأن هذا يفيد نعبدك ونعبد غيرك ونستعين بك ونستعين بغيرك . بنفس الصياغة باسلوب القصر جاء التوكل على الله جل وعلا . ومرت أمثلة مثل : ( وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) و(وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) ، أى على الله جل وعلا وحده يتوكل المؤمنون والمتوكلون . لم يقل يتوكل المؤمنون على الله او يتوكل المتوكلون على الله لأن هذا الاسلوب يترك المجال مفتوحا لغير الله ويجعل شركاء لله جل وعلا.
1 / 1 / 2 : ومثله قوله جل وعلا : ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّـهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿٩٨﴾ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٩٩﴾ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴿١٠٠﴾ النحل ). هنا أيضا اسلوب قصر بالتقديم والتأخير فى (وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ). لم يقل يتوكلون على ربهم.
1 / 2 : ومنها العطف على : ( لا إله إلا الله ) . مثل قوله جل وعلا : ( اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١٣﴾ التغابن ). أولا :( اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ) بعدها العطف بالواو : ( وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )
1 / 3 ـ العطف على ما يفيد قدرة الله جل وعلا باسلوب القصر ، مثل قوله جل وعلا :
1 / 3 / 1 . ( إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١٠﴾ المجادلة ). فى قوله جل وعلا : ( وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ ) اسلوب قصر بالنفى والاستثناء مثل ( لا إله إلا الله ) ، جاء بعدها : ( وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )
1 / 3 / 2 : ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴿٥١﴾ التوبة ) ( لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَنَا ) هنا اسلوب قصر بالنفى والاستثناء ) جاء بعدها : ( وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )
2 ـ التوكل بإستعمال ( حسب ) أى حسبنا الله وحده وحسبى الله وحده
2 / 1 :التوكل على الله يعنى حسبك أى يكفيك الله جل وعلا. ومرت أمثلة : ( وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٦١﴾ وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّـهُ ) ﴿٦٢﴾ الانفال )(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ آل عمران ).
2 / 2 : ومنها أيضا قوله جل وعلا للنبى محمد عليه السلام :
2 / 2/ 1 ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ ۚ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّـهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّـهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿٣٨﴾ الزمر ). هذا فى مواجهة من يقدس الأولياء ، وهم الآن أغلبية المحمديين . مع ملاحظة اسلوب القصر فى (عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ )
2 / 2/ 2 : ( فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖعَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿١٢٩﴾ التوبة ). مع ملاحظة اسلوب القصر فى (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ). وهذا فى مواجهة المؤمنين إذا تخلوا على النبى عليه السلام . والان يوجد مؤمنون بأنه لا إله إلا الله ومع ذلك جبنوا عن الدعوة . هم تولوا عن دعوته عليه السلام .! وحسبنا الله جل وعلا وهو نعم الوكيل.
2 / 3 : لعموم المؤمنين يقول جل وعلا :
2 / 3 / 1 : ( وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّـهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴿٣﴾ الطلاق ). الذى يتقى الله وحده ويتوكل عليه وحده فإن الله جل وعلا حسبه ، يرزقه من حيث لا يحتسب ويبلغه أمره حسب المقدر له سلفا.
2 / 3 / 2 : ( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّـهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٤٢﴾ النحل ) هنا الجمع بين الصبر والتوكل والايمان الحقيقى الذى يدفع للتمسك بالحق وتحمل الظلم ثم الهجرة إبتغاء مرضاة الرحمن . الله جل وعلا يعدهم حسنة فى الدنيا وحسنة أكبر فى الآخرة . هنا يأتى التوكل بأسلوب القصر (وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) . وتكرر المعنى فى قوله جل وعلا فى نفس السورة : ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴿١١٠﴾ النحل ). هذا للتأكيد على أن الصبر السلوكى للمؤمن يعنى النضال توكلا على ربه جل وعلا الذى لا يضيع أجر من أحسن عملا.!
2 / 3 / 3 : والأسوة الحسنة فى ابراهيم عليه السلام والمؤمنين معه وموقفهم من قومهم الكافرين . قال جل وعلا يخاطب الصحابة المهاجرين الذين أخذهم الحنين الى أهاليهم الكفرة فى مكة يدعوهم للتأسّى بابراهيم والمؤمنين معه : ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّـهِ مِن شَيْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٤﴾ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٥﴾ الممتحنة ). تبرءوا من أقوامهم متوكلين على الله جل وعلا وحده، فليس لهم غيره جل وعلا عونا ونصيرا. جاء الاسلوب بالقصر فى التوكل : (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا ) وفى الانابة الى الله جل وعلا : ( وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا ) ، واليه وحده المصير والمرجع: ( وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).
3 ـ التوكل على الله بالاتيان بأسماء الله وصفاته التى هى له وحده مثل :
3 / 1 : ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴿٥٨﴾ الفرقان )
3 / 2 : ( قُلْ هُوَ الرَّحْمَـٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٢٩﴾ الملك )
4 ـ إذا كان النبى محمد مأمورا بالتوكل على الله جل وعلا وحده فكيف بغيره . العادة ان معظم البشر يقدسون الأنبياء يخلقون لهم شخصيات إلاهية وهمية خرافية . وقع فى ذلك المسيحيون والمحمديون . أمر الله جل وعلا النبى محمدا بالتوكل عليه تأكيدا على أنه بشر يصبر ويتوكل على ربه ، وهو فى ذلك أسوة للمؤمنين . وسبقت أمثلة كثيرة . ونضيف اليها قوله جل وعلا له :
4 / 1 :( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴿٢١٧﴾ الشعراء )
4 / 2 : ( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴿٧٩﴾ النمل ).
ودائما : صدق الله العظيم .!!





بين الصبر والتوكل على الله جل وعلا : فى التعامل مع المعارضة
مقدمة
1 ـ الدعوة الاسلامية تعلن الحق كاملا دون مراعاة لمشاعر الذين يقدسون البشر والحجر ويؤمنون بالخرافات دون عقل او وعى . هذا هو الصدع بالحق الذى كان خاتم النبيين مأمورا به ، وكان مأمورا أيضا بالاعراض عن المشركين. قال له ربه جل وعلا : (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٤﴾ الحجر ) . الصدع بالحق يعنى زلزالا عقليا ينزل بمن تعود تقديس الأوهام ، ومنتظر منه ان يندفع فى أذى الداعية للحق ، لذا فالأمر التالى هو بالاعراض عن هذا المشرك والصفح عنه .
2 ـ الأمر بالصدع بالحق والاعراض عن المشركين نزل فى مكة حيث كان النبى والمؤمنون معه يتعرضون للأذى والإضطهاد. إختلف الحال فى المدينة فى دولة النبى محمد عليه السلام . واجهته معارضة دينية وسياسية قام بها المنافقون ، وقد بذلوا كل المستطاع فى دعوتهم المناقضة للإسلام وفى كيدهم وتآمرهم على الدولة ، ولكن لم يصلوا الى حمل السلاح ضدها. اى كانت معارضة سلمية برغم تطرفها . لم يستخدم النبى محمد عليه السلام العنف ضدهم ، بل ولم يعاتبهم على ما يفعلون لأن التشريع الاسلامى يؤكد على الحرية المطلقة فى الدين وفى حرية التعبير والعمل السياسى السلمى ويضمن للمنافقين ان يقولوا وان يفعلوا ما يشاءون.
3 ـ جاء التشريع بالإعراض عنهم . ونعطى أمثلة محددة ورد فيها الأمر بالاعراض عنهم مقترنا بالأمر بالتوكل على الله .
أولا : مواقف متفرقة
1 : بعد الإنتصار فى موقعة بدر ظهر أول رد فعل حاقد من المنافقين : ( إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَإِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٤٩﴾ الانفال ). الرد عليهم هو بالتوكل على الله جل وعلا ، وهذا يعنى الصبر الايجابى فى مواجهتهم .
2 ـ كانوا يكذبون على النبى فى حياته. يدخلون عليه يقدمون فرائض الطاعة ثم يخرجون من عند يتآمرون ويكذبون عليه . وأخبر الله جل وعلا النبى بهذا ، وامره الله جل وعلا ان يعرض عنهم متوكلا عليه جل وعلا : ( وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّـهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖفَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ وَكِيلًا ﴿٨١﴾ النساء )
3 ـ كانوا يؤذون النبى والمؤمنين بإفتراءاتهم ، وجاء هذا فى سور التوبة والأحزاب والمجادلة والمنافقون . وتشابه أذاهم للنبى مع أذى الكافرن له ، ونزل الأمر للنبى بأن يدع أذاهم أى أن يعرض عنهم متسامحا معهم متوكلا على ربه جل وعلا . قال جل وعلا له عليه السلام : ( وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ وَكِيلًا ﴿٤٨﴾ الاحزاب )
فى تطبيق الشورى الاسلامية
الشورى الاسلامية تعنى فى ثقافة عصرنا الديمقراطية المباشرة ، وقد فصّلنا هذا فى كتاب هنا عن الشورى . الشورى هى فنُّ ممارسة القوة . إذا إحتكر الحاكم القوة فهو يستشير نفسه أو الملأ الذى يفكر له فيما يرضيه. إذا كانت فى المجتمع أقلية تستحوذ على اغلبية الثروة فهى ايضا تستحوذ على أغلبية السلطة ، ويتكون فيها نظام ديمقراطى نيابى عن السكان يقوم فيه ممثلون عن الشعب وليس الشعب ، وهذا وفق إنتخابات يؤثر فيها من يملك المال والنفوذ . هذه هى الديمقراطية الناقصة غير المباشرة ، وهى السائدة فى الغرب حيث يعلو الرئيس على المواطن العادى ، وكذلك السيناتور وقادة الدولة برغم الثرثرة عن المساواة . هناك مناطق فى اوربا تمارس الديمقراطية المباشرة ، منها سويسرا ( هل تعرف إسم الرئيس فيها ؟ )
الشورى الاسلامية تعبر عن ( لا إله إلا الله ). فالعبودية للخالق جل وعلا وهو وحده صاحب العلو ، سبحانه وتعالى ، ولا علو لمخلوق فى دولة الاسلام ،ولهذا كان النبى محمد نفسه ــ وهو القائد ــ مأمورا بالشورى كما كان فرعون موسى ملعونا لأنه وصل بإستبداده الى زعم الألوهية . والمستبد يزعم الألوهية إن صراحة أو ضمنا .
لا يحتاج المستبد الى الصبر والتوكل على الله . وفى الديمقراطية النيابية الناقصة يوجد بعض الصبر فى إدارة النقاش والوصول الى قرارات . الذى يحتاج الى صبر اسطورى هو الديمقراطية المباشرة التى يحضرها أهل كل منطقة ، ولكل منهم حق الحديث والاعتراض قبل الوصول الى القرار . هذا الصبر الاسطورى يحتاج الى توكل على الله عند العزم على تنفيذ القرارات .
ونعطى لمحات سريعة عن ارتباط الشورى الاسلامية بالصبر والتوكل على الله :
1 ـ الأمر بالشورى نزل فى مكة قبل أن تقوم للإسلام دولة . كان المؤمنون مجرد أقلية ، ولكن كانوا نواة لمجتمع . جاء فى سورة الشوى صفات هذا المجتمع فى قوله جل وعلا : ( فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّـهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٣٦﴾ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿٣٧﴾ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣٨﴾الشورى ).
الأمر بالشورى فى قوله جل وعلا (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ) جاء بالصيغة الاسمية التى تعنى الثبوت وتكون أكثر إلزاما من الصيغة الفعلية . ثم جاءت الشورى بين الصلاة والانفاق فى الزكاة المالية ، فهى فريضة مثلهما ، وهما فريضتان على كل فرد ولا يصح فيهما الاستنابة ، فلا يصلى أحد عن أحد ولا ينفق أحد بدلا من أحد ، وبالتالى فالشورى الاسلامية فرض على كل فرد بالغ ، ولا يجوز فيها أن يمثّل أحد أحدأ ولا ينوب فيها أحد عن أحد . ثم إن صيغة (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ) فيها غاية الإحكام فى التعبير ، لأنها تعنى أن الجميع مشارك فى الشورى فى كل ما يخص الجميع وبلا إستبعاد لأحد بسبب النوع او الجنس او اللون او الفقر .
2 ـ نزل فى المدينة الأمر للنبى القائد بالشورى ضمن أوامر أخرى . قال له جل وعلا : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖفَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴿١٥٩﴾ آل عمران ). إذا كان النبى نفسه مأمورا بالشورى فإن من يستنكف من تطبيقها يرفع نفسه فوق النبى أى يزعم الالوهية ، وتقرر الآية الكريمة أن الأمة مصدر السلطة وليس النبى الذى يأتيه الوحى . فالله جل وعلا لم يأمره فقط بالشورى ولكن جعله لينا معهم ولو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله ، ولو إنفضوا من حوله فلن تكون له دولة ولن تكون له قوة ، فإجتماعهم حوله هو الذى أقام السلطة ، فهم مصدر السلطة ، لذا جاء له الأمر بالعفو عنهم والاستغفار لهم ، لأن طبيعة العمل السياسى تتطلب صبرا فى الحوار وجهدا فى الاقناع ، وقد يستطيل أحدهم على النبى فى القول فعليه أن يصبر وأن يعفو وأن يغفر ، ثم إذا وصل الاجتماع الى قرار فعليه أن يقوم بالتنفيذ متوكلا على الله. هنا يقترن الصبر بالتوكل على الله جل وعلا فى تنفيذ وتطبيق الشورى الاسلامية .
3 ـ لم تكن الشورى الاسلامية أمرا مألوفا بين العرب ، فالنفوذ كان لشيخ القبيلة وأقرانه وفق السلطة الأبوية . كان جديدا أن يشارك الجميع فى مجالس الشورى على قدم المساواة ، بل وأن يكون من حق النساء المشاركة كالرجال . نتج عن هذه التجربة الجديدة :
بالنسبة للمؤمنين :
3 / 1 : بعضهم كان يتخلف عن الحضور فنزل قوله جل وعلا فى سورة النور وهى من أوائل السور المدنية : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٦٢﴾لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّـهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦٣﴾ ) واضح النبرة العنيفة فى لوم من يتخلف عن الحضور وربط هذا الحضور بالايمان .
3 / 2 : وإلتزم بعدها المؤمنون بالحضور فلم تأت آيات أخرى فى نفس الموضوع . بل جاء ما يدل على تزاحمهم فى الحضور وإستباق الصفوف الأولى الى جانب النبى فنزل قوله جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّـهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴿١١﴾ المجادلة ). وكان بعضهم يستغلها فرصة ليناجى النبى ويعطل الشورى فقال جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٢﴾ أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚفَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّـهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّـهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٣﴾ المجادلة ) أى فرض عليهم صدقة مقابل نجواه مع النبى .
حرب المنافقين للشورى الاسلامية .
1 ـ قبل هجرة النبى كانوا أصحاب النفوذ فأضاع الاسلام نفوذهم . والشورى الاسلامية ساوتهم ببقية الناس من المهاجرين والأنصار . غضبوا أن النبى محمد عليه السلام يستمع بصبر وينصت الى الجميع دون تمييز لمن كانوا رؤساء من قبل ، فإتهموا النبى بأنه (أُّذُن ) أى يسمع لمن هب ودب . وسكت النبى على هذا الاتهام الظالم ، ونزل الرد على هذا الإيذاء من رب العزة جل وعلا : ( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚقُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّـهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦١﴾ التوبة )
2 : على أن أخطر سلاح إستعمله المنافقون ضد الشورى الاسلامية هو ( النجوى ) حيث قاموا بالتشويش على مجالس الشورى بلقاءات خاصة يتهامسون فيها ويتناجون فيها مع انفسهم ومع المؤمنين , قال جل وعلا فى نجواهم : (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١١٤﴾ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿١١٥﴾ النساء ) . الله جل وعلا إعتبر نجواهم خروجا على سبيل المؤمنين وعداءا للرسول .
3 : وبسبب خطورة هذه النجوى على الديمقراطية المباشرة فقد نزل فيها قوله جل وعلا فى سورة الممتحنة عن المنافقين أصحاب النجوى :
3 / 1 : (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚوَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّـهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ أَحْصَاهُ اللَّـهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿٦﴾ ) هنا وصفهم بعداء الله ورسوله وتهديدهم بالكبت والخزى وتحذيرهم بتسجيل أعمالهم وأقاويلهم السرية وهو جل وعلا على كل شىء شهيد .
3 / 4 / 2 : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٧﴾) ترهيبهم بأنه جل وعلا يسمع مناجاتهم لبعضهم وسينبئهم بعملهم يوم القيامة .
3 / 4 / 3 : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّـهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّـهُ بِمَا نَقُولُ ۚحَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٨﴾) أى نزل لهم النهى عن النجوى فلم يلتزموا به وظلوا يتناجون بالاثم والعدوان ومعصية الرسول . بل وكانوا يتباهون فى نجواهم بالعيب فى تحيتهم للرسول ويسخرون من العذاب الذى يهددهم به رب العزة جل وعلا.
3 / 4 / 4 : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٩﴾) هنا تشريع النجوى الملتزمة بالتقوى .
3 / 4 / 5 : ( إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ ۚ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١٠﴾). أما النجوى الشيطانية فلن تضر المؤمنين شيئا طالما يتوكلون على الله جل وعلا . أى بالتوكل على الله فإنه جل وعلا الذى سيحفظ المؤمنين من كيدهم. هنا ربط الشورى الاسلامية بالتوكل على الله .
أخيرا
1 ـ فى الاسلام حرية مطلقة فى المعارضة الدينية والسياسية إعتمادا وتوكلا على الله جل وعلا. وهذا يستلزم صبرا إيجابيا ، يعنى أن تكبح جماح نفسك وأنت معك القوة ، لا تستخدمها لقمع المواطنين وحماية نفسك ، بل لتحمى بها الدولة بمن فيها من المعارضة لأن الجميع شركاء فى المواطنة ، فالمواطنة فى الدولة الاسلامية على أساس السلام أو الاسلام السلوكى . والمعارضون المسالمون هم مواطنون لهم كافة الحقوق ، ومنه حق التعبير .
2 ـ أين تشريع الاسلام من حال المحمديين اليوم ؟
يعيشون تحت قهر إستبداد يتطرف فى التعذيب ويتباهى به لارهاب الناس ، وليرغمهم على ( الصبر السلبى ) بمعنى الخضوع والخنوع والرضى بالذُّل .!!



الفصل الثالث : المستضعفون والصبر

المستضعفون فى الأرض والصبر :
مقدمة
1 ـ الاستضعاف للبشر إهانة لهم. لو صبر المستضعفون إيجابيا وتوكلا على الله جل وعلا فى المواجهة طابا لحقوقهم لإنتهت هذه الظاهرة المهينة للبشر.
2 ـ هذا يستحق تفصيلا .
أولا : أنواع الضعاف من الناس
ضعيف حسب مراحل العمر .
1 ـ قال جل وعلا : (اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚيَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) 54 ) الروم ) . يولد الطفل ضعيفا فيكون برعاية من حوله أقوى الناس .
2 ـ وعند الكبر يأتى الضعف ، ويأتى التشريع القرآنى برعاية الوالدين أو أحدهما إذا بلغ الكبر ، قال جل وعلا : (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴿٢٣﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) 24 ) الاسراء ) .
اليتيم الضعيف :
1 ـ تشريعات القرآن تعتنى باليتيم ؛ نفسه وماله . قال جل وعلا : ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّـهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ )﴿١٢٧﴾النساء ).
2 ـ والمؤمن الذى يخشى أن يموت تاركا ذرية ضعافا عليه أن يتقى ربه لينالوا حفظ الله جل وعلا ، قال جل وعلا : ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّـهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٩﴾ النساء ).
3 ـ وفى قصة موسى مع العبد الصالح أقام العبد الصالح جدارا ليتيمين لأن أباهما كان صالحا . قال لموسى : (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴿٨٢﴾ الكهف )
وبدون الموت :
كأن يترك الوالد ولده فيصبح الولد ضعيفا بدون أبيه ، كما فى قصة ابراهيم عليه السلام وقد ترك إبنه الصغير إسماعيل فى مكة عند البيت الحرام فى واد غير ذى زرع ، وهى مؤهلات الضعف لذا دعا ربه جل وعلا فقال : ( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿٣٧﴾ ابراهيم ).
بسبب المرض والفقر والعمى والعرج
وهذه حالات تلحق بالبشر . ولهم تشريعات خاصة فى القرآن الكريم . قال جل وعلا :
1 ـ ليسوا مطالبين بالتطوع وبالتبرع فى المجهود الحربى ، وهم محسنون إذا نصحوا وإتقوا الله جل وعلا ، قال جل وعلا : ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٩١﴾ التوبة )
2 ـ (لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ )﴿٦١﴾ النور ) ( لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٧﴾ الفتح )
ثانيا : وجود المستضعفين فى بلاد الظالمين
1 ـ ليس فى الدولة الاسلامية مستضعفون مظلومون. لأن الضعيف فيها تنصفه تشريعات الاسلام . وجود المستضعفين يُعدُّ دليلا على خلل فى المجتمع وفى الدولة ، وهذا فى دول الإستبداد حيث يتحكم المستبد ومعه الملأ ، وهم معا أقلية الأقلية ولكنهم يحتكرون السلطة والثروة والسلاح ، وبهم تتكون الفئة المترفة التى تبتلع حقوق الأغلبية ، وتحولها الى أغلبية مستضعفة . ويكون هذا إرهاصا بتدمير تلك الدولة . ( الإسراء 16 )
2 ـ المستبد الذى ( يعلو ) على قومه يمارس التفرقة بينهم ـ يكون له الملأ من جنده وحاشيته يرهب بهم الأغلبية المستضعفة ، وليزيد من قهرهم يختار أقلية من المستضعفين فيضطهدهم ليرهب الأغلبية المستضعفة ، وفى نفس الوقت يجعل تلك الأقلية المستضعفة أكثر ضعفا بما يتخذه من أساليب القهر والتعذيب . وهذا ما فعله فرعون موسى مع أقلية من أهل مصر ، وهم بنو إسرائيل . قال جل وعلا : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) القصص 4 ).
3 ـ وقد يكون هناك قائد عادل وحازم لشعب متمرد ، فإذا غاب عنهم وولّى عليهم نائبا عنه ، ظهر تمردهم وإستضعفوا الوالى عليهم وأرهبوه وهددوه بالقتل. هذا توصيف بنى إسرائيل حين تركهم موسى وذهب الى ميقات ربه عند جبل الطور ، وفأوصى أخاه النبى هارون أن يخلفه فى القوم وأن يكون صالحا ولا يطيع المفسدين وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾ الاعراف ). ولكن المفسدين إتخذوا من الأسباب التى جعلوا فيها هارون مستضعفا ، وعبدوا العجل الذهبى . قال جل وعلا : ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) 150 ) الاعراف )
ثالثا : المستضعفون بين الصبر والهجرة
1 ـ الصبر الايجابى الإسلامى يجعل المستضعف يقف مطالبا بحقه ، وإن لم يستطع فعليه بالهجرة تاركا هذا الوطن لأنه وطن المستبد وحاشيته فقط . وإذا هاجر بعد جهاد وصبر فإن رحمة الله جل وعلا تحوطه ، ويكسب فى الدنيا والآخرة قال جل وعلا :
1 / 1 : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّـهِ ۚ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٢١٨﴾ البقرة )
1 / 2 (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّـهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٤٢﴾ النحل )
1 / 3 : ( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّـهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴿٥٨﴾ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّـهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿٥٩﴾ الحج )
1 / 4 : ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴿١١٠﴾ النحل ) .
2 ـ هذا لا يعنى أنه سيجد الظروف ميسرة له بل سيلاقى عنتا ومشقة ، وسيجد يسرا وسعة أيضا ، وقد يفقد حياته ، ومعنى هذا أنه سيصاحب الصبر الايجابى فى هجرته كما كان يصاحبه فى تصديه للمستبد وحاشيته الظالمة . ويكفيه أنه صابر وأن الله جل وعلا مع الصابرين . قال جل وعلا : (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿١٠٠﴾ النساء)
رابعا : المستضعفون الظالمون لأنفسهم ( أصحاب الصبر السلبى )
1 ـ لو تمسك المستضعفون بالصبر الإيجابى تختفى هذه الظاهرة المهينة للبشر وهى الاستضعاف ، فالله جل وعلا كرّم بنى آدم وفضلهم على كثير ممن خلق . قال جل وعلا : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴿٧٠﴾ الاسراء). والمستبد يعتبر الشعب رعية له أى هو الراعى وهم الرعية أو الأنعام المملوكة له، يتحكم فيهم كيف شاء يقتل من يريد ويستبقى من يشاء ، شأن الراعى مع أغنامه وأبقاره ومواشيه .
2 ـ ولهذا يكون من أصحاب جهنم أولئك المستضعفون فى الأرض القادرون على الهجرة ولم يهاجروا ثم ماتوا على إستضعافهم ورضاهم بالصبر السلبى . قال جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) 97 ) النساء ) .
3 ـ الاستثناء هو لغير القادرين على الهجرة. أولئك ( عسى ) الله جل وعلا أن يعفو عنهم. قال جل وعلا : ( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ) 98 : 99 ) النساء )
رابعا : المستضعفون والقتال الدفاعى ضد المعتدين
1 ـ المستبد يستعين بالكهنوت الدينى ليركب به الناس أو يجعل نفسه كهنوتا بدولة دينية. وحين يتحكم بالكهنوت يسود الإكراه فى الدين ، وفرض الدين ( السلطانى ) على الناس ، ومن يرفضه يكون مسنضعفا فى الأرض حتى لو كان من الأثرياء .
2 ـ الكهنوت القرشى مارس الإكراه فى الدين أو الفتنة فى الدين . وعانى من هذا المؤمنون من المستضعفين فى مكة حتى لقد أباح الله جل وعلا لهم البوح بالكفر تفاديا للتعذيب . قال جل وعلا : (مَن كَفَرَ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّـهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٦﴾ النحل ) .
وهاجروا وتابعتهم قريش بالغارات الحربية وقت أن كانوا ممنوعين من رد الإعتداء ومأمورين بكف اليد . قال جل وعلا عن غارات قريش عليهم : ( وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) ﴿٢١٧﴾ البقرة ).
ثم نزل الإذن لهم بالفتال الدفاعى وفيه حيثيات هذا التشريع من أنهم يتعرضون للقتال بعد أن أخرجوهم من ديارهم ظلما وعدوانا . ومن الحيثيات أيضا حصانة بيوت العبادة للجميع ، قال جل وعلا : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴿٣٩﴾ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّـهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّـهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾ الحج ).
3 ـ وبعد الانتصار فى موقعة بدر قال جل وعلا يذكّرهم بحالهم حين كانوا مستضعفين يخافون أن يتخطفهم النار ، قال لهم جل وعلا : ( وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) 26 ) الانفال ). تحقق هذا بالصبر الايجابى فى القتال .
بوقوفهم ضد المستكبرين زالت حالة الاستضعاف .
4 ـ إنقاذ المستضعفين الذين يعانون العسف واجب على الدولة الاسلامية حتى لو تطلب هذا القتال ، قال جل وعلا : ( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ) 75 النساء ) .
5 ـ وللقتال الدفاعى مقصد نهائى أعلى هو منع الفتنة فى الدين أو الإكراه فى الدين ، حتى يكون الدين لله جل وعلا يحكم فيه بين البشر يوم الدين ، وإذا توقف الإكراه فى الدين توقف القتال ، قال جل وعلا (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّـهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿١٩٣﴾ البقرة ) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّـهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّـهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴿٣٩﴾ فاطر)
خامسا :مستضعفون مؤمنون صابرون جاءهم نصر الله جل وعلا :
1 ـ قبل فرض الهجرة والقتال الدفاعى كان رب العزة يهلك الكفار المستكبرين وينجى المؤمنين المستضعفين مع النبى . حدث هذا مع أقوام نوح وهود وصالح وشعيب . قال جل وعلا : ( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٣﴾ المؤمنون) .
2 ـ على سبيل المثال ، فإن الملأ المستكبر من قوم ثمود ردوا على دعوة النبى صالح بقولهم للمستضعفين المؤمنين : ( قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) ( 73 : 76 ) الاعراف ). أنتهى الأمر بإهلاكهم ونجاة النبى صالح والمستضعفين .
سادسا : العبرة فى قصة فرعون موسى
إهلاك فرعون وجنده وآله وقومه كان ــ فيما نعلم ـ آخر الاهلاك للقوم الظالمين بالتدخل الالهى . ونرى فيه قضية المستضعفين واضحة. من البداية الى النهاية :
1 : البداية قى قوله جل وعلا : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) 4 : 6 ) القصص )
2 : ثم تطرف فرعون فى إضطهاد المستضعفين من بنى إسرائيل بعد مجىء موسى . ( وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) 127 : 129 ) الاعراف )
3 : بسبب هذا التطرف فى التعذيب أصيب معظم بنى إسرائيل بالرعب ، وفقدوا الثقة فى مقدرة موسى على إنقاذهم . قال جل وعلا : ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴿٨٣﴾ يونس )
4 : هنا دعاهم الى الصبر الايجابى بالتوكل على الله وتقوية يقينهم بالله جل وعلا : ( وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّـهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴿٨٤﴾ فَقَالُوا عَلَى اللَّـهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٨٥﴾ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٨٦﴾ يونس ).
5 . بعد الصبر والتوكل كانت الصلاة والدعاء لرب العزة أن يهلك فرعون : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨٧﴾ وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴿٨٨﴾ يونس ).
6 : وإستجاب الله جل وعلا لدعاء المظلومين فأغرق فرعون ودولته العميقة فى مياه البحر الأحمر العميقة. قال جل وعلا : ( قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٨٩﴾ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٩٠﴾ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٩١﴾ يونس )
7 : وتحقق ما قاله جل وعلا ، أورث بنى إسرائيل ملك فرعون بعد غرقه وغرق دولته . قال جل وعلا : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ) 137 ) الاعراف )
أخيرا : العبرة :
تتهاوى عروش الفراعنة فى بلاد المحمديين ولكن يرثهم فراعنة آخرون . على المستضعفين فى بلاد المحمديين بالصبر الايجابى ، وطالما لا يقدرون على مواجهة المستبد الذى يحتكر السلطة والثروة والسلاح فعليهم أن يقيموا ليلهم قنوتا يدعون عليه أن ينتقم الله جل وعلا منه .
التعليقات
سعيد على
سؤال خارج الموضوع
رائعا جدا هذا الجهد الكبير لتجلية حقائق الإسلام العظيم و توضيح سهل بعد تدبر عميق لمن يملك ملكة التدبر في توصيف دقيق لواقع معاش .. نسخة حية لأهل السودان و الجزائر حفظهم الله جل و علا .سؤال خارج موضوع المقال و لعل الدكتور أحمد ملّ منه كثيرا و هو عن ( الصلاة !حيث بعد أن ترك إبراهيم عليه السلام ابنه الصغير اسماعيل في مكة قال عليه السلام : ( ( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿٣٧﴾ ابراهيم ). هذا مع أن التسلسل التاريخي للصلاة جاء كما نفهم بعد رفع القواعد من البيت و اكتماله و هذا يأتي بعد تقدم اسماعيل في العمر !تقبل الله جل و علا صيامكم و أعانكم على الاستمرار في هذا العمل الرائع الغزير بحثا و تدبرا و نشرا و كل عام و أنتم بخير .
د عثمان محمد على
مشاركة فى السؤال والحوار
مشاركة فى السؤال والحوار..اعتقد اخى الكريم استاذ سعيد . أن آية الشورى 13 تُساهم فى فهم موضوع الصلاة . ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم اليه الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب ) .
أحمد صبحى منصور
شكرا إبنى الحبيب استاذ سعيد وشكرا ابنى الحبيب د عثمان وأقول
كل عام وأنتم بخير سعيد وعثمان . الكلام هنا عن إقامة الصلاة ، وليس مجرد تأديتها. وتحدثنا كثيرا عن معنى إقامة الصلاة سلوكيا بالسلام ، وقلبيا بالتقوى فيما بين الصلوات والخشوع فى تأديتها.


( شيال الحُمول يا متولى ) إستغاثة الصبر السلبى للمستضعفين المصريين
مقدمة :
1 ـ المصرى العادى يهتف ( شيال الحمول يا متولى )، يستغيث بولى إسمه (المتولى ) يعتقد إن هذا ( المتولى ) (يحمل ) أو ( يشيل ) عنه الضائقة أو الألم الذى حل به . هذا أبرز مثال للصبر السلبى عند المصريين ، فى خمول وسكون ينتظرون وليا يأتى ليتحمل عنهم ما يقع عليهم من مصائب وآلام .
2 ـ نعطى بعض التفاصيل مستشهدين بالمؤرخ ابن إياس والشيخ الصوفى الشعرانى ، وكلاهما كان معاصرا للعصر العثمانى وفيه نبتت هذه الاستغاثة ( يا شيال الحمول يا متولى ) تعبيرا عن الصبر السلبى للمستضعفين المصريين .
أولا : بوابة المتولى ( باب زويلة ) :
1 ـ بوابة المتولى هو فى الأصل باب زويلة ، أحد أبواب القاهرة القديمة منذ أن بناها جوهر الصقلى . يقول المقريزى فى الخطط عن عام 485 أن الوزير الفاطمى بدر الجمالى ( أمير الجيوش ) نقل بابى زويلة القديم ، ورفع بدر الجمالى أبراجه وجهزه بزلاقة ملساء من حجر صوان حتى إذا هجم العسكر لم تثبت قوائم الخيل على الصوان لملاسته‏.‏ وقتها كان التهديد بغزو صليبى قائما .
2 ـ دخل باب زويلة التاريخ عندما أمر قطز بقتل رسل هولاكو المغولى الذين جاءوا لمصر يطلبون التسليم ، وتم تعليق رءوسهم على باب زويلة، وبعدها هزم قطز المغول فى عين جالوت. ثم تجدد دخول باب زويلة التاريخ عندما شنق السلطان العثمانى سليم الأول السلطان المملوكى المهزوم طومان باى ، وعلق جثته على باب زويلة. بعدها دخل باب زويلة الإعتقاد الشعبى تحت إسم جديد هو ( بوابة المتولى )
3 ـ حمل باب زويلة فى العصر العثمانى إسم (بوابة المتولى ) لأن متولى الخراج كان يجلس عنده يأخذ الضريبة من الناس .
ثانيا : سقوط الدولة المملوكية وشنف طومان باى أخر سلاطينها
1 ـ إنتصر السلطان سليم العثمانى على السلطان الغورى وقتله فى مرج دابق بالشام . وجاء خبر الهزيمة للقاهرة . يقول ابن إياس ( ظلت البلاد بدون سلطان نحو خمسين يوما ، فلما دخل الأمراء للقاهرة اجتمعوا على تولية طومان باى فامتنع فاستعانوا بالشيخ أبى السعود الجارحى فحلفهم على المصحف بألا يخونوه ويرضون بقوله وفعله ثم حلفهم على ألا يظلموا الرعية .. فحلفوا على ذلك ) ( تاريخ ابن اياس 5 / 85 ، 103 ، 104 ) .
2 ـ الشيخ أبو السعود الجارحى كان أشهر شيخ صوفى وقتها ، ولا يزال ضريحه حتى اليوم. وهذا دليل على علو نفوذ التصوف وقتها بحيث يطلب الأمراء المماليك توسط أبى السعود الجارحى لإقناع طومان باى بتولى السلطنة ، ويقوم ابو السعود الجارحى بتحليف الأمراء على الولاء للسلطان الجديد.
3ـ ولقد مارس الصوفي أبو السعود الجارحى نفوذا غير مسبوق ، فقد وقع خلاف بين الزيني بركات المحتسب المشهور وقتها وبين أحد الدلالين ، واستجار الأخير بالشيخ الجارحى فشفع فيه عند المحتسب فلم يقبل شفاعته ، فأرسل الشيخ أبو السعود للمحتسب فحضر ووبخه وقال له :( يا كلب كم تظلم المسلمين ؟!. فحنق منه المحتسب فقام ، فأمر الشيخ بكشف رأسه وضربه بالنعال حتى كاد يهلك . ثم أرسل للأمير علان الداودار الكبير وأمره بأن يضعه في الحديد ويشاور السلطان عليه .. فأشار السلطان بأن يعمل فيه الشيخ ما يرى .. فأمر الشيخ بإشهاره في القاهرة ثم بشنقه على باب زويلة ، فأخرجوه من زاوية الشيخ وهو ماش مكشوف الرأس وهو في الحديد وهم ينادون عليه . ثم عاود الشيخ في أمره بأن عليه مالا للسلطان ومتى شنق ضاع على السلطان ماله فعفا الشيخ عنه من القتل ) . وقتها لم يكن معروفا ( بوابة المتولى ) بل باب زويلة . على أنه حادث غير مسبوق فى التاريخ المملوكى أن يكون لشيخ صوفى كل هذا النفوذ. وقال ابن اياس أن أبا السعود الجارحى صار ( يتصرف في أمور المملكة عزل وولاية )( تاريخ ابن إياس 5 / 112 : 115 )
4 ـ ولم يترك السلطان طومان باى وسيلة لإرضاء المتصوفة إلا وبذلها ، وقد رأى الشعراني بعينه السلطان طومان باى يقبل بفمه رجل الشيخ محمد عنان ، والشيخ ( مادُّ رجله لم يضمها ) ( البحر المورود 243 ، قواعد الصوفية 1/19 ). وعندما غرق الشيخ الصوفى ابن الكركى تردد طومان باى إلى بيته وذهب ماشيا إلى جنازته:( شذرات الذهب 8 / 104 )، واخلع طومان باى على ابن خليفة احمد البدوي الذي قتله سليم ( فقرره عوضا عن أبيه في الخلافة فنزل من القلعة في موكب حافل وعلى رأسه الأعلام ، وقدامه سائر الفقراء في الزوايا والمزارات بالقرافة وغيرها ، وفرق عليهم القمح لكل زاوية خمسة أرادب وقرأ عدة ختمات في المزارات ) (تاريخ ابن إياس 5 / 117 ، 128 ، 139 ، 154 ، 156 ، 160) . وبسبب العناية الفائقة بشيوخ التصوف فقد نقل الأثرياء أثاثهم ومقتنياتهم الى المؤسسات الصوفية . قال ابن اياس : ( وقد نقل أعيان الناس قماشهم إلى التراب وإلى المدارس والزوايا والمزارات وإلى بيوت العوام ) ( تاريخ ابن إياس 5 / 117 ، 128 ، 139 ، 154 ، 156 ، 160 ). كان هذا خوفا من نهب الجيش العثمانى القادم .
5 ـ بلغ نفوذ الصوفية أوجه فى العهد القصير للسلطان طومان باى ، كان فى حاجة اليهم فى محنته بإعتبارهم الأولياء المقدسين الذين يستغيث بهم العصر . وإنهزم طومان باى برغم شجاعته . وأمر سليم بشنقه ، وهو فى سيره الى المشنقة التى أعدها له العثمانيون كان يمشى ثابتا يحيى جماهير المصريين القاهريين الذين يبكون من أجله. مات طومان باى سريعا متمتعا بحب عوام المصريين، فلم يروا منه إلا الخير والتوسل مثلهم بالأولياء الصوفية .
6 ـ تعمّد سليم إنتهاك المقدسات الصوفية التى يتوسل بها المصريون ويستغيثون بها عند الأزمات . وخصوصا أن المماليك المنهزمين كانوا يفرون اليها لاجئين مستجيرين .وقد هجم العثمانيون على زاوية الشيخ عماد الدين وقبضوا على المماليك المختبئين فيها ، فاحرق العثمانيون البيوت التي حول الزاوية ونهبوا قناديلها والحصر التي فيها . وبعد هزيمة طومان باى فى معركة الريدانية يقول ابن إياس :( شرعت العثمانية تقبض على المماليك الجراكسة من الترب ) . ( الترب ) أى المدافن ، وكانت ممتلئة بالقبور المقدسة عند المصريين . وكان مشهد السيدة نفيسة من أكثر القبور قدسية . يقول ابن إياس إنهم ( ملكوا من باب القرافة إلى مشهد السيدة نفيسة ، فدخلوا إلى ضريحها وداسوا على قبرها ، واخذوا قناديلها الفضية والشمع الذي كان عندها وبسط الزاوية وقتلوا في مقامها جماعة من المماليك ) . وأحرق العثمانيون جامع شيخو الذي احتمى به طومان باى . ثم صاروا يهاجمون الجوامع ليأخذوا منها المماليك ( فهجموا على جامع الأزهر وجامع الحاكم وجامع ابن طولون وغير ذلك من الجوامع والمدارس والمزارات ويقتلون من فيها من المماليك ). واستعذب العثمانيون نهب الأضرحة. يقول ابن اياس :( وبعد الأمان هجم العثمانيون على مقام الإمام الشافعي ونهبوا ما فيه من البسط ومن القناديل ... وكذلك مقام الإمام الليث ). ومن الطبيعي أن تكون هزيمة المماليك هزيمة للمتصوفة المصريين ، فالمولد النبوي ( لم يشعر به أحدا من الناس ، وبطل ما كان يعمل في ذلك اليوم وما كان يحصل من الشقق والأنعام في تلك الليلة فبطل ذلك جميعه . وأشيع أن ابن عثمان لما طلع إلى القلعة وعرض الحواصل التي بها فرأى خيمة المولد فأباعها للمغاربة بأربعمائة دينار )( تاريخ ابن إياس 5 / 117 ، 128 ، 139 ، 154 ، 156 ، 160، 172 ).
7 ـ عاش الأولياء الصوفية فى رعب هائل يعبر عنه الشعراني بقوله : ( أُخذ علينا العهود إذا عملنا مشايخ على فقراء ( أى صوفية ) في زاوية أو على خرقة من الخرق المشهورة ( الطرق الصوفية ) أن نفر من طريق الناموس ( السلطة ) جهدنا ، ولا نمكن أحدا من الفقراء يقف بين أيدينا غاضا طرفه كما يقف في الصلاة ، ولو أن ذلك كان من عادة ذلك الفقير مع شيخ قبلنا فنأمره بأن يخالف عادته إذا حضر ، لأن هذه الأمور لا تناسب فقيرا ، وربما جره ذلك إلى النفي من بلده كما وقع للشيخ أويس بالشام والشيخ على الكارزوني بحلب . والقانون العثماني أن كل من تظاهر بصفات الملوك وعارض أركان الدولة فيما يفعلونه يحبسونه أو ينفونه، لخوفهم أن تكثر أشياعه فينازع السلطان في مملكته. نسأل الله اللطف .!! ) ( البحر المورود 328). لم يكن منتظرا في جو الإرهاب هذا أن يخالف شيخ صوفي القانون العثماني فيكثر أتباعه ويعظم نفوذه كما حدث في الدولة المملوكية .
8 ـ وأحس العثمانيون المحتلون بمحبة المصريين لسلطانهم المشنوق على باب زويلة ، وربما خشوا أن يتحول باب زويلة الى ما يشبه (نُصُب ) لذكرى هذا السلطان المشنوق المحبوب ، فعينوا شخصا يتولى بالعسف جمع الخراج فى نفس باب زويلة. بهذا إشتهر باب زويلة باسم جديد هو بوابة المتولى ، أى متولى تحصيل الضريبة.
9 ـ واجه الضمير الشعبى المصرى هذا بأن تخيل طومان باى شيخا صوفيا يستغيثون به ، وأسموه ( متولى ) وأضافوا لقبا وخصيصة به وهو انه ( شيال الحمول ) .
ثالثا : الحمول أو الحملات
1 ـ تعنى فى الثقافة المصرية وقتها المصائب ، وإشتهر فى العصر العثمانى إعتقادهم أن هناك أولياء يقومون بحمل المصائب عن الناس عندما يستغيث بهم الناس ، فالمرأة حين طلق الولادة تستغيث بالولى المفضل لديها فيتحمل عنها الولى ــ حيا كان أو ميتا ـ آلام الولادة. فى العصر العثمانى ذبل ذكر السلطان طومان باى وتحول فى الاعتقاد الشعبى الى ولى ( يشيل ) أى يحمل او يتحمل آلام المرضى وكل من يستغيث به . وأصبح يقال عن هذا الولى الخيالى ( شيال الحمول يا متولى ) . وإشتهر إسم متولى بعدها ، وشاعت التسمية به بين المصريين . دون ان يعرفوا اصل الحكاية .
2 ـ الشعرانى هو أشهر شيخ صوفى وأشهر فقيه أيضا ـ عاش شبابه فى العصر المملوكى وتسيد العصر العثمانى بمؤلفاته الكثيرة ، وقد تولى نشر أكاذيب كرامات الأولياء فى الحملات ، ووضع لها القواعد وملأ بها كتبه ( صحبة الأخيار ) و ( تنبيه المغترين ) و ( لطائف المنن )و ( الطبقات الكبرى ـ الجزء الثانى ). وجعلها رائجة طيلة العصر العثمانى وبعده . ونال الولى المصنوع ( المتولى ) جانبا كبيرا من التوسل ، فأصبح يقال ( يا شيال الحمول يا متولى ). ونسى الضمير المصرى طومان باى ؛ إحتل مكانه ( المتولى ).
رابعا : كله من العصر العثمانى
1 ـ لم تكن أساطير الحملات معروفة قبل العصر العثمانى ، ولم يذكرها الشعرانى ضمن اساطير الكرامات للشيوخ الصوفية المشهورين فى تأريخه للصوفية السابقين فى كتابه (الطبقات الكبرى ) . أى هى منتج للعصر العثمانى شأن إسم ( متولى ) الذى شاع بين المصريين منذ العصر العثمانى أيضا . لماذا :
2 ـ الاجابة فى الظلم الهائل الذى قاساه المستضعفون فى العصر العثمانى.
فى العصر المملوكى كانت هناك قوة ظالمة واحدة ، هى المماليك وجهازهم الحاكم . فى العصر العثمانى تحولت مصر الى ولاية عثمانية بوال عثمانى وحامية عثمانية . الوالى العثمانى لا يهمه سوى تحصيل الجزية بأى كيفية ولا شأن له بما يجرى . الحامية العثمانية مجموعات من الأوباش تحترف السطو والسلب والنهب والقتل والإغتصاب . وضحاياهم المستضعفون المصريون . ثم هناك المماليك الذين يحكمون البلاد فعليا تحت السلطة الإسمية للخلافة العثمانية، وهم فى شقاق وتناحر فى القاهرة وفى المدن ينهبون المتاجر وينتهكون حرمة البيوت، ثم أعوانهم هم الذين يتولون جمع الضرائب وفق نظام الإلتزام ، يدفعون مبلغا من المال ثم يحصلون أضعافه يذيقون الفلاح المصرى سوء العذاب . تحمل المستضعفون ظلم العثمانيين والمماليك معا . وواجهوا هذا بخنوع وصبر سلبى يساوى جبل الظلم هذا .
3 ـ وعكست هذا أمثالهم الشعبية ، كانت تحملهم أمواج الحياة من أزمة الى كارثة ، وهم يقولون ( نظرة يا متولى ) و ( يا شيال الحمول يا متولى ) ( الصبر مفتاح الفرج ) ( الصبر حرق الدكان ). ( اصبر على جار السوء لما يموت او تيجى له داهية تاخده ).
3 ـ بالصبر السلبى خسروا الدنيا ، وبإعتقادهم فى الأولياء خسروا الآخرة أيضا .!!



للصبر الايجابى خلود فى الجنة وللصبر السلبى خلود فى النار
أولا : الخلود فى الجنة جزاء الصابرين صبرا إيجابيا
1 ـ جاء هذا فى إيجاز فى قوله جل وعلا :
1 / 1 :( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١١﴾ هود )
1 / 2 :( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿١١١﴾ المؤمنون )
( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّـهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾ النحل )
1 / 3 : ( أُولَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴿٧٥﴾ الفرقان )
2 ـ وجاء بعض تفصيل عن نعيمهم فى الجنة . قال جل وعلا :
2 / 1 : (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّـهِ ۗوَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿١٥﴾الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴿١٦﴾الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴿١٧﴾ آل عمران )
2 / 2 : ( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴿٢٢﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ﴿٢٣﴾ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٢٤﴾ الرعد )
ثانيا : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ )
1 ـ يسىء بعضهم فهم قوله جل وعلا : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ )، يحسبون أنه لا حساب يوم القيامة على الصابرين . أى أن كلمة ( حساب ) فى الآية الكريمة تعنى ( حساب الآخرة ) ، وهذا ينافى آيات كثيرة تؤكد حساب البشر جميعا من أنبياء وغيرهم. المقصود بقوله تعالى هنا ( بغير حساب ) أى أنه بدون حد أقصى .
2 ـ وجاء تعبير (بِغَيْرِ حِسَابٍ ) بمعنى بدون حد أقصى فى قوله جل وعلا :
2 / 1 : ( قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿١٠﴾ الزمر )، هذا فى تشجيع الهجرة فى أرض الله جل وعلا الواسعة . وفى نفس المعنى يقول جل وعلا يدعو المؤمنين الصابرين الى الهجرة خلال عمرهم القصير : ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿٥٨﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٥٩﴾ العنكبوت). العمر قصير أما الأرض فواسعة ، فلماذا تضيع عمرك القصير تتحمل ظلما بينما يمكنك أن تهاجر فى أرض الله الواسعة.
2 / 2 : وجاء عن الرزق الدنيوى الذى يرزقه الله جل وعلا من يشاء بدون حد أقصى . قال جل وعلا :
2 / 2 / 1 :( وَاللَّـهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴿٢١٢﴾ البقرة )
2 / 2 / 2 : (وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٢٧﴾ آل عمران )
2 / 2 / 3 : (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّـهِ ۖإِنَّ اللَّـهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٧﴾ ) مريم )
2 / 2/ 4 : (هَـٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٩﴾ ص )
2 / 3 : وجاء ايضا عن الرزق فى الجنة بلا حد أقصى فى قوله جل وعلا :
2 / 3 / 1 : (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّـهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّـهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٨﴾ النور )
2 / 3 / 2 : (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٤٠﴾ غافر )
ثالثا : من أنواع أصحاب النار :
1 ـ منهم المستضعفون أصحاب الصبر السلبى الذين يرتضون عيشة الهوان مع قدرتهم الهجرة. تبشرهم الملائكة عند الموت بالنار ، ومن يدخل النار لا يخرج منها. قال جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿٩٧﴾إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴿٩٨﴾ فَأُولَـٰئِكَ عَسَى اللَّـهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴿٩٩﴾ النساء )
2 ـ وأئمة الأديان الأرضية هم جنود ابليس من البشر وهم أبرز أصحاب النار
2 / 1 : . هم الذين ينشرون الأحاديث الشيطانية من أحاديث ومنامات . قال جل وعلا :
( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿١١٢﴾ . وعن أتباعهم قال جل وعلا : ( وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴿١١٣﴾ الانعام )
2 / 2 : وعن وحيهم الشيطانى قال جل وعلا : ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ( 221﴾ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴿٢٢٢﴾ الشعراء ). نلاحظ وصفهم بالمبالغة فى الإفك والمبالغة فى الإثم ( أفّاك اثيم ) , ليس مجرد ( آفك ) ومجرد ( آثم ) لأنه لا يكذب على الناس بل يكذب على رب الناس فى زعمه الوحى الالهى. يدخل فى هذا كل أئمة الحديث والتفسير والفقه عند المحمديين .
2 / 3 : وعن عقابهم الشديد قال جل وعلا : ( إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴿٤٣﴾ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴿٤٤﴾ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ﴿٤٥﴾ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴿٤٦﴾ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴿٤٧﴾ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ﴿٤٨﴾ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴿٤٩﴾ الدخان ). هذا الأثيم كان فى الدنيا عزيزا كريما. سيقال له وهو تحت عذاب جهنم ( ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ).!
تخاصم المستضعفين مع المستكبرين
1 ـ اصحاب الجنة فى وئام مع بعضهم البعض على سُرر متقابلين يتحدثون ويتسامرون ، قال جل وعلا : ( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٤٣﴾ عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ﴿٤٤﴾ الصافات ). وحتى لو كانت بينهم عداوات فى الدنيا فستزول ويحل محلها محبة خالدة، قال جل وعلا : ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٤٥﴾ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴿٤٦﴾ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ﴿٤٧﴾ الحجر) . ثم هم خالدون فى هذا النعيم لا يخرجون من الجنة أبدا. قال جل وعلا فى الآية التالية : ( لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴿٤٨ ) الحجر )
2 ـ على العكس من ذلك فإن المحبة بين الكافرين تتحول الى عداء وهم فى النار . قال جل وعلا : (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّـهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ ﴿٢٥﴾ العنكبوت ) . ثم هم خالدون فى هذا العذاب ، قال جل وعلا : ( يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴿٣٧﴾ المائدة)
3 ـ هى حقيقة تخاصم أهل النار قال جل وعلا : (إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ﴿٦٤﴾ ص ) 4 ـ وعن أنواع أهل النار وتخاصمهم فيها قال جل وعلا : ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴿٩٤﴾ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴿٩٥﴾قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴿٩٦﴾ تَاللَّـهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴿٩٧﴾ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٩٨﴾ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ) 99 ) الشعراء ). يتم إلقاؤهم فى جهنم كأكوام الزبالة . ثم يكون تخاصمهم فيها . المستضعفون يعترفون بأنهم كانوا فى ضلال مبين حين ساووا بين رب العزة وأئمتهم ( كالبخارى ومسلم والشافعى ومالك والغزالى وابن تيمية وابن عبد الوهاب ..الخ ) أولئك ضمن جنود إبليس . ثم يشيرون الى علماء السوء من الكهنوت يقولون إنهم الذين اضلوهم بإذاعة ونشر الوحى الشيطانى.
5 ـ وجاء الحديث القرآنى عن تخاصم المستضعفين مع المستكبرين . قال جل وعلا :
5 / 1 : ( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ) 47 : 48 ) غافر ) . وتكر هذا فى قوله جل وعلا : ( وَبَرَزُوا لِلَّـهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّـهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّـهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴿٢١﴾ ابراهيم ) . يطلب المستضعفون من سادتهم أن يحملوا عنهم نصيبا من العذاب ، ويرد السادة المستكبرون زورا بأنه لو هداهم لجعلوا أتباعهم مهتدين. ثم يقولون حقيقة : سواء صبروا أم يصبروا فلا مخرج من العذاب . أما الشيطان فيتبرأ منهم جميعا : ( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّـهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖإِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٢﴾ ابراهيم )
5 / 2 : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) 31 : 32 ) سبأ ) . الكفر بالقرآن بدأ به قريش قوليا وعمليا وطبق هذا الكفر عمليا خلفاؤها فى الفتوحات، ثم كان الإفتراء على الله جل وعلا ورسوله بالأحاديث الشيطانية. وفى كل هذا كان هناك سادة وأتباع . وفى الآيتين من سورة سبأ نقرأ تبادل الاتهامات بينهم .
5 / 3 : وييأس المستضعفون بينما تتقلب وجوههم فى النار فيدعون أن ينتقم الله جل وعلا من سادتهم وأئمتهم وكهنوتهم . قال جل وعلا : ( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) 66 : 68 ) الاحزاب )
6 ـ وفى هذا يكون صبرهم على عذاب النار
6 / 1 : كانوا فى الدنيا يتمسكون بكفرهم مع نصوع الأدلة على بطلانها. أى هو ( صبر ) على التمسك بالباطل . جاء ذكره فى قولهم :
6 / 1 / 1 :( إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ۚ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴿٤٢﴾ الفرقان )
6 / 1 / 2 : ( وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٤﴾ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴿٥﴾ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴿٦﴾ ص )
6 / 2 : لذا يكون صبرهم شديدا على عذاب جهنم وهم خالدون فيها .
6 / 2 / 1 : يقال لهم وهم فيها : ( اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾ الطور )
6 / 2 / 2 : ويقال عنهم : ( فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ ﴿٢٤﴾ فصلت ).
6 / 3 : أئمة الكهنوت هم الأكثر صبرا لأن عذابهم هو الأفظع . إنهم المتاجرون بالدين ، يكتمون الحق القرآن ويبيعون الباطل . سيكون رب العزة جل وعلا خصما لهم يوم القيامة ، لا يكلمهم ولا يزكيهم . قال جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّـهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٤﴾ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴿١٧٥﴾ البقرة ). رب العزة جل وعلا يتعجب من صبرهم على النار : (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ).!
ملاحظة
نعتبر هذا هو خاتمة الكتاب .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,649,713,913
- للصبر الايجابى خلود فى الجنة وللصبر السلبى خلود فى النار
- الصبر فى قصص الأنبياء
- الصبر العظيم فى النعمة والصبر العادى فى النقمة
- ( شيال الحُمول يا متولى ) إستغاثة الصبر السلبى للمستضعفين ال ...
- المستضعفون فى الأرض والصبر :
- أُضحوكة الدعاء بقولهم : - اللهم بلغنا رمضان -
- إجابة سؤال من أهل القرآن فى إيران
- خطوة إصلاحية فى السعودية : لا عقوبة للمفطر فى رمضان
- ( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلً ...
- الايمان والصبر الايجابى والتوكل على الله جل وعلا
- بين الصبر والتوكل على الله جل وعلا : فى التعامل مع المعارضة
- بين الصبر والتوكل على الله جل وعلا ( 1 من 2 )
- القاموس القرآنى : الحجاب
- الصبر الايجابى للمصلحين فى داخل مجتمعاتهم
- إثباتا لحقيقة تاريخية : للتشنيع على الاخوان المسلمين
- ( 4) : الصبر الايجابى للمؤمن على ظلم الظالمين
- ( 4 ) الصبر وحتميات القدر
- فى سبيل السلام : الصبر الايجابى فى القتال الدفاعى ( 2 )
- فى سبيل السلام : المظلوم والصبر الايجابى ( 1 )
- مذبحة مسجدى نيوزلنده : فى رؤية إسلامية : الكتاب كاملا وبالتع ...


المزيد.....




- الإفتاء المصرية تصدر بيانا بشأن تحذيرات السيسي حول ليبيا
- نتنياهو يشكر ترامب لنشر مرسوم بحظر التمييز ضد اليهود
- عاهل المغرب يدعو إلى اعتماد خارطة طريق تحدث نقلة في مؤشرات ج ...
- ثالث هجوم خلال أسبوع -حركة الشباب- تقتحم قاعدة للجيش...هل تش ...
- ترامب يصدر مرسوماً يقضي بتعريف جديد لليهودية يقيد حركات المق ...
- البابا تواضروس الثاني يتحدث عن -اللقاء الأول- مع الملك سلمان ...
- تواصل فعاليات التضامن مع جمعية الشبان المسيحية
- الحكومات البرلمانية نقيض الطائفية السياسية
- حادث نيوجيرسي: المهاجمان -استهدفا متجرا يهوديا-
- مسؤولية إيطالية: لا تعديل لقانون مقاطعة ?ينيتو بشأن المساجد ...


المزيد.....

- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - كتاب ( الصبر فى الاسلام )