أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرءيل القديمة(5)















المزيد.....



البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرءيل القديمة(5)


محمود الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6227 - 2019 / 5 / 12 - 23:11
المحور: القضية الفلسطينية
    


العصر الذهبي للملك سليمان : تاريخ أم خرافة ؟ :إسرائيل فنكلشتين
تعتبر قصة المملكة المتحدة لداود وسليمان واحدة من أعظم ملاحم الحضارة الغربية. فثمة راعٍ شاب يقتل العملاق جوليات بحجر واحد من مقلاعه، وسرعان ما أنقذت إسرءيل من بين براثن الفلستيين، وهذا ما أصبح مثالاً بطولياً في الثقافة الغربية لثيمة تغلب الضعيف على القوي. ولكن كان لا بد لهذا الراعي الشاب من الفرار إثر ذلك اتقاء لغضب شاؤول أول ملك تراجيدي في اسرائيل، الذي أقدم على الإنتحار لاحقاً في ساحة المعركة. وشرع داود إبان فتحه لأورشليم في حملة غير مسبوقة من التوسع الإقليمي وتأسيس إمبراطورية عظمى. تلقى داود في ذروة حياته المهنية المتنامية وعداً استثنائياً غير مشروط من الرب ينص على أن سلالته سوف تحكم أورشليم إلى الأبد. كما فتن سليمان، ابن داود و خليفته، بطريقة مماثلة المخيال الغربي الأدبي والديني. وأمست حكمته معيارا لتصنيف جميع الحكام. وكان لثروته و بذخه تأثيرهما العظيمين إلى حد جعل العديد من الملوك يقومون بمحاولات عدة لمحاكاته لاحقا.
لا عجب أن يكون داود وسليمان مبجلين على الدوام في التقاليد الغربية. من قسطنطين إلى شارلمان، من" عرش داود" لملوك إنجلترة من خلال تتويج الفرنجة في ريمس إلى"تاج سليمان" لملوك سلالة أوتو في ألمانيا. لقد قام داود و سليمان بتزويد أعظم الملكيات في العالم بنموذج الملكية: تقي، حكيم، شجاع، ولكن في ذات الوقت، الضعف الأخلاقي. ومع كل هذا يبقى التساؤل مطروحا، هل هذه الملحمة العظيمة موثوقة تاريخيا؟ ماذا لو كان داود وسليمان، كما يؤكد بعض العلماء الآن هما محض شخصيات أسطورية بأساس تاريخي أسوة بالملك آرثر أو هيلين الطروادية؟
اسمحوا لي أن أبدأ من النهاية. يعرض هذا المقال "وجهة نظر الوسط" في مقابل معسكر المحافظين، وأرى أنه لا يمكن قراءة الكثير من السرد الكتابي عن داود وسليمان على أنه شهادة تاريخية واضحة وأن مملكتهم ليست أكثر مملكة متواضعة مما ينظر إليها تقليديا. كما أن وجهة نظري في ذات الوقت ترى, في مقابل وجهة نظر التصحيحيين, بأن داود وسليمان هما شخصيتان تاريخيتان، و مؤسسي أسرة مقرها المدينة اليهوذية أورشليم.
النظرية التقليدية
كانت النظرية التقليدية والبحث عن الإمبراطورية التاريخية الملكية المتحدة-الإمبراطورية الساحرة لداود و سليمان- هي المشروع الأكثر إثارة لتراث الآثاريات الكتابية. ومن الواضح أن أورشليم كانت هي المكان الذي بدأ منه العلماء الأوائل البحث. ولكن أورشليم أثبتت أنها صعبة المنال على هذا الصعيد وجوزة صعبة الكسر. فطبيعة الموقع جعلت من الصعوبة بمكان قشر الطبقات السابقة التي تعود لعدة قرون وكانت منطقة جبل الهيكل دائماً بعيدة عن متناول علماء الآثار. لذلك، تم إعادة توجيه البحث عن المملكة المتحدة لداود وسليمان نحو مواقع أخرى؛ من بينها, أولا وقبل كل شيء, مجدو في وادي يزرعيل التي ذكرت على وجه التحديد في سفر الملوك الأول 9 : 15 كمدينة بناها سليمان. و أصبحت مجدو, و منذ أكثر من قرن، بؤرة الجهد والمناورات لإعادة الحياة بعظمها ولحمها للصورة الأدبية للمملكة السليمانية العظيمة الواردة في الكتاب. و بحكم موقعها الاستراتيجي على الطريق التي تربط مصر وبلاد ما بين النهرين،تم التنقيب في مجدو بما لا يقل عن أربع بعثات منفصلة، و بذلك تكون قد تحصلت على تسمية أكثر الصروح" الكتابية" اهتماماً أكثر من أي موقع آخر في الأرض المقدسة، بما في ذلك الجدران والبوابات، القصور، وشبكات المياه، على سبيل المثال لا الحصر. وكانت بعثة المعهد الشرقي التابع لجامعة شيكاغو إلى مجدو الأكثر شمولا في تاريخ الآثاريات الكتابية. كشف المنقبون على مسافة قريبة من سطح التل عن مجموعتين من المباني العامة الكبيرة، ينقسم كل منهما إلى ثلاثة أروقة مفصولة بمجموعتين من الأعمدة الحجرية و الأحواض. و قد حدد أحد مدراء عمليات التنقيب هذه المباني استنادا إلى الربط بين مجدو و سليمان في سفرالملوك الأول 9 : 15 و الإشارة الورادة في سفر الملوك الأول 9 : 19 عن مدن سليمان و العربات و الخيول. ويجري الآن إعادة التقصي من قبل فريق جامعة تل أبيب للتأكد بأن هذه المباني هي اسطبلات الخيل، ونسبها إلى الملك سليمان. والتصور الخاص لكلمة اسطبلات أصبحت تعكس الإنجازات العظيمة لسليمان على مدى السنوات الثلاثين المقبلة. وجاء هذا التغيير مع عمليات الحفر التي تمت في خمسينيات القرن الماضي ليغال يادين إلى الشمال قليلا في حاصور. وكان يادين قد لاحظ التشابه بين بوابة المدينة ذات الحجرات الست التي كشفها في حاصور و بين تلك التي كشفها فريق جامعة شيكاغو في مجدو. وقد عاد يادين إلى سفر الملوك الأول 9 : 15 [15 وَهذَا هُوَ سَبَبُ التَّسْخِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ لِبِنَاءِ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِهِ وَالْقَلْعَةِ وَسُورِ أُورُشَلِيمَ وَحَاصُورَ وَمَجِدُّو وَجَازَرَ.], كما قرر التنقيب في جازر و لكنه لم يقم بالحفر الميداني. وبدلاً من البحث عن جازر القديمة، بحث في تقارير أعمال الحفر البريطانية منذ مطلع القرن العشرين. اكتشف يادين، في واقع الأمر بأن ثمة هناك وجود تشابه لحقيقة تماثل بوابة مدينة الملك سليمان تخفي تصميم المدينة لما كان يوصف سابقاً "الحصن المكابي" وكان هذا الأمر بالنسبة ليادين تطابقاً تاماً بين النص و علم الآثار. لم يتردد يادين في وصف جميع البوابات الثلاث باعتبارها" المخطط المعماري"لحقبة سليمان . وشرع يادين بتنفيذ السبر في مجدو وتنقيح التوضع الستراتيغرافي والتفسير التاريخي لفريق معهد الدراسات الشرقية. لم تتمثل، وفقا له، مجدو السليمانية عن طريق بوابة المدينة فقط، بل أيضا عن طريق اثنين من القصور الجميلة المبنية من حجر مربع للبناء-أحدهما اكتشف من قبل فريق جامعة شيكاغو في العشرينيات (قصر 17 23) والآخر يعود جزئيا له في الستينيات (والذي تم التنقيب فيه بشكل كامل من فريق جامعة تل أبيب؛قصر 6000 ؛ .
تم العثور على مبنيين تحت مدينة " الاسطبلات". وعثر على اثنين آخرين في مجدو يبدو أنهما يدعمان تأويل يادين: معظم المدينة تحت مدينة القصور-تلك القصور التي لا تزال تحمل ملامح الثقافة المادية الكنعانية- دمرت بحريق هائل، و المدينة التالية، بنيت فوق القصور، و التي تمثل" الاسطبلات" الشهيرة. ويبدو تفسير يادين متلائما مع الشهادة الكتابية :
1. مجدو الكنعانية دمرت من قبل داود .
2. تمثل القصور العصر الذهبي للملك سليمان، و يتوجب عزو تدمير هذه القصور بالنار إلى حملة الفرعون شيشنق الأول لأرض إسرائيل، التي وردت على جدران معبد آمون في الكرنك في صعيد مصر و في سفر الملوك الأول 14 : 25 3. تم تأريخ الاسطبلات (التي تمثل القصور في وقت لاحق ) إلى أوائل القرن التاسع ق.م، إلى أيام الملك آخاب و الذي يصور في النقوش الآشورية بأنه واجه الملك الآشوري العظيم شلمنصر الثالث في سورية مع قوة كبيرة من ألفي مركبة. لذلك لا عجب أن يتحول تفسير يادين إلى نظرية موحدة معيارية بشأن المملكة المتحدة.
لماذا النظرية التقليدية خاطئة
رغم كل ماسبق، اعترت نظرية يادين منذ البداية العديد من المشاكل. فأولا، يبدو أن بوابة مدينة مجدو بنيت في وقت لاحق لزمن بناء البوابات في حاصور وجازر، وببساطة أكثر، يعود هذا إلى الجدار الممتد على طول القصرين. ثانيا, عثر على بوابات مدن مشابهة في أماكن أخرى في المنطقة، من بينها مواقع تؤرخ للفترة المتأخرة من الملكية، بعد سليمان بعدة قرون (على سبيل المثال، تل عراد في وادي بير السبع وأشدود على الساحل). ومواقع بنيت خارج حدود المملكة المتحدة العظيمة حتى على النحو المحدد في وجهة النظر التصحيحية (أشدود في فيليستيا و خربة مدينة الثمد في مؤاب). و ليس بأقل أهمية حقيقة أن جميع الأسس الثلاثة لنظرية يادين- الستراتيغرافيا والكرونولوجياو الفقرات الكتابية- غير قادرة على الصمود أمام تفحص دقيق. والاقتباس التالي من يادين هو الأكثر محورية: قرارنا بنسبة تلك الطبقة إلى سليمان استند بصورة أولية على مقاطع سفر الملوك الأول، و على الطبقات وعلى الفخار. و لكن عندما اكتشفنا بالإضافة إلى ذلك بأن سوية الغرف ذات الحجرات الست، البوابة ذات البرجين متصلة بالجدار المحصن متطابقة في التصميم و القياسات مع بوابة مجدو، شعرنا بكل ثقة بأننا نجحنا في تحديد مدينة سليمان (ي. يادين "مجدو مدينة ملوك إسرائيل" بيبلكال أركيولوجيست 33[1970] 67). ومن الواضح أن الستراتيغرافيا توفر لنا فقط كرونولوجية نسبية، أي ما هو سابق وما هو لاحق. و للأسف، الشيئ ذاته ينطبق على الأواني القديمة. لقد ارتكب الآثارييون أخطاء فظيعة في حالة من الفخار.
يجادل العلماء بالقول إن الطبقات السليمانية في مجدو وحاصور وجازر، أرخت وفقا لعائلة محددة جيدا من الأوعية الفخارية، التي يرجع تاريخها إلى القرن العاشر ق.م . وفي ما يلي اقتباس من وليام ديفر: يتضمن الفخار من هذه الطبقة المدمرة أشكال مميزة من نمط فخار الحافة على شكل طوق redslipped .و كذلك فخار مصقول، الذي أرخ دائما لأواخر القرن العاشر ق.م ....وهكذا،على أساس السيراميك المقبول عموما-وليس على القبول الساذج لقصص الكتاب-نؤرخ أسوار وبوابات جازر إلى منتصف القرن العاشر ق.م . (وليم ديفر ماذا يعرف المؤلفون الكتابيون و متى عرفوا ذلك ؟ 2001] ، 132).غير أن الحقيقة عكس ذلك، يؤرخ ديفر هذا الفخار إلى القرن العاشر لأنه عثر عليه في ما يسمى "الطبقات السليمانية"، وبعبارة أخرى، كيف تسنى لديفر معرفة أنه تم إنشاء هذه الطبقات عن طريق سليمان؟ [الجواب] بالطبع من الكتاب. وهذه مسألة كلاسيكية آخرى لنمط التفكير الدائري.
وبذلك نكون قد عدنا إلى المربع الأول. لا تخبرنا طبقات أوو كرونولوجيا يادين شيئا عندما يتعلق الأمر بتأريخ مطلق. ومن أجل التوصل إلى تأريخ، نحن بحاجة إلى لقى أثرية من شأنها إسناد آثاريات إسرءيل إلى تأريخ آمن من ممالك مصر و آشور. والمشكلة هي أنه لا يوجد مثل هذا الإسناد في القرن العاشر ق.م. في الواقع، هذا الإسناد غير موجود لأربعة قرون كاملة من العصر الحديدي الممتدة من منتصف القرن الثاني عشر حتى أواخر القرن الثامن! و يمكن لمسلة شيشنق الأول التي عثر عليها في عشرينيات القرن الماضي في مجدو أن تعطينا مثل هذا السند، ولكن للأسف، تم العثور عليها خارج السياق. والشيء ذاته يصدق على نقش ميشع من ديبون في موآب، ونقش تل دان من شمال اسرائيل المنسوب إلى حزائيل. وهذا يعني أن ربط البقايا التي في الأرض و التعاقب التاريخي يستند على تأويل المادة الكتابية. ومن هنا، تدين نظرية يادين ببقائها لسفر الملوك الأول 9 : 15 ولا شيء سوى هذه الآية الكتابية. و هذا ما يجعل الأمر واضحا: إعادة البناء الكامل للدولة السليمانية العظيمة من قبل يادين، وكذلك من قبل آخرين اقتات من آية واحدة من الكتاب. لذلك ينبغي لنا أن نلقي نظرة فاحصة على هذه الآية.
مما لا شك فيه أن مادة سفري الملوك الأول و الثاني دونت في وقت لا يتجاوز أواخر القرن السابع، بعد ثلاثة قرون من عصر سليمان، و وصف هذه المادة للملكة المتحدة يرسم صورة عهد ذهبي مثالي، ذلك الوصف المغلف بأهداف لاهوتية وإيديولوجية لزمن مؤلفيه، ولكن أمن الممكن، بعد كل هذا أن يكون مؤلف السفرين على معرفة بنشاطات سليمان العمرانية في الشمال؟ سوف تكون الإجابة البديهية هي أن المؤلف لا بد أنه اطلع على الأرشيف السليماني في أورشليم. ولكن و خلال قرن أو يزيد من التحقيقات الأثرية في يهوذا لم يتم الكشف عن أي نشاط ذو معنى على المستوى الكتابي التأليفي قبل أواخر القرن الثامن. و لذلك فإن فكرة وجود أرشيف سليماني ليست أكثر من تفكير مرغوب فيه. فإذا كان الأمر كذلك، فكيف ينبغي لنا أن نفهم سفر الملوك الأول 9 : 15 ؟ أنا أزعم أن الكاتب أشار إلى أهم ثلاث مدن تقع في الأراضي المنخفضة من المملكة الشمالية في القرن الثامن ق.م. وهي مجدو و حاصور وجازر، من أجل تبرير إيديولوجيته القومية الإسرءيلية الجامعة التي ترى بأن سليمان حكم من أورشليم كل البلاد بما في ذلك أراضي المملكة الشمالية ( وإن كانت في زمن الكاتب مدمرة تماما). والخلاصة، لا تخبرنا الطبقات و لا الفخار بأي شيء على الإطلاق عن المملكة المتحدة، كما أن ما ورد في سفر الملوك الأول 9 : 15 لا يخبرنا بأي شيء عن عهد سليمان. و بقدر ما أستطيع ان أحكم، تقع النظرية التقليدية ضمن فضاء القراءة التبسيطية للنص الكتابي إلى حد ما، على أهمية ما تم تضخيمه عن طريق التفكير المرغوب فيه. و بالتالي هناك العديد من الأسباب لرفض النظرية التقليدية. فهي تثير مشاكل تاريخية و أثرية حادة. وفيما يلي ثلاثة أمثلة :
1-بروز الدول الإقليمية في المشرق كان نتيجة توسع الإمبراطورية الآشورية غربا في أوائل القرن التاسع، و في واقع الأمر، تترك المصادر غير الكتابية مجالا ضئيلا للشك في أن جميع الدول الكبرى في المنطقة ظهرت في القرن التاسع ق.م، أي آرام دمشق، موآب، عمون، والمملكة الشمالية أي إسرءيل، ومن الصعوبة بمكان تصور إمبراطورية عظيمة حكمت من منطقة هامشية من المرتفعات الجنوبية قبل قرن عن هذه العملية.
2-نسب تدمير قصور مجدو إلى حملة الفرعون شيشنق الأول لا يترك لنا أي طبقة دمار في الشمال توثق اعتداء حزائيل ملك آرام دمشق على المملكة الشمالية في منتصف القرن التاسع.
3-الأمر الأكثر إشكالية من ذلك كله هو حقيقة أن ما يزيد على قرن من الاستكشافات الأثرية في عاصمة المملكة البراقة أورشليم الكتابية، لم يتم الكشف عن أية أدلة لنشاط عمراني هام يعود للقرن العاشر ق.م . البناء الحجري -الذي يذكر عادة على أنه أكثر البقايا الأثرية أهمية للملكة المتحدة ربما يكون قد بني في وقت لاحق. والفخار الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع ق.م، إن لم يكن في وقت لاحق، وجد بين دوراته. وقد فسر فريق البحث أساسات البناء التي كشفت مؤخرا على سلسلة تلال مدينة داود فوق هذا المبنى على أنه بقايا قصر الملك داود. ولكن فحص متأن لنمط العمارة و البقايا يدل على وجوب تأريخ البناء إلى المرحلة الأخيرة من العصر الحديدي الثاني إن لم يكن في وقت لاحق. و ينبغي أن تنحى جانبا الذريعة الشائعة لغياب بقايا القرن العاشر ق.م في أورشليم-التي تقول بأنه تم القضاء على هذه البقايا بسبب نشاط عمراني لاحق-.التحصينات الضخمة لكل من العصر البرونزي الوسيط (القرن السادس عشر) و زمن الملكية المتأخرة (القرن الثامن) أبقت في الحقيقة احتلالات أخرى للموقع حية. باختصار، لم تكن أورشليم القرن العاشر ق.م-مدينة عصر داود و سليمان- أكثر من قرية صغيرة نائية تقع على المرتفعات، و ليست عاصمة مزخرفة بشكل رائع لامبراطورية كبيرة. الأدلة السلبية الكثيرة للنظرية البديلة؛ تعني أدلة أكثر وضوحا فيما يتعلق بتأريخ معين للقى تأتي من موقعين يمتان بصلة إلى سلالة عمري العظيمة، التي حكمت المملكة الشمالية في القرن التاسع وهما السامرة في المرتفعات عاصمة هذه المملكة و يزرعيل في الوادي، التي تعتبر بشكل عام القصر الشتوي للمملكة. وكشفت حجارة البناء في الأساسات لما دعي القصور السليمانية في مجدو احتفاظها بعلامات البنائين المميزة على سطحها. مثل هذه العلامات عثر عليها فقط في مبنى واحد آخر في إسرائيل وهو قصر عمري بن آخاب الذي يعود للقرن التاسع في السامرة. وأود أن أؤكد أننا لا نتحدث عن موقعين أو سويتين، بل عن مبنيين، وعلامات البنائين هذه مميزة بحيث لابد أنها نفذت من قبل المجموعة ذاتها من البنائين. ومع ذلك تم تأريخ أحدهما بالقرن العاشر و الآخر بالقرن التاسع. لا يوجد سوى خيارين هنا: إما أن ندفع بناء مجدو باتجاه القرن التاسع، أو نسحب قصر السامرة وراء للقرن العاشر. الإجابة على اللغز تكمن في إشارة المصدر الكتابي عن قصر السامرة الذي يعود لعمري ملك إسرءيل. و هذا المصدر ينبغي عليه أن يكون موثوقا لأنه مدعم بنصوص آشورية تشير إلى المملكة الشمالية باسم"بيت عمري"، و هي عبارة نمطية تستخدم عند الإشارة إلى دولة تسمى باسم مؤسس عاصمتها، لذلك، لا يوجد أدنى شك في أن إعادة تأريخ قصور مجدو بالقرن التاسع هو الخيار الوحيد .
كشفت الحفريات الأنجلو الإسرائيلية الأخيرة في يزرعيل على بعد نحو عشرة أميال إلى الشرق من مجدو عن نتائج مثيرة . تم تأريخ الطبقة المدمرة للمجمع الملكي هناك بمنتصف القرن التاسع . وأسفرت الحفريات عن مجموعة غنية من الأوعية مطابقة لما وجد في مجاميع مجدو التي أرخت تقليديا بأواخر القرن العاشر. مرة أخرى، نحن بحاجة إما لدفع مجاميع مجدو للأمام أو سحب مجاميع يزرعيل الى الوراء. و حيث أن مجمع يزرعيل مطابق معماريا لمجمع السامرة، فمن الواجب تأريخه بالقرن التاسع. في هذه الحالة أيضا، ليس هناك سوى خيار واحد: تأريخ قصور مجدو بالقرن التاسع ، و حتى الآن تعاملت مع علم الآثار الكتابي و التفسير الكتابي. هل يمكننا أن نضيف إلى هذه الاعتبارات الظرفية وسيلة أكثر دقة؟ و الجواب هو نعم . وهو يأتي من العلوم الدقيقة. خضعت-في السنوات الأخيرة-عينات تعود لطبقات العصر الحديدي من عدة مواقع في اسرائيل لاختبارات الكربون المشع من أجل تحديد عمرها. وأبدت التواريخ المتحصل عليها لعدد كبير من القراءات نتائج أقل من المتوقع بقرن تقريبا وفقاً للكرونولوجيا التقليدية، علما بأن العينات المأخوذة كانت من مواقع دور على ساحل البحر المتوسط و تل هادار على الشاطئ الشرقي من بحيرة طبرية، ومجدو، و يقنعام من وادي يزرعيل، وتل رحوف إلى الجنوب من بيسان، وحاصور في الشمال، ولقى بالقرب من روش زيت بالقرب من عكا .
هناك دراسة شاملة لمعهد وايزمان ومختبرات جامعة أريزونا وضعت المرحلة الإنتقالية من العصر الحديدي الأول إلى العصر الحديدي الثاني بين 920-900 ق.م، والذي يؤرخ تقليديا حوالي 1000-980 ق.م. الطبقات المدمرة، التي كانت تؤرخ تقليديا بأواخر القرن العاشر، أعطت تواريخ من منتصف إلى أواخر القرن التاسع. فسرت مجموعة القراءات من موقع تل رحوف من قبل عميحاي مزار كنتائج مؤيدة للتأريخ التقليدي. ولكن قراءة أكثر دقة لبيانات الكربون المشع لعينات تل رحوف (هذا يعني، الأخذ بعين الإعتبار جميع القراءات بدلا من مجموعة مختارة من النتائج) يمكن أن يفسر على أنه تأييد للتأريخ المنخفض لسويات العصر الحديدي (أي ما يسمى الكرونولوجيا المنخفضة). وبالإضافة إلى ذلك مقارنة المجاميع الفخارية لتل رحوف و مجدو تشير إلى أن قصور مجدو ينبغي أن توضع في المرحلة الأخيرة من الفترة التي تسمى" العصر الحديدي الثاني A ". أي النصف الأول من القرن التاسع. وباختصار تؤكد نتائج الكربون المشع استنتاجاتي السابقة أي أن تأريخ الصروح السليمانية ينبغي أن يخفض بحوالي مئة و خمس و سبعون عاما .
العودة إلى التاريخ
ما معنى كل هذا للدراسات الكتابية والتاريخية؟ الإشارة إلى"بيت داود"في نقش تل دان من القرن التاسع لا تدع مجالا للشك في أن داود وسليمان هما شخصيتان تاريخيتان. وهناك سبب وجيه للقبول بالعديد من قصص داود الواردة في سفري صموئيل-بشكل رئيسي، تحتوي الحكايا البطولية، و وصف حياته على أنه قاطع طريق يعيش على هامش المرتفعات اليهوذية-على ذكريات تاريخية حقيقية مبكرة. وهذه بدورها كانت تنتقل شفويا ولم تدون قبل أواخر القرن الثامن. ولكن تبقى القصة الكتابية العظيمة عن المملكة المتحدة بدون دليل مادي. إن أماكن مثل مجدو في الشمال في القرن العاشر ق.م لاتنفك تحمل ميزات الثقافة المادية الكنعانية. ولم تزد مملكة داود وسليمان عن مشيخة فقيرة قليلة السكان متمركزة في أورشليم القرية المتواضعة. تؤرخ قصور مجدو الجميلة- التي كانت حتى وقت قريب رمزا للعظمة و الأابهة السليمانية- إلى زمن يعود لسلالة عمري التي حكمت المملكة الشمالية بعد عصر سليمان بقرن تقريبا. تم بناؤها على الأرجح على يد الملك آخاب وقد يكون هذا مثيرا للدهشة. تشهد الملكيات المعاصرة كلها-شلمنصر الثالث الآشوري، وميشع المؤابي, وحزائيل ملك دمشق، على إسرءيل القوة العظمى في القرن التاسع. تشير القصة الكتابية التي تدور حول حكم الأميرة عثليا من سلالة عمري في أورشليم و التي اعتبرت بمثابة شهادة تاريخية موثوق بها، إلى سيطرة السلالة العمرية على يهوذا الهامشية والعاجزة الواقعة إلى الجنوب منهم. الدولة الإسرءيلية العظيمة و القوية والبراقة كانت المملكة الشمالية-المملكة الشريرة في نظر المؤرخين الكتابيين-لم تكن إقليماً صغيراً و فقيراً هيمنت عليها أورشليم القرن العاشر. وإذا كان هناك مملكة متحدة حكمت من دان حتى بئر السبع فهي مملكة أسرة عمري و هي حكمت من السامرة التي تعود للقرن التاسع. إذا كانت هذه هي الحقائق على أرض الواقع، فما أصل الحكاية الكتابية التي تتحدث عن مملكة متحدة لامعة؟ من أجل الإجابة على هذا السؤال، علينا أن نتذكر أن الرواية الكتابية عن إسرءيل-التاريخ التثنوي-دونت في أواخر القرن السابع، في أيام الملك يوشيا، الذي وصف في سفر الملوك كأكثر الملوك الصالحين من نسل داود. وكان القصد من التاريخ التثنوي تقديم خدمة لأجندة تدورحول مركزية العبادة في أورشليم والتوسع الإقليمي في الأراضي الشمالية لإسرءيل المهزومة بعد انسحاب آشور.
ليس من الصعب التعرف على المشهد المكاني والثياب التي تعود لعصور الملكية المتأخرة-الزمن الذي تم فيه جمع النص-كخلفية تقف وراء الحكاية الكتابية للملكية المتحدة. ويجب أن تعكس قصص مدن سليمان حول العربات و الفرسان ذكرى عن تربية الخيل الرائعة و حلبات التدريب لعصر المملكة المتحدة في القرن الثامن في مجدو. ولا بد من مطابقة حيرام ملك صور مع حيرام الوحيد المعروف المعاصر لتغلات بلاصر الثالث في القرن الثامن من نصوص غير كتابية موثوقة. كما تم تصميم قصة العلاقات التجارية معه للمساواة بين عظمة سليمان مع قصص الملوك العظام للملكة الشمالية. ومما لاشك فيه تعكس الزيارة الباذخة لملكة سبأ الشريك التجاري لسليمان إلى أورشليم مشاركة يهوذا في أواخر القرن الثامن و القرن السابع في التجارة العربية المربحة في ظل السيطرة الآشورية. ويصدق الشيء نفسه على وصف الرحلات التجارية إلى الأراضي البعيدة انطلاقا من عصيون جابر على خليج العقبة-الموقع الذي لم يكن مأهولا قبل زمن الملكية المتأخرة. وكما ذكرت سابقا، قد تحتوي بعضا من قصص داود في سفري صموئيل على تقاليد مبكرة ربما تعود إلى القرن العاشر ق.م. لكن هذه القصص دونت بعد ذلك بكثير. ربما في أواخر القرن الثامن، و من ثم أقحمت في تاريخ أكبر لإسرءيل في القرن السابع. وقد امتصت في تلك المرحلة وقائع و إيديولوجيا زمن متأخر، ينبغي أن يفهم إدراج جوليات مثلاً مرتدياً دروعاً شبيه بالدروع الإغريقية التي تعود للقرن السابع أو السادس ( وليس محارباً إيجياً أبكر) على خلفية خدمة المرتزقة الإغريق في الجيش المصري في القرن السابع ق.م في الوقت الذي كانت فيه يهوذا الصغيرة تواجه مصر القوية التي يحكمها ملوك الأسرة السادسة والعشرين، التي ورثت الأراضي الآشورية في المشرق. لذا، فإن انتصار داود على العملاق جوليات-الذي وصف كمقاتل مدرع إغريقي(وبالتالي يرمز إلى قوة مصر)، يمكن أن يكون تصويرا لآمال يهوذا في عهد يوشيا .
ولكن لماذا كان من المهم جدا إسقاط هذه الصور الملكية التي تعود إلى زمن متأخر إلى وقت مبكر من تاريخ إسرءيل؟ كان لحكاية المملكة المتحدة الساحرة معنى واضح لدى شعب يهوذا في زمن جمع النص. في وقت لم تكن فيه المملكة الشمالية أكثر من ذكرى فضلا عن أن جيش آشور القوي قد مضى إلى غير رجعة, ولذا فإن داوداجديدا-الورع يوشيا- جلس على عرش أورشليم عازما على"استعادة" مجد أسلافه القدماء وهو على وشك "تكرار" تاريخ إسرءيل. ومن خلال تطهير يهوذا من رجس الأمم والتراجع عن خطايا الماضي، استطاع وضع حد لدوامة الوثنية و الفاجعة التي ميزت تاريخ إسرءيل القديمة وبإمكانه "إعادة خلق" المملكة المتحدة بالطريقة التي ينبغي لها أن تكون، قبل أن تضل. لذلك شرع يوشيا في إعادة تأسيس المملكة المتحدة. وهو الآن على وشك "استعادة" الأراضي المدمرة للمملكة الشمالية، ويحكم من أورشليم كل الأراضي الإسرءيلية و كل الإسرءيليين. ويخدم الوصف المتعلق بالمملكة المتحدة الفاتنة مثل هذه الأهداف. و في حين أن هذا كله قد يبدو نوعاً ما تقليلاً من مكانة داود و سليمان التاريخيين، فإننا في ذات الوقت نحظى بلمحة خاطفة عن عظمة المملكة الشمالية-الحقيقة الأولى، دولة إسرءيل العظيمة. و لايقل أهمية عن ذلك أننا حصلنا على نظرة لداخل العالم الساحر لمملكة يهوذا المتأخرة حيث قام مؤلفون بخلق تلك الصورة عن المملكة المتحدة العظيمة .
...................
البحث عن داود وسليمان : وجهة نظر علم الآثار : عميحاي مزار
بإمكان المرء أن يتخيل عند قراءته للكتاب العبري داود وسليمان كحكام دولة ناضجة ( في بعض الأحيان يرمز لها بعبارة "الإمبراطورية")، وأورشليم كعاصمة كبيرة ومزدهرة، على الأقل كبيرة بما فيه الكفاية لاستيعاب زوجات سليمان الألف. و يتوقع المرء وجود مستوطنات حضرية كثيفة و مزدحمة في جميع أنحاء البلد، كما يتوقع وجود نقوش رسمية وأشكال فنية مختلفة. هذه الحالة كانت في واقع الأمر هي الرأي المهني للعديد من المؤرخين والآثاريين، وتصوير مملكة سليمان التي لطالما كانت موسعة و متنامية في علم الآثار تبدو أنها تناسب الصورة التقليدية التي صورها الكتاب. ومع ذلك، أبدى عدد لابأس به من العلماء، خلال العقدين الماضيين، شكوكا متزايدة في الصلاحية التاريخية للمرويات الكتابية فضلا عن الإستنتاجات الأثرية فيما يتعلق بالقرن العاشر ق.م, وهو الزمن المفترض لداوود وسليمان. وفي الوقت الذي يحتفظ فيه البعض بمقاربة قديمة محافظة تقبل الكثير من السرد الكتابي كحجة منيعة، فإن هناك العديد من الحجج المذكورة ضد تاريخية المملكة المتحدة: لم يرد ذكر المملكة في أي مصادر مكتوبة من خارج الكتاب، والقدس عاصمتها المفترضة إما كانت غير مسكونة أو كانت مجرد قرية صغيرة خلال القرن العاشر ذات كثافة سكانية قليلة؛ وبالكاد يمكن التأكد من معرفة السكان -حينها- للقراءة و الكتابة، ولا يوجد دليل على تجارة دولية، و هكذا دواليك. و و زعم العلماء أيضا بأن النصوص الكتابية المتعلقة بداود و سليمان ينبغي أن تقرأ كأدب خيالي، لاهوتي و إيديولوجي و ملحمة وطنية تحركه دوافع تهدف إلى تمجيد الماضي المفترض للعصر الذهبي في تاريخ إسرءيل. وذهب البعض بعيدا، كما سأحاول استعراضه، في إعادة بناء تاريخ المملكة المتحدة. على الرغم من أنه في واقع الأمر ينبغي للعديد من قصص المرويات الكتابية المتعلقة بتلك الحقبة أن تؤخذ على علاتها. بل هو طريق طويل من هنا نحو النفي التام للملكة المتحدة كواقعة تاريخية.
دعونا نبدأ مع حقيقة أن العديد من العلماء الذين ينكرون تاريخية المملكة المتحدة يقبلون في ذات الوقت تاريخية المملكة الشمالية لإسرائيل التي حكمها عمري وآخاب في القرن التاسع. و قد فعلوا الكثير منذ ذكر هذه الأخيرة في الوثائق من خارج النص الآشورية والمؤابية و الآرامية. و مع ذلك الفاصل الزمني بين المملكة المتحدة و سلالة عمري أقل من قرن، في حين أن هناك عدة قرون تفصل بين القرن التاسع عن الزمن المفترض لتأليف النص الكتابي أي القرن السابع ق.م. في الواقع إذا كانت النسخة المبكرة من التاريخ التثنوي تعود إلى القرن السابع ق.م أو بعد ذلك، كما هو مقبول على وجه العموم، و إذا كان الكتاب يحتفظ بمعلومات دقيقة عن سلالة عمري من القرن التاسع، لماذا إذن ينبغي علينا القبول بوجهة النظر التي تقول بأن المعلومات عن داود وسليمان هي مجرد خيال؟ أضف إلى ذلك، ذكر النقوش الآشورية من القرن التاسع لإسرءيل هو نتيجة لحقيقة تأسيس الإمبراطورية الآشورية خلال هذا القرن التي تركت لنا نقوشا تاريخية، بينما مثل هذه الوثائق غير موجودة في القرن العاشر، لأنه لا توجد سلطة تدون مثل هذه الوثائق. الإستثناء الوحيد هو نقش شيشنق من معبد آمون في الكرنك، الذي سنعود له لاحقا. ليس هناك من منطق للإقرار بتاريخية الرواية الكتابية بشأن إسرءيل الشمالية سوى تشويه تاريخية المملكة المتحدة للقرن العاشر أو لهذه المسألة ليهوذا في القرن التاسع-أي ما لم تستند هذه المزاعم على مؤشرات أثرية واضحة. هذا هو السبب الذي يجعل من علم الآثار على درجة عالية من الأهمية لتقويم تاريخية المملكة المتحدة. في ضوء هذا السجال، دعونا نبحث كيف أن علم الآثار قد يدعم أم لايدعم أحد الموقفين المشار لهما أعلاه، أو ربما الكيفية التي يمكن أن ترشدنا إلى اتجاه ثالث.
كرونولوجيا العصر الحديدي و التأويل التاريخي
إن شرط التأويل الأثري لأي فترة هو الكرونولوجيا الدقيقة التي من شأنها أن تمكننا من فهم طبيعة البقايا المادية من فترة زمنية معينة، في حالتنا هذه هي القرن العاشر. ويطلق على الفترة الأثرية قيد المناقشة من قبل معظم علماء الآثار تسمية "العصر الحديدي الثاني A ". وتتميز هذه الفترة بتغير كبير في الثقافة المادية، كما عبر عنها بشكل خاص في إنتاج الفخار.
أخلت التقاليد الكنعانية المبكرة للفخار الملون التي وجدت في السهول حتى أوائل القرن العاشر السبيل لأسلوب جديد تميز بأشكال جديدة وظهور حواف حمراء و أعمال يديوية. هذا التقليد الفخاري و المدن و المستوطنات حيث عثر عليه فيها كانت تؤرخ تقليديا بالقرن العاشر ق.م، زمن المملكة المتحدة. وكان فنكلشتين قد اقترح خفض الكرونولوجيا للمجاميع الأثرية في إسرائيل بمقدار مئة و خمس و سبعون عاما. هذه الجملة , أي خفض التأريخ, ينشأ عنها محو المجاميع الأثرية من القرن العاشر التي تم الانتفاع بها لحوالي نص قرن من قبل الباحثين كأساس لرسم الصورة الأثرية أو لنموذج مملكة سليمان. "خفض الكرونولوجيا " المقترح هذا يدعم بصورة مفترضة استبدال هذا النموذج بنموذج جديد (في الواقع مشابه للنموذج المقترح من قبل ديفيد جيمسون دريك و آخرون)، وفقا لمملكة داود و سليمان إما لم تكن موجودة أو في أفضل حالاتها هي مجرد كيان محلي صغير . ووفقا لهذا الإقتراح، فإن أول دولة إسرءيلية موثقة في سجل أثري هي مملكة إسرءيل الشمالية تحت حكم عمري في القرن التاسع ق.م.
إن إعادة البناء هذه أنتجت سجالا مستفيضا ما انفك يستمر. و القضية الرئيسة هي مثل المسألة الدائمة حول أسبقية البيضة أم الدجاجة : هل نظرية الكرونولوجيا المنخفضة ولدت خارج المسعى الآثاري المستقل أم كرد فعل آثاري على نموذج تاريخي معين؟ في كل الأوراق المقدمة من قبل فنكلشتين بشأن هذه المسألة، يظهر النقاش الآثاري ممزوجا بتقويم تشكيل الدولة في إسرءيل و يهوذا على نحو لا يسمح لأي تمايز بين السبب و التأثير. لذلك، يتولد لدى المرء انطباعاً بأن النتائج الأثرية تأثرت أوحتى انحرفت من خلال الرغبة بتفكيك الرؤية التقليدية والاستعاضة عنها ببديل واحد. دعونا ننظر في هذه المسألة بالذات بمزيد من التفصيل.
يمكن الاطمئنان للإطار الزمني قيد المناقشة بواسطة اثنتين من الإسنادات الزمنية : الأقدم هو نهاية الوجود المصري في كنعان خلال القرن الثاني عشر، و التالي هو الغزوات الآشورية لإسرءيل و فيليستيا و يهوذا أعوام 732 و 701 ق.م. ثمة حوالي أربع مئة سنة تفصل بين هذين السندين الزمنيين، ولدينا عدد قليل من النقاط المرجعية. إحداها من موقع يزرعيل، حيث أجريت العديد من العمليات الاستكشافية هناك في التسعينيات كشفت عن المحتويات الملكية لآخاب و إيزابيل المعروفة جيداً من سفر الملوك الأول هذه المحتويات الهائلة دمرت في أواخر القرن التاسع ربما على يد حزائيل ملك دمشق، بعد وقت قصير من نهاية حكم أسرة عمري حوالي 840 / 830 ق.م. وينبغي أن يؤرخ فخار هذه الطبقة المدمرة لتلك الفترة. وسرعان ما تبين بوضوح أن هذا الفخار يشبه الفخار الذي عثر عليه في مجدو في مبانٍ نسبت تقليدياً إلى سليمان. هذه هي إحدى الحجج الرئيسية لفنكلشتين لتدعيم نظرية خفض التأريخ لمباني مجدو إلى القرن التاسع . إلا أنه تم العثور على فخار مماثل في يزرعيل أيضا محشو بأسفله بالمحتويات الملكية و يرتبط على الأرجح بالبلدة الأقدم. مثل هذا الإحتلال قبل العمري يمكن أن يؤرخ إلى القرن العاشر أو أوائل القرن التاسع. هذا الأمر يقترح استخدام نفس الذخيرة الفخارية لمعظم القرن العاشر و القرن التاسع. وبالتفكير مرة ثانية بمباني مجدو، يمكننا الاستنتاج، بأنها أنشئت خلال تلك الفترة و استمر استخدامها، الإطار الزمني الذي يمثل هذا الفخار هو ما يسمى العصر الحديدي الثاني A في التقسيم الأكثر شيوعا حاليا للعصر الحديدي، أي، إما أن يكون القرن العاشر أو القرن التاسع أو كليهما (انظر أدناه). يمكن أن تكون هذه البناني بنيت بالتالي إما من قبل سليمان أو من قبل عمري أو آخاب.
النقطة المرجعية الأثرية الهامة الثانية هي عراد في النقب الشمالي حيث يظهر هذا الموقع في قائمة من أسماء الأماكن في أرض اسرءيل التي نقشت على جدار معبد آمون في الكرنك في صعيد مصر في عهد شيشنق الأول، الفرعون الذي قام بحملة عسكرية ضد إسرءيل. و يمكن باطمئنان مطابقة شيشنق الأول مع شيشق المذكور في سفر الملوك الأول 14 : 25 على أنه يهدد أورشليم في زمن رحبعام بعد موت سليمان بخمس سنوات. و حيث أن عراد ذكرت في قائمة شيشنق، فلا بد أن يكون هناك مستوطنة قبل غزو شيشنق لها. وهكذا، ينبغي على الأقل أن يتم تحديد تأريخ أبكر للمستوطنة إلى القرن العاشر ( أو إلى زمن سليمان). كشفت الحفريات التي أجريت في المستوطنة الأقدم ( السوية XII) التي نسبت تقليدياً إلى القرن العاشر ق.م، كتلك المستخرجة من بئر السبع أو لخيش. و تعد مثل هذه الكرونولوجيا المقارنة النسبية أداة بحث جوهرية في علم الآثار، وكما هو الحال في القضية التي نتناولها الآن، فهي تنكر كرونولوجيا فنكلشتين المنخفضة. وفقا لما يمكن أن يتم فيه تأخير جميع المواقع الأخرى التي تعود للقرن العاشر، وبالتالي إلى حقبة متأخرة عن عصر سليمان، والغريب بعض الشيء، أن فنكلشتين نفسه يقبل بتأريخ سوية عراد XII إلى زمن ما قبل شيشنق، وبذلك يسحب البساط من تحت نظريته الخاصة.
إن بحثاً دقيقاً يجسد مجموعة من العلاقات المتبادلة بين كثير من المواقع في جميع أنحاء البلاد و بالتالي يتيح لنا استخدام عراد كنقطة مرجعية أساسية وخلق آفاق لسويات معاصرة مأهولة في أماكن أخرى. مثل هذا النهج يدل في رأيي على أنه لا يمكن لنظرية فنكلشتين بخصوص الكرونولوجيا المنخفضة أن تكون مقبولة كما هي، لأنها تخلق مشاكل لم تحل بعد لدراسة العصر الحديدي. البحوث الأثرية في حاصور و يزرعيل وأبحاثي عن تل رحوف في وادي بيسان تزيد قناعتي بأنه علينا في واقع الأمر تعديل الكرونولوجيا التقليدية بعض الشيء. ولكن، خلافا لفنكلشتين، الذي نقل ببساطة كل مجاميع القرن العاشر إلى القرن التاسع، فأنا اقترح أن مجاميع الفخار قيد النظر كانت ذات عمر أطول، وهي تتداخل في كل من القرنين العاشر والتاسع. وفقا لما أسميه الكرونولوجيا التقليدية المعدلة(يمتد العصر الحديدي الثاني A من 980 -840 ق.م). و خلال العشرية الماضية اعتمد عدد لا بأس به من الآثاريين الذين نقبوا أو درسوا مواقع العصر الحديدي الثاني A على منظور" المدة الطويلة" لمجاميع الفخار موضع الدراسة كأسلوب هو الأكثر قبولا، بما في ذلك الباحثون و المنقبون في حاصور ويزرعيل وبيسان وتل رحوف وجازر وبيت شيمش، وتمنا ( تل البطش)، والقدس، وجت( تل الصافي) وعراد وبئر السبع. وحديثا، هناك محاولات لتقسيم العصر الحديدي الثاني A إلى طورين ثانويين، الطور الأقدم في القرن العاشر والطور التالي يبدأ من نهاية القرن العاشر ويستمر إلى القرن التاسع. تم اختبار بعض تأكيدات هذا الطرح في كل من تل رحوف في الشمال ومنطقة بئر السبع-عراد في الجنوب ( وهذه الأخيرة من قبل زئيف هيرتسوغ وليلي سنجر-افيتس).
تمت في العقد الماضي وفي عدة أطر بحثية محاولات تستند على استخدام الكربون المشع لتحديد التواريخ من أجل حسم الجدل حول تحقيب العصر الحديدي. أخذت أكثر من 60 عينة من تل رحوف مؤرخة إلى مختبرات جامعة جرونينجن للعمل عليها من قبل جي. فان دير بليشت و إتش بروينس. قدمت متتالية تواريخ لسلسلة سويات من القرن الثاني عشر حتى القرن التاسع. و مشروع تأريخ العصر الحديدي المبكر برئاسة إي. باوريتو و إيي. جلبوع و آي. شارون وتي.جول. باستخدام مختبرات معهد وايزمان في إسرائيل وجامعة أريزونا.يعتزم الحصول على عينات من أكبر عدد ممكن من المواقع، انبثق أكثر من 50 تأريخ من هذا المشروع تم نشرها حتى الآن. كما تم في السنوات الأخيرة قياس تواريخ أخرى من مواقع متنوعة مختلفة . ويتم حاليا التركيز في هذه المشاريع على النوعية العالية من تحديد التاريخ لعينات ذات العمر القصير(على سبيل المثال البذور و نواة الزيتون) من سياقات المصدر، و المعايرة و المعالجة الإحصائية للنتائج. و السؤال الأساس هو، ما هي الثقافة المادية المتصلة بالإطار الزمني المنسوب إلى داود و سليمان في عمليات إعادة بناء تاريخي تقليدي، و بالتحديد تلك الكتلة من الثقافة التي تنسب إلى القرن العاشر؟ سوف تندرج هذه الفترة, تقليديا, في العصر الحديدي الثاني A. وسوف تزيح الكرونولوجيا المنخفضة -كما يقترح فنكلشتين- العصر الحديدي الثاني A إلى القرن التاسع و يكون القرن العاشر جزء من سياق العصر الحديدي الأول. تحليل نتائج الكربون المشع لـ 64 عينة من تل رحوف تشير إلى تأريخ بين 992 و 962 ق.م للانتقال من عصر الحديد الأول و الثاني، و لذلك، سيشتمل العصر الحديدي الثاني A على الجزء الكبير من القرن العاشر بالإضافة للجزء الكبير من القرن التاسع. النتائج المبكرة لمشروع تأريخ العصر الحديدي المبكر( نشر من قبل بواريتو و رفاقه في مجلة راديوكربون في العام 2005) أشارت إلى أن العام 900 ق.م تقريبا هو تاريخ نهاية العصر الحديدي الأول بما يدعم الكرونولوجيا المنخفضة، تم فحصها من قبلي مؤخرا في دراسة ينتظر نشرها بالتعاون مع تشي. برونك رامزي في ضوء تواريخ إضافية عدة. وتشير النتائج إلى تأريخ المرحلة الإنتقالية من العصر الحديدي الأول إلى العصر الحديدي الثاني بين 964-944 ق.م.
الكرونولوجيا التقليدية (وفقا للموسوعة الجديدة للبعثات الآثارية في الأرض المقدسة[ تحرير،إ. شتيرن،القدس 1993])
-العصر الحديدي الاول A : 1200-1150 ق.م
-العصر الحديدي الأول B : 1150-1000 ق.م
-العصر الحديدي الثاني A : 1000-925 ق.م
-العصر الحديدي الثاني B : 925-720 ق.م
-العصر الحديدي الثاني C: 720-586 ق.م
الكرونولوجيا التقليدية المعدلة:
-العصر الحديدي الأول A : 1200-1150 ق.م
-العصر الحديدي الأول B: 1150-1140-حوالي 980 ق.م
-العصر الحديدي الثاني a: حوالي 980-حوالي 840 ق.م
-العصر الحديدي الثاني b: حوالي 840-830-732-701 ق.م
-العصر الحديدي الثاني c: 732-701-605-586 ق.م
قمنا أيضا بعمليات حسابية حول تدمير ثلاث مواقع رئيسية ذات صلة بنهاية العصر الحديدي الأول (مجدو، يقنعام[تل قامون]، تل قسيلة) كما حصل ذلك حوالي نهاية القرن الحادي عشر أو بداية القرن العاشر. وهكذا، فقد حصل الإنتقال من العصر الحديدي الأول إلى العصر الحديدي الثاني على الأغلب في مكان ما خلال النصف الأول من القرن العاشر ق.م،مما يتيح وقتا كافيا في القرن العاشر ق.م لعصر الحديد الثاني A ليكون مرتبطا و متصلا بالحقبة الداودية/السليمانية. ولكن الدراسة أظهرت أيضا مدى حساسية النماذج الإحصائية لتأريخ الكربون المشع. نشر تواريخ جديدة أو حذف تواريخ منشورة لأسباب معينة (مثل القيم المتطرفة، وعينات السياقات و التوايخ المشكوك فيهما)، قد يغير النتائج بشكل كبير.
النتائج المتحصل عليها من الكرونولوجيا التقليدية المعدلة هي تضمين كل من المملكة المتحدة وسلالة عمري في فترة أثرية طويلة واحدة هي العصر الحديدي الثاني A . يخلق هذا التزمين المنقح بدوره مزيدا من المرونة في تفسير المعطيات الآثارية، ويجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في الإستفادة من علم الآثار من أجل تقديم تفسيرات تاريخية آمنة في جنوب المشرق خلال القرنين العاشر والتاسع. لأنه في كثير من الحالات يكون من الصعب الإستنتاج بأي قدر من اليقينية ما إذا كان تم بناء مبنى معين سواء خلال القرن العاشر أم التاسع، ما لم يكن تقسيم الخزف الدقيق بين أوائل العصر الحديدي الثاني A و أواخر العصر الحديدي الثاني A سوف تثبت في يوم ما لأن تكون صالحة في حالات خاضعة للرقابة أكثر. وهذا لا يمكن القيام به في الوقت الحاضر بالنسبة للعديد من عمليات الإستكشاف القديمة، و على وجه الخصوص في مجدو، نظرا لأن أحد القصرين الذين نسبهما يادين إلى عصر سليمان، القصر الجنوبي تحديدا كان يحتفظ بمستوى مسار الأساس فقط، بينما من القصر الشمالي لايسمح الفخار المنشور بالقيام بالتأريخ الدقيق داخل حدود فترة العصر الحديدي الثاني A . وسوف تعني الكرونولوجيا المعدلة بأن توليفة آثارية شاملة للعصر السليماني هي توليفة مؤقتة و يمكن أن تفسر بأكثر من طريقة واحدة. وأخيرا، ترفض هذه الكرونولوجيا الصرامة و أحادية الجانب للكرونولوجيا المنخفضة على النحو الذي اقترحه فنكلشتين في ما يلي، وسوف أدرس بعضا من أكثر القضايا الحاسمة المتعلقة في موضوعنا في ضوء الكرونولوجيا التقليدية المعدلة.
أهمية غزوة شيشنق الأول ( شيشق)
يجب أن لا يفاجئنا عدم وجود مصادر خارجية تتعلق بمملكة كمملكة داود و سليمان، لعدم وجود إمبراطوريات أو قوى سياسية رئيسية خلال القرن العاشر لتترك وراءها وثائق كبيرة مكتوبة. المصدر الخارجي الوحيد (من خارج النص الكتابي) المتعلق بهذه الفترة هو نقش شيشنق الأول المذكور، والذي يشير لغزو عسكري لأرض إسرءيل في العام920 ق.م . علينا أن ندرك أولا أن الإشارة إلى حملة شيشنق في سفرالملوك الأول 14 : 25-28، لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال كما لو أنها اختلاق مؤلف من القرن السابع ق.م أو بعد ذلك لأن المؤلف يجب أن يكون لديه سجلات من نوع ما. وهذا في حد ذاته يعتبر دليلاً مهماً فيما يتعلق بالبعد التاريخي للرواية الكتابية والطريقة التي ظهرت بها. على النقيض من أي حملة عسكرية سابقة لأرض كنعان قامت بها الدولة الحديثة في مصر، تذكر قائمة شيشنق مواقع شمال القدس، مثل بيت حورون وجبعون. والتفسير الوحيد المعقول لهذا يجب أن يكون وجود قوة سياسية مركزية في منطقة الهضاب مميزة إلى حد ما في نظر المصريين لتسويغ طريق الحملة الاستثنائية على هذا النحو. المرشح الوحيد المعقول لمثل هذه القوة هو المملكة السليمانية. اقتراح فنكلشتين بأن مملكة شاؤول كانت هي الهدف لحملة شيشنق، يبدو أنه متكلف و غير محتمل، ويأتي خالفا لأي كرونولوجيا داخلية كتابية تؤرخ حملة شيشنق إلى فترة حكم رحبعام .
في واقع الأمر إذا كانت الحملة حدثت عقب وفاة سليمان، ربما كان شيشنق يحاول الإستفادة من فترة الضعف وتوجيه ضربة ضد الدولة الإسرءيلية الناشئة. حقيقة أن أورشليم لم يرد ذكرها في النقوش لا يعني أن المدينة استسلمت على نحو ما، و ربما لم يكن هناك أي سبب لعدم ذكرها، أو بشكل بديل، يمكن أن تظهر الإشارة لها على أحد الأجزاء المكسورة للنقش. أما بالنسبة للمراحل المتبقية من الطريق فإن معظم الباحثين (باستثناء نعمان نداف ) قاموا بإعادة بناء الطريق الذي يقطع سفوح الجبال باتجاه وادي الأردن. الإشارات في النقش لرحوف، بيت شان، و" الوادي" ( في إشارة على الأرجح إلى بيت شان أو وادي يزرعيل أو كليهما) في خط متواصل يناسب إعادة هذا التركيب. وهناك وجهات نظر مختلفة بشأن مسألة ما إذا كان شيشنق قد دمر فعلا المدن على طول طريق حملته. فإذا كان الأمر كذلك، فيمكن للطبقات الأثرية أن تحددها .وجهة النظر الشائعة هو أن هذا التدمير قد وقع بالفعل، وأنه من الممكن تحديد طبقات الدمار الناتج مباشرة عن هذه الحملة العسكرية. و الدمار العنيف الذي يمكن أن يؤرخ لتلك الفترة، و الذي يمكن أن يكون نتاج لهذه الحملة. وحددت مبدئيا في عدد من المواقع، لا سيما في بيت شان وأودية يزرعيل، مثل تل الحامة، تل رحوف، مجدو، تعنك. و على العموم، إذا ما كانت هذه المدن دمرت فعلا فهي-في رأيي-مسالة أقل أهمية من الإشارة الفعلية لأسماء معينة في القائمة. و من غير المعقول، كما اقترح البعض بأن الذين كتبوا نقش شيشنق قاموا فقط بنقش أسماء من قوائم طوبوغرافية مصرية سابقة من الكرنك،حيث هناك العديد من أسماء الأماكن عرفت فقط من نقش شيشنق. بالنسبة للآثاريين، من المهم إدراك أن أي اسم مكان يظهر في هذه القائمة يجب أن يكون موجودا قبل الحملة و أنه حيثما أمكن، فإنه يمكن تحديده في سجل أثري؛ عراد، مواقع هضاب النقب، تعنك، رحوف كلها أمثلة جيدة لمواقع ذكرت في نقش شيشنق و التي تحصل عليها من الطبقات المشغولة بالعصر الحديدي الثاني A . و لا يوجد في بعض هذه المواقع (على سبيل المثال،عراد ومرتفعات النقب، من أجلها أنظر أدناه ) بديل سوى عزو الطبقات المشغولة للعصر الحديدي الثاني A إلى القرن العاشر السابق لحملة شيشنق. وهذا بحد ذاته إسناد أثري هام ينفي الكرونولوجيا المنخفضة .
أورشليم العصر الحديدي الأول والثاني
تقويم أورشليم كمدينة صغيرة في القرنين العاشر و التاسع ق.م هو أمر حاسم لتحديد تشكيل دولة يهوذا، إذا لم يكن هناك عاصمة، فعلى الأرجح لا يوجد مملكة. وكان ديفيد أوسيشكين قد اقترح في العديد من المقالات التي نشرت في السنوات الأخيرة بأن أورشليم لم تكن مكان توطن في القرن العاشر ق.م، في حين حدد فنكلشتين أورشليم كقرية صغيرة في القرن العاشر. وينبغي دراسة هذه التقويمات ببعض التفاصيل لأنها حاسمة بالنسبة لموضوعنا. قبل توسعها في القرن الثامن نحو الهضبة الغربية، كانت أورشليم تقتصر على سلسلة من التلال الضيقة للتل الشرقي، يتوجها جبل الهيكل. وتبلغ المساحة الكلية لهذه التلال حوالي 12 هكتارا، أكبر مساحة من أي مدينة في العصر الحديدي في إسرائيل أو يهوذا. ويقع كامل الجزء العلوي من هذا التل تحت هضبة اصطناعية ضخمة تعود لفترة الهيكل الثاني. وتضيق سلسلة التلال إلى الجنوب من جبل الهيكل، وتحيط بها الوديان العميقة مثل وادي قيدرون[ وادي جهنم أو وادي سلوان] ووادي تروبيون[ الواد[. هذا ماكان عليه موقع أورشليم القديمة، المدينة الكنعانية الأصلية. وتبلغ مساحة هذا الجزء من سلسلة التلال نحو أربعة هكتارات. كشف البناء الرئيسي قرب قمة هذا الجزء من التل المعروف باسم بناء الدرج الحجري و كان مقود منه على الأرجح دعم الصرح الرائع والمميز, ويمكن الاستدلال على التاريخ الأقدم المحتمل لإنشاءه من اللقى الفخارية التي وجدت ضمن أساسته والتي تعود لتاريخ لا يتعدى القرن الحادي عشر. يشير الفخار الذي عثر عليه في أرضيات المباني فوق الجزء السفلي لهذا البناء المدرج إلى أنه بدأ في الإستخدام خلال العصر الحديدي الثاني A, أي في وقت ما في القرن العاشر أو التاسع. لذلك ينبغي له أن يكون تم بناءه بين القرنين الحادي عشر و العاشر. و إذن هذا يجيز لنا الإستنتاج بأن المبنى كان مشادا أو لا يزال قيد الإستخدام خلال القرن العاشر، وهي الفترة المزعومة لعصر داود و سليمان. وكشفت العمليات التنقيبية التي نفذت مؤخرا من قبل إيلات مزار على قمة التل إلى الشرق و قريبا جدا من البناء الحجري المدرج، عن مبنى ضخم ذو جدران بعرض أكثر من مترين يمتد خارج حدود منطقة التنقيب في كل الاتجاهات. تكملة نفس المبنى كانت قد كشفت عنه كاثلين كينون ( في المنطقة التي تسميها H ) والتي حددتها بأنها "الحجرة الحصينة" و تعود للقرن العاشر ق.م. وتتشابه البيانات التي تتعلق بتاريخ هذا المبنى مع تاريخ المبنى الحجري المدرج الذي ترتكز أساسته على طبقة أرضية و بمحاذاتها وتحتوي على فخار يعود للقرن الحادي عشر ق.م، كما عثر على فخار يعود للقرنين العاشر و التاسع ق.م في طبقة أرضية متصلة ببعض جدرانه, حيث تم الكشف عن أدلة إصلاحات وتغييرات في المبنى. و يبدو أن هذا البناء كان يمثل قلعة مدعمة بالبناء الحجري المدرج . و لا يوجد ما يوازي حجمه في أي مكان في أرض إسرءيل بين القرنين الثاني عشر و أوائل القرن التاسع ق.م, لا البناء الحجري المدرج و لا البناء المكتشف حديثا إلى الغرب، وهذا هو، في رأيي، مؤشر واضح على أن أورشليم كانت أكثر بكثير من مجرد قرية صغيرة، فهي في الحقيقة تحتوي على أكبر هيكل معروف في ذلك الوقت في المنطقة، وبالتالي يمكنها أن تؤدي دور قاعدة سلطة مركزية. واقترحت ايلات مزار مطابقة هذا المبنى مع قصر داود حسب سفر صموئيل الثاني 5 : 11 ومن شأن تحديد أكثر قبولا من وجهة نظري ينبغي أن تتم مطابقته مع"قلعة صهيون"المذكورة في الكتاب في وصف فتح داود لأورشليم، و التي قام داود بتغيير اسمها إلى"مدينة داود"(صموئيل الثاني 5 : 7 ,9). مثل هذا التحديد لا يزال بطبيعة الحال افتراضيا، و مع ذلك فهو يبدو مغريا للذين آمنوا بأن السرد الكتابي يحفظ التقاليد القديمة والعديد المعلومات عن الماضي .
وبالإضافة إلى هذا المبنى الضخم،عثر فقط على بقايا قليلة في مدينة داود يمكن أن تعزى إلى القرن العاشر. و هي بشكل أساسي كسرفخارية وجدت في أرجاء منطقة التنقيب، و بقايا معمارية قليلة, وهذه الحالة الأخيرة تعود على الأرجح إلى الحالة السيئة لحفظ المباني على المنحدر الحاد لهذا الموقع المميز، و إعادة الإستخدام المتواصل على مدى قرون.وتم تأريخ التحصينات الضخمة المكتشفة من قبل روني رايخ و إيلي شوكرون حول نبع جيحون عند سفح مدينة داود لفترة العصر البرونزي الوسيط (من القرن الثامن عشر إلى القرن السادس عشر ق.م) وكانت من بين أقوى التحصينات لتلك الفترة في البلد بأكمله. و يمكن لمثل هذه التحصينات الضخمة أن يتواصل استخدامها لعدة قرون، بما في ذلك في زمن داود وسليمان، رغم عدم وجود دليل مباشر لدعم هذا الإقتراح، وتبقى حجة ظرفية فقط. لكن للمقارنة، على سبيل المثال، يمكن النظر إلى حالة المدن الرئيسية الأخرى في الشرق الأدنى القديم حيث الأبنية الضخمة لعصر البرونز الوسيط استمرت قيد الاستخدام لعدة قرون، وأيضا في بعض الأوقات استمر استخدامها حتى العصر الحديدي (مثل القصر في مدينة آشور، معبد إله العواصف في حلب، و المعابد في شكيم وبيلا، وغيرها كثير). أما المعبد والقصر الذي من المفترض أن يكون سليمان بناه يجب أن يعثر عليه، إن كان موجودا في أي مكان، تحت جبل الهيكل الحالي، حيث لا يمكن القيام بأي حفريات. وإذا ما تم أخذ الوصف الكتابي بموثوقية، فإن أورشليم سليمان يمكن أن تكون مدينة بمساحة 12 هكتارا مع المباني الضخمة الصرحية و معبد. وإذا ما تم محو سليمان من التاريخ، فمن سيكون إذن المسؤول عن بناء معبد أورشليم؟ ليس هناك ثمة شك في أن معبد كهذا قد انتصب على جبل الهيكل قبيل الغزو البابلي للمدينة، و لكننا نفتقر لأي تلميح نصي عن أي بديل لسليمان كباني لها.
بني هيكل سليمان، كما ورد في الكتاب وفقا لمخطط ثلاثي معروف بشكل جيد في المنطقة من الألفية الثانية ق.م حتى القرن الثامن ق.م. و الموازي القريب هو المعروف من معابد العصر الحديدي في تل التينات و عين دارا في شمال سوريا. و هذه الأمثلة تزودنا بأمثلة عن التفاصيل المعمارية التي تظهر في وصف معبد سليمان، مثل العمودين في مقدمة المدخل الرئيسي (المعروفين كتابيا باسم ياخين وبوعاز)، و الممرات المحيطة بالمبنى، و النمط الخاص للنوافذ. تفاصيل البناء في التقليد الكتابي، مثل استخدام الحجارة الكبيرة المحفورة مجتمعة مع خشب الأرز، و أيضا تقنيات البناء الملائمة المعروفة في الألفية الثانية و العصر الحديدي، مخططات المعبد هذه غير معروفة في بلاد الشام بعد القرن الثامن، و بالتالي، لم يكن الوصف الكتابي لمعبد أورشليم اختراعا من القرن السابع أو بعده. زخرفة وتأثيث المعبد، مثل البحر المنصهر؟ والقرع، والمناصب البرونزية ذات العجلات، الملائكة (الشيروبيم)، المعاول، الأحواض، كلها لها نظائر في اللقى الأثرية. الزخرفة التي تناسب الموضوعات الفنية و المعروفة في الفن الفينيقي. الكثير من أوجه الشبه يأتي من موضوعات تؤرخ للقرن التاسع حتى الثامن، ولكن العديد من هذه الموضوعات له جذور في تقاليد الألفية الثانية، و هي دليل على الإستمرارية في التقاليد الثقافية بين الألفية الثانية و الألفية الأولى. و يمكن لمعبد سليمان أن يدل على الإستمرارية ذاتها. التفصيل الرئيسي الذي يبدو مبالغا فيه هو الكمية الكبيرة من الذهب في المبنى-يبدو من غير المرجح أن مثل هذه الكمية الكبيرة من الذهب كانت متوفرة في القدس، على الرغم من دفوع آلان ميلارد عن جدوى هذا التفصيل أيضا. وصف مجمع قصر سليمان ومكوناته يمكن مقارنتة لبنية القصر في بلاد الشام و شمال سوريا, تشير هذه المقارنة إلى أوجه تشابه قريبة لمجمع القصر المعروفة جيدا والموجودة في زنجرلي، عاصمة شمأل ( جنوب شرق تركيا) ومدن سوريّة أخرى. ويبدو بالتالي أن الوصف الكتابي لكل من المعبد والقصر على حد سواء يناسب العمارة والفنون الزخرفية في العصر الحديدي المعروف لنا من علم الآثار. ولكن هل من المناسب القول أن مثل هذه المباني الرائعة انتصبت في القدس في القرن العاشر؟ يمكن للمرء أن يشك في أن مملكة سليمان كانت قوية وغنية بما فيه الكفاية لتتحمل تكاليف إنشاء مثل هذه المباني والتجهيزات. ربما من المفيد القول بأن الوصف الكتابي يستند على شكل المعبد في زمن التدوين-القرنين الثامن و السابع ، عندما كانت أورشليم في ذروتها-، وحتى مع هذا، فإنه يبدو مبالغا فيه كثيرا. ومع ذلك ، لا يستبعد مثل هذا التفسير احتمال أن المعبد و القصر قد أنشآ بالفعل في القرن العاشر ق.م، وتم تجديدهما في وقت لاحق. وباختصار كانت أورشليم خلال فترة داود على الأرجح مدينة بمساحة تصل إلى نحو أربعة هكتارات، و وصلت إلى نحو 12 هكتارا في عهد سليمان. وانتصبت قلعة عظيمة في قلب المدينة الرئيسية ("مدينة داود") ذات طبيعة وأبعاد استثنائية لتلك الفترة. مدينة كهذه لا يمكن أن تكون متخيلة كعاصمة لدولة عظيمة كتلك المذكورة في الكتاب، غير أنه من الممكن أن تكون لعبت دور مركز السلطة لحكام محليين مثل داود و سليمان، و بمثل هذا العرض نستطيع أن نحدد بشكل صحيح طبيعة المملكة و الدولة.
تصور يادين : مجدو ، حاصور وجازر
كشف المنقبون في مجدو من المعهد الشرقي التابع لجامعة شيكاغو في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي في سويتهم IV عن مبان ضخمة تم تفسيرها على أنها إسطبلات ملكية، وعلى أنها مشاريع سليمانية وفقا للإشارات الواردة في الكتاب عن مدن العربات التي شيدت من قبل سليمان (ملوك أول 9 : 19 ) وكشف المستوى الأبكر، السوية V لمنقبي جامعة شيكاغو ناهيك عن يغال يادين من الجامعة العبرية عن مدينة غير محصنة مع اثنين من القصور مشادة بالحجر المربع (يشار اليوم عادة إليها بالسوية IVB-VA). وقد أصبح تاريخ وتأريخ هاتين المدينتين موضع نقاش طويل بين علماء الآثار وما زالت هذه القضايا دون حل بعد، على الرغم من أهميتها البارزة لموضوعنا. ويبرز هنا سؤال رئيسي عن مجدو يتعلق بتحديد تأريخ ما يدعى البوابة ذات الغرف الست. لقد شيدت بوابة المدينة من حجر البناء المربع الذي كان يستخدم بالتاكيد في زمن" مدينة العربة"، و لكن وفقا لباحثين آخرين فقد شيدت في وقت سابق "مدينة القصور" (أو السوية IVB-VA). وكان وليام ف. أولبرايت ويادين و غيرهما قد أرخوا "قصور المدينة"إلى عصر سليمان و"مدينة الإسطبلات" (السوية IVA) إلى عصر آخاب في القرن التاسع. مبتوعاً بأعماله التنقيبية في حاصور و مجدو في الستينيات، طور يادين أطروحته المتجددة في ما يتعلق بالعمارة السليمانية. واكتشف في حاصور بوابة ذات ست غرف مماثلة لتلك الموجودة في مجدو و جازر و طابقها مع تلك البوابة المشابهة التي اكتشفت جزئيا من قبل ستيوارت ماكلستر قبل ذلك بعدة سنوات,واقترح يادين بناء على البوابات المشار لها في حاصور ومجدو وجازر بين نشاطات البناء السليمانية المذكورة في سفر الملوك الأول 9 : 15، بأن البوابات الثلاث شيدت جميعها من قبل مهندسي سليمان وفقا لمخطط موضوع. وبالتالي، فإن هذه البوابات والمدن التي ينتمون إليها اعتبرت من قبله كمعالم لمملكة سليمان. ويبدو أن المنقبين التاليين في كل من حاصور وجازر كأنهم يؤكدون القرن العاشر كتاريخ لهذه البوابات. وجدت البوابة التي عثر عليها في حاصور في ست سويات على الأقل من العصر الحديدي الذي سبق الغزو الآشوري عام 732 ق .م، وثلاث من هذه السويات ( X,IX,VIII والسويتان الأبكر يمتلكان مراحل فرعية) هم على الأرجح من القرن العاشر و التاسع، السوية VIII ربما انتهت ليس بعد حوالي 830 ق.م. البوابة ذات الغرف الست والسورالمحصن ينتميان إلى المراحل المبكرة لهذه السويات، وبالتالي فمن المنطقي القول أن نظام التحصين هذا شيد خلال القرن العاشر. وجهت انتقادات بشأن عرض يادين في مجدو في ضوء مؤشرات تقول بأنه لا يمكن أن تكون هذه البوابة شيدت أبكر من"مدينة الإسطبلات"وهذه الأخيرة يجب أن تكون شيدت في وقت ما بعد سليمان وفقا ليادين نفسه. في رأيي، هذه البوابة يمكن أن تكون جزء من مدينة القصور(السوية IB-VA)، واستمرت في الاستخدام في القرن التاسع. ويطرح إسرائيل فنكلشتين وجهة نظر متطرفة ترى بأن "مدينة القصور"بأكملها ( IVB-VA) بنيت على يد آخاب، أما مدينة "مدينة الإسطبلات" (بما في ذلك البوابة ذات الغرف الست) فقد بنيت من قبل منسّى في القرن التاسع. وهذه القضية مازالت مثار جدل و نقاش، وهناك وجهات نظر مختلفة حتى بين رؤساء ثلاثة بعثات أثرية جارية في مجدو (إسرائيل فنكلشتين، ديفيد أوسيشكين، باروخ هالبرن). وكما أشرت سابقا فإن الكرونولوجيا التقليدية المعدلة تمكننا من تأريخ الفخار الذي عثر عليه في"مدينة القصور" إما إلى عصر سليمان أو إلى عصر آخاب. هذا الوضع يدل على مجموعة متنوعة من الإحتمالات في تفسير المعطيات الآثارية لإعادة البناء التاريخية. و أنا ما زلت متمسكا بفكرة أن تأريخ"مدينة القصور" للقرن العاشر هو التأريخ الصحيح، ومن الصعب تقديم برهان أخير على ذلك. إن"قصور المدينة"، على الرغم من أنها احتوت على بوابة ضخمة، فقد كانت تفتقر إلى سور المدينة، وسوف يكون من الصعب قبول الفكرة على النحو الذي اقترحه التسلسل الزمني المنخفض لفنكلشتين، بأن مجدو آخاب كانت مدينة غير محصنة لأن هذا الملك المحارب قام بتحصينات ضخمة في التحويطة الملكية القريبة في يزرعيل، وكذلك الأمر في مدن أخرى من مملكته. تناسب إسطبلات مجدو عصر آخاب المذكور في المصادر الآشورية كصاحب عدد كبير من العربات الحربية. وخلاصة القول، إن أطروحة يادين بشأن العمارة السليمانية في مجدو، وحاصور وجازر قد تكون صحيحة.
شفيلة اليهودية
أشارت مواقع تنقيب عدة في أنحاء الأراضي الإسرائيلية إلى عملية تحضر خلال القرن العاشر وهذا سيكون المرحلة الأولى في النمو الحضري التي استمرت في معظم هذه المدن دون انقطاع حتى الفتوحات الآشورية أواخر القرن الثامن . وتجدر الإشارة أنه على الرغم من أن العديد من المواقع ظلت غير محصنة ولم تتطور بما فيه الكفاية لتصبح مراكز حضرية خلال القرن العاشر. فالأسلوب الجديد سوف يستمر في الوجود خلال معظم القرن العاشر و القرن التاسع، مما يجعل من الصعب التمييز بين هذين القرنين، وهذا مايعقد الأمور في ما يتعلق بالتأويل التاريخي. وتعتبر لخيش، المدينة ذات الأهمية الثانية ليهوذا،مثال جيد للمعضلة الكرونولوجية. بعد فجوة احتلال طويلة بدأت في القرن الثاني عشر ق.م، تأسست مدينة جديدة غير محصنة (السوية V) خلال القرن العاشر (وفقاً للكرونولوجيا التقليدية) أو في القرن التاسع (وفقاً للكرونولوجيا المنخفضة المعدلة من قبل أوسيشكين). الطور الأول من القصر الضخم يقع في وسط التل ربما يكون قد أنشىء في ذلك الوقت (كما اقترح ذلك المنقبون البريطانيون وأوسيشكين خلال أعمالهم الإستكشافية هناك) أو فقط في المدينة التالية (السوية IV كما أشار إلى ذلك أوسيشكين في تقريره النهائي المنشور).
من الأهمية بمكان تأريخ دقيق لهذه المباني من أجل إعادة بناء تاريخية. وإذا كان لا بد من تأريخ القصر بالقرن العاشر، فإن هذا سيتفق بصورة جيدة مع الوضعية الأثرية في أورشليم كما وصفت أعلاه، و يمكن أن يكون بمثابة دليل على ظهور يهوذا كدولة في القرن العاشر. ولكن الجواب ليس نهائيا وسوف نجد أنفسنا في المأزق عينه بكوننا نخضع للتصورات التاريخية المسبقة عندما نتخذ قرار الاختيار بين اثنين من التأويلات البديلة للمعطيات الأثرية. ربما مدينة لخيش تكون ضمن قائمة المدن المحصنة لرحبعام (سفر الأخبار الثاني 11: 8 ). وتحصيناته للخيش يمكن أن تحدد في السويةIV، والتي شملت سور المدينة الضخم، و البوابة ذات الغرف الستة المماثلة لتلك المذكورة أعلاه. المشكلة هي أن تاريخ هذه القائمة الكتابية هو موضع سجال: فالعديد من الباحثين يزعمون أنه تم إنشاؤه في فترة متأخرة كثيرا عن ذلك التاريخ ولا ينبغي أن تعتبر هذه القائمة تاريخية. ومع ذلك، هذا يبقى السؤال دون حل. وعلى الرغم من أن القائمة متضمنة في سفر أقل موثوقية من الناحية التاريخية ( سفر الأخبار)، فإن هذا السفر ربما يحتفظ بتقاليد أصيلة واستشهادات من وثائق قديمة.
بنيت مدن بيت شيمش و تمنة (تل البطش) في شمال شفيلة، على طول وادي سوريك و ذلك في القرن العاشر، ربما في إطار ظهور المملكة الإسرءيلية المتحدة. وثمة نقشين عبرانيين قصيرين، عثر على أحدهما في أحد هذه المواقع في سياقات القرن العاشر ق.م، يحتفظ باسم حانان، الذي يمكن أن يمت بصلة إلى إيلون بيت حانان، وهو اسم مكان ذكر في المقاطعة الإدارية الثانية لسليمان، تماما في هذه المنطقة (الملوك الأول 4 : 9). ويبدو أن هذا أكثر من مجرد مصادفة. ربما استقرت عائلة حانان هذه المنطقة، وتم الحفاظ على الاسم في كل من النقوش والاسم الكتابي. في هذه الحالة، قد يكون تاريخ القرن العاشر لهذا النقش يدعم صحة القائمة الكتابية لمقاطعات سليمان.
النقب
مرتفعات النقب هي منطقة مرتفعة تحيط بها واحة قادش برنيع في جنوب غرب البلاد. لم تستوطن هذه المنطقة خلال الألفية الثانية، و لكن انتشر بصورة مفاجئة حوالي خمسين مبنى ضخم جيدة التخطيط (المسماة حصوناً)، و حوالي خمس مائة منزلا مبعثرا في المنطقة خلال القرن العاشر واستمرت لفترة قصيرة ثم دمرت وهجرت.المباني المحصنة جيدة التخطيط و المنازل ذو الحجرات الأربع و فقا للنمط المعماري و تقنية البناء، فضلا عن نحو نصف الفخار الذي وجد في هذه المواقع، لا يمكن أن يكون من أصل بدوي محلي، كما اقترح عدد من الباحثين. بل يجب أن تشير إلى تأثير وصلات مع مناطق الإستقرار في الشمال، سواء كان ذلك في شمال النقب، يهوذا، أو من السهل الساحلي. الأكثر بساطة، المباني المتناثرة، بالإضافة إلى النصف الآخر من الفخار( الخشن،وفخار"نقبي"يدوي) يمكن أن يعزى في واقع الأمر إلى السكان الرعاة شبة الرحل المحليين. كل هذا ربما دليل على التعايش بين المستوطنين القادمين من يهوذا أوالسهل الساحلي الجنوبي وبدو الصحراء المحليين. قدمت تفسيرات مختلفة لهذا الظاهرة. التي هي باعتقادي ثمرة التأثيرات الخارجية، وربما من تأثير ظهور المملكة المتحدة الإسرائيلية و ربما كان الدافع اقتصاديا يمت بصلة لصناعة صهر النحاس الضخمة التي ظهرت في نفس الوقت في شرق فينان في وادي عربة (أنظر أدناه). في منتصف وادي عربة مقابل موقع فينان، يوجد موقع عين حصيفا الذي كان موقعا تجاريا الواقعة على طول أحد طرق تلك الشبكة التجارية. قائمة شيشنق (أنظر أعلاه) تشمل عشرات من أسماء الأماكن في النقب. بعض منها يبدو أسماء عبرانية شائعة مثل (هاجر،أبراهام hgr abrm) و(هاجر، عراد، رباط hgr ard rbt). و يمكن أن تعني هاجر الكلمة العبرانية للمباني الواسعة المحاطة بحزام من الغرف الشائعة في مرتفعات النقب. بالتالي من المحتمل أن شيشنق دمر هذه الموجة القصيرة و المكثفة من التوطن في مرتفعات النقب، وربما كان القصد من هذا الجزء الجنوبي من الحملة وضع حداً لشبكة استثنائية من التوطنات والتجارة في المنطقة، وهو ما اعتبر ربما من قبل المصريين كمنافس لهم أو تهديدا لمصالحهم الاقتصادية. أنا أرفض ما اقترحه فنكلشتين بأن مواقع مرتفعات النقب هذه هي جزء من"مشيخة" تتركز في تل مصوص في وادي بئر السبع-عراد. الطور الرئيس لشغل موقع تل مصوص يبدو أنه يسبق مواقع مرتفعات النقب، و يفتقر تل مصوص إلى السمة الرئيسية لهذه المواقع و هو الفخار النقبي .
مثال ممتاز على التفسير الخاطئ لاكتشاف أثري هو مطابقة عصيون جابر بموقع تل الخليفة (بين العقبة وإيلات), ويشير الكتاب إلى أن سليمان قام بأنشطة تجارية مع سبأ و عوفير اللتين حددتا ظاهريا بجنوب شبه الجزيرة العربية والصومال على التوالي (سفر الملوك الأول 9 : 26 – 28،10 : 1-13). وكانت عصيون جابر مرفأ هذه التجارة، والذي تم تحديده من قبل نيلسون غلوك في العام 1937 بموقع تل الخليفة، على رأس البحر الأحمر. و هو يصف المبنى الكبير الذي كشفه هناك باعتباره مركزا لصهر خام النحاس الذي يتم جلبه من مناجم تمنة، على بعد حوالى ثلاثين كيلومترا إلى الشمال. وقد لاقت مقترحات نيلسون غلوك رواجاً واسعاً نظرا لشعبية كتبه و سمعته. ومع ذلك، فإن بحثا أكثر قوة في تمنة و إعادة تقويم اللقى لعدة سنوات أثبت بأن هذه النظرية لا أساس لها بشكل كامل. لقد تأسس موقع تل الخليفة ربما بعد زمن طويل من سليمان(رغم أن هذا غير مؤكد،لأن الفخار المكتشف من قبل غلوك في السويات الأقدم لم يتم نشرها أو حفظها)
علم السكان
أحد الحجج ضد الواقع التاريخي للمملكة المتحدة هي الكثافة الاستيطانية الضئيلة المفترضة والافتقار الحضري في القرن العاشر. ومع ذلك تأثرت دراسات الكثافة الاستيطانية و الدراسات الديموغرافية القديمة بالمشاكل المنهجية، لأنها تعتمد على تفسير المسوحات السطحية. ومن الصعب تقويم نتائج هذه الدراسات الاستقصائية في مواقع تم التوطن فيها بشكل مستمر لمعظم فترة العصر الحديدي. الفخار المتحصل عليه في الأطوار الأخيرة التي شغلت هذه المواقع، بالتوازي مع عمليات التنقيب الدقيقة يمكنههما فقط أن يقدما تفصيلاً عن تاريخ هذه المواقع, ومازال تاريخ وحجم هذه المواقع غامضين،كما يجب التعامل بحذر مع حسابات السكان على أساس هذه الدراسات.مقارنة أنماط التوطن في العصر الحديدي الأول مع تلك الأنماط للقرن الثامن، تشير إلى زيادة تدريجية في المستوطنات خلال هذه الفترة الزمنية الممتدة حوالي 500 سنة. متوسط تقدير السكان في يهوذا يقارب 20000 نسمة خلال القرن العاشر يبدو واقعيا. وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام عدداً غير معروف من سكان الأراضي الإسرءيلية في إسرءيل الشمالية وأجزاء من شرق الأردن فيمكننا أن نقدر عدد سكان الأراضي الإسرءيلية بعدد يتراوح بين 50000 و 75000 نسمة. مثل هذا العدد من السكان يمكن اعتباره كافيا كقاعدة ديموغرافية للدولة الإسرءيلية في القرن العاشر.
معرفة القراءة والكتابة
حجة أخرى ضد وجود المملكة المتحدة هي ندرة الكتابات التي يرجع تاريخها إلى القرن العاشر ق.م, وهذا قد يعني عدم معرفة القراءة والكتابة، وبالتالي وجود غير محتمل لإدارة مركزية، و تاليا دولة. ولكن وجود المملكة الشمالية لإسرءيل غير مشكوك فيه في القرن التاسع, علما أنه لم يسفر بكل تأكيد عن عدد كبير من نقوش تعود لتلك الفترة ! ويمكن الإفتراض أن ندرة النقوش و الكتابات من هذه القرون تعود في سببها إلى الإستخدام الواسع لمواد كتابة قابلة للتلف مثل ورق البردي أو الرق. بعض الكتابات نقشت على الحجارة أو الأواني الفخارية للاستخدام اليومي من سياقات القرن العاشر تلمح إلى انتشار معرفة القراءة والكتابة تماما في ذلك الوقت، وبالتالي يمكن الإفتراض أن بعض المسؤولين والكتبة المحترفين وجدوا فعلاً في القرن العاشر.
جيران اسرائيل في القرن العاشر
لعب جيران إسرءيل في السرد الكتابي المتعلق بداود وسليمان دورا هاما. قرأنا عن الفلستيين والعمونيين والأدوميين و الآراميين و مدينة صور. إلى أي مدى يمكن لعلم الآثار أن يلقي الضوء على هذه الوحدات الجيوسياسية؟ كانت البحوث الآثارية في العقود الثلاث الماضية ثورية في ما يتعلق ببعضهم، في حين أن الآخرين لايزالوا مجهولين إلى حد كبير. وفي ما يلي موجز مختصر من الأدلة و من المسائل السجالية العديدة .
الفلستيون
يستثني الكتاب فليستيا من الأراضي التي فتحها داود، و هذا ما يتناسب مع الحالة الأثرية في فيليستيا، حيث تابعت المدن المستقلة ازدهارها. ومع ذلك، فقد أشارت البحوث الحالية إلى تحول هام في التوازن بين المدن الفلستية الرئيسية. خلال العصر الحديدي الأول السابق، كانت عقرون (تل مقني) الواقعة في المنطقة الداخلية على مقربة من حدود شفيلة، واحدة من أكبر المدن الفلستية، بمساحة تبلغ حوالي 20 هكتار.جت (تل الصافي) إلى الجنوب من عقرون، ربما كانت أيضاً مدينة كبيرة جداً بمساحة بين 20-30 هكتار. ومع ذلك تقلصت خلال القرن العاشر مساحة عقرون إلى أربعة هكتارات فقط، في حين زادت مساحة أشدود الإستيطانية الساحلية من حوالي ثمانية هكتارات إلى 40 هكتار تقريبا. بينما حافظت جت على حجمها. و أحد التفسيرات المحتملة هو موجات الضغط من الشرق من قبل مملكة داود و سليمان الناشئة. ربما يكون هذا قد أثر على عقرون، التي فقدت الكثير من المناطق الخلفية جنوب وادي سوريك، والكثير من سكانها انتقل إلى جت أو أشدود، الأمر الذي ساهم في زيادة مساحة هذه الأخيرة.
الأدوميين و المؤابيين و العمونيين
معلوماتنا عن دول القرن العاشر في شرق الأردن محدودة. و قد أظهرت البحوث التي أجريت مؤخرا بيانات جديدة بشأن ظهور أدوم. كما كشفت الحفريات التي أجراها ليفي توماس في خربة النحاس، أهم موقع من العصر الحديدي في مناجم النحاس الواسعة في فينان شرقي وادي العربة عند سفوح جبال أدوم عن مناجم نحاس مكثفة وصناعة تعدين وصهر. قلعة كبيرة، مبان ضخمة وأكوام ضخمة من خبث النحاس ينتمي إلى عدة مراحل نشاط تم تحديد تاريخها باستخدم تقنية التاريخ الإشعاعي بالفترة الزمنية الممتدة بين القرن الحادي عشر و القرن التاسع. وكانت صناعة النحاس هذه جيدة التنظيم وواسعة وذات أهمية اقتصادية هائلة و يجب أن تكون محتفظة بسلطة مركزية. و لابد أيضا أن تمت بصلة إلى نظام تجاري واسع الذي كانت تشكل جزء منه ربما مناطق مختلفة مثل مواقع مرتفعات النقب، وعراد وبئر السبع وربما المدن الساحلية و فيليستيا. من هم العاملين في هذا المركز ذو الطاقة الإنتاجية الواسعة؟ الأدوميين الأوليين هم المرشحون الطبيعيون لهذه العمل. ومع ذلك، فإن النظرة التقليدية، المستندة على اللقى التي وجدت في مواقع المرتفعات الأدومية أظهرت أن أدوم لم تظهر كدولة قبل القرنين الثامن و السابع . كشفت التنقيبات في بصيرة عاصمة أدوم الواقعة إلى الشرق من فينان عن هياكل عمرانية ضخمة تعود لفترة ليس أبكر من القرن الثامن-السابع ق.م. استدعت الإكتشافات الجديدة في فينان إعادة تقويم تاريخ أدوم. قد يكون، كما يقول ليفي، إن دولة أدوم ظهرت على الأقل خلال القرن العاشر. وربما كانت تدار مناجم فينان من قبل سلطة مركزيةيجب أن تكون قريبة من أدوم؛ ربما ستكشف الحفريات المستقبلية في بصيرة فترات احتلال سابقة هناك. هذا الموضوع هو حاليا قيد المناقشة، ويرفض المتخصصين في علم الآثار الأدومي مثل بيوتر بينكوفسكي فرضية ليفي. ومع ذلك ظهور أدلة جديدة قد تكون مقنعة و قوية. يجب أن تكون مناجم فينان للنحاس معروفة خلال القرن العاشر، وهذا قد يكون الخلفية لذكر أدوم في المرويات الكتابية المتعلقة بالمملكة المتحدة.
لقد أشرنا من قبل إلى احتمال ظهور موآب في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ومع ذلك لا يوجد لقى معروفة ذات صلة مباشرة للقرن العاشر سواء في موآب أو عمون. لا يوجد إذن ما يؤيد حروب داود ضد عمون. قد يتغير هذا في المستقبل عندما يتم التنقيب المنهجي من على تلة ربة عمون (في وسط عمان الحديثة)، والمواقع ذات الصلة.
صور والفينيقيين
يذكر الكتاب في كثير من الأحيان العلاقات بين حيرام، ملك صور، وسليمان. تنتمي صور إلى ما كان في ذلك الوقت كياناجديدا ناشئا، الذي نسميه اليوم (حسب المصطلح الإغريقي) "فينيقيا". لا يعرف الكثير عن المدن الفينيقية الكبرى صور وصيدا نظراً لعدم وجود أنماط نوعية من الفخار بما فيه الكفاية، و مع ذلك يمكن عقد صلة بين أساليب نوعية من الفخار و المدن الفينيقية التي تعود للقرن العاشر ق.م. عثر على الفخار الإغريقي الإيبوي في عمليات سبر في مدينة صور، الأمر الذي يشير إلى العلاقات التجارية الدولية التي انخرطت فيها صور فعليا خلال القرن العاشر.
يحفظ ناووس أحيرام ملك بيبلوس نقش الدفن الملكية، وهو نقش نافر مشغول بدقة. واعتبر من السمات المميزة للفن الفينيقي ودليل على ازدهار فينيقيا خلال القرن العاشر. المحاولة الحديثة لبنيامين ساس لخفض تاريخ هذا النصب إلى القرن التاسع تم بايحاء من الكرونولوجيا المنخفضة و هو أمر موضع شك كبير من وجهة نظري.
كشفت المواقع الساحلية في شمال اسرءيل مثل دور واشزيف عن مراحل عدة لظهور الثقافة الفينيقية من نهاية القرن الحادي عشر فصاعداً. و موقع هورفات روش زيت في الجليل الغربي يحظى باهتمام خاص. و يبدو أنه كان موقعا تجاريا بين صور و شمال إسرائيل خلال أواخر القرن العاشر و أوائل القرن التاسع. موقعها قرب القرية الحديثة كابول دفعت المستكشف غال لاقتراح مطابقتها مع كابول الكتابية و المذكورة في القصة التي تدور حول أرض كابول التي أعطاها سليمان لصور(سفر الملوك الأول 9 : 10-13).هذه القصة ربما تنبع من العلاقات السياسية والاقتصادية بين صور وإسرائيل في ذلك الوقت.
الفخار الفينيقي وغيره من المصنوعات اليدوية التي عثر عليها في المواقع الإسرءيلية من القرن العاشر ق.م هي دليل على العلاقات التجارية بين صور وإسرءيل. رغم أن معظم اللقى جاءت من شمال إسرءيل، فإن بعض الأدلة من القدس وغيرها من المواقع الجنوبية تشير إلى وجود علاقات بين فينيقيا ويهوذا في القرن العاشر ق.م، على الرغم أنه من المسلم به أنها علاقات صغيرة الحجم وضئيلة في واقع الأمر .
الآراميين والحثيين الجدد
نظرا لندرة المعطيات الآثارية من جنوب سوريا، فإننا نفتقر إلى أدلة أثرية مباشرة عن ظهور دول آرام دمشق و آرام صوبا الوراد ذكرهما في السرد الكتابي المتعلق بحروب داود في سوريا. و من المشكوك جدا فيه ما إذا كان داود في واقع الأمر خاض حروبا في أي وقت في سوريا وما إذا كان توعي ملك حماة في الواقع شخصية تاريخية وحليفا لداود،كما هو موضح في السرد التوراتي.
ومع ذلك،من المثير للاهتمام ذكر الإاكتشاف الأثري الحديث: فقد تمت مؤخرا عمليات حفر في المعبد الرئيسي لإله العواصف في مدينة حلب شمال سوريا، وعثر فيه على نقوش أثرية ذات أسلوب حثي جديد،تم تأريخها مؤقتا بالقرن الحادي عشر، بينما المعبد نفسه استمر في الاستعمال حتى القرن التاسع، و عثر في المعبد على نقش يحدد ملكاً اسمه "تعوتا Tauta " اشتملت مملكته على أراض واسعة في شمال سوريا بما فيها حمات[حماة] ، حيث عثر على نقش آخر يذكر الملك نفسه. والاسم تعوتا من أصل غير سامي و ربما هو ترديد للاسم الكتابي توعي. و هكذا يمكن لهذا الاكتشاف الجديد أن يلقي الضوء على أصل التقاليد الكتابية المتعلقة بتوعي ملك حماة. لا نستطيع الحكم في ما إذا كانت العلاقات بين داود و ملك حماة قائمة بالفعل أم لا، ولكن يمكننا الزعم بأن القصة الكتابية مستندة على أساس وجود فعلي لمملكة واسعة في القرن العاشر في شمال سوريا.
تمكن علم الآثار من إلقاء بعض الضوء على المملكة الصغيرة الآرامية جشور التي ذكرت عدة مرات في سيرة داود. وجدت هذه المملكة في شرق و شمال شرق بحيرة طبرية، حيث تم التنقيب في موقعين، هما تل هدار وبيت صيدا. كان تل هدار مركز إداري و مخزن حبوب كبير، و تم تأريخ الموقع وفقا للبحوث التقليدية فضلا عن التواريخ الحديثة التي نشرت مؤخرا باستخدام الكربون المشع إلى القرن الحادي عشر أو أوائل العاشر، الزمن المفترض لداود. و كانت مدينة بيت صيدا محصنة بتحصينات ضخمة و مساحتها حوالي ثمانية هكتارات خلال القرن العاشر. وعلى الرغم من أن جشور كانت أصغر دولة آرامية فإن تحصيناتها و مبانيها العامة تدلل على وجود سلطة مركزية وقوة اقتصادية تعود للقرن القرن الحادي عشر وصولا إلى الغزو الآشوري في منتصف القرن الثامن. وهنا، فالأدلة الأثرية توفر مرة أخرى خلفية مبكرة للرواية الكتابية.
الاستنتاجات
مما لا شك فيه، يمكن قراءة الكثير من السرد الكتابي بشأن داود و سليمان ليس كروايات تاريخية،بل باعتباره مجرد خيال و زخرفة أدبية كتابية لمؤلفين لاحقين. إن قصصاً مثل فتوحات داود في شرق الأردن وسوريا وحكمة سليمان، وزيارة ملكة سبأ، وحجم وبذخ المباني السليمانية، وهلم جرا. غير أن التفكيك الكلي للملكية المتحدة، كما اقترح بعض الكتاب الحاليين غير مقبول، في رأيي، لدى تقويم تاريخية الملكية المتحدة، وينبغي للمرء أن يأخذ في الإعتبار أن التطور التاريخي ليس خطياً، وأن التاريخ لا يمكن أن يكتب على أساس الحتميات الاجتماعية والاقتصادية أو البيئية الايكولوجية وحدها، كما كان شائعا خلال المرحلة الإجرائية التي هيمنت على علم الآثار والدراسات التاريخية والآثار في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وينبغي أن يؤخذ في الإعتبار دور شخصية الفرد في التاريخ، لاسيما عندما نتعامل مع شخصيات مثل داود وسليمان. وقد تلقى هذه المقاربة في التفكير المتجدد شرعية متجددة في مرحلة فكر ما بعد الحداثة. فهي تمكن من الإفتراض أنه بوجود قدرة شخصية وكاريزما استثنائية، يمكن خلق كيانات سياسية قصيرة الأمد أو دول لديها قوة عسكرية كبيرة وتوسع إقليمي.
سوف أقارن إنجازات داود المحتملة مع إنجازات حققها قائد أقدم من منطقة المرتفعات وهو لابايو، حاكم مدينة شكيم ومن زعماء العابيرو الوارد ذكره في رسائل تل العمارنة حكم منطقة واسعة من منطقة الهضاب خلال القرن الرابع عشر. وقام بتهديد مدن مثل مجدو في الشمال و جازر في الجنوب , وقام بكل هذه على الرغم من الهيمنة المصرية على كنعان. و يمكن تصور داود كحاكم مشابه للابايو باستثناء أنه قام بعمله في وقت كان فيه متحرراً من التدخل المصري أو أي قوة أجنبية أخرى، عندما كانت المدن الكنعانية في حالة انهيار، يمكن لقائد ومن وجهة نظري يتمتع بذكاء سياسي وموهبة وكاريزيمة أن يستولي على جزء كبير من منطقة صغيرة مثل أرض إسرءيل و يوحد الجماعات السكانية المتنوعة تحت قيادته. ربما تكون الجماعات أسلاًفا للسكان الكنعانيين المحليين و/ أو الجماعات القبلية في الهضاب والنقب. القوى الوحيدة التي وقفت في طريق داود كانت الدويلات الفلستية، و كما أخبرنا كل من الكتاب و علم الآثار، فقد كانت هذه الدويلات، وقتئذ مراكز حضرية، مستقلة ومحصنة و عظيمة، والتي في الحقيقة شغلت كنعان على الصعيدين العسكري و السياسي، وفي حين أن إنجازات قصيرة العمر سياسياً و إقليمياً كتلك التي قام بها داود قد تكون أبعد من قدرة الوسائل التي يستخدمها علم الآثار لكشفها، فإن تغيرا عظيما قد طرأ على الثقافة المادية للقرن العاشر قد يكون هو إثنية هذه التركيبات والتحالفات السياسية و الإجتماعية و الإثنية. هذه الثقافة المادية هي رمزية لبداية حقبة جديدة وصلت إلى أوجها في القرنين التاسع و الثامن. يمكن أن توصف المملكة المتحدة بأنها دولة في مرحلة أولى من التطور, دولة ليس على تلك الدرجة من الثراء و التمدد الواسع كما تم تصويرها في الكتاب، ويمكن مقارنة عاصمتها في زمن داود بمدن القرون الوسطى المحصنة المحاطة ببلدات متوسطة الحجم، بيد أنها كانت مركزاً لسياسة إقليمية مميزة ضمت معظم شرق الأردن. و ربما يكون غزو شيشق لأورشليم قد أتى كرد فعل على النمو المميز لهذه الدولة، ووربما تعكس قائمة حملته الموجودة في الكرنك معظم المناطق التي حكمها داود و سليمان. كما أن تحديد المباني السليمانية مازال مسألة سجالية، على الرغم من أن علم الآثار الذي أعمل فيه يسمح لتأريخ المباني الصرحية التي تعود للقرن العاشر، لذلك فإن مثل هذه المباني ربما تكون تعود بأصولها لسليمان .
الإشارة إلى"بيت داود"كاسم مملكة يهوذا في النصب الآرامي من تل دان( ربما قد يكون من عمل حزائيل ملك دمشق) يشير بأنه رغم مرور قرن و نصف تقربا على حكم داود فمازال شخصية معروفة في أنحاء المنطقة كمؤسس لسلالة حاكمة حكمت يهوذا. و تم التأكد من دوره في الإيديولوجية الإسرءيلية و كتابة التاريخ من خلال أثره في الذاكرة الجمعية اليهوذية، ولا يمكن أن تفسر بمجرد اختراع لمؤلفين لاحقين.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,359,486,314
- ربيع الشام و الحرب على السوريين
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(4)
- تمرين في الاقتصاد: متلازمة بومول
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(3)
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(2)
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(1)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(5)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(4)
- Il Postino ساعي بريد نيرودا: مجاز الوعد بوصفه خذلان
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(3)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(2)
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(7)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(6)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(5)- ال ...
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(1)
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(4) -ال ...
- المملكة المنسية:تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(3)-الفص ...
- المملكة المنسية:تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(2)-الفص ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1)
- الطلقة41: الحب أم الثورة؟ قلب من لاقلب له


المزيد.....




- واشنطن تشير إلى دلائل عن قصف كيميائي للنظام باللاذقية وتتوعد ...
- بعد إفادته للكونغرس.. وزير الدفاع الأميركي يستبعد الحرب مع إ ...
- زهدي الشامي يعلق علي تحمل الموازنة لديون قناة السويس
- ذكري رحيل الدكتور شريف حتاته
- سوريا: سقوط قذيفتين صاروخيتين وسط مدينة حلب
- جوخة الحارثي... أول عربية تفوز بجائزة مان بوكر العالمية
- البيت الأبيض: ترامب يزور أيرلندا في يونيو المقبل
- الرئيس اليمني يتلقى رسالة من بوتين
- أمير الكويت: نعيش ظروفا بالغة الخطورة
- دراسة: الأخبار الزائفة أكثر جاذبية


المزيد.....

- كتاب - أزمة المشروع الوطني الفلسطيني / نايف حواتمة
- كتاب -اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام- / غازي الصوراني
- حركة حماس والكيانية الفلسطينية المستقلة / فهد سليمان
- في راهنية الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية.. / فهد سليمان
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمودفنون
- مخيم شاتيلا - الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمود فنون
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1) / محمود الصباغ
- قطاع غزة.. التغيرات الاجتماعية الاقتصادية / غازي الصوراني
- الفاتيكان و الحركة الصهيونية: الصراع على فلسطين / محمود الصباغ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرءيل القديمة(5)