أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عيبان محمد السامعي - مسألة السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. دراسة تحليلية نقدية (النص الكامل)















المزيد.....



مسألة السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. دراسة تحليلية نقدية (النص الكامل)


عيبان محمد السامعي

الحوار المتمدن-العدد: 6213 - 2019 / 4 / 27 - 11:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



مفتتح:
الحديث عن السيادة الوطنية في اللحظة الراهنة, حديثٌ شائك تحوطه الكثير من الإشكاليات المتأتية من مستويين:
الأول: السمة الراهنة للعصر, وما أحدثته العولمة من تغيُّرات جوهرية في مفهوم السيادة الوطنية, وتقويض الحدود القومية التقليدية, حتى بات العالم أشبه بقرية كونية واحدة (Global village), ما دفع بعض المفكرين الغربيين للتبشير بنهاية السيادة؛ جرياً على سردية النهايات: نهاية التاريخ, والإنسان الأخير, ونهاية الأيديولوجيا, ونهاية اليوتوبيا,...إلخ.
الثاني: الأزمة الوطنية الراهنة وتعقيداتها, حيث باتت اليمن ساحة مفتوحة لصراع الأجندات الأجنبية (الاقليمية والدولية), وبين شقي رحى حرب دامية تسببت في أسوأ أزمة إنسانية على مستوى العالم, وفقدت معها البلد السيطرة كلياً على مواردها وعلى أرضها وعلى قرارها الوطني.
وما يزيد الأمر قتامةً أن تجد الكثير من المثقفين والسياسيين يستمرأ هذا الوضع, ويدأب في تبريره, حتى بات الحديث عن السيادة الوطنية في نظر هؤلاء من قبيل "لزوم ما لا يلزم", و"ترف فكري", "وتغريد خارج السرب"!
يحدث كل هذا, في بلدٍ يقول نشيده الوطني في آخر عباراته: "لن ترى الدنيا على أرضي وصياً"!
إنها مفارقة صارخة تكشف عن انحطاط "زمن المذلولين" وفقاً لـ(برتران بديع), الذي يقرر بأن الإذلال صار "عنصراً مهيكلاً للعلاقات الدولية".[1]
تتوخى هذه الدراسة, التي ننشرها على حلقات, إعادة طرح قضية السيادة الوطنية وإشكالاتها في ضوء اللحظة الوطنية الراهنة, من خلال المحاور الآتية:
المحور الأول: إطار مفاهيمي يعطي إلماعة عن مفهوم السيادة الوطنية وتحولاته وتحدياته الراهنية.
المحور الثاني: يتناول الأطماع الخارجية تجاه اليمن, ويبين بالتفصيل أدوار الفاعلين الاقليميين والدوليين في اليمن, لاسيما: إيران, والسعودية, والإمارات, وعُمان, وقطر, وتركيا, والكويت, ومصر, وأمريكا, وبريطانيا, وإسرائيل, وفرنسا, وروسيا.
المحور الثالث: استخلاصات عامة.

المحور الأول: الإطار المفاهيمي:
مفهوم السيادة (Sovereignty) وتحولاته:
تُعرَّف السيادة بأنها "السلطة العليا التي لا تعلوها سلطة وميزة الدولة الأساسية الملازمة لها والتي تتميز بها عن كل ما عداها من تنظيمات داخل المجتمع السياسي المنظم, ومركز إصدار القوانين والتشريعات والجهة الوحيدة المخولة بمهمة حفظ النظام والأمن وبالتالي المحتكرة للشرعية الوحيدة لوسائل القوة والحق في استخدامها لتطبيق القانون."[2]
وللسيادة مظهران: خارجي وداخلي. يُعنى الأول بقدرة الدولة على إقامة علاقات تكافؤية مع الدول الأخرى وبما يحقق مصالح شعبها, أي استقلالية القرار الوطني للدولة وعدم خضوعها لأي تدخل أو تأثير أو نفوذ لدولة أجنبية.
أما المظهر الثاني فيتجسد في قدرة الدولة على إدارة شؤونها الداخلية بحرية وبسط سلطتها على مواطنيها وعلى إقليمها الجغرافي براً وبحراً وجواً.
إنّ مفهوم السيادة مفهوم حديث, ويعد الفيلسوف جان بودان (Jean Bodin)(1530 - 1596) أول من تناول هذا المفهوم في كتابه الموسوم بـ(الكتب الستة للجمهورية). وقد ربط بودان السيادة بالسلطة المطلقة للملك, فـ"السيادة ما هي إلا تمثيل لإرادة السيد الذي يمثل القانون"[3]
وتأسيساً على ذلك, رأى بودان في نظام الحكم الفردي أفضل النظم "لأنه يتوافق مع الطبيعة" بحسب زعمه!, ويمكن تفسير مغالاة بودان وتفضيله لنمط الحكم الفردي واختزال السيادة في شخص الحاكم المطلق بطبيعة الظروف السياسية والاجتماعية السائدة في عصره, فقد كان النبلاء الاقطاعيون ينازعون الملك في سلطته.
واتخذت السيادة عند توماس هوبز( Thomas Hobbes) (1588 - 1679) منحى اشتراطي, إذ إن منح السيادة المطلقة للملك أو لمجلس حاكم مشروط بوجود عقد اجتماعي أو اتفاق تعاقدي بين مجموع الأفراد الذين يعمدون للتنازل عن البعض من حقوقهم لصالح سلطة الدولة (أو اللوفياثان) (Leviathan)[4] التي تُلزَم بتأمين سلامة المواطنين وتحقيق الأمن والعدالة للجميع؛ وفي حال الإخلال بهذه الضمانة فإن العقد مع السلطة يكون لاغياً.[5]
وقد انتقد جون لوك (John Locke) (1632- 1704) نظرية هوبز, مانحاً المواطنين الحق في الثورة على السلطة المستبدة التي تعمد إلى استعمال السيادة لأغراض خاصة بها.[6]
أعطى جان جاك روسو (Jean Jacques Rousseau) (1712- 1778) مضموناً أكثر تقدماً لمفهوم السيادة عندما وضعها في إطار الإرادة العامة للشعب, "فالسيادة ليست سوى ممارسة الإرادة العامة (...) وصاحب السيادة الذي هو كائن جماعي [المقصود هنا الشعب] لا يمكن لأحد أن يمثله أو ينوب عنه سوى نفسه"[7], ومع التصور التقدمي هذا لروسو فإن نقطة الضعف الأساسية تكمن في أنه لم يضع آلية تضمن تجسيد الإرادة العامة في سيادة الدولة.[8]
أما جون أوستين (John Austin) (1790-1895) فقد "قدم أكثر الشروح القانونية دقة وتأثيراً لمفهوم السيادة. وقد انطلق من ضرورة وجود السيادة وبالتالي وجود جهة معينة تمتلكها غير مجزأة وغير مقيدة قانونياً لأنها مخولة بتشريع القوانين."[9]
وفي حقيقة الأمر, فإن مفهوم السيادة قد بدأ يتخذ بُعداً قانونياً واجرائياً إثر معاهدة وستفاليا (Peace of Westphalia) عام 1648م, تلك المعاهدة التي وضعت حداً لحقبة من الحروب الدامية بين الممالك الكاثوليكية والممالك البروتستانتية في أوروبا, وأرست مبادئ جديدة في العلاقات الدولية, أبرزها الإقرار بسيادة الدول واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية من قبل الدول الأخرى, واعتماد مبدأ المساواة في السيادة بين الدول وترسيم الحدود بينها, واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نمط النظام السياسي والاقتصادي الذي يناسبها.
لقد كان من ثمار معاهدة وستفاليا ولادة الدولة القومية الحديثة أو الدولة الوطنية صاحبة السيادة, وبات التنظير السياسي يطلق على النظام الدولي القائم على مبدأ الاعتراف بسيادة الدول بالنظام الوستفالي.
"وارتبطت أهم ثورات القرن الثامن عشر, ثورة الاستقلال الأميركي والثورة الفرنسية بمفهوم السيادة, [إذ] مثلت الأولى ثورة للتحرر من سيطرة وسيادة أجنبية وإعلان أجزاء من الدولة الاستقلال المتمثل بدولة جديدة ذات سيادة, بينما مثلت الثانية القضاء على توزيع قائم للسيادة لصالح توزيع جديد للسيادة."[10]
مع نشوء الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1948م, حدث تحول لافت في مضمون السيادة, فلم تعد سيادة الدولة سيادة مطلقة لا يعلوها سلطة كما كان عليه الوضع قبلاً, بل أصبحت مقيدة "بأحكام القانون الدولي وخاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وارتكاب جرائم الحرب وجرائم إبادة الجنس البشري, [فالدولة] ليست مطلقة التصرف في ميدان العلاقات الدولية, إذ هي تخضع للقانون الدولي الذي هو مفروض على الدول بناءً على اعتبارات تعلو على إرادتها, والذي يورد قيوداً على تصرفات الدول, ويحكم علاقاتها مع الدول الأخرى ومع الهيئات الدولية المختلفة."[11]
ويعطي المنظور الماركسي لمفهوم السيادة مضموناً طبقياً, إذ "يعدَّها أداة نضال ضد الامبريالية ووسيلة دفاع أمام توسعها. فالسيادة تتضمن طابعاً طبقياً."[12] وبالتالي "أصبحت السيادة سلاح الدول الضعيفة في مواجهة الدول القوية."[13]
وتتحول السيادة ــ أحياناً ــ إلى شعار سلطوي أجوف, "لأنها تؤدي إلى تكتيل صلاحيات مركزية واسعة جداً في يد الدولة وتهدر حقوق الفرد وحريته, وتحرم التنظيمات الاجتماعية من ممارسة نشاطها."[14]
لقد استخدم المخلوع صالح شعار السيادة الوطنية كسيف مصلت على الرقاب, ورفعت الحركة الحوثية شعار السيادة الوطنية في وقتٍ كانت حمم قذائفها ونيران أسلحتها تنهال على سكان المحافظات اليمنية!
ويمكن أن تُستخدم السيادة الوطنية كدعوة رجعية وانعزال عن العالم تحت وهم الحفاظ على نقاء الهوية أو إعلاء الذاتية المتفردة, كما تجسد ذات حينٍ من سبعينيات القرن العشرين في تيار "الذاتية اليمنية" واستجرار البعض اليوم لهذا التيار تحت مسمى جديد "القومية اليمنية"!
"ان الدفاع عن السيادة الوطنية مثله مثل نقدها يؤدى الى سوء تفاهمات جسيمة عندما نسلخها من المحتوى الاجتماعي الطبقي لاستراتيجيتها."[15]
والمحتوى الاجتماعي للسيادة الوطنية تنبع من الشعب الذي هو مصدر السيادة وصاحبها. لكن "لا يكفي أن يكون الشعب مصدر السيادة, بل يجب أن يمارسها بشكل دوري يكاد يكون طقسياً."[16] عبر انتخابات حرة ونزيهة.

خلاصة القول: السيادة الوطنية ليست قيمة مجردة تتحقق في ذاتها, بل هي مشروطة بتحقيق حرية المواطن وصيانة كرامته وتحقيق الاقتدار الوطني والتقدم الاجتماعي, وامتلاك القدرة على التعامل مع الآخرين من منطلق الندية والمصلحة الوطنية, وبغير ذلك تصبح السيادة إما ستار أيديولوجي مخاتل يخفي الطابع الديكتاتوري للطبقة المسيطرة أو نكوص إلى الماضي.


العولمة وانحسار السيادة:
مع انتهاء الحرب الباردة عام 1989م, حدثت تحولات كبيرة في بنية النظام الدولي, فقد استوى العالم تحت هيمنة الأحادية القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. وبزرت ظاهرة العولمة (Globalization) (أو الكوكبية كما يفضّل البعض تسميتها).
العولمة (الكوكبية) كما يعرّفها د. اسماعيل صبري عبدالله "هي التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك دون اعتداد يُذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة دون الحاجة إلى إجراءات حكومية."[17]
بتعبير آخر فإن العولمة قد قوضت الحدود التقليدية للزمكان وبات العالم أشبه بقرية كونية (Global village), حيث يتم تبادل البضائع والسلع والأموال والعمل والمعلومات بين مناطق مختلفة من العالم وبلمح البصر.
يجري هذا التبادل ضمن صيغة لاتكافؤية ــ وفقاً لـ د. سمير أمين[18] ــ حيث تفرض بلدان المراكز الرأسمالية هيمنتها على بلدان الأطراف من عدة نواحي: الهيمنة على السوق المحلي, والهيمنة على الثروات الطبيعية, واحتكار التقنيات التكنولوجية, واحتكار الفائض المالي, والتحكّم في مسارات تدفق العمل واستقطاب الكفاءات والعقول.
وتنهض العولمة في ممارسة هيمنتها على البلدان التابعة على عدة آليات: اقتصادية وسياسية وثقافية.
وتتمثل الآليات الاقتصادية بـ: الشركات متعددة الجنسيات (Trans National Corporations), والمؤسسات النقدية: صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي (WB), ومنظمة التجارة العالمية (WTO).
وبدأ الاقتصادي اليمني ينصاع لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين منذ عام 1995م, فيما تستحوذ العشرات من الشركات الأمريكية والأوروبية على الاستثمار في حقول النفط والغاز ومناجم التعدين في محافظات: مأرب وحضرموت وشبوة وحجة منذ عدة عقود, وهو ما سنوضحه بشيء من التفصيل لاحقاً.
ألحقت هذه الآليات أضراراً بالغة بالاقتصاد وبالمصالح الوطنية, فقد فُتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمار الأجنبي, وخُصخص القطاع العام, واكُتسح السوق المحلي بالسلع المستوردة, وتم تجريف الزراعة ولاسيما زراعة القمح والبُن وبعض المحاصيل الزراعية الأخرى, بفعل سياسات رفع الدعم عن المشتقات النفطية ولاسيما مادة المازوت (الديزل) التي تعد مادة أساسية تعتمد عليها الزراعة. لقد أمسى الريف اليمني مستهلكاً للقمح ولبعض أصناف الفواكه المستوردة, وهي انتكاسة كبيرة مُني بها الريف الذي كان يمثل لفترة مديدة سلة غذاء للسكان في اليمن.
وتتمثل آليات الهيمنة السياسية بـ: مجلس الأمن الدولي, واستخدام حق النقض (الفيتو) من قِبل الدول الخمس الكبرى, و"مبدأ التدخل لاعتبارات انسانية".
وقد جرى استخدام هذه الآليات في انتهاك سيادة الدول, ووظفت قضايا: حقوق الإنسان, ونشر الديمقراطية, ومحاربة الارهاب, ومكافحة أسلحة الدمار الشامل, كذرائع للتدخل في الكثير من البلدان والسيطرة على مواردها, وهو ما جرى في: أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا وغيرها.
صحيح أن هذه البلدان كان يحكمها نظم ديكتاتورية وماضوية, إلا أن هذا الأمر لا يمنح الحق للدول الكبرى أن تنصّب نفسها بديلاً عن المجتمعات للقيام بمهمة تغيير النظام السياسي, فالتغيير مهمة منوطة بالشعوب حصراً.
لقد وُضعت اليمن تحت البند السابع بموجب القرار رقم (2041) الذي صدر في 26 فبراير 2014م. لم يأتِ هذا القرار صدفة بل جاء ثمرة مسار تراكمي طويل من التبعية السياسية والارتهان للخارج, والصفحات التالية توضح ذلك بجلاء.
أما آليات العولمة الثقافية فأبرزها: الاعلام والانترنت ومختلف الوسائط الجديدة.
وتمارس هذه الآليات اختراقاً ثقافياً للمجتمعات, وتحطيماً للهويات الوطنية, وتسطيحاً للقيم والقضايا, وقصفاً للعقول؛ لصالح باراديغم عولمي منمّط, ونشر ثقافة الاستهلاك (Consumer culture), ودفع الناس دفعاً نحو التقليد والتنافس الاستهلاكي emulation)), وخلق نماذج وصيغ موحدة عبر العالم. كما تدعم نظاماً للصور الذهنية (Images) حول موضوعات خاصة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالسوق الرأسمالي. وتنميط المجتمعات وفقاً للنموذج الأمريكي في أساليب العيش وطرائق الأداء, وهو ما بات يصطلح عليه بالمكدونالية[19] (Mcdonaldization).






المحور الثاني: الأطماع الخارجية تجاه اليمن وأدوار الفاعلين الاقليميين والدوليين:

تتنافس أطراف دولية واقليمية للسيطرة على اليمن, ويكمن وراء هذا التنافس عاملين هاميّن:
الأول: يتمثل بالموقع الحيوي لليمن وأهميته الاقتصادية والاستراتيجية.
الثاني: ما يمكن أن نسميها "القابلية للتبعية والارتهان للخارج" والتي تتمظهر في ضعف الكيان الوطني والانقسامات الداخلية ووجود أطراف محلية تمثل أذرعة للخارج.

الموقع الجيو-ستراتيجي لليمن وأهميته:
تتمتع اليمن بموقع جيوــ استراتيجي بالغ الأهمية, فهي تطل على بحرين هما: البحر الأحمر والبحر العربي, وتشرف على أهم مضيق بحري عالمي "مضيق باب المندب" الذي تمر من خلاله يومياً أكثر من 30% من نفط وسلع العالم. ويمثل هذا الموقع الحيوي همزة ربط بين قارات العالم الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وتمتلك اليمن ساحل بحري يصل مداه إلى 2200 كلم مربع, وما يزيد عن (100) جزيرة من الجزر ذات الطبيعة الاستراتيجية والاقتصادية, أشهرهنَّ على الإطلاق: جزيرة سقطرى, وجزيرة ميون (بريم سابقاً), وجزيرة كمران, وجزرتا حنيش الصغرى والكبرى. الأمر الذي جعل اليمن محط الأطماع العالمية وتنافس الدول الكبرى منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا.
وبتتبع الجذور التاريخية لتلك الأطماع, سنجد أنها بدأت مع الحملة الرومانية على اليمن بقيادة (أليوس جالوس) والي الرومان على مصر عام 25 ق.م. تركّز هدف الحملة ــ وفقاً للباحث والمؤرخ المصري سيد مصطفى سالم ــ بسط السيطرة الرومانية الكاملة على البحر الأحمر والتحكّم بخطوط الملاحة البحرية وحرمان اليمنيين من مصدر ثرائهم. وقد انكسرت هذه الحملة في وادي نجران شمال اليمن[20]. ورغم ذلك عاود الرومان الكرّة في فترة لاحقة وتمكّنوا من السيطرة على البحر الأحمر, "وفرضوا مكوساً مالية على بعض الموانئ التجارية"[21] جاء الأحباش من بعدهم وفرضوا السيطرة على اليمن وسواحلها لفترة وجيزة, ثم أعقبهم الفرس الذين استمروا حتى دخول اليمن في نطاق الدولة الاسلامية في النصف الأول من القرن السابع الميلادي.
في العصر الوسيط شهد البحر الأحمر مداً وجزراً وتقلبات كثيرة تبعاً لتغيُّر الظروف السياسية وطلوع دول وخفوت أخرى, غير أنه شهد مرحلة ازدهار لافتة في عهد الدولة الرسولية (1229 – 1454م) التي اتخذت من تعز عاصمة لها. إذ مثّل البحر الأحمر نافذة اليمن على العالم, وجسر تواصل مع بلدان الشرق والغرب: الصين والهند ومصر وشمال أفريقيا. وبفضله اكتسبت اليمن نفوذاً سياسياً على نطاق عالمي.[22]
في العصر الحديث وبالتحديد منذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي, تنافست عدة دول استعمارية على السيطرة على البحر العربي والبحر الأحمر ومضيق باب المندب, وكان البرتغاليون هم أول قوة حاولوا أن يفرضوا سيطرتهم على خطوط الملاحة البحرية, وقد احتلوا جزيرة سقطرى عام 1507م, واحتلوا جزيرة كمران ومدينة عدن عام 1513م, كما سيطروا على مدينة الشحر شرق اليمن عام 1522م.
أما العثمانيون فقد بدأت محاولاتهم الأولى عام 1540م. وقد تمكّنوا من السيطرة على منطقة شمال حوض البحر الأحمر حتى اليمن والحبشة جنوباً وإغلاق خط الملاحة البحرية في وجه السفن الأوروبية لمدة قرنين من الزمان, وإجبارها على اتخاذ المسار البديل عبر رأس الرجاء الصالح[23]. وما إن بدأ الضعف يدب في أوصال السلطنة العثمانية وتحوّلها إلى "الرجل المريض", بدأت القوى الاستعمارية الأوروبية بوضع عينها على الساحل اليمني.
أرسل الهولنديون أسطول بحري عسكري إلى البحر الأحمر بهدف احتكار تجارة البن ونقل زراعته إلى المستعمرات التابعة لهم في جزر البحر الكاريبي بأمريكا الجنوبية ولاسيما البرازيل, وبذل الفرنسيون محاولات عديدة للسيطرة على الممر المائي الدولي وعلى مينائي المخأ وعدن, وبدأت تلك المحاولات منذ عام 1708م.
ثم أعقب ذلك بمدة من الزمن وعلى وجه التحديد عام 1799م, قيام بريطانيا العظمى بفرض سيطرتها على جزيرة ميون (بريم), ثم عقدت معاهدة مع سلطان لحج عام 1802م, ثم احتلت عدن عام 1839م.
وفي نفس الفترة تقريباً كانت هناك محاولات للإيطاليين لكنها باءت بالفشل نتيجة للهيمنة البريطانية الكاسحة.
خلال الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م) مثلت الجزر اليمنية مسرحاً للحرب بين قوات المعسكرين: الحلفاء والمحور, فمن المعلوم أن السلطنة العثمانية كانت إحدى دول معسكر المحور إلى جانب ألمانيا والنمسا, وكانت تفرض سيطرتها على اليمن الشمالي وعلى الموانئ والجزر الواقعة في نطاق اليمن الشمالي, أما بريطانيا التي تعد عمود المعسكر الآخر (معسكر الحلفاء) فقد كانت تحتل اليمن الجنوبي والجزر والموانئ التابعة لها.
اندلعت مواجهات بين بريطانيا العظمى والسلطنة العثمانية كان أبرزها: قيام البحرية البريطانية بقصف منطقة "الشيخ سعيد" عام 1914م ــ وهي منطقة استراتيجية تقع قبالة جزيرة ميون (بريم) ــ وإنزال جنود لتخريب التحصينات وإعطاب المدافع الرابضة بها[24].
قبيل الحرب العالمية الثانية, كانت هناك محاولات إيطالية للسيطرة على بعض الجزر والموانئ اليمنية, وقد كانت لإيطاليا تواصلات مع الإمام يحيى بن حميد الدين, غير أنّ هذه المحاولات آلت إلى فشل, لاسيما مع تفجُّر الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م).
عام 1995م, ادّعت ارتيريا أن جزيرة حنيش تابعة لها, وشرعت بإنزال قوات في الجزيرة في ديسمبر من العام نفسه, ما تسبّب بوقوع مواجهات مسلحة بين القوات اليمنية والقوات الارتيرية, وانتهى النزاع بين الدولتين بتحكيم دولي في يناير 1997م واستمرت عملية التحكيم مدة عامين, وأقرّت ملكية الجزيرتين لليمن.
في 2010م عقدت الحكومة اليمنية صفقة مع الحكومة الأمريكية تم بموجبها منح أمريكا ترخيصاً ببناء قاعدة عسكرية لها في أرخبيل سقطرى مقابل حصول الحكومة اليمنية على معونات مالية وعسكرية.
في 2017م, وضعت الإمارات العربية المتحدة يدها على الجزر اليمنية الواقعة في البحر الأحمر والبحر العربي, ومن بينها: جزيرة ميون الاستراتيجية التي أقامت فيها قاعدة عسكرية كبيرة دون إذن مسبق من السلطات اليمنية.
في أيار/ مايو 2018م نشبت أزمة حادة بين الحكومة اليمنية والحكومة الإماراتية على خلفية قيام قوات إماراتية بالانتشار في جزيرة سقطرى, مستوليةً على مطار سقطرى ومنشآت حيوية أخرى, وقامت بطرد الجنود اليمنيين المتواجدين في الجزيرة, ومنعت رئيس الوزراء السابق أحمد عبيد بن دغر من وضع حجر الأساس لعدد من المشاريع فيها.
وتتمتع جزيرة سقطرى بأهمية استراتيجية وبمزايا طبيعية واقتصادية كبيرة, فهي تقع في عرض المحيط الهندي بالقرب من خليج عدن وعلى مقربة من خطوط الملاحة البحرية الدولية.
وتعتبر جزيرة سقطرى أكبر الجزر العربية واليمنية، ويبلغ طول الجزيرة 125كم وعرضها 42كم, كما يبلغ طول شريطها الساحلي حوالي 300 كم[25].
و"تعتبر المنطقة البحرية المحيطة بالجزر اليمنية من أغنى مناطق الصيد في العالم, حيث يعيش فيها ما يزيد عن (1200) نوع من الأسماك, أغلبها صالحة للاستهلاك البشري والحيواني.". ورغم هذه الثروة الهائلة إلا أنها غير مستغلة, فالمستغل (28) نوعاً فقط من أصل (1200) نوع! [26]
كما تتمتع المنطقة عينها بثروات متنوعة, منها:
- "الثروات الصدفية ذات المحار, حيث تقدر هذه الثروة بحوالي 500 نوع من الرخويات وحوالي 200 نوع من الروبيات و20 نوعاً من الثدييات البحرية, وتوجد هذه الأنواع بكميات تجارية."
- الثروات المعدنية: حيث توجد "العديد من الثروات المعدنية والمواد الخام وخصوصاً النفط الخام."
كما تتميز المنطقة المذكورة بالتنوع البيئي, حيث منها السواحل الرملية كما في جزيرة كمران, والسواحل الصخرية كما في جزيرتي ميون وبكلان, وتوجد أنواع هائلة من الشعاب المرجانية التي تصل إلى أكثر من (2400) نوع, وتوجد أسماك الزينة بحوالي (700) نوع, بالإضافة إلى (113) نوعاً من أنواع النباتات البحرية النادرة, وشواطئ رملية ذهبية وشواطئ الاستجمام وبيئة بحرية خلابة ذات أهمية سياحية[27].
يضاف إلى ما سبق ذكره, تأتي أهمية موقع اليمن لكونها دولة مشاطئة لمنطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية, وهي منطقة تقع أعلى مضيق باب المندب, وتتنافس أطراف دولية واقليمية عديدة للسيطرة عليها.
وتعاني المنطقة المذكورة من تحديات أمنية كبيرة, أبرزها: القرصنة البحرية, وتهريب البشر عبر الساحل اليمني من بلدان (الصومال وأريتريا وأثيوبيا وجيبوتي وغيرها). حيث تنشط منظمات عابرة للحدود في مجال تهريب البشر.
تفيد بعض الدراسات أنه خلال عام 2011م تم تهريب (103) آلاف شخص في رحلات خطرة عبر مياه خليج عدن[28] وتجري عملية التهريب بطرق خطرة للغاية, إذ يلتهم البحر سنوياً المئات من الأشخاص من الذين يجازفون ركوب الأخطار بحثاً عن فرص أفضل للحياة وهرباً من جحيم الفقر والمعاناة التي يكابدونها في أوطانهم الأصلية.
أما ظاهرة القرصنة فتعد الصومال منطلقاً لها, نظراً لانهيار الدولة الصومالية وسيادة الفوضى منذ الإطاحة بالديكتاتور محمد سياد بري عام 1991م.
لقد مثلت "القرصنة" الذريعة الذهبية للدول الكبرى لبسط قبضتها على المياه الاقليمية لدول القرن الافريقي وخليج عدن وإقامة قواعد عسكرية فيها, حيث تنتشر قواعد عسكرية في كلٍ من: جيبوتي وارتيريا وخليج عدن وحوض الصومال, وتتبع الدول الآتية: أمريكا, وبريطانيا, وفرنسا, وإيطاليا, واليابان, وألمانيا, والهند, والصين, وروسيا, وإسرائيل, وإيران, وتركيا, والإمارات؛ كل هذه الدول على تناقضات مصالحها وأهدافها تتواجد في مساحة مائية لا تتجاوز 30 كم (= 20ميل) بحجة "تأمين الملاحة البحرية الدولية"!
بقي أن نشير إلى وجه آخر من أوجه اختراق السيادة الوطنية في المياه الإقليمية, ألا وهو قيام سفن تابعة لشركات ودول كبرى بأعمال صيد غير مشروعة في المياه الإقليمية, والقيام بدفن أطنان من النفايات في أعماق البحر الأحمر وخليج عدن ومنها نفايات إشعاعية سامة.

العامل الثاني: "القابلية للتبعية والارتهان للخارج":
القول بأهمية الموقع الجغرافي لليمن, وأنه يمثل دافع للأطماع الخارجية لا يعني الإقرار بـ"الحتمية الجغرافية" أو ترديد صدى لـ "عبقرية المكان"!
ثمة عوامل أخرى أكثر أهمية وأبعد تأثيراً. يقول المثل الشعبي "الحَبة لا تُؤكل إلا من داخلها". وعليه فإن الخارج لا يمكن أن يجد فرصة للنفاذ إلى الداخل ويلعب أدواراً سلبية إلا عندما تتوفر له بيئة داخلية مواتية.
إن ضعف الكيان الوطني, وغياب سيادة القانون, وتسلُّط نظام سياسي فاسد وتابع, وارتهان أطراف سياسية محلية للخارج, فضلاً عن الانقسامات الداخلية, والصراعات الأهلية, وتنامي الشعور العام بالتهميش والضيم, وغيرها من مظاهر الاختلال الوطني العام؛ تعد بمثابة القابلة لأي تدخل خارجي.
يقول العلامة عبدالرحمن ابن خلدون (1332- 1406م): "الطغاة يجلبون الغزاة". إنّ نظام الغلبة الذي صمّم سياساته طوال ثلاثة عقود ونيّف على تجريد الناس من كينونتهم, ومصادرة حقهم في الانتماء السياسي, وحرمانهم من النشاط والمشاركة في الحياة العامة؛ سبب رئيسي وحاسم في "إماتة السياسة" وفقدان الشعور بالخطر الخارجي.
كما إن هيمنة طبقة طفيلية على الاقتصاد والمجتمع, والتقاء مصالحها والمصالح الرأسمالية العالمية, وقيامها باكتناز الأموال وتهريبها إلى الخارج لاستثمارها في مشاريع عقارية وخدمية[29], في الوقت الذي يتضوّر فيه الشعب جوعاً وتعصف بالبلد أزمات اقتصادية ماحقة يفضي إلى تشكُّل سيكولوجية اجتماعية سلبية تجاه الوطنية والانتماء الوطني.
ومع هكذا وضع, فإنّ أي دعوة توجهها الطبقة المسيطرة تستحث فيها الشعب مواجهة عدوان خارجي إنما هي دعوة بلهاء تُقابَل بالسخرية. فالشعب لا يمكن أن يثق بنظام أذاقه صنوف العذاب, وأن يسلّمه قيادة نفسه تحت أي ظرف من الظروف, هذا درس بليغ من دورس التاريخ رأيناه يتجسد في العراق وليبيا وأوكرانيا وجورجيا ورومانيا وغيرها.
إن التدخل العسكري لدول التحالف العربي منذ مارس 2015م لا يمكن تفسيره من منظور أحادي, أو جزئي, بل لابد من أخذ دور العامل الداخلي المتمثل بانقلاب 21 سبتمبر 2014م الأسود في تهيئة المجال لهكذا تدخل.
لقد أدخل انقلاب 2014م البلد في نفق مظلم, وفرض ــ بالقسرــ على اليمنيين نمطاً من السلطة بالضد من توافقهم الوطني, ورهن مصير اليمن بيد إيران, وتحرّش بالجوار من خلال إقامة مناورات عسكرية على الحدود ما أدى إلى اندلاع حرب مهلكة لا تزال قائمة حتى يوم الناس هذا.
لا يعني هذا الكلام محاولة إيجاد شرعنة للتدخل العسكري الخارجي لدول التحالف العربي في اليمن ــ كما سيسارع البعض للاتهام ــ , بقدر ما هو تجليةً للجزء المُغيَّب من الصورة.
في المقابل, فإنّ ظن البعض من أنّ التحالف العربي جاء لإنقاذ اليمنيين من غول الحوثي ولاستعادة الشرعية, لم يكن سوى أضغاث أحلام. فقد كان واضحاً منذ البداية أن التحالف العربي له أجندته وأهدافه الخاصة ويسعى إلى تحقيقها. في هذا الصدد فإنّ الملامة تقع كلها على السلطة الشرعية التي وضعت كل رهانها على الخارج بدلاً من تعبئة الموارد المحلية والاعتماد على النفس أولاً وقبل كل شيء في مواجهة الانقلاب ومواجهة مجمل الأخطار المحدقة بالوطن.
إنّ عقابيل الارتهان للخارج ورهن مصير البلد به كانت وخيمة للغاية, نتجرّعها اليوم بعد أربع سنوات عجاف, لقد خرج القرار من يد اليمنيين, وبات التحالف العربي هو الآمر الناهي, وأمست السلطة الشرعية مسلوبة من كل شيء حتى من القدرة على قول (لا) إنْ لزم الأمر, وبات رئيس الدولة والحكومة ومسؤوليها أشبه بأدوات تُحرَّك بالريمونت كنترول. ما أصدق المثل الشعبي اليمني القائل: "مِن رِكِن على سمن جارته أكل عصيده خُسام!".



أدوار الفاعلين الاقليميين والدوليين في اليمن:
قبل الشروع في تناول تلك الأدوار, يجدر بنا أن نوضح ــ وبشكل مختصر ــ المقصود بمفهوم الدور ومحدداته.
فالدور (Role) مفهوم مستل من علم الاجتماع ويعني مجمل النشاط والسلوك الذي يمارسه الفرد في المجتمع.
ونستخدم مصطلح الدور ــ هنا ــ للإشارة إلى مجمل النشاط والسلوك الذي تمارسه دولة ما انطلاقاً من اعتبارات براجماتية أو أيديولوجية, وقد يتضمن أبعاداً سلبية أو إيجابية أو خليطاً من الاثنين.
فيما يلي استعراض لأدوار الفاعلين الاقليميين والدوليين في اليمن:

أولاً: الدور الإيراني في اليمن:
شكّلت الثورة الإيرانية التي اندلعت عام 1979م انعطافة حادة في تاريخ إيران المعاصر, فقد أطاحت بنظام الشاه الموالي للغرب واستبدلته بنظام الملالي, يقف على رأسه المرشد الأعلى "الخميني", الذي ابتدع "ولاية الفقيه" كأيديولوجيا سياسية رسمية للنظام الجديد, وبناءً على هَديها صار المرشد "إماماً معصوماً" فوق النقد وفوق الدستور وفوق القوانين, بعبارة أخرى: جرى إضفاء القداسة على السياسة!
مع استتباب الوضع الداخلي في إيران بُعيد الثورة الخمينية, بدأ النظام الحاكم يمد بصره نحو المنطقة العربية بغيّة إيجاد موطئ قدم له, وفي سبيل تحقيق ذلك, وظّف النظام الإيراني خطاباً شعبوياً مخاتلاً لاستمالة الشارع العربي, وإظهار نفسه كمدافع عن القضية الفلسطينية, وكخصم لدود للدول الغربية أو "قوى الاستكبار العالمي", والترويج لنفسه بأنه يقود حالة انبعاث وصحوة اسلامية.
هذا الخطاب لامس شغاف بعض الشباب اليمني الزيدي الذي بدأ يتردد على إيران في الثمانينيّات بهدف الدراسة في المراكز الدينية بمدينة "قم", وكان من بين هؤلاء: حسين الحوثي مؤسس الحركة الحوثية ومحمد عزان مؤسس منتدى الشباب المؤمن, وهو منتدى هَدِفَ لإحياء المذهب الزيدي[30] كردة فعل لقيام مقبل بن هادي الوادعي الزعيم الروحي للسلفية اليمنية وبدعم من النظامين اليمني والسعودي بتأسيس معهد "دار الحديث" في منطقة دماج بمحافظة صعدة أقصى شمال اليمن تلك المحافظة التي توصف بـ"كرسي الزيدية".[31]
بدأ النفوذ الإيراني يظهر إلى السطح مع تحوّل الحركة الحوثية من حركة دعوية إلى حركة جهادية مسلحة, وشروعها بفرض سيطرتها على بعض المديريات التابعة لمحافظة صعدة, وانخراطها في ست جولات من الحروب الدامية خلال الأعوام (2004 – 2010م) ضد نظام علي عبدالله صالح, الذي وظّف هذا الصراع لتحقيق عدة أهداف آنية خاصة به, منها التهرّب من الاستحقاقات الداخلية, والتنصّل عن القيام بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية, وابتزاز الخارج ولاسيما المملكة العربية السعودية بهدف الحصول على مساعدات مالية وتسليحية.
وتشير الكاتبة السياسية ميساء شجاع الدين إلى أنه منذ الجولة الرابعة من حروب صعدة التي اندلعت في حزيران/ يونيو عام 2007م, بدأت الحركة الحوثية "تأخذ شكلاً اكثر تنظيماً وتدريباً، وصارت تتلقى تدريبا عسكرياً واموالاً بشكل منتظم من إيران عن طريق حزب الله اللبناني".[32]
وفي الجولة السادسة من الحرب التي بدأت في آب/ أغسطس 2009م وانتهت في شباط/ فبراير 2010م تدخلت السعودية عسكرياً إلى جانب النظام اليمني ضد الحركة الحوثية, وفي المقابل اتخذت إيران موقفا اعلامياً صريحاً مؤيداً للحركة الحوثية.[33]
ويمكن سرد وقائع إضافية تكشف حالة تنامي النفوذ الإيراني في اليمن بالصورة الآتي:
- في تموز/ يوليو 2012م, أعلنت السلطات اليمنية عن ضبط شبكة تجسس إيرانية تدير عمليات تجسس في اليمن والقرن الإفريقي.
- في آذار/ مارس2013م أصدرت محكمة يمنية بحبس مواطنيّن يمنيين اثنين بتهمة التخابر مع إيران.
- مارست السفارة الإيرانية في صنعاء أنشطة استقطابية مكثفة بين عامي (2012 – 2014م), إذ تمكنت من استقطاب قيادات سياسية وعشائرية وناشطين شباب وتقديم الدعم المادي والإعلامي لهم, وتسفيرهم إلى لبنان وإيران وسوريا لتلقي دورات تدريبية سياسية وإعلامية.
كما تمكنت من استقطاب قيادات سياسية وشخصيات برلمانية وإدماجهم في شبكات مصالح انتفاعية وإنشاء منابر إعلامية وفضائيات أبرزها: قناة الساحات التي يديرها البرلماني سلطان السامعي, ودعم "جبهة إنقاذ الثورة" التي يتزّعمها البرلماني الليبرالي أحمد سيف حاشد. كما قدمت إيران تمويلاً سخياً لبعض تيارات الحراك الجنوبي التي ترفع شعار فك الارتباط.
- بتاريخ 23 كانون الثاني/ يناير 2013م, أعلنت السلطات اليمنية عن إلقائها القبض على سفينة "جيهان1" وهي سفينة إيرانية، محمّلة بالأسلحة كانت في طريقها إلى ميناء ميدي الذي يسيطر عليه الحوثيون.
- كثّفت إيران قبيل انقلاب 21 أيلول/ سبتمبر 2014م "وحدات التهريب الإيرانية التابعة لفيلق القدس (الوحدة 400 والوحدة 190) من تعزيز وجودها العسكري في اليمن من خلال إرسال خبراء وخلايا تجسس, فضلاً عن إرسال شحنات عسكرية لتعزيز قدرات جماعة الحوثي العسكرية, ومنها سفينة (جيهان واحد) الشهيرة التي كانت الحكومة اليمنية قد ألقت القبض عليها مطلع عام 2013م, وعلى متنها عشرات الأطنان من الأسلحة المتطورة القادرة على إسقاط طائرات عسكرية ومدنية, بالإضافة إلى مادتي (السي فور, والسوربتول) شديدتي الانفجار اللتين تخلطان مع مواد أخرى لصناعة القنابل والأحزمة الناسفة والعبوات المتفجرة."[34]
- عشية سقوط العاصمة اليمنية صنعاء بأيدي الحوثيين في أيلول/ سبتمبر 2014م, أدلى "علي رضا زاكاني" المسؤول الإيراني المقرّب من المرشد علي خامنئي بتصريح أفاد فيه بأن صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التي دخلت في كنف إيران بعد بغداد وبيروت ودمشق.
- بُعيد انقلاب أيلول/ سبتمبر 2014م قامت اللجنة الثورية العليا (سلطة الانقلاب) بإبرام اتفاق مع إيران قضى بتوسيع وتطوير ميناء الحديدة (أكبر ميناء في اليمن)، وإنشاء جسر جوي بين صنعاء وطهران لتسيير 14 رحلة أسبوعية.
- قام حزب الله اللبناني بتقديم دعم لوجستي لمقاتلي الحركة الحوثية خلال الحرب الجارية, وقد بُثّت أشرطة فيديو على مواقع الانترنت والفضائيات التلفزيونية قيام قيادات ميدانية تنتمي لحزب الله بتدريب مقاتلين حوثيين.
- مع تناقص القدرة التسليحية للانقلابيين بفعل الضربات الجوية للتحالف العربي والتي دمرت جزءاً كبيراً من الترسانة العسكرية, والمعارك التي يخوضها الجيش الوطني وتمكّنه من استرداد مساحات واسعة من البلاد, لجأت إيران إلى تسيير شحنات عسكرية عبر الممرات البحرية, ابتداءً من مضيق هرمز, مروراً بميناء (بلاد البنط) الصومالي, ومنه إلى ميناء (الحديدة) اليمني على البحر الأحمر.[35] وقد تمكنت القوات البحرية التابعة للتحالف العربي من ضبط بعض السفن والقوارب المحملة بالأسلحة والمعدات العسكرية كانت في طريقها إلى ميناء الحديدة. وهناك شكوك من أن تدفق السلاح للحوثيين يأتي أيضاً من خط آخر, من بحر العرب عبر سلطنة عُمان إلى محافظة المهرة الواقعة شرق اليمن.
- ويُعتقد على نطاق واسع أن إيران قدمت للحوثيين دعماً لوجستياً وتقنياً أمكنهم من تطوير قدرة الصواريخ الباليستية التي كانت بحوزة الجيش السابق, حتى باتت هذه الصواريخ قادرة على ضرب العمق السعودي.
- وفي هذا السياق, أكد تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي الصادر بتاريخ 26 كانون الثاني/ يناير 2018م أن الحوثيين يتلقون دعماً مستمراً من إيران, مفيداً أنه "وثَّق مخلفات قذائف ومعدات عسكرية متصلة بها, وطائرات عسكرية مسيّرة من دون طيار ذات أصل إيراني جُلبت إلى اليمن". وأن إيران قامت بإمداد الحوثيين بقذائف تسايرية قصيرة المدى من نوع بركان 2ح (2H-Borkan) وطائرات من دون طيار من نوع (أبابيل ـ T).[36]
ويرمي النظام الإيراني من خلال هذه النشاطات إلى تحقيق جملة أهداف في اليمن, أهمها:
1- إيجاد موطئ قدم له في اليمن, والاستفادة من موقعها الجيوسياسي, والتحكّم بمضيق باب المندب لاستكمال حلقات السيطرة على خط الملاحة الدولية الذي يمتد من الخليج مروراً ببحر العرب فالبحر الأحمر, بعد أن بسط هيمنته على مضيق هرمز واستمرار احتلاله لجزر إماراتية, هي: الطنب الكبرى والطنب الصغرى وجزيرة أبي موسى.
2- استخدام الحركة الحوثية كمخلب قط لإلحاق الأذى بالسعودية, ووضع السعودية بين فكي كماشة بعد أن باتت العراق تحت النفوذ الإيراني المطلق.
3- كسب أوراق تمكّن النظام الإيراني من تحسين شروطه التفاوضية مع الدول الغربية حول الملف النووي ورفع العقوبات الاقتصادية عنه. صحيحٌ أن صفقة الاتفاق النووي التي أبرمتها إيران مع الدول الغربية منتصف عام 2015م, قد أتاح لها لعب دور تأثيري واسع في المنطقة العربية ومنها اليمن. لكن الأصح أن إيران ما كان لها أن تتمتع بهذا النفوذ لولا "ضعف الدولة اليمنية, والاختلاف السياسي الداخلي, وغياب المشاريع الاستراتيجية للدول المجاورة, لاسيما دول الخليج"[37].
لقد استفادت إيران من هشاشة الدولة اليمنية, والفراغ السياسي الذي تركته الأحزاب السياسية, وغياب المشروع الوطني الجامع والانقسام السياسي الحاد في البلاد للقيام بأدوار سلبية ألحقت بالغ الضرر بالدولة اليمنية وبالكيان الاجتماعي الوطني وتأزيم منطقة الجزيرة العربية.


ثانياً: الدور السعودي في اليمن:
منذ عقود طويلة تعاملت السعودية مع اليمن كفناء خلفي لها, مما أكسبها خصام عموم الحركة الوطنية اليمنية وذلك لعاملين: الأول: احتلال نظام آل سعود لجزء من اليمن الطبيعية: "جيزان ونجران وعسير". والثاني: أن السعودية مثلت قاعدة للأنظمة الرجعية في المنطقة، لاسيما موقفها المعادي للثورة اليمنية ودعمها للنظام الامامي[38]
ويمكن تجلية الدور السعودي في اليمن وخلفياته التاريخية من خلال المحطات الآتية:


المحطة الأولى (1800 – 1962م):

تعود بدايات الطموحات السعودية لمد نفوذها في اليمن إلى العام 1800م, ويفيد د. محمد علي الشهاري بالقول: "بعد أن أكملت الأسرة السعودية سيطرتها على نجد والحجاز بدأت تمد أبصارها نحو اليمن, فمع نهاية العام 1800م شنّ عبدالعزيز بن محمد بن سعود حملة عسكرية على عسير السراة انتهت بإخضاعها لسلطانه, وغدت عسير السراة منذئذٍ نقطة انطلاق للتوسع السعودي صوب عسير تهامة وصوب تهامة اليمن كلها."[39]
وفي عامي (1809 – 1810م) حاولت قوة سعودية الوصول إلى حضرموت, ولكن كان مصير أكثرها الفناء, وهو نفس المصير الذي لقيته قوة أخرى بعثت هناك عام 1811م.[40]
واقع الحال يقول بأن عوامل الجوار الجغرافي والأواصر الاجتماعية المشتركة قد لعبت دوراً تأثيرياً كبيراً في مسار العلاقات بين اليمن والسعودية. إذ ترتبط الدولتان بشريط حدودي بري طويل يبلغ 1800كم, وبثلاثة منافذ حدودية رئيسية هي: البقع وعلب والوديعة. وهناك قواسم مشتركة أخرى تتمثل بعوامل التاريخ المشترك والأواصر الاجتماعية والأعراف والعادات المشتركة لسكان المناطق الحدودية, وعلى وجه الخصوص المناطق التي كانت تسمى بالمخلاف السليماني وتهامة اليمن, والتي تشمل: جيزان ونجران وعسير, فأصول سكان هذه المناطق يمنية.
لقد كانت هذه المناطق يمنية يحكمها الأدارسة [41] حتى عام 1926م, حيث أصبحت منطقة نزاع حدودي بين السعودية واليمن بعد أن دخل الأدارسة في حلف مع السعودية.
اندلعت حرب غير متكافئة بين النظام اليمني والنظام السعودي, انتهت بتوقيع معاهدة الطائف عام 1934م, وتمكنت السعودية من فرض شروطها على اليمن وضم المناطق المذكورة إليها.
وتكمن أسباب انهزام النظام اليمني أمام النظام السعودي وإخفاقه عن استعادة المناطق المحتلة في طابع الدولة اليمنية التي أسسها ابن حميد الدين, التي قامت على أساس الجور وفرض الجباية المغلظة وسيطرة الاقطاع الطائفي الموغل في الرجعية والتخلف التي لم توفر الشروط السياسية اللازمة لنهوض حركة تحرير وتوحيد يمنية قادرة على مواجهة النظام السعودي والأطماع الاستعمارية الخارجية.[42]
لقد كان لانهزام النظام الامامي انعكاسات على الداخل اليمني تبدَّت في نشوء معارضة يمنية طالبت الإمام بإجراء إصلاحات إدارية وسياسية.[43] ولمّا قابل الإمام هذه المطالب بأذن من طين وأخرى من عجين, توسعت رقعة المعارضة وتغيّر شكل نضالها من المطالبة بإصلاح النظام إلى الثورة عليه, كما حدث في ثورة فبراير 1948م الدستورية, وانتفاضة الجنود في 1955م, واندلاع ثورة 26 سبتمبر عام 1962م التي تمكنت من كنس نظام الأئمة الإقطاعي إلى مزبلة التاريخ.


المحطة الثانية: 26 سبتمبر 1962م وحتى 1990م:

منذ الوهلة الأولى ناصب النظام السعودي ثورة 26 سبتمبر 1962م العداء, واعتبر أن قيام نظام جمهوري في جنوب الجزيرة العربية يشكل تهديداً خطيراً عليه, ولهذا سخّرت السعودية كل إمكانياتها لدعم القوى الامامية في حربها ضد النظام الجمهوري الوليد خلال الأعوام (1962 – 1970م), وقام الطيران السعودي بتوجيه ضربات على مواقع القوى الجمهورية, وعلى الرغم من الإمكانيات المهولة التي حصل عليها الاماميون, وسيطرتهم على مناطق شاسعة من الأراضي اليمنية وصولاً إلى محاصرتهم العاصمة صنعاء عام 1967م, إلا أنهم عجزوا عن إسقاط العاصمة والقضاء على الثورة, وذلك بفضل الصمود الأسطوري لليسار الجمهوري الذي تجسّد في ملحمة حصار السبعين يوماً (28 نوفمبر 1967 – 7 فبراير 1968م).
عندما أدرك النظام السعودي استحالة تقويض النظام الجمهوري الوليد؛ بفعل تمسُّك اليمنيين بأهداف الثورة السبتمبرية والدعم المصري للثورة, لجأ إلى خيار آخر وهو اختراق القوى الجمهورية واحتضان اليمين الجمهوري المتمثل بترويكا: القضاة والمشائخ العشائريين والزعماء الدينيين, بالإضافة إلى استمراره في احتضان ودعم الفلول الإمامية وجمع الطرفين في مواجهة اليسار الجمهوري, وفي سبيل ذلك عمل النظام السعودي على عقد عدة مؤتمرات تجمع تلك القوى, ففي الفترة من 31 يوليو إلى 10 أغسطس1965م، احتضنت مدينة الطائف السعودية مؤتمراً ضمّ مشائخ القبائل وقيادات سياسية في جناح اليمين الجمهوري وممثلين عن الملكيين. وهذا المؤتمر يعد من أخطر المؤتمرات التي قامت بُعيد ثورة 26 سبتمبر؛ إذ عُقد في أراضي دولة كانت ولم تزل معادية لثورة 26 سبتمبر, كما أنه مثّل أكبر اختراق سياسي سعودي للصف الجمهوري, وقد تمخّض عنه المطالبة بالدولة الإسلامية كبديل للنظام الجمهوري وكأنّ النظام الجمهوري مقطوع الصلة بالإسلام![44]
وتعززت هيمنة السعودية على القرار الوطني منذ انقلاب 5 نوفمبر 1967م الذي قاده شيوخ قبائل وقيادات عسكرية وسياسية أبرزهم: عبدالله بن حسين الأحمر زعيم قبيلة حاشد وسنان أبو لحوم ومجاهد أبو شوارب زعيمي قبيلة بكيل وحسن العمري رئيس هيئة الأركان ومحسن العيني القيادي البعثي الذي تولى رئاسة حكومة الانقلاب وعبدالملك الطيب أحد رموز الإخوان المسلمين. وقد كان من نتائج هذا الانقلاب إفراغ الثورة السبتمبرية والنظام الجمهوري من مضامينهما, وتصفية عناصر اليسار الجمهوري في أغسطس 1968م وتمهيد الطريق أمام إتمام صفقة مع القوى الملكية برعاية المملكة العربية السعودية عام 1970م.
إذن تمكن النظام السعودي من خلق واقع جديد في اليمن يستجيب لمصالحه الجيوسياسية ويتضاد مع المصالح العامة لليمنيين, وعمل على خلق أذرعة لضمان استمرار نفوذه في اليمن, تمثلت تلك الأذرعة بثلاثة تيارات:

الأول: التيار القبلي بزعامة عبدالله بن حسين الأحمر الذي ظلّ يمثل الذراع الطولى للنفوذ السعودي في اليمن طوال أربعة عقود ونيّف من الزمان.

الثاني: التيار العسكري بقيادة كبار الضباط في الجيش من بينهم: العمري ثم في فترة لاحقة ورث هذا الدور علي عبدالله صالح وعلي محسن الأحمر.

الثالث: التيار الديني بزعامة عبدالمجيد الزنداني رجل الدين المتشدد وذو التأثير الواسع, وجمعت هذا التيار بالنظام السعودي أهداف مشتركة تمثلت بما يسمى "محاربة الشيوعية" والنظام التقدمي في الجنوب ونشر الفكر الوهابي في اليمن الشمالي.
جندت السعودية الثلاث التيارات السالفة الذكر في تصفية القوى التقدمية وسحق أي محاولة تهدف لإخراج اليمن من عباءة النفوذ السعودي, مثل المحاولة الوحيدة واليتيمة التي قادها الرئيس المغدور به الشهيد إبراهيم محمد الحمدي.
وعلى الرغم من أن الرئيس الحمدي وصل إلى السلطة بضوء أخضر من النظام السعودي, إلا أنه غيّر من المعادلة القائمة, وبدأ يتخذ خطوات جريئة في تقليص النفوذ السعودي وهيمنة المشائخ القبليين الموالين للسعودية, كما عمل على إجراء تغييرات في السياسة الخارجية لليمن الشمالي وإحداث تقارب مع اليمن الجنوبي في إطار المساعي الهادفة لتحقيق الوحدة بين الشطرين, وعقد مؤتمر لأمن البحر الأحمر في عام 1977م شاركت فيها الدول المشاطئة للبحر الأحمر: اليمن الشمالي واليمن الجنوبي والصومال والسودان وغابت عنه السعودية. كل هذه الاجراءات التصحيحية الوطنية أزعجت النظام السعودي الذي اعتبرها تجاوزاً للخطوط الحمراء, لذا اتخذ قراراً في ليلة ليلاء وبالتنسيق مع أدواته في الداخل التخلّص من الرئيس الحمدي, وهو ما تم فعلاً في 11تشرين الأول/ أكتوبر 1977م, وكان العقل المدبر لهذه العملية السوداء صالح الهديان الملحق العسكري في السفارة السعودية بصنعاء.
تعززت هيمنة النظام السعودي على القرار السياسي اليمني بُعيد اغتيال الحمدي, فقد أظهرت النخبة الحاكمة الجديدة قدراً كبيراً من موالاتها للنظام السعودي الذي شرع في تشكيل لجنة خاصة تولّت شراء ذمم قيادات سياسية وعسكرية وقبلية يمنية لضمان استمرار هيمنته على اليمن. وفي هذا السياق أفادت تقارير صحفية إن ما يقارب 2700 مسؤول حكومي وشيخ قبلي وسياسي وعسكري وصحفي يمني يستلمون إعاشات شهرية من اللجنة الخاصة السعودية, وبإجمالي يصل إلى 56 مليون ريال سعودي, ومن بين هؤلاء قيادات رفيعة في الدولة ابتداءً من رئيس الدولة آنذاك علي عبدالله صالح.[45]


المحطة الثالثة: (1990 – 2015م):

سبّب تحقيق الوحدة اليمنية في 22 أيار/ مايو 1990م صداعاً للنظام السعودي بسبب حالة العداء التي كان يُكنّها ضد النظام التقدمي في الجنوب, وأوعز إلى أدواته في الداخل اليمني التحيّن للخلاص من قيادة الحزب الاشتراكي اليمني التي كانت تحكم الشطر الجنوبي, ومن ثُمّ الاستفراد بالمشهد اليمني.
هذا المخطط واجهه متغير سياسي كاد أن يقلب الأمور رأساً على عقب, تمثّل بموقف القيادة اليمنية من أزمة الخليج الثانية عام 1991م, إذ رفضت اليمن التصويت في مجلس الأمن الدولي لصالح التدخل العسكري الدولي لإخراج قوات الرئيس العراقي صدام حسين من الكويت, مما خلق أزمة سياسية حادة بين صنعاء والرياض, كان من نتائجها طرد قرابة مليون مغترب يمني مقيم في دول الخليج, وقد نجم عن هذا الاجراء أزمة اقتصادية كبيرة أثقلت كاهل دولة الوحدة الوليدة.
وفي هذا الصدد يجدر الإشارة إلى أن المغتربين اليمنيين يواجهون معاملة إنسانية سيئة, إذ يُفرض عليهم نظام الكفيل, ويُحرمون من حقهم في التملّك, كما يعانون من قيود إدارية وإهدار حقوقهم وغياب قانون ينظّم علاقتهم بالكفلاء وبأرباب العمل, وفرض رسوم وضرائب باهظة, والتعرّض للمعاملة المهينة من قبل الكفلاء.
وتشير التقديرات إلى وجود ما لا يقل عن مليوني يمني مغترب في السعودية غادروا وطنهم قسراً للبحث عن فرص لتحسين أوضاعهم المعيشية.
كما تشير التقديرات إلى أن تحويلات هؤلاء المغتربين لوحدها تصل إلى 3 مليارات دولار, وهو مبلغ ضخم يمثل مصدر دخل لعشرات الآلاف من الأسر اليمنية.
تمثل الهجرة إلى السعودية ودول الخليج عموماً حلماً للكثير من الشباب اليمني الذي يعاني من الفقر والبطالة, ومع قيام الحكومة السعودية بتشديد الشروط للسماح لليمنيين الإقامة فيها[46], لجأ الكثير من اليمنيين إلى سلوك الهجرة غير الشرعية أو "دخول السعودية بالتهريب" كما هو متداول شعبياً.
مع تنامي موجة الهجرة غير الشرعية إلى الداخل السعودي بانضمام أفواج من الأفارقة الصوماليين والارتيريين والأثيوبيين شرعت الحكومة السعودية عام 2003م ببناء جدار أو سياج مكهرب على طول الحدود اليمنية ــ السعودية الذي يبلغ 1800 كيلو متر, ويمتد من البحر الأحمر غرباً وحتى حدود سلطنة عمان شرقاً، ويبلغ ارتفاع الجدار ثلاثة أمتار ومزود بأنظمة رصد إلكترونية[47].
بررت الحكومة السعودية إقامة هذا العازل كإجراء وقائي لحماية حدودها الجنوبية من تدفق الهجرة غير الشرعية ومن عمليات تهريب المخدرات والأسلحة ومكافحة الإرهاب.
وكان مطلع الألفية قد شهد إبرام "اتفاقية جدة" لترسيم الحدود بين اليمن والسعودية, التي بموجبها تنازلت الحكومة اليمنية ــ وبصورة نهائية ــ عن قرابة 460 ألف كم مربع من الأراضي اليمنية التي تشمل نجران وجيزان وعسير والمخلاف السليماني, وهي مساحة مهولة تساوي عشرات الأضعاف من مساحة دولة بحجم لبنان.
في آب/ أغسطس 2009م تفجرت الجولة السادسة من الحرب بين الحركة الحوثية والنظام اليمني, وهي الجولة التي شهدت متغيراً جديداً تمثل بتدخل القوات السعودية ضد الحركة الحوثية وبطلب من الرئيس السابق صالح, وانحصر هذا التدخل في بعض المناطق شمال محافظة صعدة. الجدير ذكره هنا أن الحكومة السعودية كانت قد اتهمت الحوثيين بقيامهم بانتهاك حدودها الجنوبية وشن هجمات على حرس الحدود السعودي, في وقتٍ كان الإعلام السعودي واليمني أيضاً يتحدث عن تنامي الدعم الإيراني للحركة الحوثية.
بعد انقشاع غبار الجولة السادسة من الحرب في فبراير 2010م, ظلّ النظام السعودي يراقب المشهد اليمني عن كثب, الذي شهد تحولات عاصفة, إذ تفجرت ثورة شعبية ضد نظام صالح في 11 فبراير 2011م بسبب لصوصيته وتسلطيته وسياساته الفاسدة وغياب التنمية وتصاعد نسب الفقر والبطالة وتعمم مظاهر البؤس والتهميش الاجتماعي.
أربكت الثورة الشعبية النظام السعودي, في بادئ الأمر, وبات يشعر بالقلق من تنامي ثورات الربيع العربي التي شملت بلدان أخرى: مصر وتونس وسوريا وليبيا والبحرين.
لم يكن هاجس القلق من تنامي هذه الثورات محصوراً في النظام السعودي, بل بات هاجساً عاماً يؤرّق مختلف النظم الخليجية والعربية ومن خلفهم الولايات المتحدة الأمريكية, مما حدا بهذه النظم إلى اتخاذ سياسة احتوائية لموجة الربيع العربي وقطع الطريق أمام تمدد شررها إلى دول أخرى.
تجسدت هذه السياسة الاحتوائية في الحالة اليمنية بمسارين: الأول: المبادرة الخليجية التي وقعت عليها الأطراف السياسية اليمنية في نوفمبر 2011م. أنقذت هذه المبادرة المخلوع صالح ومنحته حصانة من المساءلة واختزلت المطالب الشعبية المتمثلة برحيل النظام السابق وتحقيق حياة حرة وكريمة لليمنيين وبناء دولة مدنية عادلة إلى أزمة حكم سياسي بين سلطة ومعارضة.
المسار الثاني: قيام النظام السعودي بدعم الحركة الحوثية خلال الفترة من عام 2013م إلى منتصف عام 2014م واستخدامها في تصفية حسابات مع آل الأحمر.
لقد أوعز النظام السعودي للحوثيين بالتمدد في مناطق محافظة عمران وصولاً إلى صنعاء "لتأديب" بيت الأحمر التي خرجت عن بيت الطاعة السعودية, ومما يدلل صحة هذا الأمر تصريحات السفير السعودي لدى اليمن بُعيد سقوط عمران بيد الحوثيين التي كشفت عن حالة ارتياح انتابت القيادة السعودية من هذا الحدث. وكذلك تصريحات الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي الذي أدلى بتصريح شهير يقول فيه "أن عمران عادت إلى حضن الدولة!".
وفي حقيقة الأمر, فإن النظام السعودي أساء التقدير عندما لجأ إلى استخدام الحركة الحوثية كورقة في تصفية حساباته مع آل الأحمر, اتضح هذا الأمر مع مرور الوقت, فبُعيد سقوط صنعاء بأيدي الحوثيين في 21 أيلول/سبتمبر 2014م بدأ الحوثيون يخرجون عن النص المكتوب, فقد تملّكهم الشعور بتعاظم قوتهم, فعمدوا إلى التمدد في المناطق الوسطى والجنوبية وتوجيه رسائل قاسية للمملكة السعودية كإجراء مناورات عسكرية عند حدودها الجنوبية, وإقامة جسر جوي بين صنعاء وطهران.


المحطة الرابعة (مارس 2015- حتى الآن):

بعد أن تيّقن النظام السعودي أنه وقع في فخ, وأنه بات بين فكي كماشة النفوذ الإيراني, ففي الشمال باتت العراق تحت الهيمنة شبه الكاملة لإيران وساحة مفتوحة للحرس الثوري الإيراني, وفي الجنوب ها هي اليمن تدخل في نطاق نفوذ طهران. قرر النظام السعودي التدخل العسكري من خلال عملية أطلق عليها اسم "عاصفة الحزم" في 26 مارس 2015م.
جاء إطلاق العملية العسكرية كمحاولة لإعادة ضبط المصنع بين اليمن والسعودية, وكانت التقديرات الأولية للأطراف اليمنية تشير إلى أن الحرب لن تستمر طويلاً, وأنها ستقتصر على توجيه ضربات جوية لتدمير الترسانة العسكرية للانقلابيين واستعادة الدولة الشرعية في غضون أشهر معدودة, لكن الواقع أبان عن خطأ تلك التقديرات, ليس ذلك وحسب, بل كشف عن خبايا أخرى لم تكن حاضرة في العقل السياسي اليمني, إذ بات واضحاً أن التدخل السعودي ومعه دول التحالف العربي لم يكن مجانياً أو "من أجل سواد عيون اليمنيين", بل كان يحمل أهداف أخرى ومطامع اقتصادية, من بينها: سعي الحكومة السعودية إلى مد انبوب نفطي من أراضيها باتجاه بحر العرب مروراً بالأراضي اليمنية في حضرموت والمهرة ليكون خطاً بديلاً عن الخط البحري الذي يبدأ من مضيق هرمز وينتهي إلى بحر العرب خشية من إمكانية إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط السعودية.
وقد أفادت تقارير صحفية عن أن الرياض مارست ضغوطات على اليمن من أجل تجميد عملية التنقيب عن النفط في بعض المناطق اليمنية الواقعة على الحدود السعودية في محافظة الجوف وشرقي مأرب حيث يُعتقد وجود مخزون كبير من النفط والغاز في هذه المناطق[48].
كما كشفت دراسة حديثة النقاب عن أن السعودية مارست ضغوطاً على الحكومة اليمنية لإيقاف مساعي التنقيب عن النفط في منطقة تهامة اليمنية, إذ كانت حكومة الوفاق الوطني اليمنية قد عزمت على عقد اتفاقيات مع شركات صينية وروسية للتنقيب عن النفط في سهل تهامة[50] عام 2013م, بعد أن أكدت دراسات استكشافية عن وجود مخزون نفطي كبير في تلك المنطقة, وعندما علمت الحكومة السعودية بمساعي الحكومة اليمنية تدخلت ومارست ضغوطاً لإيقاف تلك المساعي وهو ما دفع بوزير النفط ــ حينها ــ أحمد دارس إلى تقديم استقالته[50].
الجدير ذكره أن التنقيب عن النفط بتهامة بدأ في منتصف السبعينيات من القرن المنصرم, عندما استقدم إبراهيم الحمدي الرئيس اليمني الأسبق (المغدور به) شركة شل الامريكية للتنقيب, وبدأت الشركة حفر آبار استكشافية جنوب مدينة حرض, إلا أن الشركة أوقفت العمل فجأة وانسحبت من اليمن. ويتحدث الشارع اليمني أن شركة شل تلقت عرضاً سعودياً مقابل ذلك؛ مما وتَّر العلاقة بين الحمدي والحكومة السعودية[51].

إجمالاً يمكن القول: إن السعودية تسعى من خلال تدخلها إلى إعادة هندسة السياسة في اليمن بما يؤمّن لها مصالحها الخاصة, وهي مصالح ــ غالباً ــ ما تتناقض والمصالح الاجتماعية للشعب اليمني.



ثالثاً: الدور الاماراتي في اليمن:

تمثّل الإمارات نموذجاً جيداً لقياس حالة الانقلاب الدراماتيكي في السياسة الخارجية, فقد ارتبطت الإمارات إبان عهد الراحل المؤسس الشيخ زايد آل نهيان (1918 – 2004م) بعلاقات طيبة بالشعوب العربية بسبب الدور التنموي الذي قامت به في مختلف البلدان الفقيرة ومنها اليمن, ولهذا أُطلق عليها "إمارات الخير" و"زايد الخير" كصفتين جديرتين.
وما إن غادر الشيخ زايد آل نهيان دنيانا في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2004م قلبت القيادة الإماراتية الوريثة للشعوب العربية ظهر المجن, فقد اتخذت موقفاً معادياً للثورات العربية, ومثلت رأس حربة الثورة المضادة بتدخلاتها التعسفية في بلدان الربيع العربي, وإجهاض الثورات وتحويلها إلى حروب أهلية والدفع بالجهاديين إلى ساحاتها, والمساهمة في إعادة تدوير النظم القديمة بشخوص جديدة: السيسي في مصر, وحفتر في ليبيا, والسبسي في تونس, وطارق صالح في اليمن.
وما يجدر التنويه إليه هنا أنّ هذا الدور الطارئ والمتناقض كلياً مع الدور الذي عُرفت به الإمارات تاريخياً إنما يعكس حالة أزمة حكم حادة تمر بها العائلة الحاكمة. فمن المعروف أن محمد بن زايد ولي عهد الإمارات قد وضع يده على السلطة منذ عام 2014م؛ مستغلاً تدهور الحالة الصحية لأخيه الشيخ خليفة بن زايد رئيس الإمارات الذي يعاني من آثار جلطة دماغية حادة حالت دون ممارسة مهامه. وتشير تقارير صحفية إلى وجود خلافات عاصفة بين الإخوة أولاد زايد تتعلق بوراثة الحكم, وتتركز هذه الخلافات بين محمد بن زايد ولي العهد وعبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية وطحنون بن زايد مستشار الأمن الوطني, وكذلك خلافات بين محمد بن زايد آل نهيان ومحمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دول الامارات وحاكم إمارة دبي بخصوص الموقف من دولة قطر.
تتصرف الإمارات في اليمن كدولة احتلال ويتمظهر هذا الدور في الآتي:

1- وقوفها وراء إنشاء تشكيلات عسكرية لا تخضع للسلطة الشرعية مثل قوات "حراس الجمهورية" التي يقودها طارق صالح وقوات "الحزام الأمني" التي تسيطر على محافظات عدن ولحج وأبين, وتشكيلات عسكرية ذات طابع مناطقي كالنخبة الشبوانية والنخبة الحضرمية. وتمارس هذه القوات انتهاكات لحقوق الإنسان تمثلت في: مداهمات منازل, واعتقال ناشطين, وإخفاءهم قسرياً, وإنشاء سجون غير قانونية, ومنع دخول عمال وافدين من محافظات الشمال إلى العاصمة المؤقتة عدن.
2- إيواء أحمد علي ابن الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح وقائد الحرس الجمهوري والمتورط في ارتكاب انتهاكات ضد حقوق الإنسان عام 2011م, كما توجد استثمارات عقارية ومصالح اقتصادية تتبع عائلة المخلوع صالح في دبي, وهي استثمارات ومصالح جرى إنشائها بطرق غير مشروعة من خلال نهب المال العام وتهريبه إلى الخارج, إذ يشير تقرير للجنة العقوبات الدولية التابعة لمجلس الأمن الدولي أن عائلة صالح تمتلك ثروة في الخارج تقدر ما بين 35 – 60 مليار دولار, وهو مبلغ هائل بإمكانه أن يحل كل أزمات البلاد المختلفة.[52]
3- التحكّم بمعظم الجزر والموانئ والمطارات اليمنية في "المحافظات المحررة", حتى وصل الأمر إلى منع طائرة الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي من الهبوط في مطار عدن في فبراير 2017م, وكذلك منع رئيس الوزراء من افتتاح مشاريع في جزيرة سقطرى في أيار/ مايو 2018م, ومنع وزير النقل من زيارة ميناء بلحاف الاستراتيجي في فبراير 2018م.
4- السيطرة على حقول النفط والغاز في محافظتي شبوة وحضرموت شرقي اليمن, ومنع تصدير النفط والغاز, ويشير اقتصاديون إلى أن اليمن يخسر يومياً مبلغ يفوق 3 ملايين دولار نتيجة توقف تصدير الغاز والنفط.
5- المحاولات الحثيثة لفرض السيطرة على جزيرة سقطرى الاستراتيجي.
6- دعمها لقيادات المجلس الانتقالي الجنوبي, ومجموعات سلفية مسلحة في الجنوب وتعز تناصب السلطة الشرعية العداء.
7- انخراط بعض التشكيلات العسكرية الموالية لها بصدامات مسلحة مع القوات الموالية للرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي في عدن في كانون الثاني/ يناير 2018م.
8- دعمها لأطراف سياسية وناشطين وإعلاميين وكتاب متلونون يجمعهم قاسم مشترك هو الخصومة مع حزب الاصلاح.
9- تجميد الوضع العسكري, وتحويل الحرب من مواجهة الانقلاب والنفوذ الإيراني إلى لعبة للمساومات وإنهاك القوى الداخلية.
10- كما تفرض القوات الإماراتية سيطرتها على ميناء عدن الاستراتيجي الذي يعد منافساً لميناء دبي الإماراتي, مما أدى إلى تقلص حركة التجارة الخارجية لليمن. وقد انعكست هذه الاجراءات التعسفية على الوضع الاقتصادي للبلد, فقد انخفضت قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية بنسبة تفوق 350% وهي نسبة مهولة كان لها انعكاسات سلبية حادة على الأوضاع المعيشية, فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني, وولد ذلك موجة احتجاجات شعبية واسعة احتاجت معظم المدن اليمنية.
11- وتمارس دولة الإمارات ضغوطاً على الرئيس هادي بغية حمله على التوقيع على اتفاق تأجير عدد من الجزر والموانئ اليمنية الهامة لدولة الامارات من بينها جزيرة "ميون" التي أقامت الإمارات فيها قاعدة عسكرية كبيرة دون إذن مسبق من السلطات اليمنية، إلى جانب مطالبتها باستئجار جزيرة سقطرى وميناء عدن، وعدد من المواقع البحرية الاستراتيجية في البحر الأحمر وباب المندب.

ما سبق سرده إنما يمثل صورة إجمالية عامة للأدوار السلبية التي يمارسها النظام الإماراتي في اليمن, وسنتوقف بالتحليل والتفصيل حول قضيتين هي: ميناء عدن وجزيرة سقطرى لما لهما من أبعاد وتأثيرات جيوسياسية.


الإمارات وميناء عدن وصراع المصالح:

يعد ميناء عدن من أقدم الموانئ البحرية في العالم, فقد دشن العمل فيه عام 1881م. ويمثل أحد أهم المنشآت الحيوية الاستراتيجية الوطنية, و"مورداً اقتصادياً ضخما يساهم في رفد الناتج المحلي الإجمالي"[53]
ويتمتع الميناء بموقع استراتيجي هام؛ إذ "يحتل موضعاً فريداً متوسطاً من كل القارات، ومن حركة الملاحة البحرية الدولية التي تمر على بُعد 4 كم من حوض الميناء. وقد احتل في عقد الستينات [من القرن الماضي] المرتبة الثانية بعد ميناء نيويورك. وكان يخدم كل الجزيرة العربية، وشرق إفريقيا، وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وتصل خدماته إلى أمريكا."[54]
في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2008م أبرمت الحكومة اليمنية صفقة مع شركة موانئ دبي العالمية بغرض تشغيل الميناء. تلك الصفقة التي أثارت ضجة كبيرة حينها بسبب ما شابها من فساد وتقديم تنازلات كبيرة, وعلى الرغم من أن مجلس النواب قد رفض تمرير الصفقة عندما عرضت عليه, إلا أن الحكومة قامت بالتوقيع.
"تنقل إحدى وثائق ويكيليكس عن الرئيس السابق علي عبدالله صالح قوله إنه "اختار شخصياَ" شركة موانئ دبي العالمية لعقد تأجير ميناء عدن. في الوقت الذي تم فيه تجاهل عروض شركات أخرى بشروط وعائدات أفضل لليمن."[55]
ويذكر الباحث الاقتصادي اليمني أحمد سعيد الدهي في دراسة نشرها عام 2008م, الدوافع الكامنة وراء مساعي شركة موانئ دبي العالمية لبسط سيطرتها على ميناء عدن, إذ يؤكد على أن من بين تلك الدوافع هو: تفوق ميناء عدن على ميناء دبي بـ"الموقع الاستراتيجي الفريد والخصائص الطبيعية والجغرافية والملاحية والاقتصادية المتميزة"؛ في حين أن ميناء دبي (جبل علي) يقع موقعا بعيدا قصيّا نافراً عن خطوط الملاحة الدولية الرئيسية ولا يستطيع العمل كميناء وسيط لإعادة تفريغ وشحن وتداول الحاويات.
ويستطرد الدهي بالقول: تسعى شركة موانئ دبي للاستحواذ على ميناء عدن بغرض إهماله، ومحاصرته والتضييق عليه وخنقه وإلغاء دوره، ومنع منافسته القوية المتفوقة إطلاقاً، وتسخيره لخدمة مصالحها.[56]
وخلال ثلاث سنوات من إبرام الاتفاقية المذكورة, تدهور نشاط ميناء عدن بشكل كبير؛ نتيجة سياسة الهدم المتعمد للميناء من قبل شركة موانئ دبي, مما أثار غضب اليمنيين, وتحرك الشارع والمجتمع المدني ووسائل الإعلام مطالبة بإلغاء الاتفاقية وإنقاذ الميناء.[57] وهو ما تم فعلاً, ففي يونيو 2012م خاطبت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد حكومة الوفاق الوطني ــ أول حكومة بعد الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام صالح ــ بضرورة فسخ عقد الاتفاقية لما فيها من ثغرات خطيرة تمس بالمصالح الوطنية. وأكدت الهيئة في بيان رسمي صدر عنها بـ"ثبوت تعمد المشغل وكيل الشركة بعدم تنفيذ خطة الاستثمار الخاصة بالمرحلة الأولى من عملية تطوير الميناء" ودعت في نفس البيان إلى "اتخاذ كافة الاجراءات القانونية للمطالبة بالتعويض العادل جراء الأضرار الفادحة التي تعرض لها ميناء عدن للحاويات نتيجة للإدارة والتشغيل السيئ من المشغل."[58]
وقد قامت حكومة الوفاق الوطني على الفور بإلغاء هذه الاتفاقية وذلك في 25 آب/ أغسطس 2012م, وطالبت الشركة الإماراتية بدفع غرامة قدرها 35 مليون دولار, وقد وصف هذا القرار بالتاريخي, وقوبل بارتياح وترحيب شعبي واسع. بيد أنه ما لبث أن عادت الإمارات مجدداً للعمل في ميناء عدن في تشرين الأول/ أكتوبر 2015م، هذه المرة بدون اتفاقية أو صفقة بل بحكم الأمر الواقع, مستغلةً واقع الحرب في اليمن, إذ تفرض قوات إماراتية وتشكيلات عسكرية موالية لها سيطرتها على ميناء عدن, متحكمة بمسار حركته وحركة التجارة الخارجية لليمن.
يبدي النظام الإماراتي حالة من مانيا (Mania) السيطرة والتوسع على الموانئ والجزر اليمنية الواقعة في البحر الأحمر وبحر العرب, وذلك بهدف بسط اليد على خطوط الملاحة البحرية ليتاح له لعب دور الوكيل الإقليمي الذي تعتمد عليه الدول الكبرى في تأمين خط الملاحة الدولية.
تأتي هذه المساعي في ظل قيام دولة الصين ببناء مشروع عالمي عملاق والمعروف بطريق الحرير الجديد, وسيربط هذا المشروع الشرق بالغرب وسيمّكن الصين من مضاعفة تصدير سلعها إلى أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط.
ومن المزمع أن يتفرع طريق الحرير إلى طريقين: طريق بري يمتد من الصين مروراً بروسيا الاتحادية وصولاً إلى غرب أوروبا وأمريكا الشمالية, والطريق الثاني الطريق البحري الذي سيمر ببحر العرب والبحر الأحمر, وبحسب اقتصاديين سيشكل ميناء عدن وجزيرة سقطرى محطتي ترانزيت هامتين, وهو ما سيدر على اليمن عائدات كبيرة من الجمارك والشحن والتفريغ والنقل, كما سيوفر فرص عمل لعشرات الآلاف من الايدي العاملة اليمنية.
ويذهب مراقبون إلى أن السعودية والإمارات تعملان على تغيير وجهة طريق الحرير البحري واعتماد موانئهما ضمنه, ولتحقيق هذا الغرض عملتا على عرقلة المنافس الأقوى والطبيعي لموانئهما وهو ميناء عدن وتعطيله وإخراجه عن الجاهزية تماماً.


الإمارات وجزيرة سقطرى وصراع الإرادات:

يتكون أرخبيل سقطرى من ست جزر, هي: جزيرة سقطرى, جزيرة صيال سقطرى, جزيرة درسة, جزيرة عبدالكوري, جزيرة صيال عبدالكوري, وجزيرة سمحة, وتقع في المحيط الهندي بالقرب من خليج عدن وقبالة سواحل القرن الأفريقي, وعلى مقربة من خطوط الملاحة البحرية الدولية.
وتعتبر جزيرة سقطرى أكبر الجزر العربية واليمنية، ويبلغ طول الجزيرة 125كم وعرضها 42كم, ويبلغ طول شريطها الساحلي 300 كم.
ترجع شهرة أرخبيل سقطرى وأهميتها التاريخية إلى بداية العصر الحجري وازدهار تجارة السلع, أبرزها : اللبان. ويُعتقد أن الاسم "سقطرى" محرّف عن الاسم الاصل (سكرد) في لغة النقوش اليمنية القديمة.
تتمتع سقطرى بأهمية حيوية, ففيها توجد شجرة "دم الأخوين" النادرة والفريدة على مستوى العالم, وسميت بـ"دم الأخوين" لارتباطها بأسطورة الأخوين "قابيل وهابيل" وهي أسطورة راسخة في المخيال الشعبي تشير إلى أول جريمة قتل في التاريخ البشري, حيث يُعتقد أن الشجرة نبتت من دم هابيل الذي
تعتبر سقطرى موئلاً طبيعياً للكثير من الطيور النادرة تقدر بحوالي 179 نوع وتعيش في 32 موقعاً على الجزيرة منها 41 نوعاً تقيم وتتكاثر وستة أنواع من الطيور المستوطنة التي لا وجود لها في مكان آخر من العالم.
مما حدا بمنظمة اليونسكو بتصنيفها كأحد مواقع التراث العالمي في عام 2008م, ووصفت "بأكثر المناطق غرابة في العالم". أعلن عن أرخبيل سقطرى كمحافظة في تشرين/ أكتوبر من عام 2013م. [59]
بدأت أزمة سقطرى في مستهل أيار/ مايو 2018م على خلفية قيام قوات إماراتية تقدر بأكثر من 100 جندي بالانتشار في الجزيرة معززين بالدبابات ومعدات ثقيلة، استولت فيها على منشآت حيوية مثل مطار سقطرى وطردت الجنود اليمنيين، ورفعت تلك القوات علم دولة الإمارات وصور ولي عهدها محمد بن زايد آل نهيان في المباني الرسمية والشوارع الرئيسية.
في 5 أيار/ مايو 2018م نشرت وكالة الأنباء اليمنية سبأ بياناً لمجلس الوزراء اليمني، وصف الإجراء العسكري الذي قامت به القوات الإماراتية في جزيرة سقطرى بـ"الأمر غير المبرر" وأنه يمثل "استعراض قوة من أجل تحقيق مصالح تجارية وأمنية".
في 10 أيار/ مايو 2018م تقدمت الحكومة اليمنية بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي عبر بعثتها في الأمم المتحدة بشأن التواجد العسكري الإماراتي بالجزيرة.
في 14 أيار/ مايو 2018م، تم نشر جنود تابعين للقوات البرية السعودية في الأرخبيل وذلك في إطار مساعي قادتها السعودية لنزع فتيل الأزمة الناشبة بين الحكومة اليمنية والحكومة الإماراتية.
يستغل النظام الإماراتي حالة انهيار الدولة وضعف السلطة الشرعية وميوعتها لفرض سيطرته على سقطرى, ويسعى لإقامة مشاريع استثمارية تشمل إقامة منتجعات سياحية وبنى تحتية, وتوظيف الموقع الجيو - ستراتيجي للأرخبيل بغية التحكم بالخط الملاحي الدولي, كل هذا يحدث في جزيرة سقطرى المصنفة عالمياً كأحد مواقع التراث العالمي والمحمية الطبيعية التي ينص الدستور اليمني ووثيقة مخرجات الحوار الوطني بمنع تأجيرها أو القيام بأي استثمارات أجنبية أو نشر قوات عسكرية فيها حفاظاً على خصوصيتها.
وفي المجمل يمكن القول إن الأدوار السلبية التي تقوم بها القيادة الإماراتية في اليمن والمنطقة العربية عموماً قد وجهت طعنة نجلاء للدور المتميز الذي عُرفت الإمارات به أثناء عهد الراحل زايد آل نهيان, فالراحل كسب محبة شعوب عربية بما كان يقدمه من مشروعات تنموية وخيرية حتى جَدُرَ بلقب "زايد الخير".


رابعاً: دور سلطنة عُمان في اليمن:
السياسة الخارجية العُمانية سياسة كَتُّومة وغامضة ومثيرة للجدل في آن, كحال "الإباضية" المذهب السائد في السلطنة.
يقول النظام العُماني أنه ينتهج سياسة "الحياد" تجاه أزمات المنطقة العربية, ولهذا يرتبط بعلاقات مع مختلف النُّظم الاقليمية والدولية بما فيها الكيان الاسرائيلي![60]
وفي مسألة توصيف الدور العُماني في اليمن ينبري رأيين: الأول: يرى أن الدور الذي تلعبه عُمان في الأزمة اليمنية دور ايجابي لانتهاجها سياسة "الحياد", ورفضها الانخراط في إطار التحالف العسكري الذي تقوده السعودية والإمارات, وبحسب هؤلاء فإن هذا الأمر يعطيها أفضلية عن بقية الأطراف الخارجية.
وهناك من يرتاب من هذا الدور, لاسيما وأن مسقط لم تعلن موقفاً واضحاً داعماً لشرعية الرئيس عبدربه منصور هادي, فضلاً عن تواجد قيادات انقلابية على أراضيها.
ترتبط عُمان بعلاقات مميزة مع إيران والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا, هذا الأمر مكّنها من التأثير على الحوثيين وحمْلِّهم على إطلاق رهائن أمريكيين في نوفمبر 2016م بُعيد زيارة قام بها جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك.
ويبدو أن الصلات المشتركة بين عُمان وإيران قد وفّرت للأخيرة فرصة توظيف الحدود اليمنية العمانية التي تبلغ نحو 300 كلم بتضاريسها المعقدة لتهريب الأسلحة للحوثيين.
لدى عُمان نفوذ واسع في محافظة المهرة شرقي اليمن, فالمهرة تمثل للسلطنة عمق استراتيجي لمصالحها ولأمنها القومي. وتعد المهرة ثاني أكبر محافظات اليمن إذ تبلغ مساحتها 82405 كلم مربع, وتتمتع بخصوصية ثقافية واجتماعية متفردة, وتشترك عائلات مهرية وعُمانية بوشائج اجتماعية وصلات قربى, وهناك تجانس في العادات والتقاليد والأزياء وسمات ثقافية أخرى, فاللغة المهرية وهي إحدى اللغات السامية القديمة, تعد لغة مشتركة لسكان المهرة ومناطق جنوب شرق عُمان.
ويحظى أبناء المهرة بتعامل عُماني خاص, إذ يحظون بتسهيلات كبيرة أثناء تنقلاتهم إلى الداخل العماني, ليس ذلك وحسب بل إن معلومات متداولة تفيد بأن الآلاف من المهريين قد حازوا على الجنسية العمانية خلال السبع السنوات المنصرمة.
مؤخراً سعت الإمارات العربية المتحدة إلى وضع يدها على المحافظة, وإنشاء تشكيلات عسكرية على غرار "النخبة الشبوانية والنخبة الحضرمية". وقد قوبلت هذه المساعي الإماراتية بسخط واسع من أبناء المهرة, كما تسببت بتوسيع الفجوة في علاقات البلدين التي تتسم تاريخياً بالتوتر.
وكانت السلطات العُمانية قد أعلنت عن اكتشاف خلية تجسس إماراتية عام 2011م. وفي العام 2015م, اتهمت مسقط أبوظبي بإدارة "عمليات شراء غير مسبوقة لأراضي وولاءات قبلية شمالي السلطنة على الحدود مع الإمارات، وأنها قدمت أموالًا طائلة لشخصيات قبلية غير معروفة، واكتشفت ذلك في ولاية «مدحاء» العمانية التي تقع بالكامل داخل الأراضي الإماراتية، ومحافظة «مسندم» العمانية التي تطل على مضيق هرمز (شمالي الإمارات)" [61]
وبالعودة إلى العلاقات اليمنية ــ العمانية, فمن الجدير ذكره هنا أن علاقات البلدين قد اعتورتها حالة من التوتر الحاد, وخصوصاً في الفترة الممتدة من نهاية ستينيات وحتى منتصف سبعينيات القرن المنصرم, فقد كانت سلطنة عمان تشهد آنذاك ثورة مسلحة تقودها "الجبهة الشعبية لتحرير ظفار" التي بدأت شرارتها عام 1965م تأثراً بأصداء القومية العربية وحركات التحرر الوطني في العالم العربي, وهدفت إلى الإطاحة بنظام السلطان سعيد بن تيمور وتأسيس جمهورية ديمقراطية بمضامين اجتماعية تقدمية. وقد تبنت الجبهة رسمياً الاتجاه الماركسي عام 68م وهو ما كان له أثره في قيام علاقات وطيدة بين الجبهة ونظام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وقدمت اليمن الجنوبي دعماً سخياً للجبهة واحتضنت الكثير من قياداتها, كما وفرت أماكن داخل الأراضي اليمنية الجنوبية لتدريب عناصر الجبهة وإنشاء إذاعة للجبهة وصحيفة.
ولم يُكتب لهذه الحركة النصر, إذا تم القضاء عليها في 1976م بفعل الدعم الخارجي للنظام العُماني ولاسيما الدعم المقدم من بريطانيا.



خامساً: دور قطر في اليمن:
تلعب دولة قطر أدواراً كبيرة في المنطقة العربية أكبر من حجمها كدولة صغيرة (دويلة)، وما يفسّر الأمر هذا عاملان:
الأول: حجم الفائض المالي الذي تحوزه, والثاني: مساعي النظام القطري لتأكيد "توجه مستقل" عن الهيمنة السعودية. ولهذا غالباً ما اصطدمت دولة قطر بجيرانها ولاسيما السعودية والإمارات, بلغ ذروة هذا الاصطدام فيما اصطلح عليه بـــ "أزمة الخليج" التي حدثت في يونيو 2017م حيث اتخذت كلاً من: السعودية, والإمارات, والبحرين, ومصر قراراً بقطع العلاقات مع دولة قطر وفرض ما يشبه حصاراً عليها بسبب علاقاتها مع إيران.

ويتمظهر الدور القطري في اليمن من خلال الوقائع الآتية:
_قادت دولة قطر وساطة سياسية لإنهاء المواجهات المسلحة بين الحكومة اليمنية والحركة الحوثية في يونيو 2007م, حيث قضت بنود الوساطة بإنهاء الحرب الدائرة في صعدة مقابل مغادرة الحوثي وإخوته مع عائلاتهم والقائد الميداني البارز عبد الله الرزامي للإقامة في دولة قطر لفترة غير محدودة وعدم ممارسة أي نشاط سياسي أو إعلامي معاد لليمن من قطر أو خارجها. بينما تساهم قطر ودول أخرى في تمويل إعادة الإعمار محافظة صعدة.[63]
وقد وقع على هذا الاتفاق في فبراير 2008، لكنه لم يصمد طويلاً إذ تجددت المواجهات المسلحة بين الطرفين في مارس 2008م, وقد اتهمت قطر عبر وسائل إعلامها علي عبدالله صالح الرئيس السابق بالوقوف وراء إفشال الاتفاق, بينما رد نظام صالح باتهام قطر بدعم الحوثيين.

_شاركت قطر في إطار التحالف العربي الذي تقوده السعودية, لكن مساهمتها كانت محدودة وغير مؤثرة, وانتهى بها المطاف إلى الانسحاب منه في أعقاب تفجُّر أزمة أزمة الخليج في يونيو 2017م.

_تُتهم قطر بتقديم دعم مالي لأطراف سياسية يمنية, وعلى وجه الخصوص حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي _فيما يبدو _ يرتبط بها من خلال جمعيات ومؤسسات خيرية تابعة له.


سادساً: دور الكويت في اليمن:
تحضر دولة الكويت في ذهنية الشارع اليمني أكثر ما تحضر في الدور التنويري الطليعي منذ سبعينيات القرن الفارط, إلى جوار الدور التنموي طبعاً.
وتتخذ الكويت من الاكتفاء بلعب دور الوسيط والنأي بنفسها عن التدخلات المباشرة أو التعسفية في أزمات المنطقة منهاجاً عاماً لسياساتها الخارجية وهو ما أكسبها ثقة واحترام واسعين.
وقد احتضنت الكويت الجولة الثالثة من المفاوضات بين السلطة الشرعية والانقلابيين في 21 أبريل 2016م, لكنها لم تسفر عن أي نتائج ملموسة بسبب تصلّب الانقلابيين.
كما تقوم الكويت _حالياً _ بأدوار في مجال الإغاثة الانسانية والعمل الخيري من خلال وكلاء محليين وجمعيات غالبيتها تابعة للحركة السلفية.
وفي هذا الصدد يشير الباحث اليمني د. أحمد محمد الدغشي إلى العلاقة التي يرتبط بها سلفيو اليمن بسلفيي الكويت, إذ ترتبط جمعية الحكمة اليمانية بعلاقة وطيدة بجمعية "إحياء التراث الاسلامي" الكويتية, وبحسب الدغشي فإن هذه العلاقة هي علاقة (الطالب بالمطلوب)[64] حيث الجمعية الكويتية هي صاحب اليد العليا وهي الموجه الفكري والمصدر التمويلي لجمعية الحكمة اليمانية.


سابعاً: دور مصر في اليمن:
لعبت مصر أدواراً مختلفة ومتناقضة في اليمن طوال العقود الستة الماضية, ويمكن إعطاء صورة بانورامية موجزة لتلك الأدوار على النحو الآتي:

_اتسم الدور المصري في اليمن خلال عقد الستينيات من القرن العشرين بمضمون تقدمي؛ فقد جاء في سياق المد القومي وحركات التحرر الوطني من الاستعمار, وبدافع نصرة ثورة الشعب اليمني ضد نظام الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين, وحماية النظام الجمهوري الوليد من التدخلات الرجعية السعودية والإيرانية اللتان ناهضتا الثورة ووقفتا في صف القوى الملكية.
وقد تواجدت مصر _ حينها_ بقوة عسكرية مهولة قُدّرت بـ 60 ألف جندي في اليمن, استشهد منهم 20 ألفاً ودفنوا في اليمن!
كما لعبت مصر دوراً تنموياً مشهوداً في مجالات الصحة والتعليم والبنى التحتية وأسهمت في بناء جهاز الدولة اليمنية وتأهيل كادر مهني يشغل هذا الجهاز.

_بلغ الدعم المصري السياسي والمادي لليمن ذروته مع الزيارة التاريخية للزعيم العربي جمال عبدالناصر في 23 أبريل 1964م, والتي استمرت لعدة أيام التقى فيها مسؤولين وشخصيات اجتماعية, وألقى خطاباً تاريخياً أمام حشد جماهيري بمدينة تعز وسط اليمن, وقال قولته المشهورة: على العجوز الشمطاء [يقصد بريطانيا] أن تأخذ عصاها وترحل من جنوب اليمن.
انخرطت مصر في سياق صراع إرادات مع السعودية, لكنها خرجت خاسرة من هذا الصراع عقب هزيمة 5 يونيو 1967م, لتخلو الساحة اليمنية للاعب السعودي. فعقب هذا الانسحاب بأشهر معدودة رتبت السعودية وبالتنسيق مع أدواتها في الداخل لحركة انقلابية في 5 نوفمبر 1967م ضد عبدالله السلال _ أول رئيس جمهوري في اليمن الشمالي.

_على الرغم من تقدمية الدور المصري خلال الفترة المشار إليها, إلا أنه لم يخلو من أخطاء, فقد مارست المخابرات المصرية إبان عهد صلاح نصر صاحب الصيت السيئ تدخلات تعسفية وقامت بالتنكيل بالعناصر اليسارية والوطنية في البلاد.

_بعد أن غيَّب الموت الزعيم القومي جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970م, وطلوع أنور السادات إلى سدة الحكم, دخلت مصر في منعطف آخر مختلف شكلاً ومضموناً عن المرحلة الناصرية, إذ يممت "مصر الساداتية" وجهها شطر الغرب, وعقدت صفقة "كامب ديفيد" في سبتمبر 1978م مع اسرائيل لتضع نهاية لدورها القومي الريادي في المنطقة.

_في الحرب الأخيرة, شاركت مصر بإيعاز سعودي في إطار التحالف العربي, وهي مشاركة رمزية ليس للنظام المصري فيها أي قرار فعلي.


ثامناً: دور تركيا في اليمن:
لتركيا مطامع قديمة _ جديدة في اليمن, ومن المعروف أن اليمن خضعت للاحتلال العثماني في مرحلتين: تمتد المرحلة الأولى بين أعوام (1538 – 1635م), والمرحلة الثانية (1872 – 1918م).
راهناً, تنامى النفوذ التركي في اليمن بُعيد ثورة 11 فبراير 2011م, من خلال العلاقات التي أقامتها السفارة التركية ببعض الأوساط السياسية وبالأخص المحسوبة على حزب التجمع اليمني للإصلاح.
ويلفت الكاتب عاتق جار الله الانتباه إلى النشاط التركي "في اقامة معارض ترويجية للجامعات التركية بغرض استقطاب الطلاب إليها فضلا عن تقديم منح دراسية محدودة «80 منحة سنوياً»، (...) وتقديم دورات [لتعلم] اللغة التركية وافتتاح معاهد تعليمية وحرفية واعادة ترميم بعض الآثار العثمانية، وتقديم عروض اقتصادية وتعريف التجار الأتراك بفرص الاستثمار في اليمن."[65]
في مايو 2013م, تناقلت وسائل الإعلام خبراً يفيد بضبط السلطات اليمنية لشحنة أسلحة تركية الصنع في مديرية حيس التابعة لمحافظة الحديدة غربي اليمن, وأن الشحنة كانت تحتوي على أسلحة رشاشة ومسدسات كاتمة للصوت!
وتحتضن تركيا حالياً قيادات ونشطاء في حزب الإصلاح, أبرزهم: حميد الأحمر _ رجل الأعمال والشيخ القبلي, وتوكل كرمان_ القيادية في الثورة الشعبية والحائزة على جائزة نوبل للسلام.
وبصورة إجمالية يمكن القول بأن تركيا تخوض وبمعيّة قطر منافسة محمومة في مواجهة السعودية والإمارات من جهة وإيران من جهة ثانية للعب دور تأثيري في مجريات الحرب القائمة في اليمن وتقرير مستقبله, وتتمظهر هذه المنافسة المحمومة أكثر ما تتمظهر في محافظة تعز وسط البلاد.



تاسعاً: دور الولايات المتحدة الأمريكية في اليمن:
يقوم الدور الأمريكي في المنطقة العربية عموماً ومنها اليمن برسمٍ من مخطط الشرق الأوسط الكبير [66] الذي يتوخى إغراق دول المنطقة في أتون حروب وانقسامات أهلية "فوضى خلاقة" كمقدمة لإعادة تقسيمها إلى دويلات وكانتونات صغيرة تتوافق والمصالح الامبريالية العالمية.
وتعود بدايات النفوذ الأمريكي في اليمن إلى السنوات الأخيرة من عهد الإمامة, وقد وجد الإمام البدر بن حميد الدين آخر حاكم إمامي يمني في أمريكا الحليف الدولي الذي يمكن الاعتماد عليه إلى جانب بريطانيا والسعودية _ بالطبع _ في مواجهة المناوئين لحكمه.
رأت الولايات المتحدة الأمريكية في ثورة 26 سبتمبر 1962م مصدر تهديد لمصالحها في المنطقة, لذلك سعت بالتنسيق مع حلفائها الاقليميين إلى احتواء الثورة, وحرف بوصلة اليمن الجمهوري الوليد ناحية الغرب الامبريالي, وهو ما تحقق لها بفعل انقلاب 5 نوفمبر 1967م, إذ بدأ النفوذ الأمريكي في اليمن يأخذ مساراً تصاعدياً, ويمكن تبيان من خلال المعطيات الآتية:
في ربيع عام 1976م, تم التوقيع على اتفاقية المساعدة العسكرية بين صنعاء وواشنطن, ووفرت الاتفاقية, الممولة من السعودية والمقدرة بقيمة 139 مليون دولار, عملية إعادة تسليح بعض كتائب المشاة وتجهيزها.[67] وكان الدافع وراء هذا التعاون الأمني مواجهة النفوذ السوفياتي في جنوب اليمن والتهديد الذي شكله للمصالح الأمريكية في الجزيرة العربية والخليج.
قامت حكومة الجمهورية العربية اليمنية في عام 1984م بإبرام اتفاقية مع شركة (هنت) الأمريكية للتنقيب عن النفط في محافظة مأرب الشرقية في خطوة هي الأولى من نوعها.
أدى تفكك الاتحاد السوفيتي نهاية ثمانينات القرن المنصرم إلى استفراد أمريكا بالهيمنة على اليمن ومنطقتي البحر الأحمر والقرن الأفريقي عموماً.
تعززت العلاقات الأمنية بين اليمن وأمريكا عام 1998م, إذ استقدمت الحكومة اليمنية خبراء عسكريين وأمنيين أمريكيين لتدريب القوات اليمنية.
مثّل حادث تفجير المدمرة الامريكية (U.S.S. Cole) في أكتوبر2000م ومن ثمّ أحداث 11 سبتمبر 2001م[68], منعطفاً حاداً في مسار العلاقات اليمنية _ الأمريكية, إذ وُضعت اليمن أمام خيارين: إما الانخراط في الاستراتيجية الامريكية وما يسمى الحرب الدولية على الارهاب, أو أن يتم تصنيفها ضمن الدول المارقة كأفغانستان والعراق.
بالطبع لم يكن متاحاً أمام النظام اليمني إلا أن ينتهج الخيار الأول, وبالتالي باتت السياسة الخارجية لليمن محكومة بنيل رضا السيد الأمريكي, ومعها فقدت الحكومة اليمنية القدرة على إبداء أي شكل من أشكال الممانعة.
استفاد النظام السابق من انخراط اليمن في "الحرب على الإرهاب", فقد وقى نفسه من غضب السيد الأمريكي, وحصل على مساعدات مالية وتسليحية, الأمر الذي شجعه على استمراء اللعبة, وبات يستخدم الارهاب كفزاعة "ذات تأثير مزدوج", استخدامها كفزاعة للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج من ناحية, والتلكؤ تجاه الإصلاح السياسي, والسعي إلى إضعاف المعارضة وتدجينها من ناحية أخيرة.[69]
صارت سماء اليمن مسرحاً لطائرات "الدورنز" الأمريكية, وهي طائرات بلا طيار, ونفذت هذه الطائرات المئات من الغارات الجوية التي تقول الحكومة الأمريكية أنها تستهدف إرهابيين, بينما الوقائع تشير إلى أن 90% من ضحايا هذه الغارات كانوا من الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء.
قُدّرت عدد العمليات العسكرية التي قامت بها الطائرات الأمريكية في اليمن منذ العام 2002م وحتى العام 2013م, ما بين 134 و234 عملية, وشملت عمليات إطلاق الصواريخ من بارجات حربية في خليج عدن والبحر الأحمر وأدت إلى مقتل قرابة 2000 شخص معظمهم من الأبرياء.[70]
خلال أعوام 2015 -2017م, ارتفعت وتيرة الضربات الجوية الأمريكية, كما تم تنفيذ إنزال جوي, ففي 29 يناير 2017م, وفي عملية غير مسبوقة نفذت قوات أمريكية خاصة عملية إنزال جوي في مديرية "قيفة" بمحافظة البيضاء وسط اليمن, وقد أعلنت السلطات الأمريكية أن العملية استهدفت قيادات في تنظيم القاعدة, غير أن مصادر إعلامية متعددة محلية ودولية أفادت أن العملية أودت بحياة 40 شخصاً من الأطفال والنساء. كما نفذت عناصر من مشاة البحرية الأمريكية "المارينز" عملية أخرى في 2 مارس 2017م في منطقة موجان الجبلية شرقي بلدة شُقرة بمحافظة أبين.[71]
عقدت الحكومة اليمنية صفقة مع الحكومة الأمريكية عام 2010م, تم بموجبها منح أمريكا ترخيصاً ببناء قاعدة عسكرية لها في أرخبيل سقطرى مقابل حصول الحكومة اليمنية على معونات مالية وعسكرية.
بخصوص الحرب الجارية, تتعامل أمريكا وحليفاتها من الدول الغربية مع الملف اليمني كورقة للمساومة مع روسيا والصين وإيران وتركيا, فالملف اليمني مرتبط عضوياً بملفات: سوريا, والعراق, وليبيا. وبالتالي فإن أي حلحلة للملف اليمني لن يكون مواتياً إلا في حال توصلت الدول الكبرى إلى اتفاق حول تقاسم النفوذ في المنطقة بوجه عام. وما يؤكد صحة هذا التحليل, قيام أمريكا بترسيم حدود لحركة التحالف العربي في اليمن وإثنائه عن عدم حسم المعركة مع الانقلابيين, وما حدث مؤخراً من تجميد معركة الحُديدة يعد مثالاً ساطعاً على ذلك.
في أغسطس 2016م طرح جون كيري وزير الخارجية الأمريكي السابق ما قال أنها خطة سلام, عُرفت يمنياً بـ(خطة كيري) وتضمنت الخطة حلاً للنزاع من ثلاثة بنود رئيسية هي: تشكيل حكومة وحدة وطنية، وانسحاب المسلحين من المدن والمؤسسات، وتسليم السلاح الثقيل لطرف ثالث. ولم يُكتب لهذه "الخطة" النجاح لعدة أسباب, أهمها: أنها عاملت الطرف الانقلابي على قدم المساواة مع طرف الشرعية, ولم تحدد ماهية الطرف الثالث, كما أنها جاءت جزئية, وتعاملت مع الشق السياسي فقط ولم تشمل الجوانب الأخرى, ولم تُشر لا من قريب ولا من بعيد للفترة الانتقالية, وضرورة استكمال مهامها بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني باعتبارها وثيقة الإجماع الوطني.
خلال شهر أكتوبر المنصرم, كشف "جميس ماتيس" وزير الدفاع الأمريكي عن وجود أفكار أميركية لتسوية النزاع اليمني, أهمها إيجاد منطقة عازلة في شمال اليمن لضمان حماية الحدود الجنوبية للسعودية, ونزع الصواريخ الباليستية أو بعيدة المدى, وأن يكون هناك حكم شبه ذاتي لبعض المناطق اليمنية, وهو ما فُهم من زاويتين: منح الحوثيين حكماً ذاتياً على مناطق سيطرتهم في شمال الشمال, ومنح الجنوبيين حكماً ذاتياً على المحافظات الجنوبية, وهو ما يعني إعادة تقسيم اليمن إلى دويلات انسجاماً مع الاستراتيجية الأمريكية المسماة "الشرق الأوسط الكبير" وآليتها "الفوضى الخلاقة".



عاشراً: دور إسرائيل في اليمن:
قد يكون هذا العنوان مدعاة لاستغراب البعض, مستفهماً: هل لإسرائيل دور فعلي في اليمن؟ وما حدوده؟؟
وللإجابة عن هذا السؤال يمكن توضيح الدور الاسرائيلي في اليمن بوجهين:
الوجه الأول: استقطاب يهود اليمن للهجرة إلى أرض فلسطين المحتلة.
الوجه الثاني: النشاط العسكري والاستخباراتي.
ففيما خصّ تهجير اليهود اليمنيين إلى أرض فلسطين المحتلة, فقد نشطت منظمات صهيونية ساهمت في هجرة عشرات الآلاف من يهود اليمن, وذلك في إطار "عمليّة "بساط الريح" (Operation Magic Carpet)[72], إذ تم ترحيل قرابة 50 ألف يهوديّ يمنيّ."[73] على عدة مراحل, المراحل الأولى كانت بين ديسمبر 1948 ومارس 1949م, والمرات التالية امتدت من يونيو 1949م إلى يونيو 1950م[74], وقد مثلت مدينة عدن مركزاً لهذا النشاط نظراً لكونها مستعمرة انكليزية _ في ذلك الوقت _ وهو ما أتاح لها "التحرّك فيها بحريّة كبيرة نسبياً، ولأنها ثانياً، كانت موئل بعض أغنى العائلات اليهودية اليمنيّة، التي بإمكانها المساعدة في التبرّعات".[75]
ومن المثير للاهتمام أن عمليات الترحيل هذه كانت تتم باتفاق بين الوكالة اليهودية وسلطة الاحتلال البريطاني في عدن والسلطة الإمامية في شمال اليمن وأطراف أخرى, وتمت بطرق وحشية حيث كان يُدفع عشرة ريالات للإمام عن كل يهودي يمني يتم ترحيله. [76]
وفي هذا الصدد, تشير الباحثة أميمة حسن شكري زيوار إلى الأساليب الشريرة والعمليات الإرهابية ضد اليهود ما بين 1948 – 1950م وبتواطؤ بين المنظمة الصهيونية العالمية وأجهزة الإدارة الامريكية والإدارة الاستعمارية في عدن وبعض سلاطين الجنوب اليمني المحتل والإمام يحيى ثم نجله الإمام أحمد. لقد وصلت العمليات الإرهابية الصهيونية ضد يهود "مخيم حاشد", [هذا المخيم الذي أنشئ عام 1939م في مدينة عدن بهدف إيواء اليهود النازحين من اليمن الشمالي], إلى حد ممارسة العنف وخطف نحو خمسمائة طفل يهودي والخلاص بالقتل السري المتعمد لعدد كبير من اليهود العجزة والمعوقين الذين نُظر إليهم أنهم لا جدوى منهم ولا من ترحيلهم من ثمّ إلى فلسطين المحتلة, ومن بين الأساليب الإرهابية كذلك التي استخدمها الصهاينة لإجبار اليهود اليمنيين على الرحيل إلى أرض فلسطين المحتلة, إبر الموت القاتلة لليهود الرافضين للترحيل إلى فلسطين المحتلة أو الراغبين بالعودة إلى اليمن الشمالية, وتهجير مئات الأطفال قبل أن يهاجر آباؤهم وأمهاتهم بحجة إنقاذهم من الموت, وأنهم سيلتحقون بأطفالهم فيما بعد, حيث تبين تنظيم عمليات خطف الأطفال اليهود في مخيمي حاشد والشيخ عثمان لا ليعادوا لأمهاتهم فيما بعد, بل لبيعهم إلى أسر يهودية أوروبية, ومن أمثلة ذلك ما ذكرته الصحفية ريا روتيم في "المانيفستو" الإيطالية عن اختفاء خمسمائة يهودي سنة 1948م بيعوا من قبل الصهاينة المشرفين على عمليات التهجير إلى اليهود الأثرياء من أوروبا, فضلاً عن عدة شهادات أخرى تثبت خطف أطفال اليهود اليمنيين وبيعهم لليهود الأثرياء. [77]
واستمرت هجرات اليهود اليمنيين إلى أرض فلسطين تتوالى في عهد الرئيس المخلوع صالح وإن كانت تحدث بصورة متقطعة وتتم بسرية وكتمان, حتى سقوط العاصمة صنعاء بيد الانقلابيين عام 2014م, حيث ضيّق الحوثيون الخناق على من تبقى من أسر يهودية مما دفعها لمغادرة البلاد العام 2016م وتحت رعاية السفارة الأمريكية بصنعاء.
أما بالنسبة للنشاط العسكري والاستخباراتي: فقد قدمت اسرائيل دعماً للقوى الملكية بُعيد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م التي أطاحت بحكم الأئمة في اليمن بعد قرون طويلة وشيدت النظام الجمهوري.
وقد التقى "ياكوف هيرتسوغ" بوزير خارجية الملكيين أحمد الشامي للتفاهم حول ما يمكن أن تقدمه اسرائيل من دعم للقوى الملكية لاسترداد الحكم المسلوب مقابل وعد من الإمام البدر حميد الدين بالاعتراف بـ"إسرائيل".[78]
وفعلاً قامت إسرائيل "بتوفير الأسلحة والأموال ومدرّبين للقوات الملكيّة. كما أرسلت جاسوساً إسرائيلياً إلى اليمن عبر عدن، بالتعاون مع البريطانيين وبوثائق مزوّرة. وتم الاتفاق مع الملكيين على كيفية استقبال المساعدات الجويّة والتقنيات المطلوبة لذلك، وترتيب الاتصالات بين المرتزقة البريطانيين والطيران الإسرائيلي، للتأكّد من وصول الشحنات إلى مكانها الصحيح.[79]
"استمرّت هذه العملية السريّة -التي لم يعرف بها حتى أعضاء في الحكومة الإسرائيليّة!- قرابة عامين من ربيع 1964 إلى ربيع 1966، وأنشأت 14 جسراً جويّاً أنقذ اثنان منهما قائد الملكيين عبد الله بن الحسن بينما كان في منطقة جبلية معزولة وقصيّة من هزيمة مؤكدة. بالإضافة إلى المساعدات الإسرائيليّة العسكريّة والطبيّة، أرسل الموساد عدّة جواسيس إلى شمال اليمن لجمع معلومات تفصيليّة عن الجيش المصري وحركة الملاحة في البحر الأحمر، كما استُخدمت مجموعة من يهود اليمن المهاجرين إلى "إسرائيل" خضعت لتدريب من المخابرات الأمريكيّة."[80]
بُعيد استقلال جنوب اليمن عام 1967م, " تحوّل اليمن الجنوبي إلى قاعدة تدريب وانطلاق للجبهتين الشعبية والديمقراطيّة لتحرير فلسطين." مما سبب للكيان الصهيوني صداعاً مزعجاً حيث دفعها ذلك إلى "استثمار علاقاتها بنظام هيلا سيلاسي في إثيوبيا آنذاك، والتواجد في جزر الساحل الإريتري " كما حاولت أن تحقق "أفضليّة في معركة السيطرة على جنوب البحر الأحمر" [81] لكنها منيت بفشل ذريع.
"وصل النجاح اليمني/ العربي في جنوب البحر الأحمر إلى ذروته مع إغلاق اليمن الشمالي والجنوبي، بالتعاون مع سلاح البحريّة المصري، باب المندب في وجه الملاحة الإسرائيليّة في حرب 1973، ومحاصرة "إسرائيل" بناءً على خطّة تقدّم بها اليمن الجنوبي عام 1967. (...) فيما بدأ اليمن الشمالي في عهد الرئيس إبراهيم الحمدي، بتقديم نفسه كطرف أساسي ومُبادر في مسألة الحفاظ على أمن البحر الأحمر من التهديدات الإسرائيليّة، والتسابق بين قطبي الحرب الباردة. توّجت هذه الجهود بمؤتمر تعز لأمن البحر الأحمر في مارس 1977، ونشر قوات يمنيّة على جزيرتي "حنيش الكبرى" و"جبل زقر" في نفس العام." [82]
وفي أعقاب حرب 1994م, عادت اسرائيل للتواجد في جنوب البحر الأحمر، ومشاركتها للولايات المتحدة الأميركية في السيطرة عليه. كما أقامت علاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع دولة ارتيريا بُعيد استقلالها عن أثيوبيا عام 1991م.[79] وهو ما أفضى إلى "تواجد قوات بحرية إسرائيليّة صغيرة، ومحطّات تنصّت في أرخبيل "دهلك" الإريتري [التي تقع على مقربة من جزر حنيش اليمنية]، ومشاركة البحريّة والاستخبارات الإسرائيلية في السيطرة على جنوب البحر الأحمر بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركيّة. هذا بالإضافة إلى أمر خطير آخر، وهو إشارات غامضة تتكرّر من حين لآخر عن سيطرة القوات الإسرائيليّة على جزيرة يمنيّة بالقرب من جزيرة "بريم""[83] جرى ذلك في ظل تواطؤ نظام صالح.
فقد "اتّسقت سياسة نظام صالح بشأن التواجد الإسرائيلي، مع موقفه غير المبالي بسياسة استضافة القواعد الأجنبيّة، التي انتهجها نظام إسماعيل جيله في جيبوتي، التي حوّلت مضيق باب المندب -الذي يفترض أن يكون مركز الثقل الجيوسياسي اليمني في السياسة الدوليّة- إلى مرتع لقواعد وبوارج من كل أقاصي الأرض تقريباً. هذا بالإضافة إلى أن نظام صالح لم يقم طوال ثُلث قرن ببناء سلاح بحريّ، واكتفى بخفر السواحل في دولة بحريّة لها ساحل بطول [2200] كيلومتر!"[84]
هذا بالإضافة إلى أمر خطير آخر، وهو إشارات غامضة تتكرّر من حين لآخر عن سيطرة القوات الإسرائيليّة على جزيرة يمنيّة بالقرب من جزيرة "بريم"، وسيطرتها عملياً على الأخيرة.[85]



حادي عشر: دور بريطانيا في اليمن:
تلعب بريطانيا دور رئيسي ومؤثر في اليمن, فهي الـمُمسكة بالملف اليمني في مجلس الأمن الدولي. يُضاف إلى أن المبعوث الأممي لدى اليمن (مارتن غريفيث) بريطاني الجنسية, وهو المبعوث الثالث بعد المغربي جمال بن عمر والموريتاني إسماعيل ولد الشيخ. ويأخذ بعض المراقبين على الرجل من أنه منذ تعيينه مبعوثاً أممياً لليمن في منتصف فبراير 2018م لم يذكر في أيٍّ من تصريحاته المرجعيات الثلاث المتفق عليه وطنياً ودولياً والمتمثلة بمخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية وقرار مجلس الأمن رقم (2216) كأساس لحل الصراع الدامي في اليمن.
على صعيد متصل, تنشط وزارة الخارجية البريطانية منذ عامين وتقوم باستضافة سياسيين وناشطين وقادة رأي عام وممثلين لمنظمات المجتمع المدني لغرض إجراء مشاورات حول إيجاد حل للصراع الجاري في اليمن.
يُذكر أن بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني قام بجولة مكوكية في المنطقة مطلع عام 2018م, حيث زار عدة عواصم منها: الرياض ومسقط وطهران, وقد صرح حينها بأن الزيارة هدفها إيجاد حل سياسي للصراع في اليمن.
لا مراء من أن المساعي البريطانية ليست مجانية, بل تأتي في سياق تلبية المصالح الدولية وتعزيز نفوذ بريطانيا في المنطقة. فبريطانيا الدولة التي احتلت الجنوب اليمني على مدى 128 عاماً (1839 – 1967م) تمتلك مصالح اقتصادية كبيرة في اليمن, حيث توجد شركات استثمارية, أبرزها: شركة "دوف إنرجي" التي تدير القطاع (53) النفطي بمحافظة حضرموت, وهناك علاقات تجارية تربطها ببعض البيوتات التجارية في اليمن.
الجدير ذكره, أن بريطانيا تعد من أهم موردي السلاح لأطراف الصراع في اليمن, فقد ذكرت وسائل الإعلام البريطانية من أن السعودية أبرمت خلال الحرب الجارية عدة صفقات مع شركات بريطانية مصنعة للسلاح تصل تكلفتها إلى مئات الملايين من الجنيهات الاسترلينية.
بقي أن نشير إلى مسألة هامة مفادها: إن بريطانيا تنظر إلى الحركة الحوثية كأقلية في المجتمع اليمني, ومن المعروف _تاريخياً_ أن بريطانيا لطالما وظّفت "قضية الأقليات" في العالم العربي كورقة سياسية في زعزعة المجتمعات لتحقيق مطامحها التوسعية وتثبيت مصالحها الامبريالية اعتماداً على قاعدة "فرّق تسد" ذائعة الصيت.

ثاني عشر: دور فرنسا في اليمن:
عند تناول الدور الفرنسي في اليمن, تحضر بقوة قصة الصفقة المشبوهة التي بيع بموجبها الغاز المسال اليمني لشركة توتال الفرنسية.
تلك الصفقة التي أبرمتها الحكومة اليمنية عام 2005م وأثارت ضجة واسعة في مختلف الأوساط اليمنية, حيث تم بيع الغاز اليمني لشركة "توتال" الفرنسية بدولار واحد لكل مليون وحدة حرارية ، فيما كانت أسعار السوق آنذاك تراوح بين 11 و12 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية.
هذا وقد اعترفت الحكومة اليمنية مطلع 2014م بفساد تلك الصفقة, محمّلة النظام السابق المسؤولية عنها, لكنها في المقابل اكتفت بالتصريحات الاعلامية ولم تتخذ إجراءً تصحيحياً حيال ذلك.[86]
وتفيد بعض الدراسات من أن اليمن يمتلك مخزوناً هائلاً من الغاز في محافظات: مأرب, وشبوة, وحضرموت. وتستحوذ شركة "توتال" الفرنسية وشركة "كوجاز" الكورية الجنوبية على الاستثمارات في مجال الغاز المسال في اليمن, ويعد قطاع18 الواقع بمحافظة مأرب (وسط اليمن)، أكبر تلك القطاعات الغازية, إذ تبلغ الكمية الاحتياطية من الغاز 9.15 تريليون قدم مكعبة. كما توجد منشأة غازية في منطقة بلحاف بمحافظة شبوة والتي توصف بأنها من كبريات المنشآت الغازية على مستوى المنطقة.
مؤخراً قامت القوات الاماراتية بالسيطرة على المنشأة وحولتها إلى ثكنة عسكرية, ومنعت تصدير الغاز منها مما فاقم من تردي الوضع الاقتصادي في البلاد.

ثالث عشر: دور روسيا في اليمن:
يعود الدور الروسي في اليمن إلى بداية ستينيات القرن الماضي, حيث نشأت أحزاب وحركات يسارية في عدن أبرزها: اتحاد الشعب الديمقراطي عام 1961م وهو حزب اتخذ من الماركسية اللينينية هوية نظرية له.
وقدم الاتحاد السوفياتي دعماً سياسياً للجبهة القومية وغيرها من الفصائل المناوئة للوجود الاستعماري البريطاني, وكان هذا الدعم يندرج ضمن الدعم الذي تقدمه موسكو لحركات التحرر الوطني في البلدان النامية لمساعدة شعوب تلك البلدان على تحقيق استقلالها من المستعمر وبناء الدولة الوطنية.
كما كان للاتحاد السوفياتي دوراً مميزاً في شمال البلاد, فهو أول نظام سياسي بعد النظام المصري يعترف بحكومة الثورة التي أطاحت بحكم الإمامة في 26 سبتمبر 1962م, وقدم بعد قيام الثورة المساعدات والقروض المالية وهي قروض قُدّمت لحكومة الثورة بهدف تمويل المشروعات التنموية, ومما يجدر ذكره هنا أن هذه القروض كانت قروض ميسرة وبدون فوائد.
وقام السوفيات بإنشاء مشروعات وبنى تحتية منها: بناء مدارس ومشافي في صنعاء وتعز والحديدة, وشق طرق أشهرها (طريق تعز _ الحديدة), وبناء مصنع للاسمنت في مدينة باجل ومصنع لتعليب الأسماك, وتطوير ميناء الحديدة وتطوير بعض المطارات.
وفي عام 1964م زار الرئيس عبدالله السلال موسكو ووقع معاهدة الصداقة بين الاتحاد السوفياتي والجمهورية العربية اليمنية.وظلت علاقات التعاون بين البلدين قائمة حتى انقلاب 5 نوفمبر 1967م, حيث اندرج اليمن الشمالي في إطار الهيمنة السعودية وفي إطار النفوذ الرأسمالي الغربي.
تزايد النفوذ السوفيتي في جنوب اليمن بُعيد تحقيق الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م, حيث أبرمت حكومة الاستقلال اتفاقيات للتعاون المشترك مع الاتحاد السوفياتي كان من ثمارها تزويد الجيش الجنوبي بمعدات عسكرية وأسلحة وتدريب عناصره.
ومع إعلان الجبهة القومية تحولها من الاتجاه القومي إلى الاتجاه الماركسي _ اللينيني عام 1969م أخذت العلاقة بين البلدين تأخذ بُعداً استراتيجياً. فهذا الإعلان قد حسم هوية اليمن الديمقراطي بكونها بلداً ينتهج الطريق اللارأسمالي في التنمية, وأصبحت جزءاً من المعسكر الاشتراكي الذي يقوده الاتحاد السوفياتي, بينما أصبح اليمن الشمالي _ وقتها _ بلداً تابعاً للمنظومة الرأسمالية.
وقد مارس السوفيات خلال الفترة المشار إليها أدواراً اقتصادية وتنموية وسياسية وثقافية وعسكرية كثيرة في اليمن الجنوبي, ومنها تدريب الجيش الجنوبي وتسليحه, وإنشاء قواعد عسكرية بحرية وجوية في محاولة لإيجاد توازن مع النفوذ الأمريكي والبريطاني في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وكان للدور الثقافي أهميته, من خلال نشر الماركسية اللينينية, وجلب المطبوعات والمؤلفات الروسية المترجمة إلى العربية وتدريسها في المدرسة الحزبية ومعهد باذيب وتثقيف أعضاء الحزب بها, والابتعاث الثقافي إلى البلدان الاشتراكية من كوادر الحزب ومن شباب الجامعات وإنشاء مراكز ثقافية ومراكز دراسات.
وفي المجال الاقتصادي: منح المساعدات القروض لتمويل الخطط التنموية وهي قروض بلا فوائد وإنشاء مشاريع اقتصادية صناعية وزراعية, منها مزرعة لينين في ابين التي تعتبر أكبر المزارع المملوكة للدولة, وإقامة مصانع مثل مصنع لتعليب الأسماك في المكلا, واستصلاح الأراضي الزراعية وإنشاء الحواجز والسدود المائية, وإقامة بنى تحتية, ورصف الطرق, وبناء محطات للكهرباء والاتصالات, ومحطات مياه الشرب, ومشافي ومدارس.
غير أن النفوذ السوفياتي تلاشى مع نهاية الثمانينيات نتيجة تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الاشتراكي.
ومع ذلك ظلت علاقات اليمن قائمة مع روسيا "وريثة الاتحاد السوفياتي", وإن كانت علاقات تنحصر في المجال العسكري وبالتحديد في مجال التسليح. وجدير بالذكر هنا أن روسيا على الرغم من أنها ورثت الاتحاد السوفياتي لكنها لم ترث التوجه الاشتراكي بل صارت دولة رأسمالية يحكمها اقتصاد السوق.
في السنوات الأخيرة ومع انتهاج الولايات المتحدة الأمريكية سياسة الانكفاء والانسحاب من بعض المناطق في الشرق الأوسط, واندلاع ثورات العالم العربي, بادرت روسيا إلى إحياء طموحاتها السابقة في ممارسة نفوذ في الشرق الأوسط, فتدخلت عسكرياً في سوريا إلى جانب النظام الأسدي ضد قوى الثورة, وشرعت في إقامة علاقات مع الجنرال خليفة حفتر وزير الدفاع الليبي والطامح لكرسي الرئاسة في ليبيا, وأقامت علاقات اقتصادية مع الجزائر والمغرب.
ومؤخراً نشر مركز كارينجي للسلام تقريراً عن مساعي روسية لممارسة دور سياسي في اليمن لإيجاد حل للصراع الدائر فيها منذ أربع سنوات, وذكر التقرير أن هذه المساعي تخفي مطامح لروسيا الساعية إلى "توسيع نفوذها في جنوب اليمن", وأشار التقرير إلى أن روسيا تستفيد من علاقاتها السابقة باليساريين اليمنيين وتقدم نفسها كوسيط يتمتع المصداقية لدى الأطراف اليمنية.
وأوضح التقرير أن "التطلعات الروسية في البحر الأحمر موضوع نقاش علني لأول مرة في يناير 2009، عندما أعرب مسؤول عسكري روسي عن اهتمام بلاده بإنشاء قاعدة عسكرية على مقربة من مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن. يتجدّد الحديث عن بناء هذه القاعدة بصورة دورية باعتبارها هدفاً استراتيجياً روسياً بعيد المدى في اليمن."
مشيراً إلى تصريحات مسؤولين عسكريين روس بعزم بلادهم إنشاء قاعدة بحرية روسية على مقربة من خليج عدن وجزيرة سقطرى.[81]


المحور الثالث: استخلاصات واستنتاجات عامة:
على مدى الحلقات التسع السابقة التي تناولنا فيها وباستفاضة إشكالية السيادة الوطنية والتباساتها الراهنية وأدوار الفاعلين الاقليميين والدوليين في اليمن, يمكن أن نستخلص الآتي:
باتت اليمن اليوم مسلوبة الارادة, وفاقدة السيادة على قرارها وعلى أرضها وعلى مواردها, وتحولت إلى ساحة مفتوحة لصراع الأجندات الاقليمية والدولية.
إن هذا المآل الكارثي لم يكن وليد اللحظة, بل هو محصلة تراكمية منطقية لمسار طويل من سياسات الارتهان للخارج, ونتاج لتضافر عدة عوامل داخلية وخارجية, أبرزها:
العولمة وما خلقته من واقع عالمي جديد, من أبرز ملامحه: تعميق هيمنة البلدان الكبرى والشركات متعدية الحدود على البلدان النامية, وضرب اقتصادياتها حتى تحولت إلى أسواق مستهلِكة للسلع والخدمات المستوردة من الخارج بدون أية قيود أو ضوابط, وفرض سياسات اقتصادية كالخصخصة والسماح المنفلت للاستثمار الاجنبي وتحرير التجارة ورفع الدعم الحكومي عن السلع والخدمات الضرورية وتعويم العملة المحلية, ما أدى إلى آثار اجتماعية واقتصادية بالغة السوء, فقد اتسعت رقعة الفقر, وانهارت الطبقة الوسطى, وتعمّق التفاوت الاجتماعي, ونشأت طبقة أوليغارشية مافياوية مكونة من قيادات بيروقراطية وعسكرية وتجارية وكمبرادورية تقاطعت مصالحها مع مصالح الخارج في ممارسة الفساد والإفساد وتكريس التخلف والإضرار بالاقتصاد الوطني.
سلب هذا الواقع العولمي الجديد من الدول النامية استقلاليتها والقدرة على السيطرة على مواردها وقرارها الوطني, وأصبحت التبعية ((Dependency هي المعادلة الحاكمة في عالم اليوم. غير أن صيغة التبعية في واقع بلد كاليمن أخذت نمطاً أكثر خصوصية, يمكن الاصطلاح عليها بـ"تبعية مركبة ", فاليمن واقعة في مجال النفوذ الامبريالي العالمي, مثلها مثل بلدان العالم النامي, وفي نفس الوقت تخضع لنفوذ دول اقليمية هي نفسها (أي الدول الاقليمية هذه) واقعة ضمن مجال النفوذ الإمبريالي العالمي.
ساهمت العوامل المحلية في تمكين الخارج من لعب أدوار سلبية في البلد, ويأتي في مقدمة ذلك: طبيعة النظام العصبوي الاستبدادي الذي جثم على اليمنيين أربعة عقود, وسياسات الاقصاء والتهميش للمكونات السياسية والاجتماعية, والتنصل عن الوظائف التنموية للدولة, والخضوع لإملاءات مؤسسات التمويل الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين, ونشوء طبقة طفيلية _ كمبرادورية أحكمت سيطرتها على المجال الاقتصادي وفاقمت من حالة التفاوت الاقتصادي والتخلف الاجتماعي.

أضافت الحرب الجارية أعباء جديدة على السيادة الوطنية, وباتت اليمن بشعبها وتاريخها الحضاري الذي يمتد إلى 7000 سنة رهينة بيد أطراف خارجية تتصارع وتتكالب عليها, طمعاً في ثرواتها ومقدراتها وموقعها الاستراتيجي, وهادفةً إلى عرقلة مسار التغيير وإعادة الأمور إلى الوراء.

ثبت بما لا يدع مجالاً للشك وبالتجربة الملموسة أن المراهنات على الخارج _سواء التحالف العربي أو الأمم المتحدة ومجلس الأمن_ لإنهاء الانقلاب وحل القضية الوطنية هي مراهنات خائبة, فالخارج لا يتدخل إلا وفقاً لمصالحه الخاصة التي هي على الضد من مصالح الشعب اليمني.

ومما تقدم, نصل إلى القول: إن طرح مسألة السيادة الوطنية _وفي هذه المرحلة العصيبة من تاريخ وطننا _ ليست قضية هامشية أو ترفاً فكرياً _كما يتوهم البعض_ بل هي من صميم القضية الوطنية, فلا يمكن وضع حل فعلي للقضية الوطنية العامة بكل أبعادها: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلا من خلال الاعتماد على النفس وتعبئة الطاقات والموارد الذاتية لمواجهة مختلف التحديات الماثلة.

على أن هذا الأمر مشروط بامتلاك مشروع وطني ديمقراطي تنموي واضح لاستعادة السيادة الوطنية, يأخذ في اعتباره الحقائق الآتية:
الحقيقة الأولى: إن المضمون الجوهري للسيادة الوطنية يرتبط ارتباطاً عضوياً بسيادة الشعب على السلطة والثروة, وصون كرامة المواطن.
كما ترتبط بقضية جوهرية وحساسة ألا وهي قضية السيادة على الغذاء. ومن نافلة القول: إن قدرة الدولة على توفير الغذاء لمواطنيها وتأمين حاجياتهم الأساسية يمثل ترمومتراً معيارياً على استقلاليتها.
إن الاستعادة الفعلية للسيادة الوطنية مشروطة بتحقيق تنمية شاملة بمشاركة شعبية واسعة سعياً لبلوغ مجتمع "يأكل مما يزرع, ويلبس مما يصنع"..!
الحقيقة الثانية: ترتكز السيادة الوطنية على مبدأ الاعتماد على النفس, لكن لا يعني هذا الانعزالية أو التقوقع حول الذات, فهذا الأمر صار مستحيلاً في عالم متشابك المصالح, وفضاء مفتوح على أوسُعِهِ, وهو ما يقتضي بناء علاقات مع الخارج على قاعدة الندية والتكافؤ والتعاون الخلاق, والإفادة من المعرفة والتكنولوجيا الجديدة والأجد, وبما تمليها المصلحة الوطنية أولاً وقبل كل شيء.
الحقيقة الثالثة: إن الطبيعة المتوحشة للنظام الامبريالي العالمي السائد يفرض على اليمن وعلى كل بلدان العالم النامي الانخراط في إطار تكتلات وتحالفات على أساس قومي واقليمي ودولي لمواجهة صلف هذا النظام, واستعادة زمام المبادرة الوطنية والقومية باتجاه الخلاص من ربقة هذا النظام الاستغلالي الجائر وتأسيس نظام عالمي جديد يقوم على أساس العدالة والمساواة بين كافة الشعوب والأمم في أصقاع الكوكب.
الحقيقة الرابعة: إن تحقيق كل ما سبق مرهون بوجود سلطة وطنية ديمقراطية جادة ونزيهة, وهنا بيت القصيد...
انتهى,,,




الهوامش والاحالات:

[1] برتران بديع, زمن المذلولين.. باثولوجيا العلاقات الدولية, ت/ جان ماجد جبور, المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات, بيروت, ط1/2015م, ص10.
[2] د. عبدالوهاب الكيالي وآخرون, موسوعة السياسة, الجزء الثالث, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت, د.ت, ص356.
[3] د. إسماعيل نوري الربيعي, في أصول السيادة والسلطة (بودان وهوبز وستراوس), دفاتر السياسة والقانون, العدد العاشر, 2014م, ص53.
[4] يشبه هوبز الدولة باللوفياثان وهو تنين البحر العملاق "كائن أسطوري", كناية عن القوة والبطش والسلطة المطلقة التي تحوزها الدولة.
[5] بتصرف: د. إسماعيل نوري الربيعي, مرجع سابق, ص56.
[6] بتصرف: نفسه, ص56.
[7] د. طلال ياسين العيسى, السيادة بين مفهومها التقليدي والمعاصر.. دراسة في مدى تدويل السيادة في العصر الحاضر, مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية, المجلد 26, العدد 1, 2010م, ص49.
[8] راجع: د. عبدالوهاب الكيالي وآخرون, مرجع سابق, ص357.
[9] نفسه, ص357.
[10] نفسه, ص357.
[11] د. طلال ياسين العيسى, مرجع سابق, ص54.
[12] نفسه, ص44.
[13] حفاظ عبدالرحيم وآخرون, السيادة والسلطة, الآفاق الوطنية والحدود العالمية, مركز دراسات الوحدة العربية, سلسلة كتب المستقبل العربي (52), بيروت, ط1/ نوفمبر2006م, ص120.
[14] د. عبدالوهاب الكيالي وآخرون, مرجع سابق, ص358.
[15] د. سمير أمين, السيادة الوطنية بأي هدف, الحوار المتمدن, العدد (5302), تاريخ النشر:2/10/2016م.
[16] د. عزمي بشارة, في المسألة العربية.. مقدمة لبيان ديمقراطي عربي, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, ط2/2010م, ص39.
[17] د. إسماعيل صبري عبدالله, الكوكبة: الرأسمالية العالمية في مرحلة ما بعد الامبريالية, ضمن كتاب الطريق: نحو تجديد المشروع الاشتراكي, دار الفارابي, بيروت, ط1/1997م, ص80.
[18] راجع: د. سمير أمين, التراكم على صعيد عالمي.. نقد نظرية التخلف, ت/حسن قبيسي, دار ابن خلدون, بيروت.
[19] بتصرف: د. أحمد زايد, عولمة الحداثة وتفكيك الثقافات الوطنية, مجلة عالم الفكر, العدد1, المجلد 32, يوليو ــ سبتمبر 2003م, ص17وما بعدها.
[20] راجع: د. سيد مصطفى سالم, البحر الأحمر والجزر اليمنية.. تاريخ وقضية, دار الميثاق, صنعاء, ط1/2006م, ص13.
[21] راجع: نفسه, ص14.
[22] راجع: نفسه, ص17 وما بعدها.
[23] راجع: نفسه, ص42.
[24] راجع: نفسه, ص106.
[25] بتصرف من ويكيبديا.
[26] أ.د. محمد علي قحطان, واقع الجزر اليمنية وسبل توظيفها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية, المركز العربي للدراسات الاستراتيجية, دمشق, العدد (59), مارس 2011م, ص10- 12.
[27] بتصرف: نفسه, ص12, 13, 14.
[28] فيجاي ساكوجا, القرصنة في خليج عدن وبحر العرب, مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية, أبو ظبي, ط1/2014م, ص5.
[29] يفيد تقرير صدر عام 2013م عن معهد (تشاثام هاوس) الدولي ومقره لندن, من أن اليمن قد احتل المرتبة الخامسة عالمياً من حيث هروب رأس المال بين عامي 1990 – 2008م. راجع تقرير: اليمن.. الفساد وهروب رأس المال والأسباب العالمية للصراع, متوفر على رابط المعهد: http://www.Chathamhouse.org.
[30] ينظر: ميساء شجاع الدين, الحوثي وإيران: إصطفاف شيعي أم حلف سياسي؟, مقال.
[31] من المفيد هنا ذكر بعض التفاصيل: لقد كان مقبل الوادعي من المنتمين للمذهب الزيدي, وعندما ذهب إلى السعودية بحثاً عن مصدر للرزق, تأثر بالتعاليم الوهابية, وبدأت تتشكل لديه هوية جديدة, وقرر الالتحاق بالجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة حتى صار "مشبَّعاً" بالعقائد والأفكار الوهابية, بعدها عاد إلى اليمن مطلع ثمانينات القرن الفارط, وشرع بتأسيس دار الحديث بمنطقة دماج التابعة لمديرية الصفراء بمحافظة صعدة, المعقل التاريخي للزيدية. (للاستزادة, راجع: د.أحمد محمد الدغشي, السلفية في اليمن.. مدارسها ومرجعياتها العقائدية وتحالفاتها السياسية, مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم "ناشرون", ط1/2014م, ص32 وما بعدها.)
وبُعيد قيام الوادعي بتأسيس دار الحديث تنامت أهميته لدى السعودية, إذ ارتبط بعلاقات وطيدة بمسؤولين سعوديين ورجال مقربين من دوائر الحكم السعودي, أبرزهم ربيع بن هادي المدخلي. (د.أحمد محمد الدغشي, ص51).
ومما يكشف حجم أهمية الوادعي لدى النظام السعودي, عندما زار الوادعي بين عامي 2000- 2001م السعودية واستقبله مسؤولون سعوديون بحفاوة وكان في مقدمة هؤلاء وزير الداخلية ــ حينذاك ــ الأمير نايف بن عبدالعزيز, وعبدالعزيز آل الشيخ مفتي السعودية. (بتصرف: د. الدغشي, ص54)
[32] ميساء شجاع الدين, مرجع سابق.
[33] نفسه.
[34] عاتق جار الله, النفوذ الإيراني في اليمن, مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات, ص7.
[35] نفسه, ص18.
[36] راجع: نص التقرير متوفر على الرابط الآتي:
https://www.un.org/sc/suborg/ar/sanctions/2140/panel-of-experts/reports
[37] عاتق جار الله, مرجع سابق, ص8.
[38] بتصرف: معن دماج, من صفحة الكاتب على الفيسبوك.
[39] د. محمد علي الشهاري، المطامع السعودية في اليمن، دار ابن خلدون, ص2.
[40] نفسه, ص3.
[41] الأدارسة: قبائل تعود أصولها إلى المغرب العربي امتد حكمهم في الفترة (1876- 1923م), انخرطوا في نزاع طويل مع نظام الإمام يحيى بن حميد الدين الذي حاول أن يخضعهم لحكمه, غير أنّ زعيم الأدارسة الحسن بن علي الادريسي أبرم اتفاق حماية مع الملك السعودي عبدالعزيز بن سعود عام 1926م لمواجهة خطر الإمام يحيى بن حميد الدين.
[42] يراجع: محمد الشهاري، مصدر سابق, ص169.
[43] راجع: نفسه, ص173.
[44] بتصرف: قادري أحمد حيدر, ثورة 26 سبتمبر.. المؤتمر السياسية المعارضة الأولى من 1962 – 1967م, مركز الدراسات والبحوث اليمني, ط1/2001م, ص125 وما بعدها.
[45] راجع صحيفة الشارع اليمنية, العدد 237.
[46] تكمن المفارقة الصارخة هنا أن الشروط المشددة المفروضة على اليمنيين يقابلها تسهيلات وشروط أخف وطأة أمام الباكستانيين والفلبيين والهنود وغيرهم من مواطني دول شرق آسيا المقيمين في السعودية.
[47] راجع: ويكيبيديا.
[48] راجع: مأرب الورد, لغز توقف التنقيب بمحافظة الجوف اليمنية, تقرير, الجزيرة نت, الرابط:
https://www.google.co.uk/amp/www.aljazeera.net/amp/news/ebusiness/2014/3/14/لغز-توقف-التنقيب-بمحافظة-الجوف-اليمنية
[49] تهامة: سهل ممتد ذو مساحة شاسعة يشمل محافظة الحديدة وجزء من محافظة حجة غربي اليمن.
[50] راجع: د. طاهر محمد الهاتف, دور الفساد متعدد الجنسيات في إشعال التوتر والتصدع باليمن, نواة.. المعهد العربي للبحوث والسياسات, 2018م, ص11.
[51] بتصرف: نفسه, ص11.
[52] راجع: تقرير لجنة العقوبات الدولية الصادر في فبراير 2015م, متوفر في الرابط: https://www.un.org/sc/suborg/ar/sanctions/2140/committee-reports
[53] أحمد سعيد الدهي, صراع المصالح بين ميناء عدن وميناء دبي والصفقات المشبوهة, ورقة بحثية, موقع التغيير, تاريخ النشر: 23/3/2008م.
[54] نفسه.
[55] د. طاهر محمد الهاتف, الفساد متعدد الجنسيات, مرجع سابق, ص12.
[56] بتصرف عن: أحمد سعيد الدهي. مصدر سابق.
[57] د. طاهر الهاتف, مرجع سابق, ص13.
[58] راجع: نص بيان الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بخصوص مطالبتها حكومة الوفاق الوطني بفسخ اتفاقية تشغيل ميناء عدن مع شركة دبي العالمية.
[59] بتصرف عن ويكيبديا.
[60] مؤخراً قام بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي ذو التوجه اليميني بزيارة علنية إلى سلطنة عُمان, وقد اُستقبل بحفاوة بالغة!
[61] ميرفت عوف, لماذا قد تريد الإمارات إشعال الساحة العُمانية الآن؟, موقع سياسة بوست, مقال, متوفر على الرابط الآتي:
https://www.sasapost.com/oman-united-arab-emirates-influence-ambitions-yemen/
[63] راجع جريدة الأخبار اللبنانية, تقرير بعنوان: وساطة قطرية تنهي "التمرد الحوثي" في اليمن, 18 يونيو 2007م, رابط التقرير:
https://al-akhbar.com/International/191631.
[64] راجع: د. أحمد محمد الدغشي, مرجع سابق, ص165.
[65] عاتق جار الله, التنافس الدولي وحدود الدور التركي في اليمن, مقال, موقع تركيا بوست, رابط المقال:
https://www.turkey-post.net/p-208880/
[86] للمزيد: راجع: صحيفة الحياة, الرابط:
http://www.alhayat.com/article/508414/اليمن-يعترف-بفساد-في-صفقة-بيع-الغاز-لى-توتال-و-كوغاز-.
[87] للمزيد, راجع: سامويل راماني, روسيا ودور الوساطة في جنوب اليمن, مركز كارينجي للسلام, 12 أكتوبر 2018م, متوفر على الرابط:
https://carnegieendowment.org/sada/77483





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,387,379,820
- هموم وقضايا السياسة والتنمية السياسية في اليمن المعاصر
- مقبل الخالد..
- عن ذكرى الكرامة والحوار الوطني في اليمن
- اليسار حزين على بوتفليقة!!
- ثورة 11 فبراير اليمنية.. مقاربة سوسيولوجية
- سؤال السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن دراسة تحليلية ...
- سؤال السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. دراسة تحليلية ...
- سؤال السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. دراسة تحليلية ...
- سؤال السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. دراسة تحليلية ...
- السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. دراسة تحليلية نقدي ...
- سؤال السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. الحلقة (5-10) ...
- سؤال السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهنة.. دراسة تحليلي ...
- سؤال السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. دراسة تحليلية ...
- ربورتاج عن الشهيد جار الله عمر
- سؤال السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. دراسة تحليلية ...
- تقليعة -القومية القومية-
- سؤال السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. دراسة تحليلية ...
- استقلال 30 نوفمبر المجيد بين الأمس واليوم
- الفيدرالية في اليمن.. ماضياً وحاضراً (الحلقة الثانية) (ورقة ...
- الفيدرالية في اليمن.. ماضياً وحاضراً (ورقة بحثية) (الحلقة ال ...


المزيد.....




- الجيش الأميركي يكشف تفاصيل إسقاط طائرته المسيرة باليمن
- قضية الغاز.. القاهرة توافق على تعويض إسرائيل بنصف مليار دولا ...
- تركي آل الشيخ يفجر مفاجأة بشأن تكوين فريق جديد
- وزير الخارجية الأمريكي ونظيره الكوري الجنوبي يجريان محادثات ...
- طائرات الحوثيين المسيّرة تضرب مطار أبها السعودي من جديد
- دراسة: الاحتباس الحراري يهدد مدنا أميركية
- هونغ كونغ تطلق سراح رمز -حركة المظلات-
- رئيس آبل يحذر من الفوضى
- نتنياهو مفتتحا مستوطنة -رامات ترمب-: الجولان إسرائيلي وسيظل ...
- المنتخب المصري يوضح حقيقة طلب صلاح لشارة الكابتن


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عيبان محمد السامعي - مسألة السيادة الوطنية في السياق اليمني الراهن.. دراسة تحليلية نقدية (النص الكامل)