أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - وديع العبيدي - احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم (5)















المزيد.....


احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم (5)


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 6191 - 2019 / 4 / 4 - 19:35
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


وديع العبيدي
احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم (5)
أودّ أن أوضح للقارئ، أن موقفي من الغرب والحداثة والتنوير، وكل ما يشتمل عليه عنوان (الحضارة الغربية الحديثة) قد تغير هيكليا وكليا في العقد الأخير، وتبلورت حيثياته وأدواته في العام الماضي، في كتابي:(في علم اجتماع الجماعة)، المنشور في موقع الحوار المتمدن مشكورا، بوصفه التسلسل/2، بعد كتابي: (في علم اجتماع الفرد).
ولكي لا أدعي فضلا، أعترف أن حياتي في الغرب منذ بداية التسعينيات، ومعايشتي الحثيثة للأفكار الغربية وتطبيقاتها على أرض الواقع والعلاقات اليومية، هي التي فضحت مدى زيف الغرب في مزاعمه الفكرية عموما، والتي لم يسبق للعرب وضعها موضع الامتحان المقارن، وما أعنيه تحديدا، هو القاعدة العنصرية والشوفونية للفكر والثقافة الغربية، والمعروفة تقليديا بحركة (الاستعمار الحديث)، وصولا إلى سقوط البراقع والأقنعة، في سياسة دونالد ترامب وطريقة معاملته للعالم أجمع، والعرب والمسلمين تحديدا.
وفضلا عن خلافاتي وتقاطعاتي مع أصدقائي الغربيين، وجدت لدى نقاد الغرب من بين أبنائه، خلاصات منسجمة مع أفكاري واستكشافاتي الناتجة من نزيف الواقع. وهو ما أعتبره العمق الأكاديمي لموقفي الفكري الشمولي من الوجود والتاريخ.
لذلك أستسمح القارئ، لقبول تعدد وجهات النظر، والنظر اليها من باب الاطلاع والاستماع، مهما بدت عليه من غرابة وسذاجة في منظوره/ ومهما أصرت على مخالفة المألوف والسائد محليا وغربيا. فأنا أؤمن بالفرد المبدع المتميز، وهو من أتجه إليه في حياتي وكتاباتي، مع شديد الاعتذار، للحديث عن ذاتي، وغاية قصدي التنويه والتوضيح!.
..
رأت الفلسفة الغربية في (الدارونية) و(الفرويدية)، ذروة تألق العقل العلمي الغربي، وهو ما جعل هربرت سبنسر يعيد النظر في جماع حركة العلوم والمعارف من منظور البيولوجيا وعلم النفس السلوكي. لكن حركة العلوم البيولوجية والنفسية، استمرت من بعد سبنسر[1820- 1903م]، وأسفرت عن مدرستبن في مجال علم السلوك.
المدرسة الغريزية ورائدها النمساوي كونراد زاكارياس لورنتس [1903- 1989م] في خلاصة ابحاثه/(1966م).
المدرسة السلوكية ورائدها الأمريكي بوريس فردريك سكينر[1904- 1990م] في خلاصة أبحاثه/(1961م).
والاثنان قاما بابحاث بيولوجية راقبا خلالها سلوك الاسماك والطيور وردود فعلهما عند التعرض لتهديد خارجي، وذلك للخروج بفرضية عن طبيعة العنف وأصوله الذاتية والموضوعية. وقد توصل الاثنان الى نتائج متشابهة تقريبا، ولكن سكينر أضاف، بامكانية التأثير في السلوك باستخدام أدوات وأساليب مدرسية اجتماعية. بينما توقف النمساوي في نقطة مركزية الغريزة في دوافع السلوك الحيواني.
ومع اتفاق الاثنين في أن العنف هو في مجال الدفاع عن الذات أو الطعام؛ فأن شدة العنف الدفاعي قد تكون أكثر من شدة العنف الهجومي. هذا الاستنتاج من تجارب الطيور والأسماك، يجري اسقاطه على الانسان مباشرة بغير تزويق أو مراجعة/(فعل الاحتلال ومقاومة الاحتلال)، وينتهي لمحصلة علمية تنسب العنف والوحشية لطبيعة الانسان الغريزية. أما السؤال الآخر، فهو عن مبرر هكذا ابحاث وتجارب واستنتاجات، تنتهي بمشروع الحداثة والتنوير، لاعتبار العنف والوحشية، ظاهرة طبيعية أو غريزية في البشر. ففي متاحف الغرب ومكتباته تفتخر بلدان الاحتلال والغزو بقادتها من العسكر وادارات الاحتلال، بينما يوصف فخر البلدان فرائس الاحتلال بقادتها من العسكر والمقاومة الشعبية، تمجيدا للعنف والعدوان والارهاب.
هاته الأبحاث والنتائج والخلاصات المريبة، هي موضع نقد وجدل لدى الانسانيين، وهي تتناقض وتنقلب على جملة مشروع الحداثة والتنوير الذي نظر للانسان والمستقبل من مبدأ الارتقاء الوجودي والسمو الخلقي، وليس الانحطاط والدونية التي تخلظ بين مخرجات دينية سقيمة وبين دعاوي القرصنة الكلونيالية التي ترفع العنصر الأوربي الأبيض- (شعب مختار معاصر)- فوق شعوب أسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، التي عليها أن تخضع للسيد، وسياساته وبرامجه لكي تتطور وتتحسن في مجالات التفكير والسلوك والمعيشة.
وهذا هو المتحقق حاليا، في المرحلة الثانية، بعد الانتقال من الكولونيالية التقليدية الانجليزية والفرنسية، إلى الامبريالية الرأسمالية الوحشية، القائمة على نظام الصدمة وبرامج الدمار الشامل/(تفكيك القواعد والهياكل والثوابت المادية والاجتماعية)، على أمل البدء في إعادة تأهيلها، بما يؤكد سيادة الأقلية الغربية، وتبعية الأغلبية لسيد البيت الأبيض بوصفه هيكل الاله الأعلى.
ان وقوع البيولوجيا وعلم النفس السلوكي بيد النخب الرأسمالية الغربية، وتسخيرها لخدمة أطماعها وتأمين سيادتها المطلقة، ارتد رجعيا لفضح الأسس العنصرية والفاشية لكل مشروع النهضة والحداثة والتنوير والتمدن الأوربي، الذي كانت الدول والدساتير وانظمة الحكم العربية والاسلامية، من ثمار مرحلته الكلاسيكية/(الاستعمارية)، والتي يعاني المجتمع العربي والمسلم اليوم، من صعوبة تجذيرها وشرعنتها، أو تعديلها بما ينسجم مع مصالح شعوبها وتطلعاتهم القومية في الحياة الحرة الكريمة المتطورة.
ما يجري في مصر، ما يجري في السعودية، ما يجري في العراق، ما يجري في تركيا... حتى نهاية القائمة، هي أمثلة لاختناق المجتمعات المحلية والحكومة في عنق زجاجة غامض، تشد على كل منها قبضة الراسمال الغربي المسلح والاستبداد العنصري.
حكومات عربية ومسلمة تشمت الواحدة منها بالأخرى، كلما ألمت بواحداتها ضائقة، وتنسى أنها جميعا تشرب من نفس الكأس. كيف يشمت عربي ومسلم مما جرى لتركيا في 14 يوليو 2016م، أو مما حصل ضد سوريا وحكامها، وكأن الآخرين معصومون من مثله، أو هم أفضل من حكام سوريا أو نظامه المبرمج أصلا من قبل الغرب. أم ثمة دولة أو حكومة عربية ولدت من ضمير مجتمعها، وأثبتت سيادتها واحترامها وعضويتها في المنظمات الدولية من غير تزكية العدو الحليف.
تصريح ترامب البسيط: إن لم يدفع لنا السعوديون ما نريد، فسيفقدون الحكم خلال اسبوعين.صفعة مهينة على الملأ.
دافع ترامب السلوكي، هو الغيرة والحسد: هؤلاء السعوديون/(البدو/ أساسين) يجنون يوميا الملايين!/(من غير تعب)، ونحن نعمل ونتعب ونبني، ولدينا بطالة. عليهم أن يدفعوا لنا، لنقوم بايجاد فرص عمل للعاطلين عندنا.
هل يوجد منطق أو قانون أو مبدأ أخلاقي أو سياسي أو ديني، لطرح هزيل ومخزي كهذا. أين هي المنظمات الدولية والأمم المتحدة والمحكمة الدولية ومنظمات حقوق الانسان، لمراجعة الانحرافات والتعديات على مبادئها. هاته المنظمات ليست غير نكات مهينة، لا تختلف عن جثمان الجامعة العربية التي أسسها الانجليز، لتوفير فرص عمل وعمالة - للمصريين-، تؤمن تسلطهم على المحيط السياسي العربي، وفي خدمة الناظر الانجلوميركي الراعي الأعلى لعالم العربي/ ()/الجامعة العربية دائرة من دوائر الخارجية المصرية، خاضعة لوزير الخارجية/(نظيرها منظمة العالم الاسلامي الخاضعة للارادة والتوجيه الأمريكي المياشر).
..
ما الذي أوصلنا إلى هاته الدرجة من الخنوع وقبول المهانة المباشرة، وعدم الجرأة على الردّ، أو تنظيف كرامتنا من دنس السفه؟. وما هو المبرر، ما هو الثمن؟.. هل هو الطمع في الحصول على منتجاته التكنولوجية والالكترونية المهينة؟.. هل هو من أجل تأمين الأسلحة والانظمة الدفاعية وأجهزة تكميم الشعوب وارهاب المعارضين واذلال الجماهير؟.. أم من أجل الحصول على قروض وصفقات غذائية تزيد ذلنا ذلا ومهانتنا الانسانية امتهانا؟..
ماذا أفاد العرب والمسلمون بكل بلدانهم من التكنولوجيا والحداثة والأسلحة، سوى مزيد من البطش والاستبداد، وصولا لمستنقعات الفساد والانحطاط الدمقراطية؟.. ماذا أفادت مصر من -ما تسميه- مساعدات غذائية وانسانيه، بضمنها أجهزة التعذيب وأنظمة السجون والأمن الرهيبة، التي حولت الفرد المصري إلى روبوت، يغني للحكومة ويصفق لأمريكا، ويشبع من السخرية والذل والجوع والتشرد؟.. دون أن يختلف حاكم عن سواه وحكومة عن سابقتها، إلا بتمادي الفساد والاستبداد والاذلال، وهذا ما ينطبق على كل البلدان قليلا أو كثيرا..
وانظر إلى مهزلة الكارثة في العراق، التي يعجز عن الخروج منها، فلا هو قادر على التقدم لمرحلة تالية، ولا هو قادر على التراجع لما كان عليه من قبل. حالة العبودية البهيجة، أو السجن السعيد التي سبق لمصر المرور بها وتطبيعها. ومن قبل اكتشف بعض الكرد، ان بقاءهم تحت حكم صدام كان أرحم وأفضل مما جرى لهم على يد الاقطاع العشائري والاستبداد المخابراتي المسلح الذي يحظر أي نقد أو تململ من الوضع الجديد..
أما عراق السقوط، ففي كل زقاق ومحلة تنتشر سيطرات ومليشيات وحواجز كونكريتية، لا يعرف السكان أن يتنفسوا أو ينظروا إلى وجوه الحرس الملثمين، وماذا يريدون، ومن وراءهم. ولماذا يستمر وجود ملايين المسلحين والملثمين في الازقة والشوارع والمدن والقصبات العراقية، دون وجود عدو خارجي حقيقي أو عدود داخلي حقيقي، سيما بعد مزاعم تصفية داعش!.
يومها، قال شاعر عراقي مهجري، ان الدستور العراقي الجديد يجب أن يحظر وضع صور الحكام وتماثيلهم. واليوم تزدحم جدران البيوت والشوارع والساحات والبوابات بفوضى من الصور والمصورات، لا تستطيع العين أن تستوعب كثرتها.. هل هذا عراق أم معرض بائس لصور الخائبين الخائنين. هل يعرف العراقيون ما معنى الصورة والتمثال، عندما كانت توضع.. انتقلت صراعات الساسة واالحكومة ورجال الدين والعشائر إلى مستوى الصور، واحتلال الساحات والأحياء بدلالة الصورة.
احتلوا كل مكان وكلّ شيء، بما فيها عجلات النقل البائسة التي قاد صفقتها عمّار الحكيم، ولكنهم خسروا الوطن.. قتلوا الوطن.. باعوا الوطن للعدو وارتاحت ضمائرهم!. والآن.. هل يوجد وطن في العراق.. عراق يضيق بأبنائه، وينفتح/ ينفشخ على أبناء الجيران والأخوة المزيفة.
لا يوجد بلد عربي.. وطن عربي اليوم. حراس الحدود وضباط المطارات العرب، أكثر وحشية ونكاية في معاملة العربي والمسلم، من معاملة اصحاب الجنسيات غير العربية والمسلمة، سواء أمريكان وأوربيين، أم هنودا وأوكرانيات.
هل سمعتم بدمقراطية من غير معارضة، وهل رأيتم اجتماع الشورى والأستبداد؟ هل حصلت عبادة الحاكم وتنزيهه، في بلدان تسودها عقائد لا تقبل الشرك، وتقتل العلماني والملحد والمتهم بازدراء الأديان، بينما تمنح الحاكم صفات الجلالة؟.. ليس ثمة أجمل من المهزلة الكوميدية التي يقدمها المحيط العربي الاسلامي على اعتاب القرن الواحد والعشرين.
في حديث نبوي ما معناه: ان البيع والشراء، يذهب الحياء!.. أين حياء العرب اليوم، ولا أقول أين الكبرياء، فقد لخصها الرصافي الكبير:(عبيد للأجانب همْ ولكن.. على أبناء جلدتهم أسودُ).. ماذا يعني أن تكون عربيا أو مسلما.. كثيرون يكرهون أنفسهم، ويعبرون عنه بازدراء أخوتهم.. أليس هذا ما أراد العدو الغربي دفع العرب اليه، كراهة واحتقار والخزي من الذات والتراث والتاريخ، وحتى الوطن. كل ما يرد هنا واقع يومي يواجهنا منذ عقود.. ليس ادعاء أو اتهاما.. وعرب اليوم أكثر تبعية وخنوعا وتباهيا بالخنوع للغرب.. ليس للعرب أعداء اليوم.. أعداؤهم هم أنفسهم، وأعداء الحكومة، الشعب البائس والمخنوق!..
..
في العام الماضي.. قمت باختبار ذاتي عسير.. انقطعت عن كل العالم.. وفصلت من حياتي كل شيء. عشت مع نفسي، في عزلة أو خلوة أو هروب، وفي صمت وصوم، ومحاولة تفريغ الذهن، ونفي الاهتمامات والحاجات على طريقة الاختلاء الهندوسي.
الغيت فكرة الطعام والشراب.. الغيت أي شيء يتعلق بالعناية والرعاية والحماية.. عندما يهصر الجوع أحشائي، أتحامل وأصطبر وأعمل على تعويض نداء الغريزة بتحويلها إلى فكرة ثم فلسفة الفكرة، وصولا لاحتقارها وازدرائها.. وضعت قدح ماء في مكان بعيد غير مرئي.. عندما تستعصي غريزة الجوع، تتحول إلى غريزة عطش.. وليس مصير هاته أفضل من تلك.. وهكذا دواليك، حتى تعود الدائرة من جديد.. جوع .. فكرة.. ازدراء.. عطش.. فكرة.. ازدراء..
خلال ذلك لم أفكر بالنوم.. ولا بلوازم النوم.. عندما ينهك الجسد، أستلقي على الأرض، عندما يداهمني البرد، أضع على نفسي قطعة شرشف.. تحت رأسي كدس كتب، مغطى بمنشفة يد أو شال..
عندما وصلت إلى هناك كنت منهكا.. لذلك نمت.. وحاولت أن أنام أكثر وأكثر.. الجوع والفراغ والانهاك، جعلني أنام وأنام وأصحو لكي أنام، لأني لم أعد أقدر على رفع جسمي عن الأرض.. وصلت مرحلة الخوار.. خلا ذهني تماما من أي شيء.. صار ذهني مثل مرآة صافية خام.. لا يكاد يخطر عليها شيء.. لا شيء .. ولا الطعام أم الماء.. التغت حاجة المرحاض أيضا.. ثمة متسع للنظر إلى السقف.. تأمل السماء من مكاني عبر فراغ النافذة.. قليل من السماء.. الشمس تدور على هواها.. قليل من الشمس يعبر النافذة..
أنا الآن غير موجود.. غير كائن.. غير متحقق.. لا يوجد نشاط.. لا حركة.. لا كلمة.. لا فكرة.. لا.... ولكنني أحلم.. الغريب أن الحلم لم ينقطع.. أنام .. أحلم.. رأيت ناسا كثيرين.. قدماء.. موتى.. صار الحلم هو واقعي.. حياتي أعيشها في الحلم.. حين أنام.. حتى الطعام والشراب أجده على سعة في الحلم.. أبي الذي لم أره منذ عقود ثلاثة.. هو حميم وقريب جدا.. أستدعيه فيحضر عفوا.. الحلم أغراني بمعاودة النوم كلما استيقظت..
لا أفكار.. لا حاجات.. لا مشاعر.. لا جوع.. لا عطش.. لا برد.. لا حرارة..
عندي طلاقة تامة في التقاء والدي.. كل ما هناك دفع فردة النافذة لأراه في حجرته جالسا يأكل أو يحادث شيئا أو يبحث عن شيء.. وعندما يراني.. يدعوني للطعام معه، يحادثني.. أنه اكثر شبابا الآن، من آخر مرة رأيته فيها..
خطر لي الآن أن أسجل بعض الأحلام.. بعض الأشخاص.. ارادة الكتابة منحتني قوة بدنية على الحركة.. في مكان ما يوجد جهاز كمبيوتر قديم.. جربته فاشتغل.. النافذة عادية ولكنها قديمة.. فتحت الوورد فاشتغل هو الآخر.. قربت الكرسي من الكمبيوتر.. أنا خفيف جدا.. لا ثقل بتاتا..
توزع وقتي بين النوم وبين الكتابة.. لا يوجد جدول ولا استبداد.. الجسم ينظم نفسه.. أستطيع معاودة الحلم المقطوع واستكماله مثل فيلم فيديو.. ازددت اقتناعا بأن شركائي في الحلم، يشعرون بي ويدركون ما يحصل كما أدركه.. أنا الآن أتصل بهم أينما كانوا من الوجود.. وانتقل بين عالمي اليقظة والنوم وبالعكس، مثل شيء واحد..
أدور في المكان.. أجد قدح الماء.. أنظر اليه مثل اكسسوار.. ابتعد عنه.. ولا أعرف ماذا أفعل.. أشعر بالفراغ.. أريد أن أتعب لكي أستطيع النوم بعمق..
صورتي الآن.. أقرب لها عندما كنت في سن المراهقة.. وزني تراجع كثيرا، الى أقل من وزني ايام المراهقة.. بحثت عن ثياب تناسب حجمي الجديد.. حجمي الولادي.. وجدت بنطالين وتي شيرتات.. بدوت سعيدا وأنا أرتدي ثياب صبي مراهق..
فقدت جلدي القديم.. غشاء جلدي خفيف جدا الآن.. مثل جلد حشرة.. العروق بارزة بوضوح خلال الجلد.. أصابعي مثل نتوءات عظمية عارية، لا يخفيها غشاء الجلد الرقيق.. تذكرت زرقات الأبر المتعددة يوميا عندما كنت في المستشفى قبل عام..
لكنني الآن بلا عضلات.. لقد ذابت حواصل عضلاتي.. في كل أنحاء جسمي تقريبا.. كل المادة الدهنية المخزونة تحت الجلد وفي الأنسجة استهلكت تماما وتحولت إلى غذاء وطاقة، يقوت بها الجسم نفسه.. اختفى الترهل.. ولا أثر لكيس دهن أو ذرة سكر..
قربت قدح الماء ولمست طرفه بشفتي.. فشعرت بملمس غير مألوف.. الماء مادة صلبة وشيء غير مستشاغ.. ابعدته عني.. وخرج من فمي فحيح ورغبة في التقيوء.. أقح.. أقح.. هواء آسن.. أتقيأ هواء.. مجرد رائحة منفرة.. أمسح الدمع من حدقتي عيني.. كأنني تعرضت لعقوبة.. شيء يلتوي في بطني.. أشعر باعياء.. أقع على الأرض وتأخذني أغفاءة..
استقر وزني ووضعي على تلك الحالة.. أشغل نفسي بالعمل العضلي أو الذهني من ساعتين حتى سبع ساعات يوميا حسب الظروف واللياقة.. أشرب قليلا من الماء في اليوم.. أحيانا أضيف له ذرات من السكر للحصول على طاقة.. عند الشعور بالانهاك او احتمال الاغماء، استعين بقطعة صغيرة من خبز أو غيره من الغذاء، كمن يتذوق، وليس كمن يأكل.
لم أمت.. لم أمرض.. لم أشعر بألم في أي مكان من جسمي.. رغم معاناتي المرضية الطويلة قبلها.. الألم الوحيد الذي راودني كان ناتجا عن نداء الأحشاء بسبب الجوع والعطش.. ولكن عدم تلبية الغرائز قاد لاختزالها والغائها.. الطعام الآن عندي حاجة ارادية وليس حاجة غريزية..
كل الغرائز اللاارادية، صارت ارادية.. وبالطبع تدعمت قدراتي الذهنية والنفسية والروحية.. ولكنني ما ازال خارج النظام الاجتماعي.. اراقبه عن بعد.. ولا أسمح له بالتأثير علي.. أو مشاغلتي.. بما فيها اخبار السياسة والاقتصاد والصرعات الاستهلاكية..
هذا النظام الزهدي الصوفي الصارم والقاسي في البداية، صار عاديا وأليفا ومريحا بالمرة..
هذا النظام الزهدي الصوفي المستمر نقلني من خانة الاستهلاك اليومي والسوقي ، إلى خانة الانتاج، أو حالة عدم الخضوع للمادة والظرف .. - أنا أعتبر ممارستي للكتابة فعلا انتاجيا، يحقق منفعة عامة مجانية!..
في ظل هذا النظام الزهدي، لا أكاد احتاج لشيء من المال، الا ما ندر..
الاعتماد على الذات والطبيعة، لقضاء الحاجات والابتعاد عن البذخ والتافه وغير الضروري في الحياة، دعم أرضية الاكتفاء الذاتي الفردي.. وبالتالي، فأنا الآن أكثر استقلالية في العالم وأكثر حرية في الوجود، وأكثر انطلاقا واستمتاعا بقدراتي وامكانياتي وبمحض ارادتي العقلية..
هذا يرد على مجمل الأسئلة والمطالبات المادية الخادعة التي تستهلك الناس وتحرفهم في مسالك غير سوية ومخاطر غير مبررة..
فالعمل والتعب والحسد والغيرة والتسول والنفاق والنصب والسرقة والابتذال والانتهازية والمحسوبيات.. اليست من أجل المادة والطعام والثياب والمراكز والجاهات والشهرة وتلبية عقد النقص المادية والنفسية للأفراد.. أليست هاته مواقع الذل والمهانة والانحطاط التي يذهب ضحيتها كثيرون..
المرأة تحسد ثياب أمرأة وزينتها.. وتريد الحصول على مثلها.. رؤية جميلة، تدفعها لتكون أجمل منها، وتخرج عن طورها وخلقها وتعتمد وسائل واساليب غير مبررة لتكون اكثر جمالا أو أكثر شهرة.. أو اعلى مركزا.. الرجال ليسوا أفضل أو أعف من المرأة في المسائل والنزعات النفسية القائمة على الطمع والحسد والغيرة والغرور ومشاعر النقص والاحساس بالغيرة والنقيصة من فلان وعلان..
ويا لهول الغيرة والحسد والانتقام في صفوف الكتاب والادباء والمحسوبين على الثقافة والاكاديما، وكم منهم كانوا ضحايا لزملائهم سرا أو علنا..
ومن ذلك، فأن كثيرا من قصص التعذيب والاضطهاد والتهميش والتصفية المنسوبة لحكام وحكومات، كانت من جراء تقارير وشاية وغدر وحقد مكتوبة بأيدي كتاب وأدباء وأساتذة، بلغ بهم الغيظ والحسد، ان يحرقوا زملائهم، للحصول على فرصهم أو احتكارها أو الاستفراد بها..
ثمة بعض القصص يتداوله العامة، ولكن المخفي منها أكثر من المعلوم.. وغير القليل ممن يحسبون اليوم في صف المشاهير.. من الملوثة أيديهم وضمائرهم وألسنتهم.. وكل ذلك من أجل شهوات العالم الردية وازدهارها..
والنتيجة: نكتة فجة وحفنة تراب!..
فهل يستحق الجسد هذا ارطال اللحوم التي تطرح ما يعادلها للفضلات..
هل تستحق الحياة ان يتدافع الناس في مستويات الابتذال، للمنابزة والمفاخرة والمزاودة، بعضهم على بعضهم، للحصول على لقب أو شهرة أو امرأة أو مركز أو جائزة، وأفضلهم كذاب أو نصاب.
هل الانسان أكثر من دودة، توجد اليوم، وغدا تموت.. وتدسّ تحت التراب، وتسحق بالاقدام..
ما معنى قول المعري [973- 1057م]
خفف الوطء ما أظن أديم هاته الأرض، إلا من هاته الأجسادِ
أو نص القرآن: ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر..
أين مليارات البشرية التي أسست وهندست وأكتشفت وصنعت ما يتفاخر به أبناء اليوم، المتصارعين على أكلة أو قميص أو الظهور في صورة مع احد المشاهير، أو يلمع اسمه في جريدة، ولو بنص مسروق أو افتراء..
الانسان لم يخلق عبدا.. ولكنه يستعبد نفسه بنفسه، لحاجات ومسائل مادية ونفسية، تجعله منحني الظهر..
ولهذا قيل ان الحرية والكرامة والاستقلال، هي لمن يدفع ثمنها ، وثمنها العفاف والترفع على الماديات والاطماع الزائلة..
..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,669,182
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم..! (4)
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم..! (3)
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم..! (2)
- احذر السمنة.. واتبع الريجيم..! (1)
- قصائد من متحف العري..
- رواية (كركجورد العراقي) لوديع العبيدي تفوز في مسابقة منف الع ...
- دُخانُ المَعابدِ
- فَتاةٌ تخْرُجُ مِنَ المَدْرَسَةِ..!
- الذكرى العاشرة لرحيل محمود درويش..
- في علم اجتماع الجيولوجيا..
- العولمة: اشتراكية بزاوية مقلوبة!..
- ما قبل اللغة..
- عولمة الخناثة (2)
- عولمة الخناثة..
- دارون والعنصرية الانجلوميركية..
- دولة بلا أخلاق/ Amoral State
- من دولة العسكر إلى دولة المأفيات..
- البلادة/ ASimpathy
- علم بلا أخلاق/ AMoral Science
- عولمة بلا أخلاق/ AMoral Globalization


المزيد.....




- حكايات -مفاجئة- لفتيات أذربيجانيات يحكمهن مصير واحد
- مهاجرون أفارقة في طريقهم إلى إيطاليا... وجدوا أنفسهم في قبرص ...
- نفايات إلكترونية.. غانا المحطة الأخيرة
- أمير الكويت يزور بغداد الأربعاء للمرة الثانية منذ الغزو العر ...
- ذوبان الثلوج في غرينلاند يسجّل معدلاً قياسياً والعلماء يحذرو ...
- ما تقييمكم لتجربة الرئيس الراحل محمد مرسي في حكم مصر؟
- شاهد: إنقاذ طفلة ذات ثلاث سنوات من الغرق في نهر جنوب غرب الص ...
- أونروا تواجه محاولات تصفيتها بتقليص عجزها المالي
- ما هي رسائل المعلم إلى تركيا من بكين
- أول اختبار لإطلاق صاروخ أمريكي أسرع من الصوت (فيديو)


المزيد.....

- قراءة في الوضع السياسي الراهن في تونس / حمة الهمامي
- ذكرى إلى الأمام :أربعون سنة من الصمود والاستمرارية في النضال / التيتي الحبيب
- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الدي ... / محمد الحنفي
- علاقة الريع التنظيمي بالفساد التنظيمي وبإفساد العلاقة مع الم ... / محمد الحنفي
- الطبقة العاملة الحديثة والنظرية الماركسية / عبد السلام المودن
- الانكسارات العربية / إدريس ولد القابلة
- الطبقة العاملة الحديثة و النظرية الماركسية / عبدالسلام الموذن
- أزمة الحكم في تونس، هل الحل في مبادرة “حكومة الوحدة الوطنية“ / حمه الهمامي
- حول أوضاع الحركة الطلابية في المغرب، ومهام الوحدة.. / مصطفى بنصالح
- تونس ، نداء القصرين صرخة استمرار ثورة الفقراء. / بن حلمي حاليم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - وديع العبيدي - احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم (5)