أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(3)















المزيد.....



البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(3)


محمود الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6223 - 2019 / 5 / 7 - 08:52
المحور: القضية الفلسطينية
    


الآباء ، الخروج ، الغزو : حقيقة ام خيال؟
إسرائيل فنكلشتين
تتناول هذه المقالة الفترات التكوينية من تاريخ إسرءيل الكتابية، ويظهر الأمر كما يبدو سهلا و معقدا في آن معا, فهو سهل لاتفاق معظمنا على أن الوصف الكتابي لهذه الحقبة من تاريخ إسرءيل القديمة لا يتعامل مع أحداث فعلية تعود بزمنها للألفية الثانية ق.م و هو معقد تعقيدا لأن هناك الكثير من الأدلة السلبية و بالتالي من الصعب أن تظهر, فضلا عن أننا نتعامل مع تجميعين مختلفين-الخماسية و التاريخ التثنوي- اعتبرا من قبل العديد من أهل الإختصاص أنهما يمثلان مراحل مختلفة من عملية التأليف. ويؤرخ المصدر اليهوي (J ) الذي يحفظ معظم المادة "التاريخية" في سفر التكوين تقليديا بالقرن العاشر ق.م, في حين دوّنت قصة غزو كنعان (ضمن متن التاريخ التثنوي) في مراحل لاحقة. غير أن وجهة النظر هذه بدأت في التغيير تدريجيا في السنوات الأخيرة بسبب أبحاث "النقد العالي". كما يحدد العديد من الباحثين الآن هذه العلاقة الوثيقة بين المصدر اليهوي و التاريخ التثنوي, و سوف أجادل من وجهة نظر ترى أن كليهما يعكسان وقائع زمن الملكية المتأخرة و تقع فترة الملكية المتأخرة في يهوذا في صلب سرديات كلا التقليدين " المصدر اليهوي و التاريخ التثنوي"و هذا بدوره يخدم الأهداف العقائدية واللاهوتية. ومن ناقل القول التأكيد على أن سفري التكوين والخروج يصوران أيضا بعض الاهتمامات التي تعكس الفترة الفارسية اللاحقة . و وسوف أناقش أولا- باستفاضة إلى حد ما- قصة الآباء باعتبارها دراسة حالة للجزء " التاريخي" في الخماسية,ثم أعرج يإيجاز على مرويات الخروج و الغزو في ضوء معالجة الروايات البطريركية.
قصص الآباء
قصة البطاركة بمعناها الأوسع , أي كيف تتحول العائلة إلى أمة- هي أول ملحمة كبيرة للكتاب. و وصف الكتاب لحياة الآباء البطاركة وصفا لقصة عائلة نموذجية بما تحتويه من فرح و حزن , حب و كراهية , خداع و مكر , فقر و مجاعة و ازدهار. و هي أيضا قصة عالمية فلسفية حول الولاء والطاعة والإيمان والتقوى. ولكن هل هي وصف تاريخي موثوق به لميلاد شعب إسرءيل؟
الفشل في العثور على أبراهام التاريخي
ينتمي العديد من علماء آثار والكتاب الأوائل لفئة رجال الدين. ولذلك من الضروري بالنسبة لهم القبول بأن الوعد الممنوح-من قبل الرب- لإبراهيم وإاسحق ويعقوب قد منح لشعب حقيقي يمثل أبكر تاريخ لاسرءيل القديمة. ويشير عالم الآثار و الباحث الكتابي رولاند دي فو بأنه" إذا لم يكن الإيمان التاريخي بوجود إسرءيل في التاريخ، فإن مثل هذا الإيمان هو افتراض خاطئ، وبالتالي، إيماننا خاطئ أيضا". و يتردد صدى ذات هذه المشاعر عند ويليم أولبرايت،عميد علم الآثار الكتابي، و يصر على أن" الصورة في سفر التكوين هي صورة تاريخية بشكل عام، وعموما لايوجد سبب يدعو للشك في صحة تفاصيل السيرة الذاتية التاريخية". و في الحقيقة، وعلى ضوء المكتشفات الكبيرة في بلاد ما بين النهرين ، وتكثيف النشاط الأثري في فلسطين منذ العقود الأولى للقرن العشرين، أبدى العديد من المؤرخين الكتابيين و الآثاريين قناعة بأن المكتشفات الجديدة هذه سوف تبرهن على أن رموزا كالآباء البطاركة تعبر عن شخصيات تاريخية. و جادل هؤلاء العلماء في أن المرويات الكتابية، حتى لو جمعت في تاريخ متأخر نسبيا (من وجهة نظرهم في فترة المملكة المتحدة ), فهي مع ذلك حافظت على الأقل على الخطوط العريضة لواقع حقيقي تاريخي قديم.و يرى أولبرايت بأن تفاصيل بعض قصص سفر التكوين كالأسماء الشخصية وقوانين شراء الأراضي قد تكون موجودة في سجلات الألفية الثانية قبل الميلاد لمجتمعات ما بين النهرين التي يبدو أن الآباء نشؤوا فيها. ولا يقل عن ذلك أهمية وصف الآباء بتبنيهم سبل حياة بدوية يتحركون مع قطعانهم في تلال كنعان. و هذه العناصر مجتمعة أقنعت أولبرايت بأن عصر الآباء هو واقع تاريخي. و بدأ بالتالي البحث عن أدلة تثبت حضور جماعات رعوية رافدية الأصل في كنعان في الألفية الثانية ق.م - التاريخ الذي يبدو صالحا للكرونولجيا الكتابية لعصر الآباء. كانت فرضية أولبرايت هي الأكثر تأثيرا من بين كل المحاولات الأخرى لوضع الآباء على أرضية تاريخية و أثرية، فقد تميزت كنعان الألفية الثالثة ق.م - العصر البرونزي المبكر- بوجود حياة حضرية نمت فيها مدن كبيرة محاطة بتحصينات هائلة و مجهزة بقصور و معابد في المناطق المنخفضة، ثم انهار نظام المناطق الحضرية المزدهرة في أواخر الألفية الثالة ق.م.
الآباء ، الخروج ، الغزو
شهدت أواخر الألفية الثالثة ق.م تدمير أو هجران للمدن إثر انهيار المناطق الحضريةو لم تتمكن العديد من هذه المدن استعادة حيوتها من جديد. كما هجرت العديد من المستوطنات الريفية المحيطة بهذه المدن. و ما تبع ذلك كان فترة امتدت لبضعة قرون انعكست فيها صورة ثقافة مختلفة جدا بغياب مدن كبيرة، حيث مارس معظم السكان -على الأقل، كما كان الإعتقاد سائداً بين علماء الآثار في خمسينيات و ستينيات القرن الماضي-، أسلوباً رعوياً بدوياً لنمط اقتصاد الكفاف قبل أن تتعافى الحياة الحضرية تدريجيا عندما دخلت كنعان المرحلة الحضرية الثانية، أي العصر البرونزي الأوسط في أوائل الألفية الثانية ق.م. و يسلط أولبرايت الضوء على الفترة الواقعة بين المرحلتين الحضريتين، العصر البرونزي الوسيط (والذي يسميها "البرونز الأوسط I ). ويجادل هو وغيره من العلماء في ذلك الوقت بأن انهيار الثقافة الحضرية في العصر البرونزي المبكر قد حدث بصورة مفاجئة، و حدث هذا الإنهيار نتيجة غزو البدو الرعاة القادمين من تخوم الصحراء في الجهة الشمالية الشرقية. وطابق أولبرايت أولئك الغزاة مع العموريين (Amurru) الذين ورد ذكرهم في النصوص الرافدية. كما هو و أتباعه زمن أحداث قصص إبراهيم الواردة في سفر التكوين إلى تلك المرحلة من تاريخ كنعان. كما اقترح بأن إبراهيم هو"رجل يعنل بتجارة القوافل و يتمتع بسمعة و شهرة رفيعة "،كانت له مساهمة في شبكة التجارة الكبيرة التي كانت قائمة في القرن التاسع عشر ق.م. و تشهد النصوص من ذلك العصر التي عثر عليها في كول تبه بالقرب من مدينة قيصري بوسط تركيا على العلاقات التجارية المزدهرة بين بلاد ما بين النهرين و الأناضول، و بالتالي و بالموازاة مع ذلك تحرك إبراهيم ما بين بين أور وحران المذكورة في الإصحاح 11 من سفر التكوين. [31 وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ، ابْنَ ابْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَأَةَ أَبْرَامَ ابْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعًا مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ. 32 وَكَانَتْ أَيَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ.]. وتزودنا اللقى التي عثر عليها في القبور المزينة المعاصرة لتلك الفترة في موقع بني حسن في مصر بدليل على تجارة القوافل بين شرق الأردن و مصر , كا هي موضحة و موصوفة في قصة يوسف في سفر التكوين , حيث استخدمت الحمير لحمل الأثقال في كلتا الحالتين.
و قدم نيلسون غلوك أدلة أثرية واضحة لإثبات هذه النظرية الأخيرة. وكشفت تقصياته و مسوحاته في شرق الأردن وصحراء النقب عن المئات من مواقع العصر البرونزي الوسيط، التي قدمت لأولبرايت الخلفية الأساس عن قصص نشاط إبراهيم في الجنوب. و لكن" الفرضية العمورية" لم تدم طويلا. فمع تزايد عمليات التنقيب والإستكشاف الإضافية، توصل معظم العلماء الى استنتاج مفاده أن النظام الحضري للعصر البرونزي المبكر لم يتهاوى بين عشية وضحاها، بل تدريجيا و على مدى عدة عقود بسبب العديد من الاضطرابات المحلية الإقتصادية والإجتماعية داخل كنعان أكثر منه بسبب موجة غزاة قادمة من الخارج. وبالإضافة إلى ذلك، أصبح من الواضح أن تعبير العموريين لم يعد يقتصر على شعب رعوي، لكنه بات يشمل أيضا مجتمعات قروية عاشت في أوائل الألفية الثانية ق.م.
و لم تسلم المماثلة التنظيرية بين طريقة الحياة الرعوية في العصر البرونزي الوسيط، وأوصاف نمط الحياة البدوية لإبراهيم من الهجوم أيضا. و بدى واضحا الآن أن نهايات الألفية الثالثة ق.م لم تكن فترة بداوة تماما. و من الصواب القول عدم وجود مدن كبيرة في ذلك الوقت،بينما ازداد تعداد نسبة الرعاة البدو الرحل إلى عموم السكان بصورة ملحوظة. إلا أنه ما زالت البلدات و القرة تحتفظ بعدد لا بأس به من السكان المستقرين،ويشير استمرار التقاليد المعمارية وأساليب الفخار، وأنماط التوطن إلى أن سكان كنعان في هذه المرحلة ما بين الحضرية كانوا في الغالب من السكان الأصليين وذلك في تناقض حاد مع نظرية الهجرة الكبيرة لبدو رحل قادمين من الشمال. بمعنى أن سكان كنعان هم من قاموا بإعادة تأسيس الحياة الحضرية هناك في مدن العصر البرونزي الأوسط.
وبإيجاز،لا يفهم اليوم الصعود والهبوط في كنعان، من الحياة الحضرية إلى الإنهيار نحو مجتمع أكثر رعوية في المناطق الريفية، و العودة الى مرحلة حضرية من جديد باعتباره انعكاسا لهجرات جماعية وتغيير السكان، بل يعزى بالأحرى إلى مراحل ذات أزمنة مديدة ودورات مكررة للنمو الحضري و الإنهيار، ومن ثم إعادة النمو لنفس السكان الأصليين لكنعان.
وقد أصبح واضحا من وجهة النظر الآثارية، أن تعافي نمط الحياة الحضرية بدأ قبل قرن على الأقل من التاريخ الذي اقترحه أولبرايت لنشاط إبراهيم باعتباره رجل قوافل تعتمد على الحمير في الجنوب. وأخيرا, لم تسفر المواقع الكتابية الهامة المشار لها في قصص ابراهيم، مثل شكيم، بئر سبع، حبرون عن أي لقى تعود للعصر البرونزي الوسيط. فهذه المواقع بساطة لم تكن مأهولة في ذلك الوقت. و تقترح نظرية أخرى تحديد عصر الآباء في فترة العصر البرونزي الأوسط الذي يمثل ذروة الحياة الحضرية في النصف الأول من الألفية الثانية ق.م. ودافع البعض عن وجهة النظر هذه,مثل رولان ديفو الذي رأى بأن طبيعة العصر البرونزي الأوسط, كما هي معروفة في كل من النصوص والآثار, تناسب بشكل أفضل الوصف الكتابي, و يعود ذلك أساسا إلى وصف الآباء بسكان خيام يعيشون قرب المدن.
من الناحية الأثرية، كانت جميع المواقع الرئيسة المذكورة في سفر التكوين(شكيم، بيت إيل، حبرون, جرار) معاقل محصنة في العصر البرونزي الأوسط. أما من الناحية النصية ،تم التاكد من صحة هذه العلاقة بين الخيمة-المدينة من الأرشيف الذي عثر عليه في مدينة ماري الواقعة على نهر الفرات في سوريا من أوائل الألفية الثانية ق.م . و بالإضافة إلى ذلك، يجادل مؤيدو تحديد العصر البرونزي الوسيط كزمن لعصر الآباء بتشابه اسماؤهم مع الأسماء المعروفة في أوائل الألفية الثانية ق.م، كما أشار علماء مثل سايروس غوردون و أفرايم سبايسر إلى أوجه الشبه بين الوصف الكتابي للممارسات الإجتماعية والقانونية و تلك الموجودة في نصوص الشرق الأدنى في الألفية الثانية ق.م. لعل أهمها تلك التي تعرف بألواح نوزي Nuzi من شمال العراق، التي تعود للقرن الخامس عشر ق.م، و يمكننا ذكر أمثلة قليلة، فمثلا يطلب من المرأة العاقر في نوزي أن تعطي زوجها أمة كي تحمل بأبناء له-و هذه قصة موازية واضحة للقصة الكتابية لسارة و هاجر المذكورة في الإصحاح 16 من سفر التكوين[1 وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ،
2 فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: «هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلاَدَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ». فَسَمِعَ أَبْرَامُ لِقَوْلِ سَارَايَ.3 فَأَخَذَتْ سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةَ جَارِيَتَهَا، مِنْ بَعْدِ عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَعْطَتْهَا لأَبْرَامَ رَجُلِهَا زَوْجَةً لَهُ.4 فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ. وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا.]. كما يتم في نوزي تبني العبيد " الخدم" من قبل الأزواج الذين ليس لديهم أبناء . و هذا مماثل لتبني إبراهيم لخادمه كوريث له كما هو مذكور في الإصحاح 15 من سفر التكوين[2 فَقَالَ أَبْرَامُ: «أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ عَقِيمًا، وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ أَلِيعَازَرُ الدِّمَشْقِيُّ؟»3 وَقَالَ أَبْرَامُ أَيْضًا: «إِنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلًا، وَهُوَذَا ابْنُ بَيْتِي وَارِثٌ لِي».] وردت في سفر التكوين 15 : 2-3 .و من أجل تجسير الفجوة الزمنية يجادل كل من غوردون و سبايسر بأن ألواح نوزي تعكس أيضا ممارسات العصر البرونزي المبكر و الأوسط . لكن حل نوزي/البرونزي الوسيط سرعان ما تبخر أيضا، فقد أتت الصعوبة أساساً, و من وجهة النظر الآثارية مما لا نشاهده في النص الكتابي. لقد مثل العصر البرونزي الأوسط حقبة حياة حضرية متقدمة، و هيمنت على كنعان مجموعة من الدويلات القوية التي حكمت من قبل مدن رئيسة مثل حاصور و مجدو. و كانت هذه المدن محصنة جيدا بمتاريس ترابية هائلة و بوابات ضخمة. و كان يوجد فيها قصور كبيرة ومعابد ضخمة. و لكننا لا نرى مثل هذا على الإطلاق في النصوص الكتابية. و بصدق،تم ذكر عدد ضئيل من المدن، ولكن ليس بالضرورة هي الأكثر أهمية فلم تذكر شكيم و لا أورشليم وهما من المعاقل الضخمة للعصر البرونزي الوسيط. و يجب أن نسمع عن حاصور في المناطق المنخفضة و كذلك عن مجدو وجازر، ولكن ليس جرار. و للإيجاز نقول : إن القصة الكتابية عن الآباء ليست قصة كنعان العصر البرونزي الأوسط. و لم تقتصر ظاهرة نمط حياة البدو الذين يعيشون قرب المدينة على العصر البرونزي الوسيط، فالشعوب عاشت على هذه الشاكلة من قبل، و استمرت كذلك حتى فترة متأخرة جدا من الألفية الأولى ق.م على الأقل . أما بالنسبة لأسماء الآباء فكانت شائعة في فترات لاحقة أيضا، في العصر البرونزي المتأخر والحديدي على حد سواء. و أثبتت الدراسات اللاحقة لنصوص نوزي، أن الممارسات الإجتماعية والقانونية التي تظهر تشابها مع السرد الكنابي لا تقتصر على فترة واحدة. لقد كان من الشائع في الشرق الأدنى القديم طوال الألفية الثانية و الأولى ق.م ، مسؤولية الزوج العاقر في تقديم خادمة لزوجها تحمل منه بالأطفال، ويظهر هذا أيضا في بعض عقود الزواج في آشور في القرن السابع ق.م.
و عندما بدى أن حل الألفية الثانية على وشك أن يكون قضية خاسرة، دمج الباحث الكتابي بنيامين مزار، المعطيات الآثارية مع فكرة يوليوس فلهاوزن التي تعود لأواخر القرن التاسع عشر الميلادي, التي ترى بأنه ينبغي علينا دراسة عصر الآباء على خلفية العصر الحديدي. كما أشار إلى"المفارقات التاريخية " في النص، مثل الإشارة إلى الفلستيين والآراميين. و غني عن القول، أنه لم يكن هناك فلستيون في كنعان في العصر البرونزي الأوسط. و أثبت كل من علم الآثار والنصوص المصرية على حد سواء استقرار الفلستيين على الساحل الجنوبي لفلسطين في القرن الثاني عشر ق.م. و بدلا من النظر إليهم كعناصر مقحمة في وقت متأخر من زمن التجميع في التقليد حول الأزمة الغابرة نرى أن بنيامين مزار يجادل بأن النص يعكس معرفة وثيقة بالدويلات الفلستية في الفترة السابقة لتأسيس الحكم الملكي في إسرءيل.
يحتل الآرامييون مكانا بارزا في القصص البطريركية. لكنهم لم يظهروا على مسرح أحداث تاريخ الشرق الأدنى القديم فعليا قبل العصر الحديدي المبكر، كما أن دولهم لم تظهر إلا في وقت متأخر، و تحديدا في القرن التاسع ق.م. و مع ذلك، يعتقد مزار أن وصف الآراميين كشعب رعوي يعكس طوراً مبكراً من تاريخهم، قبل أن يقيموا دولهم الأولى. و يبدو مزار هنا أنه مصيباً و مخطئاً في ذات الوقت، كان محقا في زعمه بتتبع واقع القصص المذكورة في سفر التكوين إلى زمن العصر الحديدي. إلا أنه لم يكن مصيباً لاختياره تاريخاً مبكراً جداً في العصر الحديدي. لقد كان هناك عنصر واحد موحد لجميع هذه النظريات: المروجين لها يقبلون بأنه ينبغي إعادة النظر في عصر الآباء بطريقة أو بأخرى باعتبارها المرحلة الأبكر في تاريخ إسرءيل المتسلسل . و ما أود قوله هنا, ولكن بشكل مختلف: تمثل القصص إيديولوجيات و احتياجات الفترة التي تم فيها تدوينها، أي الملكية المتأخرة و فترة ما بعد السبي. وكان قد ألمح الباحث الكتابي يوليوس فلهاوزن منذ أكثر من قرن إلى أكثر المفارقات التاريخية في النص الكتابي ألا و هي أن قصص الآباء تعكس مخاوف النظام الملكي الإسرءيلي، التي أسقطت على حيوات آباء خرافيين عاشول في ماضٍ أسطوري. و في و في العقود الخيرة ،جادل كل من جون فان سيترس و توماس طومسون ، بأن اختيار وترتيب القصص يعبر عن رسالة واضحة من قبل محرري الكتاب أثناء جمعه أكثر من كونه يحفظ وصفا تاريخيا موثوقا للأزمنة المبكرة حتى لو كانت النصوص المتأخرة تحتوي على بعض التقاليد المبكرة .
ولكن متى تم تجميع الكتاب ؟ يقدم نص الكتاب بعض القرائن الواضحة.
وضعت قصص الآباء "في سلة واحدة مع الجمال: عادة قطعان من الإبل، ولكن، كما في قصة بيع يوسف الذي باعه إخوته كعبد , وصفت الجمال كبهائم تستخدم في تجارة القوافل لحمل الاثقال. و نحن نعلم أن الجمال لم تستأنس لاستخدامها لحمل المتاع إلا في وقت مبكر من الألفية الأولى ق.م، و بعبارة أخرى، لم تكن تستخدم على نطاق واسع بهذه الصفة في الشرق الأدنى القديم حتى بعد 1000 سنة ق.م. وصف جمل القافلة يحمل "اللبان، ونبات المر" في قصة يوسف يكشف عن إلمام واضح بالمنتجات الرئيسية للتجارة العربية التي ازدهرت فس ظل السيطرة الآشورية في القرنين الثامن و السابع ق.م. وفي واقع الأمرتم الكشف عن الزيادة الملحوظة في أعداد عظام الجمال في القرن السابع في أعمال التنقيب في موقع تل جمة Jemmeh في السهل الساحلي الجنوبي وهو من المراكز التجارية المهمة لاسرءيل على طريق القوافل الرئيسي بين الجزيرة العربية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط .
و يشير ذكر جرار في سفر التكوين كمدينة فلستية إلى أنها كانت معروفة في وقت تأليف المرويات البطريركية. و تم مطابقة جرار مع تل حارور الى الشمال الغربي من بئر السبع وأظهرت الحفريات بأنها لم تكن أكثر من مجرد قرية صغيرة خلال العصر الحديدي الأول- و هو الطور المبكر من التاريخ الفلستي- و لكن الوضع تغير بعد ذلك، فمع أواخر القرنين الثامن والسابع ق.م حيث أصبحت معقلا إداريا آشوريا محصنا. واعتبر العديد من أهل الاختصاص, لا سيما الذين يؤيدون فكرة الآباء "التاريخيين"، بأن هذه التفاصيل هي إقحامات عرضية إلى التأليف المبكر. و لكن, كما قال توماس طومسون منذ سبعينيات القرن الماضي, بأن الإشارات الخاصة في النص للمدن و الشعوب المجاورة و الأماكن المألوفة ما هي إلا تلك الجوانب التي تميز على وجه التحديد القصص البطريركي عن الحكايات الشعبية الأسطورية تماما. و بعبارة أخرى، فهي إشارات على غاية من الأهمية لتحديد تاريخ ورسالة النص.
يهوذا وجيرانها
تعرض القصص البطريركية خارطة حيوية "ملزمة" لا لبس فيها لإنسان الشرق الأدنى القديم من وجهة نظر مملكتي إسرءيل ويهوذا. و غدا الآراميون في أوائل القرن التاسع ق.م العنصر المهيمن في قصص يعقوب، عاملاً سياسياً هاماً على الحدود الشمالية لإسرءيل، عندما ظهرت ممالكهم في ما يعرف الآن بسوريا الحديثة، و من بين هذه الممالك آرام دمشق حليفة الملكة الشمالية حينا, ومنافسا لها حينا آخر. و مجمل " سلسلة " القصص التي تدور حول يعقوب و لابان ما هي إلا تعبير مجازي لوصف علاقات معقدة غالبا ما تكون متوترة بين اسرائيل وآرام العصر الحديدي الثاني. فآرام دمشق و مملكة إسرءيل، كانتا من ناحية ندين عسكريين بشكل متواتر و من ناحية أخرى ،يبدو أن الكثير من سكان الأراضي الشمالية لمملكة إسرءيل يعودون لأصول آرامية. و حقيقة الأمر، تعبر تلك العلاقات بين الآباء وأبناء عمومتهم الآراميين في تلك القصص بوضوح تام عن وعي بالأصل المشترك. و الوصف الكتابي للتوترات بين يعقوب ولابان وقيامهما في نهاية المطاف بوضع أحجار لترسيم الحدود بين الشعبين في شرق الأردن (تكوين 31 : 31-54، بشكل خاص القصة " الإيلوهيمية " أو " النص الشمالي" ) يبدو مثل هذا الوصف أنه يعكس تقسيم الأراضي بين آرام وإسرءيل في القرن التاسع ق.م إلى القرن الثامن ق.م . كما يتردد في المرويات البطريركية الاتصال أيضا بين إسرءيل و الدول المجاورة لها من جهة الشرق. واتسمت علاقات إسرءيل و يهوذا مع ممالك عمون و مؤاب في كثير من الأحيان بالعدائية خلال القرنين الثامن والسابع ق.م . ومن ثم فمن الأهمية بمكان ملاحظة الكيفية التي ظهرت فيها السخرية من الجيران الشرقيين في القصص البطريركية و يخبرنا سفر التكوين 19 : 30-8 (إلى حد كبير "التقليد اليهوي" أو "النص الجنوبي" ) أن تلك الأمم قد نشأت و تكونت من سفاح القربى بين لوط و ابنتيه. كما أن القصص الكتابية حول الشقيقين يعقوب وعيسو تظهر حالة واضحة من تصورات القرن السابع ق.م التي قدمت بزي أكثر قدما . ويعد وصف الأخوين يعقوب و عيسو كآباء لإسرءيل وأدوم بمثابة شرعية إلهية للعلاقة السياسية بين الشعبين في عصور الملكية المتأخرة. يعقوب /إسرائيل حساس ومتحضر، بينما عيسو/أدوم صياد و أكثر بدائية و رجل براري. و لكن أدوم ككيان سياسي متميز لم تكن موجودة إلا في فترة متأخرة نسبيا. و نحن نعلم من المصادر الآشورية بأن أدوم لم تظهركدولة متطورة تماما إلا في أواخر القرن الثامن ق.م، و لم تغدو منافسا خطيرا ليهوذا إلا مع بداية النشاط التجاري للجزيرة العربية في ظل السيادة الآشورية. والأدلة الأثرية واضحة: ترافقت موجة الإستيطان الأولى الواسعة في أدوم بإنشاء مستوطنات و حصون ربما تكون ابتدأت في أواخر القرن الثامن ق.م، لكنها لم تصل إلى ذروتها إلا مع حلول القرن السابع و أوائل القرن السادس ق.م ، وقبل ذلك لم تكن سوى منطقة قليلة الكثافة السكانية. كما كشفت الحفريات في بصيرا Buseirah ، عاصمة أدوم في أواخر العصر الحديد الثاني بأنها تطورت لتصبح مدينة كبيرة في الحقبة الآشورية فقط. و كانت القوافل التجارية للتوابل و البخور النادرة عاملا هاما في الحياة الاقتصادية للمنطقة خلال القرنين الثامن والسابع ق.م،.وبالنسبة ليهوذا، فإن عددا من الشعوب البدوية كانوا جزءً بارزاً من هذا النظام التجاري الواسع المدى .
تقدم العديد من سلاسل النسب الواردة في القصص البطريركي صورة مفصلة لشعوب جنوب وشرق الصحارى خلال فترة الملكية المتأخرة. وأود أن أشير هنا إلى القيداريين وغيرهم ممن ظهروا لأول مرة في السجلات الآشورية لأواخر القرن الثامن ق.م . وينبغي ربط المدينة الكتابية تيما[15 وَحَدَارُ وَتَيْمَا وَيَطُورُ وَنَافِيشُ وَقِدْمَةُ.]
( سفر التكوين 25 :15) على الأرجح مع واحة القوافل العظيمة تيماء في شمال غرب الجزيرة العربية، المذكورة في المصادر الآشورية والبابلية للقرنين الثامن و السادس ق.م .
على الرغم من أن هذه القوائم تنتمي إلى "المصدرالكهنوتي " في سفر التكوين، الذي يؤرخ بصفة رئيسية، إلى فترة ما بعد السبي، فقد كانت هذه القوائم نابعة من أصول تعود لأزمنة أبكر. و تؤكد أسماء أماكن أخرى ذكرت في المرويات البطريركية المتعلقة بالبرية المحيطة مثل هذا التأريخ لزمن التأليف. فقصة الحرب المذكورة في سفر التكوين ،التي شنها الغزاة من الشمال مع ملوك مدن الهضبة تعد مصدرا فريدا من نوعه ، التي يمكن أن تعود أيضا إلى زمن السبي أو ما بعد السبي .[ 1 وَحَدَثَ فِي أَيَّامِ أَمْرَافَلَ مَلِكِ شِنْعَارَ، وَأَرْيُوكَ مَلِكِ أَلاَّسَارَ، وَكَدَرْلَعَوْمَرَ مَلِكِ عِيلاَمَ، وَتِدْعَالَ مَلِكِ جُويِيمَ،2 أَنَّ هؤُلاَءِ صَنَعُوا حَرْبًا مَعَ بَارَعَ مَلِكِ سَدُومَ، وَبِرْشَاعَ مَلِكِ عَمُورَةَ، وَشِنْآبَ مَلِكِ أَدْمَةَ، وَشِمْئِيبَرَ مَلِكِ صَبُويِيمَ، وَمَلِكِ بَالَعَ الَّتِي هِيَ صُوغَرُ.3 جَمِيعُ هؤُلاَءِ اجْتَمَعُوا مُتَعَاهِدِينَ إِلَى عُمْقِ السِّدِّيمِ الَّذِي هُوَ بَحْرُ الْمِلْحِ.] ( سفر التكوين 14). غير أن هذه القصة تزودنا بمعلومات جغرافية تتعلق فقط في القرن السابع ق.م , "عين مشفاط"و التي هي قادش من المرجح أن تكون إشارة إلى قادش برنيع، الواحة الكبيرة في الجنوب، والتي تم تحديدها باطمئنان على أنها "عين القديرات" شرق سيناء، وهو الموقع الذي تم التنقيب فيه و الذي أظهر بأنه تم استيطانه في المقام الأول في القرن السابع و أوائل القرن السادس ق.م[7 ثُمَّ رَجَعُوا وَجَاءُوا إِلَى عَيْنِ مِشْفَاطَ الَّتِي هِيَ قَادِشُ. وَضَرَبُوا كُلَّ بِلاَدِ الْعَمَالِقَةِ، وَأَيْضًا الأَمُورِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي حَصُّونَ تَامَارَ.]( سف التكوين 14). وبالمثل، فالموقع المشار له على أنه تامار في نفس الآية السابقة ينبغي مطابقته مع عين حصيفا جنوب البحر الميت حيث كشفت أعمال التنقيب هناك عن قلعة كبيرة كانت مأهولة في أواخر العصر الحديدي. وهكذا، فإن الجغرافيا، وحتى الحالة الأساسية للصراع المدمر مع الغازي الرافدي كانت ستظهر لشعب يهوذا بصورها المرعبة في القرن السابع ق.م . و تكشف مرويات سفر التكوين أيضا عن معرفة لاشك فيها عن موقع و سمعة الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية من القرن التاسع و حتى القرن السادس ق.م. فآشور و عاصمتيها -نينوى وكالح- ذكرا بشكل خاص في النص, كما ازدهرت مدينة حران -التي تلعب دورا مهيمنا في القصص البطريركية-في مطلع الألفية الثانية ق.م ،كما ازدهرت مرة أخرى في عصر الدولة الآشورية الجديدة. و أخيرا تشير النصوص الآشورية إلى بلدات في منطقة حران تحمل أسماء تتشابه مع أجداد إبراهيم تارح، ناحور،سروج. و من الممكن أن هؤلاء هم أسلاف من دعيت تلك البلدات بأسمائهم .
إيديولوجية يهوذا
يرى الباحث الكتابي مارتن نوث في القصص البطريركي تقاليد جهوية منفصلة في الأصل تم تجميعها في مروية موحدة لأغراض سياسية من أجل توحيد المجموع السكاني الإسرءيلي غير المتجانس. و يقدم التركيز الجغرافي، في رأيه، على كل قصة من قصص البطاركة قرينة هامة عن المصدر الذي أتى منه كل تقليد. و العديد من هذه القصص المرتبطة بإبراهيم وضعت في الجزء الجنوبي من منطقة الهضاب وتحديدا منطقة حبرون، ويرتبط اسحق مع تخوم صحراء جنوب يهوذا، و خصوصا منطقة بئر السبع، و على خلاف ذلك وضعت القصص التي تتحدث عن نشاط يعقوب في جزء كبير منها في الجزء الشمالي من منطقة الهضاب و شرق الأردن, أي المناطق التي كانت تشكل المملكة الشمالية أو إسرءيل. و لذلك يقترح نوث بأن الآباء كانوا في الأصل جدوداً إقليميين منفصلين تم جلبهم في نهاية المطاف مع بعضهم البعض بسلسلة نسب واحدة في محاولة لخلق تاريخ موحد.
في الواقع، كان الهدف من اختيار ابراهيم وعلاقته الوثيقة بحبرون, مدينة يهوذا الملكية المبكرة, و علاقته بأورشليم (أو "سالم" في تكوين 14 : 18 ) يعني التأكيد على أولوية يهوذا حتى في العصور المبكرة من تاريخ إسرءيل. لقد كانت يهوذا قبيل أواخر القرن الثامن ق.م، مملكة معزولة نوعا ما ومتناثرة السكان. و كان من الصعب مقارنتها بمملكة إسرءيل الغنية و القوية عسكريا. كان انتشار القراءة و الكتابة فيها محدوداً للغاية و كانت أورشليم عاصمتها صغيرة, و بلدة بعيدة مبنية على تل، و بعد تصفية الإمبراطورية الآشورية للملكة الشمالية عام 720 ق.م، نمت يهوذا بصورة كبيرة على صعيد السكان، كما تطورت مؤسسات الدولة المعقدة، و برزت كقوة ذات أهمية في المنطقة. وإذن، طورت يهوذا منذ أواخر القرن الثامن ق.م و إلى القرن السابع ق.م شعورا فريدا بأهميتها و مصيرها الإلهي. ورأت بقائها الفعلي دليلا على نوايا الرب منذ عصر الآباء والمتمثلة على وجه التحديد بوجوب أن تحكم يهوذا كل ارض اسرءيل. و ما كان مطلوبا هو وسيلة قوية للتعبير عن هذا الفهم لشعب يهوذا وللمجتمعات الإسرءيلية المتناثرة تحت الحكم الآشوري.
لذا، و رغم أن قصص سفر التكوين تدور حول يهوذا، فهي لا تهمل تكريم الإرث الإسرءيلي الشمالي. و في هذا الصدد، سوف يكون من الأهمية بمكان قيام إبراهيم ببناء بيت ليهوه في شكيم و بيت إيل وهما من أهم مراكز العبادة في المملكة الشمالية ( تكوين 12 : 7-8 )، و كذلك في مدينة حبرون ( تكوين 13 : 18 )، المركز الأكثر أهمية في يهوذا بعد أورشليم. لذلك لعبت شخصية أبراهام دوراً وظيفياً باعتباره الموحد العظيم لكل من التقاليد الشمالية و الجنوبية, و بوصفه يجسر الهوة بين الشمال و الجنوب. وفي حين من الممكن القول باتكاء القصص الفردية في السرد البطريركي على تقاليد شعبية محلية قديمة, فإن طريقة استخدامها كما وضعت و رتبت و نظمت حولتها إلى قوة تعبير عن أحلام اليهود في القرن السابع ق.م. لذلك ينبغي أن تعتبر التقاليد البطريركية نوعاً من "ما قبل التاريخ " الدنيوي لإسرءيل لعبت فيه يهوذا دورا حاسما. فتصف هذه التقاليد التاريخ المبكر جدا للأمة، و ترسم الحدود الإثنية، و احتضان تقاليد كل من الشمال والجنوب على حد سواء، وتبرز هذه التقاليد في نهاية المطاف و تؤكد تفوق يهوذا من البدايات المبكرة. ولذلك يجب أن ينظر إلى مصادر ما قبل السبي عن المرويات البطريركية على أنها محاولة أدبية لإعادة تعريف وحدة الشعب في إسرءيل في أواخر العصر الحديدي الثاني، أكثر من كونها سجلا دقيقا لحياة شخصيات تاريخية عاشت قبل ذلك بنحو ألف عام.
و مع ذلك لم تنته إعادة صياغة تاريخ إسرءيل من خلال جمع سفر التكوين في القرن السابع قبل الميلاد. و في هذه الحالة ليس هناك أدنى شك من استمرار تاريخ تأليفه خلال الفترة الفارسية، حتى القرن الخامس ق.م على الأقل. و لاحظ العلماء مطولاً أن المصدر الكهنوتي “P”في الخماسية يؤرخ في معظم الأحوال لفترة ما بعد السبي بما يوافق صعود الكهنة إلى مكانة بارزة في مجتمع الهيكل في أورشليم.كما يؤرخ التحرير النهائي للخماسية ايضا لتلك الفترة. ويتقدم الباحث الكتابي ريتشارد فريدمان خطوة واحدة للامام باقتراحه أن عزرا، الذي يوصف على وجه التحديد بأنه "كاتب شريعة إله السماء " ( عزرا 7: 12) هو من أعطى الشكل النهائي لأسفار موسى الخمسة. و قد احتاج مؤلفو مرحلة ما بعد السبي إلى إعادة توحيد المجتمع في مقاطعة إيهود حول معبد أورشليم لإعطاء الأمل للناس من أجل مستقبل أفضل، و لبيان مشكلة علاقتهم مع الجماعات المجاورة، لا سيما في الشمال والجنوب, و للتعامل مع المسائل المتصلة بالمشاكل الداخلية في المجتمع.
مع كل الخلافات بينهما, تشابهت احتياجات مجتمع إيهود العديدة لما بعد السبي تماما مع احتياجات الدولة اليهودية في فترة الملكية المتأخرة. و كان كل منهما عبارة عن مجتمعات محلية تعيش على أرض محددة و تقر بحقيقة سيطرتها على جزء صغير فقط من" أرض الميعاد"، ليس هذا فحسب، بل أيضا الشعور بأهميتهم العظيمة بوصفهم مراكز إقليمية وحيدة لأمة الإسرءيليين. كما كانت كلتاهما محاطتين بدول مجاورة معادية. و أعلنت كلتاهما عن مزاعم و ادعاءات نحو الأراضي المجاورة خارج نطاق ملكهما، كما واجهت كلتاهما مشاكل مع "الغرباء" من الداخل والخارج. و من ثم, لم يكن غريبا على الناس في أورشليم بعد السبي ملاحظة الكثير من إيديولوجية يهوذا في الفترة الملكية المتأخرة. إن فكرة مركزية يهوذا وتفوقها على جيرانها قرع الجرس في وعي الناس في أواخر القرن السادس والخامس ق.م، إلا أنه في الوقت عينه أجبرت ظروفا أخرى، كاختفاء بيت داود والحياة في ظل الإمبراطورية, المؤلفين في زمن ما بعد السبي المبكرة إلى إعادة صياغة وتشكيل الأفكار القديمة لموائمتها مع الوقائع و الإحتياجات الجديدة. و قصة هجرة إبراهيم من مكان أجنبي بعيد إلى أرض الميعاد في كنعان ليصبح رجلاً عظيماً و يؤسس أمة مزدهرة هناك، كانت بلا ريب نداءً موجهاً لشعب السبي و ما بعده، علاوة على أنها رسالة قوية للفصل بين الإسرءيليين و "الكنعانيين" في المرويات البطريركية تناسب أيضا شعب فترة ما بعد السبي في مقاطعة إيهود.
وفي الجنوب تكمن المشكلة الأكثر حدة من وجهتي النظر السياسية والإثنية على حد سواء. فقد استقر الأدوميين بعد تدمير يهوذا في المناطق الجنوبية من الدولة المهزومة، في وادي بئر سبع وتلال حبرون وحازت الحدود الإثنية المصطنعة بين "نحن" (مجتمع ما بعد السبي في مقاطعة إيهود) و "هم" (الأدوميين في جنوب منطقة الهضاب ) على أهمية قصوى. و لذلك كان ضروريا أن يتجلى تفوق يهوذا بوضوح في قصة يعقوب وعيسو و أن تبدو أدوم بصورة أقل مكانة و غير متحضرة .كما ينبغي فهم تقليد قبور الآباء في حبرون ( قصة المصدر الكهنوتي) على ضوء هذه الخلفية.و تجري الحدود الجنوبية لمقاطعة إيهود في فترة ما بعد السبي بين بلدتي بيت صور و حبرون. و لابد أن سكان إيهود فجعوا في أيامهم بحقيقة وقوع حبرون خارج حدودهم إذا ما استذكروا أهميتها في فترة الملكية. إن تقليدا يضع قبور الآباء المؤسسين للأمة في حبرون، سوف يخدم هدفهم من أجل تكريس ارتباط متين مع الهضاب الجنوبية، و ليس بأقل أهمية، الحرص الشديد للمحررين اللاحقين لسفر التكوين على إظهار الكيفية التي يمكن لأصول شعب إسرءيل أن تكمن في قلب العالم المتحضر. وهكذا، فهم يفاخرون بأن أباً عظيماً لشعب إسرءيل جاء من مدينة أور الكوزموبوليتية الشهيرة بخلاف الشعوب" الأقل" الذين أتوا من مناطق مجاورة أقل تطورا وتحضرا . و أور ليست لا تعرف فقط بوصفها موقع بالغ القدم و معروف جدا فحسب , بل اكتسبت أيضاً شهرة كبيرة في الشرق الأدنى القديم كافة خلال فترة إعادة تأسيسها كمركز ديني على يد الملك البابلي أو الكلداني نبوخذنصر. و بالتالي, فالإشارة إلى أصل إبراهيم من "أور الكلدانيين" سوف يقدم للشعب اليهودي تميزاً و أصلاً ثقافياً عتيقاً .
الخروج
يمكن لنموذج التعامل هذا مع قصص الآباء أن يعود بالنفع لقراءة سفر الخروج. فثمة ،في هذه الحالة أيضا، صعوبات جمة لا يمكن التغلب عليها لمحاولات تحديد مواقع أحداث القرن الثالث عشر ق.م، في زمن الفرعون رمسيس الثاني. فلا يوجد ذكر لحدث الخروج في أي مصدر يعود للدولة المصرية الحديثة، كما لا يوجد أي أثر للعبرانيين الأوائل في مصر. وكان الساحل الشمالي لشبه جزيرة سيناء محميا بواسطة حصون ضخمة بمقدورها بسهولة منع الفارين من عبور الصحراء، و تخلو سيناء من أثار لقى العصر البرونزي الحديث، حتى في مكان مثل قادش برنيع، حيث من المفترض أن الإسرءيليين مكثوا هناك لفترة طويلة.وينبغي أن لا يغيب عن بالنا أن الأمر لم يكن يتطلب من الإدارة المصرية سوى تأمين حامية لا يزيد عددها عن خمسين جنديا -وفقا لرسلئا العمارنة-لتهدئة الأوضاع في كنعان في الفترة التي كانت فيها مقاطعة مصرية تديرها حامية مصرية. و أخيرا، لم تكن العديد من الأماكن المذكورة في قصة الخروج والتيه مأهولة قبل القرن الثامن ق.م أو حتى القرن السابع .
في الواقع, أظهر عالم المصريات دونالد ريدفورد قناعة بأن جغرافيا الخروج من الدلتا الشرقية وأسماء الأشخاص في القصة تناسب بشكل أفضل تاريخ مصر في القرنين السابع و الثامن ق.م في عهد أسرة الصاويين، أي في فترة قريبة العهد من زمن جمع النصوص الكتابية. و من شأن التاريخ المتأخر لجمع هذه النصوص أن يتلائم أيضا مع معظم أسماء الأماكن المذكورة بقصة التيه في الصحراء. إلا أن ريدفورد لم يتجاهل في ذات الوقت احتمال احتفاظ قصة الخروج بذاكرة قديمة لأحداث كبيرة وقعت قبل عدة قرون- ربما طرد السكان الكنعانيين المعروفين بالهكسوس من دلتا النيل في القرن السادس عشر ق.م. فهل من الممكن أن تستخدم قصة المواجهة الكبرى بين بني إسرءيل والفرعون المصري لبعث رسالة قوية إلى يهوذيي الملكية المتأخرة ؟.
رافق انسحاب آشور في أواخر القرن السابع ق.م اصطدام اثنين من المشاريع المتنافسة : فمن جهة هناك حلم يهوذا (في عهد الملك يوشيا) في "إعادة احتلال" الأراضي المفقودة العائدة للملكة الشمالية السابقة و" إعادة إحياء" العصر الذهبي للملك سليمان، و من جهة أخرى كان ثمة مخطط مصري (في إطار حكم الأسرة الصاوية Saite ) لإعادة بعث امبراطوريتها العظيمة في بلاد الشام. [مرة أخرى].
فهل استخدمت قصة قديمة عن إذلال و هزيمة فرعون عظيم من قبل إله إسرءيل لبعث رسالة أمل لشعب يهوذا في زمن المؤلفين؟ مما لاشك فيه ترك امتلاك قصة الخروج أثرا قويا-ربما أقوى- في فترة السبي و ما بعده. و للإشارة إلى ذلك نذكر كلمات الباحث الكتابي ديفيد كلاينس" العبودية في مصر هي عبوديتهم في بابل، ماضي الخروج يصبح الخروج الذي لم يتم بعد". لقد أثر لاحقا وبصورة تبادلية التشابه بين قصة الخروج من مصر وذكريات العودة من المنفى ببعضها الببعض. وعثر العائدون من المنفى بسماعهم أو بقرائتهم قصة الخروج على صورة محنتهم الخاصة. و تخبرنا القصتين كما يبين الباحث الكتابي يائير هوفمان كيف أن الإسرئيليين غادروا أراضيهم إلى بلد أجنبي، وكيف بعد فترة قاسية عاد العبرانيين/اليهوذ Judahites إلى وطنهم, و كيف عبروا أثناء عودتهم الصحراء المحفوفة بالمخاطر، و كيف أثارت عودتهم نزاعات مع السكان المحليين، و كيف استوطن العائدون جزء من أرضهم الموعودة فقط، وكيف تم اتخاذ التدابير من جانب قادة العائدين لتجنب الاندماج بين اسرءيل وسكان الأرض.
الغزو
كشفت سلسلة الحفريات التي أجريت في وقت متأخر من عشرينيات حتى خمسينيات القرن الماضي عن بيانات تم تفسيرها على أنها تدعم المرويات الكتابية لغزوكنعان. فأظهرت هذه الحفريات أن مدن العصر البرونزي الحديث الثاني في كثير من المواقع دمرت بسبب حرائق هائلة يرجع تاريخها إلى أواخر القرن الثالث عشر ق.م و يرتبط هذا الدمار بالغزو الإسرءيلي. تمت موائمة هذه البيانات وفقا للكرونولوجيا التقليدية لتسلسل الفخار الإيجي، إلا أن هذا التأويل تأثر بدوره بقصص الغزو المذكورة في الكتاب [ المقدس] ،وهذه حالة أخرى واضحة عن المنطق الدائري. واجه هذا النموذج الذي تقدم به أولبرايت ويغال يادين منذ البداية معارضة قوية من علماء الكتاب الألمان الذين اقترحوا نموذجا مختلفا تماما لظهور إسرءيل القديمة. و أسفر التقدم في مجال البحوث الأثرية والأنثروبولوجية بين ستينيات و ثمانينيات القرن العشرين عن إخفاق نظرية الغزو العسكري.
أولا، أظهرت التنقيبات في المواقع الرئيسة المذكورة في مرويات الغزو الكتابية، مثل أريحا و عاي و جبعون و حشبون و عراد،أنها لم تكن مأهولة في العصر البرونزي الحديث أو كانت قرى ضئيلة الأهمية. ثانيا، و أشارت اللقى الجديدة في مواقع لخيش و أفيق بالإضافة إلى إعادة تقويم اللقى التي تعود لحفريات أقدم في مواقع مجدو و حاصور بأن انهيار منظومة الدويلات الكنعانية في عصر البرونز الوسيط كانت عملية طويلة واستمرت لوقت لا يقل عن ثلاثة عقود. ثالثا، أظهرت الدراسات التاريخية والأثرية ثبات و قوة القبضة المصرية على كنعان في منتصف القرن الثاني عشر ق.م،وهذا يعني أن مصر كان بإمكانها-بسهولة- منع أي غزو لكنعان على يد جيش بسيط تافه. رابعا، بات من الواضح أن انهيار كنعان في العصر البرونزي الحديث لم يكن سوى جزء من ظاهرة أوسع قدر لها أن تشمل منطقة شرق المتوسط بأكمله. خامسا, أظهرت عمليات السبر و المسح الواسعة التي أجريت في ثمانينيات القرن الماضي في منطقة الهضاب الوسطى أن ظهور إسرءيل القديمة ليس سوى مرحلة واحدة طويلة المدى و متكررة و عملية دورية لجماعات السكان الأصليين المستقرين و البدو .
و من المستبعد تصور قيام مؤلفون ينتمون للملكية المتأخرة باختراع قصص الغزو. لابد أن يكون المؤرخ التثنوي أخذ الحكايات الشعبية القديمة وذكريات متشظية ودمجها أثناء جمعه و ربما تكون بعض الركائز الحجرية الهائلة في عاي وراء تطوير القصص السببية (في هذه الحالة، يكون المغزى تفسير زوال مدينة قديمة جدا) بينما يمكن لمواقع أخرى أن تحفظ ذكريات مبهمة عن انهيار العالم القديم في نهاية العصر البرونزي. لكن المخطط العام لرواية الغزو يعكس وقائع الملكية المتأخرة. وتتمحور المقولة المركزية للتفكير التثنوي في أن جميع أرض و شعب إسرءيل يجب أن يحكما من طرف ملك داودي، و على العبادة الإسرءيلية أن تتركز في الهيكل الذي في أورشليم. و قد يكون مثل هذا النمط من التفكير ظهر بعد سقوط المملكة الشمالية، و لكن طالما آشور مازالت تهيمن على المنطقة فمن غير الممكن إنجاز هذه الافكار. بيد أنه من الممكن الوفاء بمثل هذه الأفكار و إنجازها بعد انسحاب الآشوريين حوالي630 ق.م. و إذن، في الوقت الذي كانت فيه حيازة الأرض مصدر قلق كبير، يعرض سفر يشوع ملحمة لا تنسى ذات دروس واضحة لخلق رواية حية وموحدة مظهرا أنه عندما يلتزم شعب إسرءيل بالعهد مع الرب،فسوف يكون النصر حليفهم على الدوام. تم سرد هذه النقطة على الخلفية المألوفة في القرن السابع ق. م ولعبت دورا في القلق الأكبر بخصوص الإيديولوجية التثنوية.
استخدم يشوع بوصفه رمزا كبيرا، كما لاحظ الباحث الكتابي ريتشارد نيلسون لرسم صورة مجازية ليوشيا المقدر له أن يكون منقذا لكل شعب إسرءيل في القرن الثامن ق.م. فيوشيا هو يشوع الجديد، و الغزو الماضي الأسطوري لكنعان هو خطة معركة لما ينبغي عليه أن تكون الحرب و الغزو الحاليين. أول هاتين المعركتين، في أريحا وعاي (أي منطقة بيتئيل) قد انتمت إلى مناطق كانت أول أهداف التوسع يوشيا بعد انسحاب آشور. وبالمثل، يمكن فهم قصة الجبعونيين الذين "أتوا من بلد بعيد" وتحالفوا مع غزو إسرءيل بوجود أساس لها في الواقع التاريخي للقرن السابع ق.م. وقد واجهت يهوذا خلال توسعها نحو الشمال باتجاه منطقة بيت إيل مشكلة في كيفية دمج أحفاد المنفيين الذين جلبهم الآشوريين من أماكن بعيدة و الذين استقروا هناك منذ بضعة عقود. و يمكن لقصة الجبعونيين القديمة أن تزودنا بسياق" تاريخي" يقوم من خلاله التثنويين بتفسير الكيفية الممكنة لدمج هؤلاء الناس الذين هم في الأصل ليسوا إسرءيليين. و تاليا ربما كان غزو سهل شفيلة يرمز إلى التوسع المتجدد لليهوذيين في هذه المنطقة الخصبة،و يتضح هذا التوسع من خلال توزيع بقايا اليهوذيين في فترة الملكية المتأخرة في هذه المنطقة التي تعد سلة الخبز التقليدية للملكة الجنوبية , والتي تم الإستيلاء عليها من قبل سنحاريب قبل بضعة عقود، وأخذت من يهوذا وأعطيت إلى مدن السهل الساحلي. ويبدو أنه تم إعادة دمجها في إقليم يهوذا أثناء القرن السابع قبل الميلاد، أي في عهد منسّى، أو يوشيا، بعد انسحاب الآشوريين. و أخيرا تنتقل القصة إلى الشمال، و هنا يصبح غزو الماضي فتحاً طوباوياً للمستقبل. و تستدعي الإشارة إلى حاصور في الأذهان ليس سمعتها في الماضي البعيد كما هو حال معظم المدن-الدول الكنعانية البارزة فحسب ، بل بكل تأكيد وقائع الأزمنة الأحدث عندما كانت أهم مركز بارز في مملكة إسرءيل في الشمال. و بالمثل، تماثل الأراضي التي وصفت بخصوص الحرب في الشمال تماما أراضي الجليل للمملكة الشمالية المهزومة أو إسرءيل. وقد نظر إلى هذه الأراضي في يهوذا القرن السابع ق.م بوصفها أراض تنتمي للملوك الداوديين في أورشليم بصورة شرعية وإلهية. و بالتالي ينبغي أن تقرأ قصص الفتح، على ضوء خلفية جغرافية وإيديولوجية يهوذا أواخر القرن السابع ، في زمن الملك يوشيا.
ملخص
من غير الممكن قراءة مرويات الآباء و الخروج و الغزو التي تصف التاريخ التكويني لشعب اسرءيل على أنها وصف تاريخي مباشر. ومن المحتمل أن العديد من هذه القصص تحفظ ذكريات قديمة، و حكايات فلكلورية، و أساطير و حكايات سببية. و مع ذلك تغلف طريقة ذكر هذه القصص وقائع الملكية المتأخرة ( في هذه الحالة: مرويات الآباء و الخروج، ومرويات السبي و ما بعده ). علاوة على ذلك، تفصح الطريقة التي تم فيها تجميع هذه المرويات عن هدفها في خدمة الأهداف الإيديولوجية لمؤلفيها في أواخر العصر الحديدي الثاني. لذلك لا ينبغي لهذه النصوص أن تقرأ في ترتيب تسلسلي من الأقدم للأحدث , وإنما يجب أن تفهم من الأحدث للأقدم- ابتداء من منظور الحقبة التي دونت فيها .
....................
تم إعداد هذا الفصل بالاستناد إلى فصل فصل البطاركة في كتاب نيل آشر سليبرملن و إسرائيل فنكلشتين ( التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها , رؤية جديدة لإسرائيل القديمة و أصول نصوصها المقدسة على ضور اكتشافات علم الآثار, 2001 )[ هكذا عنوان الكتاب في الترجمة العربية]
....................................
مرويات الآباء و الخروج و الغزو في ضوء الآثار
عميحاي مزار
تبدو اليوم، مسائل أصول و نشأة إسرءيل وتبلورها ككيان إثني أو جيوسياسي عرقي من بين أكثر المواضيع إثارة للجدل في تاريخ الكتاب [المقدس]. وكان شائعا قبل سبعينيات القرن الماضي مطابقة فترة الآباء،و طريق الخروج، و الغزو الإسرءيلي لكنعان من خلال العلاقة المباشرة مع المكتشفات الأثرية. مثلت فيها هذه المطابقة أجندة سائدة و مهيمنة بين علماء كبار مثل وليم أولبرايت وأتباعه، و رولاند دو فو، و مؤسسي علم الآثار الكتابي في إسرائيل من بينهم بنيامين مزار، يغال يادين، و غيرهما. و على مدى السنوات الثلاثين الماضية تعرضت هذه المقاربة إلى نقد شديد،و بات ينظر اليوم الكثير من العلماء إلى مثل هذه القصص كابتكارات أدبية متأخرة محملة برسالة لاهوتية و إيديولوجية واضحة بقليل أو بدون أي قيمة تاريخية. و لايزال يزعم المحافظون بأن العديد من هذه القصص تعكس الأحداث التاريخية الحقيقية، في الوقت الذي يؤكد فيه آخرون أنها تعكس وتحفظ مكونات معينة تضرب بجذورها في معيش الألفية الثانية ق.م. و المقبول اليوم من مجمل العلماء هو أن القصص التي وصلت لنا هي نتاج عمل أدبي إسرءيلي ينتمي لعهد الملكية المتأخرة أو بعد ذلك. و مازال بالإمكان طرح أسئلة على شاكلة : إلى أي حد تحفظ هذه الأعمال الأدبية قصصاً قديمةً انتقلت شفويا عبر الأجيال ؟وإلى أي مدى يمكننا مطابقة أي معيش من الألفية الثانية ق.م لهذه الروايات التوراتية في ضوء البحوث الأثرية الواسعة التي تجري في المنطقة؟
التقليد البطريركي
اشترك العديد من العلماء في السنوات السابقة لسبعينيات القرن الماضي في الإعتقاد السائد بأن البيئة الثقافية للعصر البرونزي الوسيط الثاني( حوالي 1800/1750–1550 ق.م) قدمت خلفية مناسبة لمعظم القصص البطريركي الواردة في سفر التكوين. و تظهر أرض كنعان في هذه القصص بامتلاكها ثقافة مزدهرة في المناطق الحضرية بوجود عشائر رعوية يسيحون بين المدن المحصنة، و في واقع الأمر كانت هذه هي الحالة خلال العصر البرونزي الوسيط الثاني. لقد كانت معظم المدن المذكورة في القصص البطريركية مثل، شكيم، بيتئيل، أورشليم, حبرون مستوطنات محصنة في العصر البرونزي الوسيط. و تتماشى وقائع الألفية الثانية مع خلفية المرويات البطريركية: فالأسماء الشخصية في هذه الروايات ذات نمط "عموري" معروف منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، و من ثم فاسم يعقوب يظهر كمكون في اسم أحد حكام الهكسوس في مصر, فضلاً عن اسم مكان في قائمة تحتمس الثالث للمدن التي احتلها في كنعان، ولكن الاسم غير معروف في الألفية الأولى .
أظهر أرشيف الوثائق المسمارية في ماري على الفرات الأوسط (القرن 18 أو 17 ق.م ) و نوزي ( القرن 15 ق.م) و إيمار (القرن 13 ق.م) عن معلومات وفيرة حول البنية الإجتماعية، و العادات اليومية و الطقوس، والقوانين السائدة في ذلك الوقت. بعض منها تجد نظائر لها في سفر التكوين و غيره من أسفار الخماسية، تم تفسير رحلة إبراهيم من أور إلى حران ومن هناك إلى كنعان، كانعكاس للاتصالات الدولية على طول الهلال الخصيب خلال العصر البرونزي الوسيط الثاني و تم النظر إلى المكانة الرفيعة ليوسف في مصر على أنها تتناسب مع فترة الهكسوس عندما حكم الأمراء السامييون مصر السفلى و أسسوا حكم الأسرة الخامسة عشر هناك في منتصف القرن السادس عشر إلى منتصف القرن الخامس عشر ق.م .كما اعتبرت العديد من الظواهر الأخرى في سفر التكوين التي تنطبق على فترات لاحقة من المفارقات التاريخية التي أدخلها لاحقا محررو و جامعو التقاليد الشفوية القديمة مثل: الإستخدام الواسع للجمال وظهور الآراميين والفلستيين في القصص البطريركية.
و مع ذلك، اعتبرت بذور هذه القصص عموما ضاربة في أعماق العصر البرونزي الوسيط الثاني. و بصدد الاختلاف في هذه الفرضية، ظهر اقتراح من قبل الباحثين مثل مانفريد ويبيرت في ورقة نشرت في العام 1979 ق.م, يرى فيها أن الآباء ربما هم رعاة فعليين عاشوا على طريقة الشاسو Shasu , أو بدوا رحلا كأولئك المشار لهم في النصوص المصرية في العصر البرونزي الحديث، و هو عصر الدولة الحديثة في مصر من منتصف القرن السادس عشر إلى القرن الثاني عشر ق.م، الموازي لمعظم العصر البرونزي الحديث. و قوبلت هذه المقاربة بالاعتراض من طرف باحثين رأوا بأن هذه القصص تشكلت في فترة متأخرة جدا قريبة من زمن كتابتها. و كان بنيامين مزار قد اقترح في العام 1963 بأن مادة سفر التكوين جمعت في بلاط الملك داود و سليمان و هي تعكس واقع عصرهما، أو من الفترة التي تسبق قليلا عصر القضاة. و في اثنتين من الدراسات التفصيلية خلال سبعينيات القرن الماضي اقترح كل من جون فان سيتر و توماس تومسون، فترة السبي أو ما بعد السبي كتواريخ لإتمام التقاليد الكتابية، و تركز جدالهما في نفي أي تقارب بين هذه التقاليد مع أي خلفية تعود للألفية الثانية ق.م. و كان لوجهة نظرهما هذه تأثيرا في ما بعد، ويحدد اليوم معظم العلماء في واقع الأمر التقليد البطريركي كابتكار متأخر لا يحمل أي صفة تاريخية .
ولكن ما زال هناك العديد من الأسئلة التي يمكن طرحها, مثل: متى و مع من نشأت هذه القصص ؟ ما هي الخلفية التي أدت إلى تأليفها؟ ما زلت أعتقد بالتقارب بين بعض أوجه التشابه بين ثقافة الألفية الثانية ق.م للمشرق و الخلفية الثقافية الواردة في قصص الآباء على النحو المذكور أعلاه بحيث لا يمكن تجاهله مثل هذا التقارب،و أود الإشارة إلى أن بعض مكونات القصص الكتابية, التي ربما هي استذكار لذكريات راسخة من الألفية الثانية ق.م حفظت عن طريق ذاكرة مشتركة و تقاليد شفوية. كان مقدراً لهذه القصص و التقاليد أن تنتقل شفويا على مدى عدة أجيال حتى تم إقحامها في الرواية الكتابية في وقت ما خلال الألفية الأولى. و البعض الآخر من هذه المكونات يعكس الكثير من الحالات التاريخية اللاحقة المضافة. غير أن هذا لا يعني وجوب أخذ القصص في ظاهرها على أنها تعكس أعمال الناس الفعلية، ولا ينبغي أن تؤخذ حرفيا كانعكاس للتاريخ الفعلي لأسلاف الإسرءيليين. بل على العكس من ذلك، هذا المظهر من جوانب القصص ربما هو في الواقع ابتكار لاحق. و أزعم هنا بأن بعض عناصر بيئة الألفية الثانية التي ذكرت أعلاه، مثل الأسماء الشخصية ،و أسماء الأماكن، و موقع الأمير السامي في البلاط المصري، ربما تلمح إلى احتواء هذه القصص على بذور تقاليد قديمة و قصص تضرب بجذورها في معيش الألفية الثانية و كما سنرى أدناه فإن هذا الخط من الفكر يمكن أن يطبق على تقاليد الخروج و الغزو .
الخروج
لا يتوفر دليل مباشر على إقامة الإسرءيليين في مصر ولا على إمكانية استخراج قصة الخروج من الآثار. والدليل الوحيد الذي يمكن للمرء أن ينظر إليه بجدية يتوقف على الظروف,فضلا عن اشتراطه توفر القرينة. فالقصة الكتابية عن العبرانيين الذين يعيشون في أرض جاسان (الدلتا الشرقية لمصر) في زمن الدولة المصرية الحديثة يمكن أن تفهم في سياق الأدلة الغنية عن السكان الساميين الغربيين الذين عاشوا في هذه المنطقة في معظم الألفية الثانية ق,م . وكما هو معروف الآن, أسس هؤلاء الساميون الغربيون الأسرة الخامسة عشر أو الهكسوس في مصر. و خلال القرن الثالث عشر, بنى الفرعون العظيم رعمسيس الثاني من الأسرة التاسعة عشر مدينة جديدة دعيت "بي رعمسيس" قرب الموقع القديم لعاصمة الهكسوس في آفاريس. و كانت مدينة كبيرة مبنية من الطوب في منطقة عاش فيها أعداد كبيرة من الساميين الغربيين لعدة قرون. ربما تعكس القصة المذكورة في سفر الخروج تصوير اليهود كبناة لمدينة رعمسيس من القرن الثالث عشر. كما أن موضوع الهروب إلى صحراء سيناء أمر معروف هو أيضا خلال هذه الفترة. تصف البرديات مجموعات صغيرة من العبيد الهاربين إلى سيناء عبر منظومة التحصينات الشرقية لمصر، التي تتطابق قليلاً أو كثيراً مع خط قناة السويس الحديثة. و من المحتمل أن مصطلح الطريق "إلى أرض الفلستيين " المذكور في الإصحاح 13 من سفر الخروج يشير إلى الطريق المعروف عند المصرين باسم " طريق حورس" الذي يمتد من أقصى الفرع الشرقي لدلتا النيل (الفرع البيلوسي Pelusiac ،وهو جاف اليوم) إلى غزة، المعقل الرئيس للمصريين في كنعان. [17 وَكَانَ لَمَّا أَطْلَقَ فِرْعَوْنُ الشَّعْبَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَهْدِهِمْ فِي طَرِيقِ أَرْضِ الْفَلَسْطِينِيِّينَ مَعَ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ، لأَنَّ اللهَ قَالَ: «لِئَلاَّ يَنْدَمَ الشَّعْبُ إِذَا رَأَوْا حَرْبًا وَيَرْجِعُوا إِلَى مِصْرَ».]. و يمثل الرسم الجداري النافر على السور الخارجي لمعبد أمون العائد لسيتي الأول(حوالي 1300 ق.م) أحد خرائط الطرق المبكرة في السجلات التاريخية الذي يصف أكثر من عشرين محطة على طول هذا الطريق شمال صحراء سيناء، و يتواجد في كل محطة حصن صغير وخزان للمياه. و كشفت الأبحاث الأثرية في شمال سيناء وجنوب غزة بالفعل عن بعض هذه الحصون. فالطريق كانت معروفة للمؤلفين الكتابيين، الذين، مع ذلك أطلقوا عليها اسم الفلستيين الذين احتلوا الساحل الجنوبي الغربي لفلسطين في وقت تأليف الكتاب و قد كان على الإسرءيليين تجنب هذه الطريق المحصنة في شمال سيناء، كما فعل العبيد الهاربين من مصر المشار لهم في برديات يرجع تاريخها إلى نهاية عهد الدولة الحديثة المصرية. و يمكن اعتبار هذه الإشارات كموازيات طوبولوجية لنشأة رواية حادثة الخروج . و على الرغم من ذخيرة أواخر الألفية الثانية من المرويات الكتابية، وبعض السمات الجغرافية في القصة التي يمكن أن تعرف، تعد قصة الخروج أحد أبرز التقاليد في الذاكرة المشتركة الإسرءيلية التي لا يمكن قبولها كحدث تاريخي و يجب أن تعرف بوصفها ملحمة وطنية. و لا نستطيع تصور أمة كاملة تجول في الصحراء لمدة أربعين عاما تحت قيادة موسى، كما وردت في التقليد الكتابي. و مع ذلك قد يكون تخمينا بأن هذا التقليد له جذور في تجرية جماعة معينة من العبيد الساميين الغربيين كانوا قد فروا من منطقة دلتا النيل إلى شمال سيناء في أواخر القرن الثالث عشر ق.م , مثلما يتوازى مع أحداث سجلت على برديات من عهد الدولة الحديثة من مصر. مثل هذه الجماعة قد ضمت ما يمكن أن يصبح الإتحاد الإسرءيلي جالبة معها قصة الخروج إلى جانب أفكار ديانة جديدة. و نحن كباحثين، لا يمكننا، على كل حال، تقديم أي أدلة على قصة الخروج كواقعة حدث بالفعل. كما لا يمكننا تحديد جبل سيناء وغيره من أسماء الأماكن في القصة، و لا أي بقايا من تلك الحقبة لا تزال موجودة في مكان ما في سيناء, بما في ذلك واحة قادش برنيع التي تلعب دورا مهما في القصة. غير أنه يمكننا القول بأن قصة الخروج تعكس معرفة جيدة في الجغرافيا و الظروف الطبيعية لشرقي الدلتا، و شبه جزيرة سيناء و النقب،و شرق الأردن. الأمر الذي دفع بمختلف العلماء للقيام بمحاولات عديدة لتحديد ملامح سمات جغرافية محددة تتعلق بمسار الخروج، مثل موقع جبل سيناء. إلا أنها قد تقدم تلميحا عن أبكر تاريخ لظهور هذه القصة. في نهاية المطاف،تم تحويل وتكييف القصة كمروية رئيسية عن عموم إسرءيل. و كانت هذه الرواية خلال قرون عدة من التحول تتغير باستمرار وتتوسع حتى وصلت إلى ما نعرفه الآن بالكتاب بالعبري .
استمر البحث عن جبل سيناء منذ العصر البيزنطي، و يوجد على الأقل خمسة مواقع مختلفة مرشحة من مناطق سيناء والنقب و شمال غرب العربية كمكان مقترح لهذا الجبل، و لكن أي منها لم يكن مقنعا. و ينبغي أن تترجم عبارة "البحر الأحمر Red Sea" الكتابية من العبرية ببحر القصب Sea of Reeds وبالتالي فإن هذا الأخير يشير على الأرجح إلى بحيرة مياه عذبة. و هو ما ناقشه جيمس هوفماير في الآونة الأخيرة, حين اقترح مطابقة هذا البحر مع بحيرة مياه عذبة قديمة حدد موقعها بالقرب من الطرف الشمالي لقناة السويس. و لكن، حتى لو كانت هذه المطابقة صحيحة، فهي تؤكد فقط الخلفية الجغرافية والبيئية لهذه القصة، غير أنه لا يمكن التحقق من تاريخيتها كحدث مؤسس رئيس في تاريخ إسرءيل. و ما يمكن قوله هنا في المجمل، هو أن قصة الخروج تتكأ على بعض ذكريات لها جذور تصل إلى وقائع القرن الثالث عشر ق,م . كما تستند إلى معرفة جيدة أكثر بالظروف الجغرافية و البيئية للأراضي التي تشتمل عليها الرواية. و تشير المكونات الأخرى لأدبيات الخروج المتعلقة بالنقب و شرق الأردن إلى ملامح لاحقة لم تنشأ قبل زمن الملكية الإسراءيلية (مثل مملكة أدوم) أو غير معروفة تماما في التاريخ الفعلي (مثل مملكة سيحون الأمورية ). و بالتالي، تمتد جذور بعض التفاصيل في معيش القرن الثالث عشر مع أنها لا تؤكد تاريخية قصة الخروج.
تقليد الغزو
انجذب الآثاريون طويلاً لمرويات الغزو في سفر يشوع والقصص المشابهة في سفري العدد و القضاة. فالمدن المدمرة هي من بين الأشياء التي ينبغي على الآثاريين أن يكونوا قادرين على كشفها . و إذا كانت إسرءيل دمرت العديد من المدن الكنعانية حقا وفقا لمرويات الغزو المختلفة (كما في سفر يشوع على وجه الخصوص، و ليس الحصر)، فمن واجب الآثاريون أن يمتلكوا، إذن، القدرة على كشف تلك المدن المدمرة . و مال المؤرخون والآثاريون في السنوات الأولى للآثاريات الكتابية إلى قبول رواية الغزو كقيمة منيعة مقنعة. و عرض آثاريون مثل جون جارستانج و ويليم أولبرايت و يغال يادين، و آخرين الغزو الإسرءيلي للبلد كحدث قصير الأجل يمكن تحديده آثاريا. و ربما كان يادين الأخير الذي عرض يشوع كبطل عسكري حقيقي قام بغزو مدينة إثر أخرى في كنعان حسب المرويات الكتابية. و بات واضحا منذ ستينيات القرن الماضي أن هذا لم يكن واقعا تاريخيا. فقد أظهرت التحقيقات الأثرية أن العديد من المواقع المذكورة في قصص الغزو لم تكن مأهولة خلال الفترة المفترضة للغزو حوالي 1200 ق.م. كما هو الحال لمواقع عراد و حشبون و عاي و يرموت Yarmuth. و بعض المواقع الأخرى لم تكن سوى مستوطنات صغيرة وغير مهمة في ذلك الوقت،مثل أريحا و ربما حبرون. أما مواقع مثل لخيش وحاصور فقد كانت مدناً كنعانية مهمة فعلا، بيد أن تدميرهما لم يكن جزء من عمل الجيش نظرا لأن هناك ما يقرب من مئة عام تفصل بين تدمير حاصور(منتصف القرن الثالث عشر ) و تدمير لخيش (منتصف القرن الثاني عشر). علما بأن الأدلة الأثرية في مواقع أخرى على درجة عالية من الضآلة .
بناء على ذلك بات من المقبول الآن للجميع تعارض علم الآثار في الواقع مع الوصف الكتابي للغزو الإسرءيلي كحدث تاريخي بارزبقيادة زعيم واحد. و ينظر معظم علماء الجيل الأخير إلى مرويات الغزو كعمل أدبي من زمن متأخر جدا الهدف منه تكريس قومية إسرءيلية و ملحمة وطنية . و لكن، حتى هذه الرؤية لا تستبعد احتمال أن قصص غزو معينة تعكس صدى أحداث تاريخية معزولة فردية ربما وقعت خلال أواخر الألفية الثانية، و لو أن ذلك ربما لا يعني على وجه التحديد إسرءيل كأمة أو يشوع كقائد عسكري. إن قصصا أخرى تبدو أنها ذات جوانب سببية تمتد جذورها في بعض الحالات التي تتعلق بفترة الاستيطان .
هناك عدة أمثلة يمكنها أن تقدم حالات اختبار أكثر تحديدا عن الكيفية التي تأخذ فيها ذكريات الماضي طريقها نحو السرد الكتابي لاحقا. في معرض وصف الكتاب لتفاصيل غزو عاي، يشير إلى موقعها " عاي التي هي قريبة من أبين إلى الشرق من بيتئيل "( يشوع 7 : 2 )، مفترضين صحة تطابق عاي مع موقع التل الحالي، و هو الموقع البارز الوحيد إلى الشرق من بيتئيل. غير أن اللقى الأثرية تنكر قصة غزوها المذكورة في يشوع 8. فلم توجد أي مدينة تعود إلى العصر البرونزي الحديث في هذا المكان أو في الجوار،و بالتالي لا يمكن أن تكون رواية يشوع 8 للغزو مستندة إلى واقعي تاريخي لموقعها الطبوغرافي أو المعقولية التكتيكية . ومع ذلك يمكن تفسير القصة في ضوء الأدلة الأثرية للموقع باعتبارها قصة سببية Aetiology.و قد بنيت قرية العصر الحديدي الأول فوق أطلال بارزة لمدينة أبكر محصنة تعود للألفية الثالثة ق.م (أو البرونزي الثالث)، و لا بد أن يكون سكان هذه القرية على علم بالحصن الأقدم، الذي دمر قبل أكثر من ألف عام مضى و الذي يمكن أن تكون بعض أجزاءه لم تنقب حتى اليوم. فمن المعقول أن نفترض بأن قصة غزو عاي تم اختلاقها من قبل مستوطني العصر الحديدي الثاني كنوع من تفسير البقايا الأثرية التي بنيت عليها قريتهم و حيث أن الموقع قد هجر في نهاية العصر الحديد الأول، فربما تكون القصة السببية قد اختلقت خلال فترة التوطن (من القرن الثاني عشر حتى الحادي عشر ق.م ) و انتقلت شفويا لعدة قرون حتى وجدت طريقها الى السرد الكتابي للغزو. و المثال الثاني هو حاصور. التي تعد أكبر مدينة كنعانية بمساحة تصل إلى نحو70 هكتار وأكبر بعدة مرات من أي مدينة كنعانية أخرى في المنطقة وكانت عاصمة لدويلة تشهد عليها وثائق مصر و ماري من الألفية الثانية ق.م . و تعريف حاصور في سفر يشوع 11: 10 "رأس جميع تلك الممالك" يناسب وضعها في الألفية الثانية قبل الميلاد، و ربما لم تكن مختلقة أثناء تأليف سفر يشوع في القرن السابع ق.م أو في وقت لاحق حيث لم يكن لحاصور أهمية تذكر حينها.
الإشارة إلى إحراق حاصور في سفر يشوع 11 :11(وهي في هذا الصدد استثناء عن كل المدن الأخرى التي "غزيت") تم تدعيمه عن طريق الأدلة الأثرية التي تشير إلى حدوث حريق هائل دمر القصر الكنعاني و المعابد في حاصور في وقت ما خلال القرن الثالث عشر (ربما خلال النصف الأول من هذا القرن). و لم يتردد يادين في تعريف الغزاة بالإسرءيليين بقيادة يشوع ؛ و لم يجد أمنون بن تور المنقب الحالي للموقع أي مرشح دمر حاصور أكثر ملاءمة من الإسرءيليين أو"طلائع الإسرءيليين".
سأقوم بتفسير الوصف الكتابي كانعكاس لذكريات تاريخية حول الحدث الأليم الذي أدى إلى دمار حاصور، أكبر مدينة في كنعان. كان من الممكن الإبقاء على هذه الذكريات بين السكان الكنعانيين الذين بقوا في البلد خلال القرنين الثاني عشر و الحادي عشر ق.م، و التي دمجت في نهاية المطاف في تقليد اسرءيلي من فترة الملكية المتأخرة، عندما كان ينسب الغزو الى يشوع. قدم الذاكرة بحد ذاته هو شيء مميز بالرغم من أن تحديد المسؤول عن تدمير حاصور القرن الثالث عشر ق.م لا يزال غامضا. و ثمة قصص غزو أخرى ليس لديها إثبات أو تفسير من أي نوع. و أحد الأمثلة على ذلك قضية عراد، حيث يصف سفر العدد الإسرءيليين كعابرين لمرتفعات النقب من قادش برنيع و يهاجمون "ملك الكنعانيين الذي في عراد في النقب "( سفر العدد 21 : 11 و 21 : 3). و طوال سنوات عديدة من البحث الأثري لم يتم الكشف في عراد و المناطق المجاورة لها عن توطن كنعاني في العصر البرونزي الحديث. و حاول يوحنان أهاروني المنقب في عراد عبثا البحث عن موقع بديل لعراد الكنعانية. و كان جل ما وجده، بلدتين كنعانيتين صغيرتين تعودان للعصر البرونزي الوسيط في المنطقة. و من السابق لأوانه ربطهما بقصة الغزو. أما بنيامين مزار فقد اقترح أن عبارة "ملك عراد" تشير إلى زعيم السكان البدو و شبه البدو، حيث لا بقايا مادية استمرت في الوجود. و هو التفسير المحتمل جداً. و من المجدي أكثر القول بأن القصص الكتابية صيغت كابتكار أدبي متأخر دون أي قيمة تاريخية عندما ابتدأ الإسرءيليون بالتوطن في هذه المنطقة. و كما سنرى تاليا، تم توطن كل من قادش برنيع ومرتفعات النقب وعراد على نطاق واسع خلال القرن العاشر و خلال فترات الملكية المتأخرة، وهكذا ربما تكون قصة الغزو قد اختلقت ما يتعلق بعملية التوطن اللاحقة هذه . و يمكن دراسة أدبيات الغزو بشأن شرق الأردن على ضوء البيانات الأثرية المحدودة المتاحة. يسجل سفر العدد 21:21-32 حروب الإسرءيليين ضد سيحون ملك الأموريين، و غزو حشبون. و في واقع الأمر تم تأريخ التوطنات المبكرة في حشبون (تل حسبان) إلى سويات العصر الحديدي الأول، غير أنه كانت هناك توطنات متفرقة. و لا توجد أدلة على "دولة" عمورية من أي نوع في هذه المنطقة، كما لايوجد دليل على مملكة مؤابية تعود لنهاية العصر البرونزي الحديث، على الرغم من كشف البحوث الحالية في موآب عن عدة مواقع محصنة تعود بتاريخها إلى القرنين الثاني عشر و الحادي عشر (انظر الجزء 3). ويقودنا هذا في بعض الحالات ربما إلى استنتاج مفاده وجود صراع صريح بين الاكتشافات الأثرية والمرويات الكتابية، بينما تظهر حالات أخرى عدم وجود تعارض بين المعطيات الأثرية و قصص الغزو. و لا يمكن لعلم الآثار أن يثبت أن قبائل بني إسرءيل هي المسؤولة عن تدمير مدن كنعانية معينة. فلم يحدث الدمار في كنعان نتيجة حملة عسكرية واحدة و واسعة. و يمكن القول بدلا من ذلك بأن تدمير المدن الكنعانية جاء نتيجة عملية طويلة من الصراعات الإقليمية، الأمر الذي لا يمكن تحديده في الوقت الحاضر.
المناطق المحلية المدمرة مثل حاصور ناجمة عن عوامل غير معروفة، أو عن صدامات بين العشائر المحلية أو المجموعات القبلية التي ربما شكلت لاحقا جزء من سكان المناطق الحضرية الكنعانية و الإسرءيلية، ربما وجدت في نهاية المطاف طريقها إلى الذاكرة الجماعية للاسرءيليين. و يمكن فهم تقليد الغزو كانعكاس متداخل لعملية تاريخية طويلة ومعقدة للعديد من الدويلات الكنعانية التي أضعفت و أفقرت بسبب الهيمنة المصرية التي استمرت طوال ثلاثة قرون، دمرت هذه المدن خلال القرنين الثالث عشر والثاني عشر. و تجدر الإشارة إلى مثالين إضافيين للذكريات التاريخية الممكنة في السرد الكتابي. الأول هو المفهوم الذي يعبر به عن كنعان كبلد مقسم إلى العديد من الدويلات, و ينعكس هذا المفهوم في مختلف قصص الغزو التي تشيرإلى مدن و"ملوكها"، بالإضافة إلى أن الإصحاح 12 من سفر يشوع يسرد أسماء 31 ملكا من ملوك كنعان. يتوافق مثل هذا التركيب الجيوسياسي جيدا مع واقع كنعان في الألفية الثانية،و لكنه من الصعوبة بمكان التعرف على هذا الواقع في فترة الحكم الملكي أو بعدها، حيث تم تدوين سفر يوشع. كما يصعب تصور أن يقوم كاتب متأخر باختلاق مثل هذه الفكرة دون أن يمتلك بعضا من ذكريات الماضي. و في ذات الوقت، لا بد من الإشارة إلى أن سفر يشوع أو أي تقليد اسرءيلي آخر لم يلمح بالإشارة إلى الواقعة"الحقيقة" التاريخية الكبرى من الألفية الثانية قبل الميلاد، وهي أن كنعان كان تحت السيطرة المصرية لمدة ثلاث مائة عاما . و المثال الثاني هو قوائم الأراضي التي لم يتم غزوها في كنعان (قضاة 1:27-35 ؛ يشوع 13 :2-6 ). و تشمل أساسا بيت شان و أودية يزرعيل و السهل الساحلي. إن مدنا مثل بيت شان، تعنك، دور، جبلاعيم، مجدو، جازر، وعكا مذكورة فضلا عن مدن في وادي أيالون وغيرهم. أكدت التنقيبات الأثريةفي العديد من هذه المدن، مثل التنقيبات في بيت شان و تل رحوف Reḥov و مجدو و دور و جازر على استمرارية الثقافة الحضرية الكنعانية خلال العصر الحديدي الأول (القرنين الثاني عشر والحادي عشر)،وبالتالي تعم مثل هذه التقاليد الكتابية بشكل يدعو للدهشة للواقع التاريخي لفترة ما قبل الملكية.و شكيم مثال آخر، رغم أنه أقل أمانا، فهذه المدينة التي تقع في قلب المنطقة المخصصة لعشائر و قبائل سبطي منسّى وأفرايم هي حسب التقليد الإسرءيلي المكان الذي تم فيه العهد بين أسباط إسرءيل و ربهم[ 1 وَجَمَعَ يَشُوعُ جَمِيعَ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ إِلَى شَكِيمَ. وَدَعَا شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَرُؤَسَاءَهُمْ وَقُضَاتَهُمْ وَعُرَفَاءَهُمْ فَمَثَلُوا أَمَامَ الرَّبِّ.2 وَقَالَ يَشُوعُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: آبَاؤُكُمْ سَكَنُوا فِي عَبْرِ النَّهْرِ مُنْذُ الدَّهْرِ. تَارَحُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو نَاحُورَ، وَعَبَدُوا آلِهَةً أُخْرَى.] (سفر يشوع 24). تشير قصة أبيمالك (سفر القضاة 9) إلى أن السكان الكنعانيين المحليين ظلوا في شكيم حتى مرحلة متأخرة من عصر القضاة. و قد واصلت شكيم في واقع الأمر ،من وجهة نظر المنقبين، الإزدهار حتى القرن الحادي عشر ق.م . و إذن و بإيجاز ينفي علم الآثار الكتابي "الغزو الاسرءيلي" كحدث تاريخي، إلا أنه قد يلقي بعض الضوء على مختلف السبل التي تجذرت من خلالها ذكريات فعلية وأحداث من الألفية الثانية ق.م. وجدت القصص المختلقة المبكرة و سببيتها في مجملها سبيلها لاحقا لأن تكون "وعاء الذوبان" التالي الذي ندعوه اليوم بالخماسية و سفر يشوع.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,397,835,351
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(2)
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(1)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(5)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(4)
- Il Postino ساعي بريد نيرودا: مجاز الوعد بوصفه خذلان
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(3)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(2)
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(7)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(6)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(5)- ال ...
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(1)
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(4) -ال ...
- المملكة المنسية:تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(3)-الفص ...
- المملكة المنسية:تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(2)-الفص ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1)
- الطلقة41: الحب أم الثورة؟ قلب من لاقلب له
- الصهيونية الدينية وسياسات الاستيطان الإسرائيلية
- الحاجز:هندسة خوف و متلازمة رعب و ردع .
- الفاتيكان و الحركة الصهيونية: الصراع على فلسطين
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ...


المزيد.....




- أبرز ما جاء في كلمة كوشنر في أول أيام -ورشة البحرين-
- أبرز ما جاء في كلمة كوشنر في أول أيام -ورشة البحرين-
- فتح: الدول العربية المشاركة في ورشة البحرين زادت من طعناتها ...
- تهديد أمريكي جديد لتركيا بشأن صفقة صواريخ إف-35
- الفلسطينيون يحتجون على ورشة البحرين وصفقة القرن
- تهديد أمريكي جديد لتركيا بشأن صفقة صواريخ إف-35
- مساع أمريكية لجمع 50 مليار دولار في مؤتمر البحرين لتمويل صفق ...
- تعز.. إصابة ثلاثة مواطنين بقصف للانقلابيين استهدف أحياء سكني ...
- الانقلابيون يقصفون منازل المواطنين في قرى التحيتا جنوبي الحد ...
- -بيت المعظمية-.. عقار آخر على مائدة المستوطنين في القدس


المزيد.....

- على هامش -ورشة المنامة- -السلام الاقتصادي-: خلفياته، مضامينه ... / ماهر الشريف
- تونى كليف ضد القضية الفلسطينية ؟ / سعيد العليمى
- كتاب - أزمة المشروع الوطني الفلسطيني / نايف حواتمة
- كتاب -اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام- / غازي الصوراني
- حركة حماس والكيانية الفلسطينية المستقلة / فهد سليمان
- في راهنية الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية.. / فهد سليمان
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمودفنون
- مخيم شاتيلا - الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمود فنون
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1) / محمود الصباغ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(3)