أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - فيلم - موديلياني - سمفونية .....عن الحب والابداع















المزيد.....


فيلم - موديلياني - سمفونية .....عن الحب والابداع


علي المسعود
(Ali Al- Masoud )


الحوار المتمدن-العدد: 6202 - 2019 / 4 / 16 - 21:12
المحور: الادب والفن
    


فيلم " موديلياني " سمفونية .....عن الحب والابداع

علي المسعود

يعتبر فيلم "موديلياني" من ضمن هذه الأعمال الخالدة في تاريخ السينما العالمية، للمخرج والكاتب ميك دافيز, تمثيل أندي غارسيا، والذي يروي قصة حياة الشاعر والفنان التشكيلي الإيطالي " أميدو مودلياني"المولود في 12 تموز/يوليو سنة 1884، في مدينة ليفورنو، بمقاطعة توسكاتا الإيطالية، وهومن عائلة يهودية علمانية، ذات أصول برجوازية ، يحتل الفنان الإيطالي موديلياني مكانة بارزة في فن القرن العشرين، له أسلوب متفرد وخاص لا ينتمي إلي مدرسة فنية معينة ، تلقي دراسته الفنية الأولي بالمدرسة الحرة للرسم العاري بفلورنسا بإيطاليا،انتقل موديلياني إلى باريس في العام 1906 وعاش جنبا إلى جنب مع الرسّامين الطليعيين. كما صاحب النحّات الروماني برانكوزي الذي تعلّم على يديه فنّ النحت. وفي ما بعد صنع بعض الأعمال النحتية أشهرها رأس مصنوع من الحجر الجيري يبيّن بوضوح تأثّره بالفنّ الأفريقي. في باريس التي أقام بها حتي وفاته، في ذلك الوقت كانت عاصمة الثور تموج بالمدارس الفنية مثل التكعيبية وغيرها من المدارس، تأثر موديلياني بالفنان سيزان، حيث نجد ذلك التأثير في تسطيحه للمساحات اللونية وتحريفه للأجسام، كانت موضوعاته أغلبها بورتريهات ونساء عاريات، في باريس لم يستطع أن يفهم أهداف الفن التجريدي والتكعيبي، وابتكر لنفسه أسلوبه الخاص الذي يقوم علي التبسيط من أجل إبراز المعالم المميزة للشخص المرسوم، يبسط موديلياني اللون أيضاً ولا يستخدم في لوحته أكثر من لونين أو ثلاثة بدرجاتهم، ونلاحظ الاستطالة في الأجسام واهتمامه الشديد بتقوية الخطوط الخارجية التي استبدلها بدلاً من الضوء والظل للإحساس بالتجسيم، له أعمال نحتية يقوم فيها بتحريفات مثيرة ومع هذا تبدو تماثيله جميلة رغم ما بها من حدة وتحديب وقد استفاد من الفن الزنجي مثل فنانين كثيرين، إن موديلياني الفنان كان ولا يزال، فيما أعتقد، نموذجاً للانسان البوهيمي في بداية القرن العشرين. ولكنه لم يكن شخصاً يستهان به، وتقول أخماتوفا، وهي شاعرة روسية (- 23 يونيو/حزيران 1889 - 5 مارس/آذار عام 1966- تعتبر من أبرز شاعرات روسيا في عهد الاتحاد السوفيتي، وتعتبر من أشهر المؤثرين في الشعر الروسي)، وكانت ترتبط مع الرسام موديلياني بعلاقة صداقة، وتحدثت عن الرسام موديلياني " كان يحب أن يهيم على وجهه في الليل في باريس ـ كنت أسمع وقع خطواته في الشارع الغافي، وأتطلع عبر الستائر، وأرى ظله الذي يتباطأ وهو يمر تحت نافذتي. كان يرى الأشياء بطريقة مختلفة عن الآخرين ـ وقد ظلت التكعيبية غريبة بالنسبة له ” “أنا ضحية أخرى من ضحايا بيكاسو، قال موديلياني، لم يلاحظ أن كل شيء سائد، يسمى “موضة”. كان يتحدث عن الشعر. نحن إذن أمام فنان موهوب ومثقف له رؤيته الخاصة وحساسيته المتميزة، فنان رفض أن ينجرف مع غيره في تيار التكعيبية الذي كسر أسوار الكلاسيكية وفجر آفاق جديدة تمحضت عن مدارس وحركات فنية تجاوزت من حيث القدرة التعبيرية التكعيبية نفسها التي أصبحت اليوم مجرد علامة طريق هامة، وربما أهم علامات طريق حركة فن القرن العشرين. ولوحات موديلياني تعكس إلى حدّ كبير شخصيّته الأسطورية، في العام 1917م التقى موديلياني ب ( جيني هيبتيرن) الطالبه بأكاديميه كولاروسي، كانت خجولة ورقيقة ومهذبه كما وصفها الكاتب تشارلز-ألبيرت ، وقد اصبحت بعدها نموذجه وعارضته الرئيسة حتى مماته وقد رسمها مالايقل عن 25 مره. في العام 1918م غادر موديلياني وجيني باريس التي كانت مهددة بالإحتلال الألماني إلى الساحل الجنوبي. في نيس وأجوائها أنتج موديلياني معظم لوحاته التي أصبحت فيما بعد أكثرها شعبية وقيمة مادياً. في العام 1919م عاد موديليان إلى باريس بعد عدة معارض ناجحة في بريطانيا في الوقت الذي بدأ جامعوا اللوحات البريطانييون شراء لوحاته ولكن في نهاية ذلك العام داهم مرض السل موديلياني واشتد عليه. شهرة موديلياني تجاوزت فنّه بكثير، كما أن أسلوب حياته المنغمس في المتع حجب عن الأعين كثيرا من تراثه وإبداعه الفني، وقد كانت النساء منجذبات بقوّة إلى هذا الشابّ الجذاب و الآسر. كان يقول:" عندما تستعدّ امرأة للجلوس أمام رسّام فيجب أن تهبه نفسها بالكامل”، كان موديلياني مصرّا منذ البداية على خلق نموذجه الصوري الخاصّ والشائك عن الجمال. وقد نجح في اختراع جنس جديد من الكائنات ذوات الأطراف المستطيلة والخصور الضّيقة والوجوه الدقيقة اللاتي يغلب على ملامحهنّ الهدوء والبرود وأحيانا الانفعالات الجامدة والمحايدة. الشاعرة والناقدة الانجليزية " بياتريس هاستنغز " كانت ملهمة موديلياني ورفيقته طوال سنتين، وقد وصفته بقولها إن " موديلياني شخصية معقّدة، أحيانا يأخذ شكل خنزير وأحيانا لؤلؤة" كانت علاقتهما عاصفة، ومع ذلك فـ اللوحة التي رسمها لها لا تكشف الشيء الكثير عن شخصيّتها. فملامح وجهها الصغير وعنقها الطويل يوفّران قناعا يحجب عن الناظر انفعالاتها الداخلية، أما لوحاته التي رسمها لرفيقة عمره " جيني هيبتيرن " فتبدو معبرة ومؤثرة وتوصل إحساسا بفجيعة هذه المرأة الخجولة وضعفها وخضوعها للرّجل الفنّان، مثلآ في إحدى اللوحات التي رسمها لها، تبدو جيني بملامح ملائكية، عيناها الخضراوان الشاحبتان وشفتاها الرقيقتان ونظراتها الواهنة تؤكّد هشاشة وبراءة تلك الفتاة التي كان مقدّرا لها أن تموت قبل الأوان مثل الرجل الذي عشقته، بحث الفنان عن الروح، تلك التي صرح بها لجيني، حين رسم وجهها دون أن يرسم عينيها، وأخبرها أنه (سيرسم عيونها عندما يلمس روحها)، وفعلاً هذا ما حدث، ففي المسابقة الشهيرة التي فاز بها الفنان أميديو موديلياني، على الفنان الشهير بيكاسو، أنجز موديلياني رسم عيون جيني برفاهية متقنة، إلى جانب عنقها الطويل وجاذبيتها المذهلة. فمن يشاهد اللوحة الفاتنة يؤمن بالقدرة الشاعرية، يسعى الفنان الإيطالي أميديو موديلياني إلى التحول في اللوحة، ولا يكتفي فقط بالرسم، وإنما إلى الحرية بأبهى أشكالها وتطلعاتها، فقصته مع حبيبته جيني ، ملحمة من التجليات والصراعات انتهت بانتحار جين بعد وفاة الرسام " موديلياني " ، في عام 2005 أنتج فيلم " موديلياني " وكان من إخراج " مايك دافيز " ويجسد شخصية موديليانى الممثل الموهوب" اندى غارسيا" الذى أثبت فى هذا الفيلم براعته وقدراته التمثيلية. حين أبدع في تجسيد شخصة موديلياني ، الفيلم يصور حياة وابداعات الفنان الايطالى الشهير "اميدو موديليانى" ، كما يلقى الضوء على علاقة الرسام موديليانى التنافسية مع فنانى عصره , يركز الفيلم على شخصية هذا الفنان، فهو شخص غريب الاطوار وله عقلية مزاجية خاصة به لا يملك الريشة والالوان الا عندما يشعر برغبته في الرسم، فعلى الرغم من محاولات الاصدقاء والمعجبين المحيطين به ليستخدم فنه وموهبته كوسيلة للعيــــــش، لكــــــن مزاجيته وطريقة تفكـــيره بالحيـــاة والفن يمنعانه من ذلك،ينظـر الى الحياة بمنظــــار خــاص ويعيشها بطريقة مختلفـــة عــــــن الاخرين ويملك احساسا شاعريا عميقا . فالفيلم يركز ايضا على علاقته بحبيبته وام طفلته "جيني" التي لعبت دورها الممثلة "اليزازيبلستن "، الفيلم ايضا سمفونية عن الحب العميق حيث يبدأ بتساؤل على لسان جيني زوجته "( هل سبق وأن أحببت بعمق، وكأنّك حكمت على نفسك، بالخلود في الجحيم؟ أنا فعلت )،" ثم تبدأ بسرد حكايتها مع الرسام، صبية منهارة ، غارقة العينين، تحاول أن تلملم بقايا روحها اللاهثة بسرعة جنونية صوب الإنهيار، وهي تطرح سؤالها بكل وضوح على عموم البشر، في إفتتاحية الفيلم، في البداية تأخذنا كاميرا المخرج " مايك دافيز " الى إحدى مقاهي باريس وهي أحد الصالونات الفنية في باريس، فيها تجري مسابقة لرسم شخصية ( موديلياني)، ويشارك في المسابقة الفنان ( بيكاسو) ،عند الإنتهاء ناول بيكاسو رسمته إلى النادل، وحين طلب النادل توقيع بيكاسو قال:" هذه الورقة لك من أجل تغطية مصاريف هذه الجلسة وليست لشراء المقهى بكاملها"، بعد هذا المشهد مباشرة، يدخل الرسام " موديلياني" حاملا باقة من الازهار الحمراء ، وبحركة مسرحية متقنة ينثر الزهور عليهم ويحتفظ بزهرتين ، يقدم واحدة إلى فتاة جميلة تقف في الصالة، مرفقًا إياها بجملةٍ شاعرية قال فيها: "مستقبل الفن يكمن في وجه امرأة"، قبل أن يبادر في الثانية إلى السخرية من بيكاسو، حيث يقوم بأداء رقصة استعراضية على الطاولات، ويسأل بيكاسو، بمنتهى التهكّم: عن كيفية ممارسة الجنس مع المكعبات، إشارة الى أسلوب بيكاسو التكعيبي في الرسم، بيكاسو الذي يظهر عليه بدوره الكثير من الحُنق والغضب، يبادر لعراك موديلياني ثم سؤاله: لماذا تكرهني يا إميدو؟ فيجيب مويلياني بكامل الهدوء بعد رشف جرعة من النبيذ: "أحبك بابلو، لكنّ نفسي هي من أكرهها". يحاول المخرج في هذا المشهد إظهار حدّة التنافس والنديّة التي كانت تجمع وتفرّق ما بين الفنان الإسباني بيكاسو وهذا الرسام الإيطالي البوهيمي " موديلياني"، وكيف أن كلًّا منهما كان مهتما بالآخر، رغم كل الادعاءات المتبادلة بالكراهية أوالسخرية. سيطرة فكرة الصراع والحب على أحداث الفيلم ، الصراع الذي كان بين مودلياني وبيكاسو – على أغلب مقاطع الفيلم، حتى أن مرض السل الذي كان يعاني منه مودلياني لم يأخذ من حيز الفيلم سوى دقائق قليلة،وقد وظف المخرج ميك دافيز تلك الحالة المرصودة بين بيكاسو ومودلياني بشكل متقن، بحيث أصبحت الإطار والمحور اللذان يدوران حولها أحداث الفيلم. ومن واروع الحوارات التي تميزت في هذا الفيلم هو المشهد الذي يرسم فيه موديلياني حبيبته "جيني " لاول مرة لكنه لا يرسم عينيها فتساله اين عيناي؟ فيجيبها" حين المس روحك، فأني سوف ارسم عينيك " !!.هذه الجملة سيكون لها اكبر الاثر وستكون اشد واقوى اللحظات الدرامية حتى نهاية الفيلم. الفيلم هو سمفونية كما قلت عنه ولكنه سمفونية متكاملة ففيه نص رائع بالجمل العميقة التي يحتويها والتي تخفي تحتها وبين سطورها احاسيس ومعاني جميلة وفلسفة عميقة وكلمات تنبض بالمشاعر والحياة. تصوير واخراج راق جدا من قبل المخرج مايك دافيز ، وبالمناسبة هنا لقد كتب القصة للسينما "مايك دايفيز " نعم مخرج العمل ذاته!، فالاحداث فيه تنساب بسلاسة تناسب الموضوع المطروح عن الفن التشكيلي وعن موديلياني الرسام والانسان وعن الحب، وعمل المخرج في ابراز الصراع بين بيكاسو وموديلياني في اكثر من صورة و مشهد ، بسبب الفقر وسوء الحال الذي يعيشه، تسعى جيني من أجل إقامة بعض المعارض لمودلياني بهدف تحسين حالته المعشية، وقدمت تنازلاً كبيراً لبيكاسو الذي ذهبت اليه تطلب موافقته على قيام معرض فني مشترك بينه وبين مودلياني، حينها وافق بيكاسو على عرض لوحة واحدة لكل منهما في الصالة على أن يظفر بيكاسو برسم جيني، وافقت جيني على الطلب الخبيث الذي أبداه بيكاسو على الرغم من أنها تعرف تماماً بأنه يثير غضب زوجها، وبالفعل، شاهدها موديلياني تجلس على الكرسي أمام بيكاسو فمزق بعض لوحاته وأعلن رفضه العرض مع بيكاسو ، وكذالك في مشهد، رجال الشرطة البارسيية في ثيابهم الأنيقة ينتشرون في صالة المعرض الأول المعرض الحلم ل " موديلياني" يصدرون قرارا ب اغلاقه بعد ساعات من إفتتاحه، بحجة أنه يحتوي على الكثير من اللوحات التي تظهر نساء عاريات، ويبدو في خلفية المشهد بيكاسو ،بصورة الواشي والحاقد، وتعمد المخرج في إظهار نظرة التشفي التي أباداها بيكاسو لقرار الإغلاق. يشتد الصراع أو التنافس بين موديلياني و الرسام بابلو بيكاسو، وحين يدون الأول اسمه في قائمة أسماء الفنانيين الذين يرغبون بالإشتراك في معرض اللوحة الواحدة المشترك، يدون موديلياني اسمه في القائمة المعلقة على أحد جدران المقهى، حينها تتجه أنظار جميع من في المقهى بما فيهم مودلياني إلى بيكاسو الذي سرعان ما يهبط من زاويته المخصصة له ليأخذ قلم الرصاص من جيب مودلياني ويكتب اسمه، عندها تتعالى الأصوات ابتهاجاً ، كانت الجائزة المخصصة للوحة الفائزة في ذلك المعرض " معرض اللوحة الواحدة " خمسة آلاف فرنك فرنسي، أي أن المبلغ يمكن أن ينتشل الرسام من الفقر وهو ما كان يطمح له موديلياني للاستقرار مع زوجته وطفلته، تناول المخرج مايك دافيز حياة مودلياني , تحديدا آخر عام من حياته ، مسلطا الضوء على تنافسه مع بابلو بيكاسو و حبه الأخير لـ جين هيبوترن، أصبحت جين صديقة لمودلياني ثم زوجته و أنجبت منه طفلتها الوحيدة، لكن تلك العلاقة كان ينغصها الفقر ويهودية مودلياني التي بسببها رفضه والد جين بشكل حازم، حتى أنه قرر تعميد ابنته بعيداً عن والدها، بعد التعميد تتمرد جين على والديها وترحل تاركة طفلتها الصغيرة لديهم لتعود إلى حبيبها مودلياني الذي يستقبلها بحرارة يصرخ، يراقصها في الطريق المهجور المعتم ، فيقع نظرهما على ثوب أزرق اللون معروض خلف زجاجة إحدى المتاجر، يسألهأ : هل يعجبك هذا الفستان جيني ؟، جداً، تجيبه جيني ، يقوم موديلياني بسرقة الفستان الأزرق الذي أعجب جيني سابقاً من المتجر بعد أن حطم زجاجه( وهوالفشتان ذاته التي ظهرت به جيني في مشهد الافتتاح)، لبست جيني الفستان وجلست أمام مودلياني في تلك الأثناء كانت عدسة التصوير تنتقل من فنان إلى آخر، كان بيكاسو قد جرب أكثر من موديل وحطم أكثر من لوحة، وحين انتهى العمل وتم نقل اللوحات إلى صالة المسابقة ، ذهب مودلياني إلى دائرة التسجيل التابعة لبلدية باريس ليحرر عقد زواجه من جيني رسميا، فقد كان متأكدا من فوزه بالجائزة، أي أن بمقدوره أن يكوّن أسرة، الطابع التراجيدي لم يكن خافيًا، خصوصًا في الأخيرة للفيلم، إذ تقوم بتسليط الضوء على لحظات السعادة النادرة في حياة موديلياني، وهو عائد من المحكمة، بعد تثبيته لعقد الزواج، وثقته الأكيدة من القدرة على الفوز بجائزة المسابقة النقدية، كانت الساعة التاسعة مساءاً هي الوقت المحدد لإفتتاح المعرض ليتم بعدها إعلان اسم الفائز، وقبل ذلك الموعد بقليل شرع مودلياني الدخول إلى إحدى الحانات، وفي داخل الحانة أخذ مودلياني مكاناً قرب البار وراح يحتسي القدح تلو الآخر، ثم القنينة تلو الأخرى بعد أن أخبر النادل بأنه يمتلك خمسة آلاف فرنك. ما دفعه إلى تفويت الذهاب لحضور نتائج المسابقة، مستعيضًا عنها بشرب عدد كبير من كؤوس النبيذ في إحدى الحانات، ولأنه لم يدفع مالاً مقابل طلباته الكثيرة، في محلّ ليليّ رديء بباريس، لحق به مجموعة من الشبان، حتى انفردوا به بعيداً عن الأنظار، ثم ضربوه بقسوة وبشاعة، وتركوه ممداً في الشارع، بين الحياة والموت، وبعد أيام قليلة فقط غادر الحياة في أحد المستشفيات، حيث لم يستطع جسده، المريض بالسلّ، احتمال ما تعرض له، بسبب بضعة قروش!!، هكذا كانت نهاية رسام استطاع الوقوف بوجه بيكاسو، وهو في ذروة مجده، واستطاعت لوحته أن تفوز في المسابقة، التي كانت في ظاهرها مسابقةً بين رسامي تلك الفترة ومشاهيرها في أوروبا، وهي في حقيقتها مسابقة شديدة التحدي بين بيكاسو، وأميديو موديلياني، وهذا الأخير هو الذي كسبت لوحته الفوز، وهزم بها الاسم الأشهر والأوسع انتشاراً على الإطلاق في ذلك الحين بيكاسو، وفيما كان يُعلن عن فوز لوحته تلك، كان موديلياني ممداً على وجهه في زقاق صغير، بين الحياة والموت، حتى لمحه بعض المارة، ونقلوه إلى المستشفى.. وهكذا سارت لحظات الحسم الأخيرة في حياته، كما صوّرها الفيلم الكبير، الذي حمل اسم الرسام ذاته ، وكانت اللوحة التي كسبت الفوز، هي ذات اللوحة التي رسمها موديلياني مراراً، بأشكال كثيرة، للمرأة التي أحبها بأسىً وتحدٍّ وألمٍ بالغ، والتي أنجب منها طفله الوحيد، وقوبل بالرفض من والدها، بسبب اختلاف ديانتهما. كانت لونيا تشيكوميسكا إحدى موديلات الفنان المفضّلات. وقد روت قصّة مثيرة للاهتمام حدثت قبيل موته، عندما كانت تجلس أمامه لرسمها، تقول:" بينما كنت أقوم بتحضير العشاء طلب مني أن ارفع رأسي للحظات، وعلى ضوء شمعة رسم اسكتشا جميلا كتب عليه عبارة تقول: الحياة هبة، سواءً للذين يعرفون ويملكون أم لأولئك الذين لا يعرفون ولا يملكون شيئا". موديلياني نفسه كان يعرف على ما يبدو انه سيغادر الحياة مبكّرا. وهناك بورتريه رسمه لنفسه قبل وفاته بعام يبدو فيه كما لو انه يرتدي قناع الموت. وما لبث أن توفّي بعد ذلك بوقت قصير، وبالتحديد في العشرين من يناير عام 1920 نتيجة إصابته بالسلّ الذي رضعه مع حليب آمّه وهو بعد طفل، أما جيني وقد تبرّأت منها عائلتها المحافظة بعد ارتباطها بالفنان، وفاته عادت جاني هيبوتيرن إلى منزل أبويها في مونمارتر، لكنها لم تلبث أن ألقت بنفسها من أعلى البناية، التي كانت تقطنها عائلتها لتموت منتحرة مع طفلها الجنين، وبعد مرور عشر سنوات على وفاتها سمح أهلها بنقل رفاتها، لتدفن إلى جوار زوجها، في فيلم "موديلياني"، تفاصيل حادّة، وسيناريو فلسفي ساخر، وتجسيد هائل لروح الشخصيات، الطابع التراجيدي لم يكن خافيًا، خصوصًا في المشاهد الأخيرة للفيلم، إذ يقوم المخرج بتسليط الضوء على لحظات السعادة النادرة في حياة موديلياني، وهو عائد من المحكمة، بعد تثبيته لعقد الزواج، وثقته الأكيدة من القدرة على الفوز بجائزة المسابقة النقدية، ما دفعه إلى تفويت الذهاب لحضور نتائج المسابقة، مستعيضًا عنها بشرب عدد كبير من كؤوس النبيذ في إحدى الحانات، ومن ثم تعرضه للضرب المبرح، حين استدرك الوقت وحاول الذهاب إلى زوجته جان، وعقد الزواج في يديه، في الجانب الآخر من الفيلم يأخذنا المخرج إلى صالة المعرض، حيث يسدل الستار على أعمال الفنانين المشاركين بالمسابقة، حين نرى التفاعل الكبير والتدريجي، لدى عرض لوحات ريڤيرا واوتريو، لنصل إلى الدهشة في كامل تشكّلاتها، لدى عرض لوحة بيكاسو، والتي جسّد فيها شخصية موديلياني بأسلوب تكعيبي لا متناهي الروعة، وكل ذلك قبل الوصول إلى مسك ختام الأمسية، وهي رائعة موديلياني الفنية، التي كانت تحمل اسم جين، وكيف اختزل موديلياني كل مشاعره فيها، وقام للمرّة الأولى برسم عيني جين فيها، ما دفع المشاهد مباشرةً إلى العودة بالذاكرة إلى أحد مشاهد البداية.
في المستشفى يلفظ مودلياني أنفاسه الأخيرة بين يدي زوجته وأم إبنته، وبين أصدقائه ومحبيه من الفنانيين الذي يقومون بصب الجبس على وجهه كي يحصلوا على نسخة جبسية منه لتبقى إلى الأبد، عندها تحمل جيني نفسها في خطوات متهالكة فتتجه إلى المقهى حيث بيكاسو جالس في زاويته المعروفة وحيث لا أحد هناك غيره، نظرت إليه وقالت " هل تعرف بما اشعر ؟ بابلوا، هل اخبرك؟، أنا لاأشعر بشئ ، لدي طفل في بطني، قلب اخر ينبض ، روح أخرى متلهفة، لكني قارغة مثل الكأس الذي أمامك! ، سوف ترجع الى المنزل، وسوف تعيش دوما حياة كاملة و غنية، لكن أقسم بالله ، عندما تحين ساعتك, عندما تغادر على فراش الموت ، اسم موديلياني سوف لن يكون بعيدأ عن شفتيك ،ولن تستطيع الرسم اجمل من بعد هذه الليلة. لإنها تنتمي اليه)"، وفي مشهد الختام، الرسام موديلياني يرقص حول تمثال بلزاك، وهو يحمل في يده قنينة النبيذ ، ويسمع صوت ( الرسام رينوار) وهو يتحث عن موديلياني بعد موته " في إحدى المرات، رأيته يرقص كالطفل حول تمثال بلزاك، كانت يداه تحلقان كطائر، وكان وجهه جميلاً مشرقاً، كان مثلي في إحدى مراحل حياتي، لذلك سرقت تلك اللقطة وخزنتها في ذاكرتي لأعيش بها ومعها حتى أيامي الأخيرة هذه". عاش الرسام الإيطالي (أميديو موديلياني) ستة وثلاثين عاماً (1884 - 1920) وبعد حياةٍ حافلة بالشتات، والعبث، والفقر، والفن، ولكن وبين سطورها محطات فيها الكثير من الاحاسيس والمعاني الجميلة، وفلسفة عميقة وكلمات تنبض بالمشاعر والحياة. موديلياني ألذي مات فقيرا وهو الذي بيعت إحدى لوحاته مؤخّرا بأكثر من 27 مليون دولار أمريكي. الفيلم هو سمفونية متكاملة ففيه نص رائع بالجمل العميقة التي يحتويها والتي تخفي تحتها روح هذا الفنان المبدع المشبعة بالجمال و الحرمان والحب للحياة و لجيني. كان تصوير الفيلم واخراجه بشكل راق جدا من قبل المخرج مايك دافيز فالاحداث فيه تنساب بسلاسة تناسب الموضوع المطروح عن الفن التشكيلي وعن موديلياني الرسام والانسان وعن الحب، بالاضافة الى ذالك ، ألاداء كان متميزاً ورائعاَ وخصوصاً، الممثل الأميركي ذو الأصول الكوبية " اندي غارسيا" بدور موديلياني، تميز في براعته وموهبته وقدراته التمثيلية الكبيرة حيث ادى الشخصية بامكانيات خارقة يستحق عليها الثناء ، و كذالك اداء رائع للممثل "اوميد ديجيتلي" في دوره عن الفنان بيكاسو و وكذالك الممثلة "اليزازيبلستي" في دور جيني حبيبة ثم زوجة الرسام ، وكذالك اصدقاء موديلياني، الرسامون كل قام بدوره بافضل ما يكون.
علي المسعود
المملكة المتحدة





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,490,086
- فيلم -الحب فى زمن الكولير- حكاية عن الحب الذي لا نهاية له
- فيلم (انفصال نادر وسيمين).. صرخة ينبه فيها المجتمع الإيراني ...
- مأساة أمرأة في مواجهة جريمة دينية مفزعة في فيلم ( فيلومينا) ...
- البحث عن رواية العار الوطني في الفيلم الدنماركي ( أرض الالغا ...
- فيلم-هذه انكلترا- صرخة تحذير عن اخطار التطرف العنصري ضد المه ...
- فيلم -مانديلا: طريق طويل نحو الحرية-، قصة شعب جسدته حياة رجل
- -شجرة الحياة- فيلم يغوص كثيراً في الوجود والحياة
- فيلم- نيرودا -فيلم ينتصر للحرية والإبداع
- الفيلم الكندي -حرائق - فيلماً سينمائياً متمردأ على نيران الط ...
- فيلم “سافرجت”، نابض بالحياة ويؤرخ لحق المرأة في التصويت .
- السينما الشعرية في فيلم المخرج الايراني الراحل عباس كياروستم ...
- فيلم ( حياة الاخرين) : كشف عن تأثير الرقابة البوليسية على ال ...
- -بلاد فارس - (( بيرسيبوليس )) فيلم رسوم متحركة يحكي قصة طفول ...
- محمد حمام --صوتك زى ابتسامة الطفل ف القلب اليسارى
- أطفال صغار يحملون هموم واثقال الكبار في الفيلم الكردي ( زمن ...
- (الاحتجاج الهادئ)، في افلام المخرج الكردي - بهمن قبادي-
- فيلم ( حرب خاصة ) قصة الصحفية ( ماري كولفين ) الجريئة والباح ...
- فيلم (على بوابة الخلود) يعيد الرسام -فنسيت فان كوخ من جديد . ...
- فيلم ( الزوجة ) يناقش فكرة: هل مازال الرجال منحازون بشكل أو ...
- نائب- فيلم أمريكي يعكس السياسية الامريكية وجهل مراكز القرار. ...


المزيد.....




- بملابس شخصيات فيلم -موانا-.. محمد صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنت ...
- صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنته مكة على طريقة الفيلم الكرتوني -م ...
- وزارتان بلا ثقافة.. كاتب يمني ينتقد صمت اتحاد الأدباء والكتا ...
- روبوت فنانة على شكل إنسان: هل يمكن أن نصنع فناً من دون مشاعر ...
- شاهد.. ماذا تبقى من آثار الموصل؟
- هل يصعب على الموسيقات العسكرية العربية عزف النشيد الوطني الر ...
- بعد الاستقلال.. حزب الكتاب يدعو الحكومة لتقديم تصريح أمام ال ...
- حزب الاستقلال: تقديم الحكومة لبرنامج جديد أصبح ضرورة ملحة
- دومينغو ضيفا على RT عشية إحيائه حفلا موسيقيا كبيرا بموسكو (ف ...
- عبد النبوي يثير جدلا داخل البرلمان


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - فيلم - موديلياني - سمفونية .....عن الحب والابداع