أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أشرف إبراهيم زيدان - الهجرة والشتات والمنفى في الرواية















المزيد.....


الهجرة والشتات والمنفى في الرواية


أشرف إبراهيم زيدان

الحوار المتمدن-العدد: 6204 - 2019 / 4 / 18 - 04:11
المحور: الادب والفن
    


(تأليف: Heike Hearting)
(ترجمة/ د. أشرف إبراهيم زيدان/كلية الآداب/جامعة بور سعيد)
تتفاعل مفاهيم (الهجرة والشتات والمنفى) بشكل متفاوت بوصفها مصطلحات إنشائية ونظرية واجتماعية وتاريخية ونقدية؛ وذلك من أجل قراءة روايات القرن العشرين العالمية المكتوبة باللغة الإنجليزية. وتتداخل معاني تلك المصطلحات الثلاثة لدرجة كبيرة لأنَّها تهتم بالتمثيل الثقافي والسياسي للأفراد/ المجموعات، التي تنتقل عبر حدود قومية وجغرافية ونفسية محددة، إما طوعا أو كرها أو حسب الضرورة. إنَّ روايات الهجرة والشتات والمنفى—بين حين وآخر— تعيد التفكير وتتخيل مرة أخرى الشخصية المؤسسة، ومدى مشروعيّة تلك المفاهيم الخاصة بالهوية والتاريخ والذاكرة والمكان. فطبقًا للمضمون تبرز روايات الشتات المفاهيم التقليدية والمعاصرة للوطن والتشرد والإزاحة والانتماء وعدم الانتماء القومي والثقافي. وتاريخيا ترصد تلك الأعمال حركات الهجرة المتزايدة (والتي ميزت القرن العشرين)؛ وخاصة بعد انهيار الإمبراطوريات الأوروبية، والتغيرات الجيو-سياسية للدول المستعمَرة، وأخيرا ظهور العولمة. وتعد القصص القصيرة لــــــ (مافيس جالنت) وروايات (روميش) من بين الأعمال الروائية المتنوعة التي تمثل واحداً أو أكثر من تلك المفاهيم والأحداث.
ومع ذلك فإنَّ مصطلحات (الهجرة والشتات والمنفى) تعد غير دقيقة، ومن الصعب التحكم فيها بغية النقد الثقافي، وغالبا ما تستخدم بوصفها مصطلحات شاملة وقابلة للتغيير من أجل مناقشة الآثار المتنوعة بسبب الانتقالات البشرية واسعة النطاق نتيجةً لـــــ تفكيك الاستعمار والاستعمار الجديد والحروب الأهلية والعالمية والفقر والإزاحة والعنف السياسي والتحديث والمدنية أو الكوارث البيئيِّة. لذلك يلح—على نحو متزايد—كتاب ونقاد ومفكرو ما بعد الاستعمار على ضرورة الاستخدام الدقيق والمتميز لهذه المصطلحات. وعلاوة على ذلك يطالبون باستخدام طرق متبصرة بسبب تغير معاني قضايا الجنس والعرق والتمييز بين الجنسين (الجيندر) وممارسة الحب والذكاء والطبقية وفقا للسياقات السردية المختلفة. ويسعى هذا الإصرار إلي إثبات كيفية تطبيق هذه المفاهيم المتداخلة معا، وتؤيد التفاسيرَ المعاصرة للهوية الثقافية والاختلاف وتكوين الأمة وممارسات المواطنة العالمية وفقا لظروفها الخاصة. ومع ذلك يظل من الممكن التنبؤ بخصوصية تلك المصطلحات بصفة مستمرة بسبب المذاهب والفرق الإنجيلية السائدة والمشتركة فيما بينهم. ففى الموعظة الثالثة من كتاب (سفر التثنية) يحذر نبيُ الله موسى بني إسرائيل فيقول: (إنّ الذين لا يستجيبون لشرع الله سيتيهون في الأرض (سيبعثرون)، وسيعبدون آلهة أخرى (ما عبدوها لا هم ولا آباؤهم)، إلي أن يصلوا إلي عبادة الخشب والحجر) (28:64). والقراءة الاشتقاقية تعني أنَّ كلمة (الشتات) تشير إلي الكلمة اليونانية (speiro)، والتي تعني (بذر الحبوب)، وحرف الجر (dia) يعني (عبر). وأنْ تُبعثر بالقوة، يعني أنْ تُطرد من موطنك الأصلي أو وطنك الموعود لتعيش فى غيابات المنفى الشتاتي؛ والذي يستوجبه عقابٌ بشعٌ حيث يتضمن الترحال والهجرة الدائمين؛ لذا وفى المقابل سوف تغير من سلوكك الاجتماعي، وممارساتك الثقافية والأخلاقية، ومزاجك العاطفي للموضوعات ذات الصلة بالمنفى. وفي الواقع يتضمن المنفى الشتاتي—كما وصف في (سفر التثنية)—حالة من القلق العصبي، والارتباك العقلي والبدني، والشك والخوف)(28:66)، وعدم الأمان، وخوف القلوب ، ووهن العيون، وحزن العقول) (28:65). ويسبب هذا المنفى الشتاتي كلا من: أولاً تجزئة ما كان يبدو كيانا متناسقا مغيرا إياه إلي حالة من الوهن الاجتماعي والسياسي، وثانيا الحنين الجامح للكمال. وأما على المستوى الأدبي فتصاحب حالة المنفى أو النفي حالةٌ من الحنين الشجي للعودة إلي الموطن الأصلي، والذي يميل الشخص المنفي إلي رؤيته بوصفه مكانا رومانسيا (قد تجمد عبر الزمن)؛ ويؤدي ذلك إلي نوع من التيه وخيبة الأمل عند العودة.
إنَّ الذي يظل وثيق الصلة بالتمثيل الأدبي للمنفى هو تركيبته العاطفّية ومنطقُه (الاحساس العميق بــــــ الخسارة والتشرد). وعلاوة على ذلك فقد أعلت الملاحم الهومرية من شأن رحلات المنفي بوصفها رحلات بطولية من أجل الخلاص والفداء والعودة، ولكننا نجد في المقابل أنَّ الكتاب العصريين والعصريين المتأخرين من أمثال (جيمز جويس) و(جورج لمنج) و(جين رايز) و(ديرك ولكوت) قد أكدوا غموض النفى وتجاربه الدقيقة التاريخية. فعلى سبيل المثال ففى رواية (رايز)— التى تحمل عنوان (رحلة في الظلام) ([1934]1969)، وهى من روايات السيرة الذاتية والتي ترصد هجرتها من الكاريبي إلي لندن—تشعر ساردة الرواية (آنا مورجان) (أنّ ستارة سوداء قد نزلت على وجهها بمجرد وصولها إلي لندن ماحية كل شيء تعرفه كما لو أنَّها قد ولدت الآن) (7). وفي المقابل تبدأ الرواية بسرد حداثي للمنفى بوصفه أحد الفرص من أجل بداية حياة جديدة فيما وراء حدود التاريخ. وعلى الجانب الأخر تشير تلك الرواية أيضا إلي تمزق تركيبة البطلة العاطفية وهويتها. فالأخيرة [الهوية/المترجم] يشكلها على نحو متزايد شعورها بالاختلافات الثقافية والإزاحة والتشرد. وإنّ تصوير الرواية للمنفى يتوقف (متعلقا) بين استعارتين: الميلاد والإجهاض؛ ويلفت استخدام (رايز) للاستعارة انتباهنا إلي اهتمام كل من السرد الحداثي وما بعد الاستعمار بالهوية والمنفى، ويؤكد اختيار الاستعارة مدى الظلم الاجتماعي الذي تتعرض له المرأة من التهميش الاستعماري. إنَّ استعارة الميلاد الثقافي أو الروحاني مجاز تقليدي للتهويل من الآثار التحويلية للمنفى والهجرة، وتبدو [استخدام تلك الاستعارة/المترجم] شائعة في روايات (توني موريسون) و(سلمان رشدي) و(جامايكا كينكايد). ومع ذلك يبين مجاز الإجهاض الطرق التى من خلالها يُمارس المنفى بدنيا وماديا بوصفه جرحا تبدو آثاره واضحة على الجسد وبوصفه رحلة كئيبةٍ تجاه الموت. والأهم من ذلك أنَّه يشير إلي معاناة التمييز الجنسي المتعلق بالمنفى تحت مسمي الخسارة والاستغلال الجنسي. حقا! إنها أزمةٌ أنْ تكون منفيًا عن وطنك وجسدك ولغتك الأصلية، وأنْ تعيش مجبرًا في بيئة سماتها الفقر والاضطهاد العنصري والعنف الجنسي؛ فكل هذه الموضوعات تمثل حيوات أبطال الأعمال الروائية والشعرية للعديد من الكتاب السود، ومنها: رواية بيسي هيد (قضية سلطة) (1974)، وجوان رايلي (عدم الانتماء) (1985)، وبن أوكري (أحداث فى مزار) (1986)، وبوتشي إماشيتا (مواطن من الدرجة الثانية) (1974)، ودانجريمبجا (ظروف متوترة) (1989)، وأخيرا المجموعة القصصية لــــ ديون براند (صان سوشي وقصص أخري) (1988).
يلعب المنفى دورا مركزيا (وإن لم يكن دورا ثابتا) بوصفه موضوعا ونوعا روائيا فرعيا في روايات ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها. ومع أنَّ النقاد يميلون إلي التفريق بين المنفى التطوعي (مثلا هجرة العديد من الكتاب الأمريكيين إلي فرنسا بين الحربين العالميتين)، والمنفى الديني والجنسي والسياسي والثقافي؛ ففى روايات العديد من كتاب ما بعد الاستعمار تتداخل باستمرار تلك الأشكال المختلفة للمنفى، وتشكل ردة فعل معقدة خاصة بتجارب وخبرات الاستعمار والإمبراطورية وما في أعقابهما. ففي أعماله الروائية والنقدية يرى الكاتب الباربادوسي (جورج لمنج) [وخاصة في كتابه (متع المنفى) (1960)/المترجم] أنَّ (الشخص المنفي يظل حيا) (24). وفي الوقت نفسه يُصور المنفى على أنَّه حالة متناقضة تزخر بـــــ التعقيدات خاصة (عندما يكون المنفى [...] ذات توجه استعماري) (24). فعندما يُقتلع المنفي الاستعماري بسبب مكائد التجارة الاستعمارية و(اغترابه عن اسمه الشخصي) (15) وتاريخه وثقافته ووطنه ولغته؛ فإنَّه (لا خيار لديه) سوى الهجرة. وما أنْ يستقر هذا المنفيّ في وسط المدينة العالمية؛ نجده يعانى من علاقة ثنائية بين الذات والآخر. حقًا بسبب تعرضه للتمثيلات العنصرية وعنصرية مجتمع البيض؛ ينظر المنفي إلي نفسه بوصفه (الآخر)، ويظل ممزقًا بين الانتماء وعدم الانتماء (هنا أو هناك)، على الهامش أم فى المركز. وبالطبع يساهم كل ذلك في زيادة التأخير المتزايد للوصول، والذي يفهم بوصفه شعورا جديدا خاص بفكرة الوطن الذى يوائم وينسجم مع التعددات والتناقضات الثقافية. وترصد الروايات الأولى لكل من جورج لمنج (المهاجرون) (1954)، وسام سيلفون (سكان لندن المنعزلون) (1956)، وأما أتا أيدوو (أختنا قاتلة الفرحة) (1977)، وأوستن كلارك (نقطة الالتقاط) (1967) التأملات والتناقضات المسهبة للمنفي في الفضاءات الحضرية في لندن أو تورنتو، وتركز على الآثار الثقافية والنفسية للنظام العنصري المنظم التي يعاني منها هؤلاء المنفيون الذين يسعون للانسجام مع تلك البيئة التى تلفظهم دائما (بشكل مطلق). وهنا تشير التهاشيم السردية والتجارب اللغوية مع اللغة الكريبولية (اللغة الانجليزية المهجنة/ Creolized) بنسبة قليلة إلي ظروف ما بعد الحداثية للشخص المنفيِّ عن إزاحته الثقافية وموقعه الاجتماعي واستعداده للبقاء.
فبالنسبة للعديد من كتاب ما بعد الحرب العالمية الثانية التابعين لدول الكومنولث، فإنّ شكل وتجربة المنفى والهجرة التى تصف بدقة متناهية مواقفهم ومواقف شخصياتهم الروائية قد بينَّها (بوضوح) إدوارد سعيد في مقالته المؤثرة (تأملات فى المنفى) (2001). ويصر سعيد على أنَّ (المنفى) قد يدخل في علاقة جدلية مع مفهوم الأمة، التى تشغل منطقة مركزية في روايات المهاجر والشتات. وإنَّ جدلية الأمة والمنفى تعمل من خلال ما يسميه (تشارلز تايلر) سياسات الإقرار، التى تؤثر على احتواء المنفي أو استثنائه من هوية قومية (أكثر أو أقل تماسكا) في بيئته/بيئتها الجديدة. فالدولة القومية لا تقدم حلولا لمعاناة المنفِّي أو كينونة المنفي غير المترابطة (177). وبدلا من ذلك يحلم المنفي بأنَّه يصلح نسيج مجتمعه المفكك، ويحوله إلي مجتمع جديد (تماما)؛ وهذا قد يؤدي إلى إقصاء الهوية الجماعية، وهذا الاتجاه يبرزه الكاتب الكندي التنزاني (فاسنجي) بطريقة ساخرة في رواياته. ولكن، كما يوضح سعيد، المنفى متشرب بأصالة الرؤية (186)، التى تعلي من شأن الطبيعة الإقليمية للوطن وتعددية الثقافات. وفي تشكيلاته/تعريفاته (الأكثر تفاؤلا) يشكل المنفى حالة بدائية، أو كما يسميها (ويلسون هاريس)، حالة (دمج الثقافات) للوجود والتخيل الذي يستطيع أنْ يزعزع الأنماط الثقافية والسياسية (241).
وعلى غرار فكرة المنفى نجد أنّ المعايير (الأكثر استخداما) للهجرة في النقد الأدبي خالية من عنصري السرعة والعنف السياسي الملازمان للمنفى. وتشير الهجرة عامة إلي انتقال (وليس تبعثر) مجموعة من البشر من دولة لأخرى والصراعات المصاحبة للانتماء. وبالرغم من ذلك فقد لاحظ (شاليني بيوري) (2003) أهمية تمثيل الهجرة داخل مناطق محددة فى كتابات ما بعد الاستعمار (وخاصة منطقة الكاريبي). ومع ذلك فإنَّ مصطلح الهجرة يثير كثيرا من الجدل والخلاف لأنَّه يعطي امتيازا للأشخاص المهاجرين أكثر من هؤلاء العاجزين عن ترك أراضيهم الأصلية، وعلاوة على ذلك يتضمن حقهم الشرعي في العودة. وبوصفه مصطلحا يغطي خلق هويات ثقافية عالمية ومهجنة فإنَّ الهجرة تلعب دورا بارزا في العديد من أعمال الكتاب البارزين، ومنها: (آيات شيطانية) (1988) للكاتب سلمان رشدي، وبهاراتي موخيرجي (ياسمين) (1989)، وفي. إس. نايبول (لغز الوصول) (1987)، ونيل بِسوونداث (وحشية عفوية) (1988)، وأخيراً (لوسي) (1990) للروائية جاميكا كينكايد. ويشير رشدي في مجموعة مقالاته المحورية (أوطان وهمية) (1991) إلى أنّ الهجرة تشكل عملية مزدوجة للانفصال عن الموطن الأم والترحال عبر العالم (17). وفي مثل هذه العملية للتغيير الفردي والثقافي فإنَّ الزمان والمكان يصبحان غير واضحين ومتقطعين ومشوهين؛ ومن ثم يعطي التاريخ أهمية بالغة للذاكرة ولليقين وللهوية وللمدن الحقيقية (10). ولذا فإنَّ كل ما هو مفقود لم يعد من الممكن إصلاحه كشيء أصلي؛ بل يواجه الكاتب المهاجر إعادة الخلق السردي للعالم الذى يعد مشروعا ما بعد حداثي وما بعد استعماري. حينذاك يعد المهاجر مواطنًا موصلا على المستويين المجازي والأدبي (17)، ومُنعَّما بـ رؤية مزدوجة أو مجسمة [ثلاثية الأبعاد/المترجم] (19)، ومشاركا في صراع الذاكرة ضد النسيان والسيطرة (14). ويؤكد (رشدي) أنَّ الهجرة حالة عالمية، ويبحث المهاجر عن هويته في ذاته، وفى قدراته الشخصية التي تساعده على تخيل العالم فى صورته الجديدة (280). ومن المثير للاهتمام أنّ رواية رشدي (آيات شيطانية) تصور الطرق التى من خلالها يمنح التاريخُ المهاجرَ دورا ثابتا (ونموذجيا غير جذاب) في الابداع الاجتماعي والسياسي للمجتمع العالمي، ويخلق نوعا من الاغتراب البدني والذهني واللغوي العميق: إنّ تمثيل الرواية لحالة المهاجر تبدو أقل احتفالية وشعبية من مقالات رشدي. وفى الواقع تتضمن إحدى مهام شخصيات الرواية—والشيء نفسه يحدث في روايات (بولين ميلفل)—أنَّ المهاجر شخص متقعر حضاريا ومحبوس في استعارات ليست من صنعه الخاص. ومع ذلك تظل رؤية (رشدي) للهجرة متقوقعة ومتسمة بالرؤية الفردية، ولم تتطرق كثيرا إلي الهيئات الجماعية أو التحول التاريخي للمجتمعات. ومع ذلك تعتبر الهجرة—في سياق آخر—حالة من الهروب والبقاء على قيد الحياة والتغيير. ففي مجال دراسات النساء السود تشير الهجرة إلي شبكة معقدة من الأدوات والمنعطفات والترحيلات الرمزية والتي من خلالها تنطلق طقوس الشفاء الثقافي [التطبيع /المترجم]. وتعد رواية كينجايد (لوسي) عملا مفصليا في هذا السياق؛ حيث تشكل معاناةُ المهاجر نوعية الرواية: (رواية التكوين/التعليم). وأما من ناحية المضمون فتضفي الرواية بعدا شخصيا وتاريخيا على شخصية لوسي من جزيرتها الكاريبية الأصلية وأمها المسيطرة. ومع أنَّ الهجرة تغرس رغبات ومفاهيم متناقضة للانتماء فإنِّها تمكن لوسي من استعادة الشعور بالذات (كفنانة). وهكذا تتحدى الهجرة (بوصفها مجازًا أدبيًا ومعاناةً ماديةً) مفاهيم الأصالة الثقافية، وتعطي أهمية قصوى للطرق التى من خلالها تظهر الهويات بوصفها بديلاَ للتمثيل من خلال السياسات المعقدة.
مع أنَّ فكرة الشتات ليست جديدة فإنَّ شعبيتها الحالية (في العلوم الاجتماعية والإنسانية) ظاهرة حديثة نسبيا، وهى بوجه عام مرتبطة بصدور مجلة (الشتات) الصادرة في عام 1990s. فإذا كان مفهوما (الهجرة والمنفى) مفهومين مرتبطين جدليا مع المفاهيم الشائعة للأمة فإنَّ فكرة الشتات تشير إلي المفاهيم الخاصة بــ ما بعد القومية والعابرة للحدود الوطنية للهوية. ويناقش مفهوم الشتات تلك النتائج الإنسانية والثقافية لفشل الدول القومية في أعقاب العولمة وفترة بعد الاستعمار. ويميز النقاد (عامة) بين نوعين من الشتات: التشيكلات القديمة للشتات (وتشمل اليهود والفلسطينيين والأرمن وجنوب أفريقيا)، والنوع الثاني يضم (الشتات عبر القوميات) شتات جنوب وشرق أسيا. ومع ذلك فإنّ هذا الانقسام يبرز أزمة؛ فمن جهة يدل الشتات على التبعثر العالمي لمجموعة تتعرف على نفسها (ليس على وجه الحصر) من خلال موطنها الأصلي وكما هو مصور فى روايات أميتاف جوش (حدود الظل) (1988) وفاسنجي (لا أرض جديدة) (1991)، ولكن من خلال خيال ثقافي مشترك وأزمات تاريخية وسرد من أجل البقاء وأشكال جديدة من أجل التواصل ومن أجل بناء المجتمع. ولذلك فإنَّ الشتات يخاطر في كونه مثاليا تماما مثل الظروف الثقافية والاجتماعية النموذجية للعولمة. وعلى الجانب الآخر يتشكل كلُ شتاتٍ من خلال بيئته الجغرافية والتاريخية والثقافية الخاصة؛ وبالتالي يُبَيِّن مطالبه الخاصة بالحكم الذاتي (القومي والسياسي).
ففى الرواية المعاصرة يمكن تطبيق مفهوم الشتات بوصفه مصطلحا وصفيا (Cohen 1997) ونوعا من الإنتاج الثقافي المعرفي (Brah 1996). ويركز الاستخدام الوصفي للشتات على المغزى الرمزي والحرفي للمنزل القديم، والقوة الموحدة للذاكرة الجماعية، والحنين الشجي للعودة إلي أرض الوطن (المراوغ دائما)؛ وهذا بدوره يحمي القدرة الثورية للشتات، وخطر السرد البسيط للهوية الشتاتية القائمة على المنهج المطلق للجنس والعرق (Gilroy 1993, 98). وتبين القصص القصيرة (ولدي المتطرف) (1994) ورواية (أحياء بوذا) (1990) للكاتب (حنيف قريشي) تناقضات الشتات؛ لأنَّها تنغمس في خطرين مختلفين: ظهور هويات شتاتية متطرفة، وضم مجتمعات الشتات إلي سياسة الدولة القومية (المخدرة لشعوبها) الخاصة بالتعددية الثقافية [والقبول بالغيرية والآخر المختلف/المترجم] (Kamboureli 82).
ويعمل مصطلح الشتات (بوصفه نوعاً من أنواع النقد الثقافي) كـــ مفهوم نظري وإستراتيجية سردية يمكن من خلالهما رؤية الاستمرار والتمزق التاريخي الذي يساهم في خلق فضاء اجتماعي وثقافي وقومي. وفي هذا السياق نجد أنَّ الأعمال النقدية لكل من ستيورت هال وجيمز كليفورد وهومي بابا وراي تشو وسمارو كامبورلي وليزا لو وبول جيلروي مؤثرة بشكل بارز. وبالرغم من وجود بعض الاختلافات النظرية يَفهم كل هؤلاء النقاد الشتاتَ بوصفه عملية غير منتهية للترحيلات والعلاقات والاختلافات بين الثقافات والمواقف المختلفة الخاصة بمفهوم الإحلال. ويؤكد هؤلاء النقاد أنَّ الشتات لا يُحدد بالجوهر أو بالنقاء ولكن بالتعرف على التباين والتنوع الضروريين، ومن خلال مفهوم الهوية الموجودة في ظل وجود بعض الاختلافات التي تتعايش معها ولا تضدها وأخيرا من خلال الهجنة) (Hall 24). ولقد قدم كل من ديون براند (في وقت كمال وتغيير القمر) (1999) وزادي سميث فى (أسنان بيضاء) (2000) ومايكل أنداتشي فى (شبح أونيل) (2000) وأخيرا ديفيد دابيدن فى رواية (المستهدفة) (1991) تفاصيل دقيقة لمفهوم الشتات، مشتملة على تغيره مع الحنين الزائف وتفكك العلاقات الأسرية. وبدقة متناهية يصر هؤلاء الكتاب جميعا على أنّ حالة الهجين الثقافي تشتمل على رغبة مؤلمة من أجل كمال مستحيل، ويشرزمها العنف التاريخي والجنسي والعنصرية. وتستجوب رواياتهم أيضا الأحداث التاريخية الهدامة—العبودية وعقود العمل وغزو الأميريكتين والتنوير الأوروبي—التى تلازم تقديم الشخصيات الشتاتية، وتحدد كيف تَبني جدليةُ الجذور وطرقُ الوصول مسارَ حياتهم. ومع أنَّ ظاهرة الشتات غالبا ما تختلط (خطأً) مع معاناة الأفارقة الخاصة فإنَّ الدافع الباعث للمفهوم (تجاه إعادة تخيل التحديث نفسه، وتدمير الميثاق التقليدي والطبيعي (على ما يبدو) بين المكان والموقع والوعي) (Gilroy 2000, 213) قد أصبح مهما وأساسيا للعديد من الكتاب أصحاب الخلفية الشتاتية المتنوعة. وفي ضوء ذلك فإنَّ الشتات قد أصبح مثمرا وقد مكن الكتاب أنْ يكتشفوا (التجاور) بدلا من (التباعد) بين المجموعات المختلفة للشعوب المتفرّقة المتعادية.





References and Suggested Readings
Brah, A. (1996). Cartographies of Diaspora. London: Routledge.
Braidotti, R. (1992). The Exile, the Nomad and the Migrant. Women’s Studies International Forum, 15(1), 7–10.
Brown-Guillory, E. (2006). Middle Passages and the Healing Place of History: Migration and Identity in Black Women’s Literature. Columbus: Ohio State University Press.
Chambers, I. (1994). Migrancy, Culture, Identity. London: Routledge.
Chow, R. (1993). Writing Diaspora: Tactics of Intervention on Contemporary Cultural Studies. Bloomington: Indiana University Press.
Clifford, J. (1997). Routes: Travel and Translation in the Late Twentieth Century. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Cohen, R. (1997). Global Diasporas: An Introduction. Seattle: Washington University Press.
Gilroy, P. (1993). The Black Atlantic: Modernity and Double Consciousness. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Gilroy, P. (2000). Against Race: Imagining Political Culture Beyond the Color Line. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Gurr, A. (1981). Writers in Exile: The Identity of Home in Modern Literature. Brighton: Harvester.
Hall, S. (2003). Cultural Identity and Diaspora. In J. E. Braziel & A. Mannur (eds.), Theorizing Diaspora. Oxford: Blackwell, pp. 233–46.
Harris, W. (1999). Selected Essays of Wilson Harris: The Unfinished Genesis of the Imagination (ed. A. Bundy). London: Routledge.
Kamboureli, S. (2000). Scandalous Bodies: Diasporic Literature in English Canada. Don Mills, ON: Oxford University Press.
King, R., Connell, J., & White, P. (1995). Writing across Worlds: Literature and Migration. London: Routledge.
Lamming, G. (1960). The Pleasures of Exile. London: Michael Joseph.
Mishra, V. (2007). The Literature of the Indian Diaspora. London: Routledge.
Naficy, H. (1999). Home, Exile, Homeland. London: Routledge.
Puri, S. (ed.) (2003). Marginal Migrations: The Circulation of Cultures within the Caribbean. Oxford: Macmillan Caribbean.
Radhakrishnan, R. (1996). Diasporic Mediations: Between Home and Location. Minneapolis: University of Minnesota Press.
Rhys, J. (1969). Voyage in the Dark [1934]. London: Deutsch.
Rushdie, S. (1991). Imaginary Homelands: Essays and Criticism 1981–1991. London: Granta.
Said, E. (2001). Reflections on Exile. In Reflections on Exile and Other Literary and Cultural Essays. London: Granta, pp. 173–86.
Taylor, C. (1992). Multiculturalism and the “Politics of Recognition”. Princeton: Princeton University Press.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,892,097
- حلمي القاعود روائيا
- الذَّوَبَانُ الثَّقَافِيُّ وَأَثَرهُ عَلَى الفَردِ وَالأَمنِ ...
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ...
- روايات البريطانيين السود
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ...
- الشتات الأفريقي
- رواية المستعمرات (ترجمة)


المزيد.....




- جورج وسوف يطالب أصالة بالاعتذار من الشعب السوري
- فنان أردني يكشف ماذا حدث عندما غنى للمرة الأولى أمام العاهل ...
- نساء كردستان يطالبن بتحصيل حقوقهن في التمثيل الحكومي
- تكريم جندي مغربي قضى خلال عمليات حفظ السلام بميدالية -داغ هم ...
- إصابة -جيمس بوند- أثناء تصوير أحدث أفلامه... والشركة المنتجة ...
- بفضل كلبة... أحدث أفلام براد بيت وليوناردو دي كابريو يفوز بج ...
- فيلم اجواء للفلسطيني وسام جعفر يفوز بالجائزة الثالثة في مساب ...
- ستة مرشحين بلجيكيين من أصل مغربي يخوضون الانتخابات
- شاهد: لوحة جديدة للفنان بانسكي تعرض في إحدى شوارع في البندقي ...
- شاهد: لوحة جديدة للفنان بانسكي تعرض في إحدى شوارع في البندقي ...


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أشرف إبراهيم زيدان - الهجرة والشتات والمنفى في الرواية