أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إسلام بحيري - ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض و نقد - 2















المزيد.....



ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض و نقد - 2


إسلام بحيري

الحوار المتمدن-العدد: 6185 - 2019 / 3 / 27 - 10:34
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


خوارج عهد النبي ﴿ص﴾ الذين خرجوا على الرسول ﴿ص﴾ وشاقوه:
الحق هو ما تشهد به القلوب التي لم تفسد أصلا، وتطمئن إليه النفوس التي لم تدنس، وتطيب به الحياة التي لم ينحرف أهلها عن الصراط المستقم
وأهل الحق هم الذين عرفوا الحق وعملوا به في خاصة أنفسهم، ثم دعوا غيرهم إلى ما كملوا به أنفسهم، وقال تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ الأعراف 1
والباطل هو مظهر القلوب المريضة التي كفرت، والنفوس الأمارة بالسوء التي ضلت، تطيب به حياة البيئة الفاسدة والشهوة الجامحة، والهوى البين
وأهل الباطل هم الذين ابتلى الله عباده المؤمنين بهم في كل زمان وفي كل مكان، يكفرون بالحق، ويصدون عن سبيله، ويفتنون الناس فيه، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ {8} ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ سورة الحج آية 8، 9

من صور أهل الباطل الذين خرجوا على الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾:
لقد أعطانا القرآن الكريم صورًا متعددة لأهل الباطل ؟ الذين يعملون جاهدين في صرف الناس عن الحق، وتأليبهم عليه، وإلباسهم عليه الباطل، وإلقائهم عليه الشبه والشكوك ليطمسوا الحق، ويطفئوا نوره إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ومن هذه الصور:
ا - ما ذكرته سورة فصلت حينما صورت لنا إعراض نفوس أهل الباطل عن دعوة الحق في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍمِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ آية ه
2- وها هي نفس السورة تعطينا انطباعا عن سلوك آخر لطريقة أهل الباطل في محاولتهم صرف الناس عن دعوة الحق، فقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾آية
3- وقد كشفت سورة المنافقون عن عمل آخر من أعمال أهل الباطل، ألا وهو ضربهم الحصار على دعوة الحق بمنع الإنفاق عليها، لمكافحتها وإضعاف قوتها والتضييق على أهلها، بما حكت عنهم، فقال تعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾آية7
وقد رد عليهم المولى سبحانه وتعالى بقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾آية 7
من ذلك يتبين لك أخي في الله، وحبيبي في رسول الله أن القرآن الكريم لا تكاد تخلو سورة من سوره في المراحل التي نبت فيها النفاق إلا وتعرضت آياته لعناصر النفاق، ففضحت نياتهم، وكشفت عن سوآتهم، وحاربتهم حربا لا هوادة فيها، وضعتهم في أسوأ وضع، فحكت ذلك ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ سورة النساء آية ه
وذلك كله لأن المنافقين هم نضح القلوب المريضة، والنفوس الخائرة، والإيمان المزعزع، وهم جرثومة الانتكاس لكل دعوة، والفساد في كل صلاح، والتعويق في كل تقدم

من صور أهل الفتنة الذين شاقوا الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾:
عظمت عناية القرآن الكريم بالكشف عن ألوان الفتن - التي تتصل بالصفوف فتمزقها وبالقلوب فتفسدها، وبالعزائم فتضعفها، وتلقى بظلها الكثيف أمام المؤمنين المخلصين، فتعوقهم عن التقدم والازدهار _ لتكون للمؤمنين عبر العصور والدهور دروسًا عملية واقعية للتطهر منها أو عدم التأثر بها، وقد قدم لنا القرآن الكريم كثيرا من صور الفتنة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
ا - في غزوة أحد أشاع أهل الفتنة أن الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ قتل، على أمل أنها تفتت من عضد الجيش وكانت هداية الله ردا على ذلك أن الموت يدرك الناس جميعا متى جاء أجلهم، ولا يتوقف على حرب أو سلام، فقال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾آية 4
أظهر أهل الفتنة الطاعة والامتثال، مع إخفاء العزم على المخالفة لرسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ حينما أمر بالجهاد، ففضحتهم سورة النساء بقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْعِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًاوَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا﴾ آية 81
3- وفي غزوة بدر تهكم أهل الفتنة من المؤمنين - لقلة عَددهم و’عددهم - وقالوا: ﴿ غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ ﴾ ورد عليهم المولى في سورة الأنفال بقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ آية 45 ونصر الله المؤمنين وجعل لهم الغلبة على الكافرين، وسجلت ذلك سورة الأنفال بقوله تعالى: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ آية 65
4 - في غزوة الأحزاب خرج الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ لمقابلة الكفار، ويشتد الأمر على المؤمنين، فيأخذ المرجفون لإثارة الفتنة، ويسجل عليهم القرآن ذلك في سورة الأحزاب فيقول الله تعالى على لسانهم: ﴿ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ آيه - وهنا يتوعدهم المولي سبحانه وتعالى في نفس السورة بقوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ ِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ ِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴾ آية 6، 61
ه - وتحذر سورة محمد المؤمنين _ عند نزول آيات القتال _ من أهل الفتنة الذين تكشف السورة عما تضمر قلوبهم من التخذيل عن الجهاد فتقول ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ ُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ َنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ آية 2
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ آية ، 3
هذا قليل من كثير من صور أهل الباطل الذين خرجوا على رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وشاقوه، ليتبين لك أخي في الله وحبيبي في رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ أن الله هو الحق والحق دعوته والشيطان هو الباطل والباطل دعوته وقي الله عباده المؤمنين شر التأئر بأراجيف المبطلين وكيدهم ووعدهم بالنصر والتأييد ؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ آية 69 العنكبوت وأكد لأهل الباطل أن مــا يبذلون لمحاربة الله ورسوله سينقلب عليهم، وأن كافة أسلحتهم سترد إلى نحورهم، سر قوله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ آية 36سورة الأنفال


أنماط الخوراج
لم تكن الدعوة الإسلامية لتسلم من الأذى والحقد والضلال، ويقود هذا الباطل فريق من الخوارج أغلق قلبه وأصم أذنه، وأغمض عينيه فلم يرض سماعا، ولم يقبل أن يرى ذلك النور الوضاء، نور الإسلام الذي يبدد غياهب الشرك، ويمحو برحمته مداد الظلم، وخيوط الظلام والضلال الجاثمة على الصدور، وصدق الله العظيم حيث يقول ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾

ثلاثة أنماط من الخوارج يحملون مرض فقدان المناعة العقائدية:
وهذا الفريق من الخوارج عادى الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وجابهه، وناهض دعوته، وصد عن سبيله، وقادوا معارك لمحاربة الإسلام وأهله، ابتغاء الفتنة ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ ولكنهم خسروا معاركهم، وذهب ريحهم، وارتدوا خاسرين مدحورين
وهذا الفريق من الخوارج يضم أنماطا من أهل مكة، وأنماطا من أهل يثرب وأنماطا من أهل نجد
أما أنماط أهل مكة فهم الوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث، وعتبة بن ربيعة وعقبة بن معيط، وأمية بن خلف، وأبو لهب، وأبوجهل، وكعب الأحبار
أما أنماط أهل يثرب فهما عبد الله بن أبي بن سلول، وأبو عامر الراهب أما رأس الفتنة من أهل نجد فمسيلمة الكذاب

النمط الأول: العم الحاقد عبد العزى بن عبد المطلب (أبو لهب):
نقدم النمط الأول من مكة: وهو عبد العزى بن عبد المطلب الملقب «بأبي لهب » هو العم الحاقد على ابن أخيه، كان من شجرة مباركة، ولكنه كان فرعا شاذا منحرفا عن بقية إخوته , أبي طالب، وحمزة، والعباس، الذين كانوا الفروع الطيبة في أخلاقهم
كان النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بين أسوأ جارين: أبي لهب من جانب وعقبة بن معيط من جانب وكانت زوجة أبي لهب - « أم جميل » بنت حرب أخت أبي سفيان وعمة معاوية - في غاية العداوة للرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ تمشي بالنميمة عليه بين الناس لإضعاف دعوته، وكانت تحمل الشوك لتؤذي به النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ إذا ماخرج، وتهاجم السيدة خديجة
أما أبو لهب فكان يتبع الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ كظلة، ويقول لقومه: لا تطيعوه فإنه صابئي كذاب
ولما جمع النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ قومه ووقف يدعوهم لله قاطعه أبو لهب وقال: تبا لك يا محمد، ألهذا جمعتنا ؟ وأنزل الله سورة المسد، ترسم صورة مزرية له ولزوجته، وهدده بنار حامية
استخدمت قريس ضد الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وأتباعه الحصار الاقتصادي، فكان إذا ما جاءالتجار ببضائعهم تصدى لهم أبو لهب حتى لا يبيعوا للمسلمين، ويقول: يا معشر التجار، غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا منكم شيئًا، فقد علمتم مالى ووفاء ذمتي، فأنا ضامن لكم ألا خسار عليكم، فيزيدوا في الأسعار، فلا يستطيع المسلمون شراء شيء وقبل البعثة النبوية أراد أبو لهب أن يصاهر النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ في ابنتيه، أم كلثوم ورقية، وأمام ضغط أعمام النبي زوج الرسول ابنته السيدة أم كلثوم لعتيبة، والسيدة رقية لعتبة - ابني أبي لهب - فلما نزلت سورة المسد (قال أبو لهب لهما: رأسي ورأسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد، فطلقاهما)، إلا أن عتيبة قبل خروجه للشام مع أبيه جاء إلى النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ فقال: يامحمد إنى كافر بالنجم إذا هوى، وبالذى دنا فتدلى، ثم تفل تجاه النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾، فقال ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾« اللهم سلط عليه كلبا من كلابك »
ولما خرج عتيبة وأبوه إلى الشام نزلا منزلا فأشرف عليهم راهب من دير وقال لهما: إن هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب: أغيثوني يامعشر قريش في هذه الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ فجمعوا جمالهم حولهما خوفا من الأسد، فجاء أسد يتشمم وجوههم حتى أتى عتيبة فقتله
وكانت السيدتان أم كلثوم ورقية، من نصيب الصحابي الجليل عثمان بن عفان وهلك أبو لهب كمدا بالعدسة بعد غزوة بدر بسبعة أيام، فاجتنبه أهله مخافة العدوى -لأن هذا المرض كان كالطاعون فبقى ثلاثة أيام حتى أنتن فأسندوه لحائط وقذفوا عليه الحجارة من خلفه حتى توارى
ولنا أن نسأل: لقد حارب الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وآذاه كثير من طغاة الشرك - كعقبة بن أبي معيط وأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وغيرهم - ومع ذلك لم يصرح القرآن بأسمائهم، فلماذا خص أبا لهب بالذكر وأنزل الله فيه هذه السورة دون غيره ؟
والجواب: لأن أبا لهب كان أشهر المعاندين لدعوة الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ والممثل الأكبرلهم، وقد تأثر النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ من جحوده، ومن ثم خصه المولى سبحانه وتعالى بالذكر دون غيره، وهو صورة صادقة لكل معاند عدو للحق، أما زوجته « أم جميل » فهي صورة صادقة للمرأة التي تمشي بالنميمة والفساد بين الناس، فهي حمالة الحطب، في جيدها حبل من مسد

النمط الثاني: أبو عامر الفاسق
كان أبو عامر مهيبا في الخزرج، وتنصر في الجاهلية، واصطنع الورع، وزعم أنه منتظر النبي المبعوث، وصار يذكر الناس بكثير من صفات هذا النبي التي عرفها من التوراة والإنجيل، ولكن لما هاجر النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ إلى المدينة، وصارت فيها للإسلام كلمة عالية، انتكس أبو عامر هذا وانسلخ من آيات الله، والتهم قلبه الحقد على النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وبارزه بالعداوة والبغضاء، واتخذ سبيله إلى المشركين بمكة لاستثارتهم إلى حربه، حتى تم له ما أراد بغزوة أحد التي أصاب المسلمين فيها ما أصابهم
وانقلب هائما على وجهه في القبائل يغريهم بقتال النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وأصحابه، وأقسم ألا يسكن مع الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ مدينة يكون فيها، فلما فتح الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ مكة خرج للطائف، ولما أسلم أهلها فر إلى الشام يستنصر ملك الروم على النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾، فوعده ومناه وما وعد الشيطان إلا غرورا
ومن الشام كتب إلى المنافقين من أنصاره أن يستعدوا ويبنوا له مسجدا، لأنه سيأتيهم بحنود قيصر لحرب سيدنا رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وأصحابه، وقد نفذ المنافقون مخطط أبي عامر الفاسق فبنوا مسجدا تحت شعار التجمع لعبادة الله، والمناداة فيها بأن محمدًا رسول الله، وتحت هذا الشعار يعملون للكفر بالله ورسوله، والإضرار بالإسلام والمسلمين وتفريق كلمتهم
وبالفعل بنوا هذا المسجد، وأحكموا بنيانه، وأنفقوا عليه المبالغ، وبعد إتمامه ذهبوا إلى الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وقالوا: إن بيوتنا قاصية عن مسجدك ويصعب علينا الحضور فيه، ونكره الصلاة في غير جماعة وقد بنينا مسجدا لهذه الغاية وللضعفاء وأهل العلة، فإن رأيت أن تصلي فيه لنتيمن ونتبرك بالصلاة في موضع صلاتك، فأمر المولى سبحانه وتعالى الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بهدم مسجد الضرار، كما أمر موسي بتحطيم عجل السامري
هذا هو شأن المنافقين والخائنين والمارقين، في كل عصر وفي كل دعوة، يحملون شعارات البناء، ويعملون وراءها للهدم والتخريب، ولكن سرعان ما ينكشف عدوانهم، ويفتضحون لدى جميع الناس، كما افتضح أصحاب مسجد الضرار، حيث أنزل الله فيهم على نبيه يخبره بحقيقتهم في قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ﴾ وتقول الآية الكريمة: إن الذين بنوا مسجد الضرار يهدفون من ورائه أربعة أغراض:
ا - الإضرار بالمسلمين
2- الكفر بالله والطعن في نبيه
3- تفريق كلمة المسلمين، وانشقاقهم على رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾
4- جعل المسجد معقلا لمن حارب الله ورسوله من قبل
ولما نزلت هذه الآية قال النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ لبعض أصحابه: « انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه
وأحرقوه، ففعلوا ذلك، وأمر النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ أن يتخذ مسجد الضرار هذا مكانا لإلقاء الجيف والقاذورات وجاء في بعض الروايات تشبيه مسجد الضرار بالعجل الذي عبده بنو إسرائيل بتحريض من السامري، فكما أمر سبحانه نبيه موسي بتحطم العجل، أمر رسوله الأعظم محمدا ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بهدم مسجد الضرار
وكل مسجد أو معهد أو هيئة أو جمعية، تتخذ للدس والمؤامرات على المؤمنين والمخلصين، فهو عجل بنى إسرائيل ومسجد الضرار ويجب هدمه واتخاذه محلا للجيف والقمامة
وهؤلاء المنافقون حلفوا لرسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ أن غايتهم من بناء المسجد هي العبادة لله ومنفعة المسلمين، والله يعلم أنهم ما بنوه إلا إضرارا بالمصلين وكفرا بالله، وتفريقا بين المؤمنين، ومعقلا لمن حارب الله ورسوله، فخاطب المولى سبحانه وتعالى الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بأن نهاه « لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا » والخطاب للنبي والنهي عام للجميع والقيام هنا أعم يشمل الصلاة وغيرها، وعلى أية حال فإن قوله تعالى: ﴿ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ﴾ دليل قاطع على عدم صحة الصلاة في كل مسجد بنى إضرارا بالمسلمين وتفريقا لكلمتهم، وأن من صلى فيه فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها في مكان آخر، لأن النهي عن العبادة يدل على الفساد

امتداد حياة أبي عامر الفاسق وبقية من نسله:
وهذا حكم كل منشأة فاسقة، ولو كانت مسجدا تقام فيه الصلوات الخمس ويذكر فيه اسم الله، فما بالنا لو كانت المنشأة غير مسجد كجمعية أو ناد أو مقر

وإذا كانت المنشأة الفاسقة ألبسها أهلها في صدر الإسلام ثوب المسجدية وعبادة الله وطاعته، فإنها في عصرنا هذا يلبسها أهلها أغراضا متعددة كالدعوة إلى الله، وحماية التوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكفير والهجرة، والتبليغ والخروج، والتوقف والتبين، والناجون من النار، والقرءانيون إلخ
فكل هذه الألوان من الخدع والتمويه، ما هي إلا امتداد لحياة أبي عامر الفاسق واستمرار في خطيئته، وليس مدبروها والقائمون عليها إلا بقية من نسله، وليست منشآتهم إلا كمنشأته، أسس بناؤها على شفا جرف هار فانهار به

النمط الثالث: مسيلمة الكذاب
في هذه المقالة نقدم النمط الثالث من الذين شاقوا الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ ليس من مكة كالعم المارق أبي لهب، وليس من المدينة المنورة كأبى عامر الفاسق » ولكنه من نجد مسيلمة الزاهق
ونجد تبعد عن مكة المكرمة حوالي الألف كيلو متر، ولد هذا الكذاب بالقرية المسماة بالجميلة بوادى حيفة قرب العيينة بلدة ابن عبد الوهاب - ونشأ باليمامة
وهو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي أبو ثمامة، وكان اسمه مسلمة، ولكن النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ صغره تحقيرا له إلى مسيلمة، ولأن الرجل عاش كذابا فقد جاء في الأمثال (أكذب من مسيلمة) وهو كما قلنا من بني حنيفة، أوفر القبائل النجدية ماء وثمرا، وأأمنها حصونا وجبالا، وأقساها قلوبا وسلوكا، وقد حذق مسيلمة فنون السحر والشعوذة لاستهواء الرجال والنساء باستغوائهم، وكان يصانع كل أحد ويتألفه

فتنة مسيلمة الكذاب وتنبؤ النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بها:
بعد أن فتحت مكة وتطهر البيت الحرام من الأوثان والأصنام، سرت أخبار هذا الفتح أنحاء الجزيرة العربية، فأقبل العرب من كافة البلاد ودخلوا في دين الله أفواجا، فتوافدت الوفود على رسول الله تستضيء بنور الرسالة المحمدية، وتخلع ثوب الضلال والبهتان ؛ لتلبس ثوب الطهر والإيمان
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم مسيلمة الكذاب في عهد رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ فجعل يقول إن جعل لي محمد من بعده تبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه فأقبل إليه رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ ومعه ثابت بن قيس بن شقاس وفي يد رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، « فقال لو سألتن هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدوا أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت وهذا ثابت يجيبك عني ثم انصرف عنه»
قال ابن عباس فسألت عن قول رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ « إني لأراك الذي أريت فيه ما أريت » فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ قال:« بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحي إليَّ في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان بعدي أحدهما العنسي والآخر مسيلمة »
ومن هنا يتضح لك أيها القاريء المسلم تنبؤ الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بفتنة الكذاب قبل وقوعها
فلما عاد وفد بني حنيفة _ ومنهم مسيلمة _ قال هذا الكذاب: إن جعل لى محمد الأمر من بعده تبعته، وقال لقومه: إني أشركت في الأمر معه
ووضع مسيلمة عن قومه الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، فأجمعت بنو حنيفة على الردة، وأعلن مسيلمة أن الوحي ينزل عليه كما ينزل على محمد، وأخذ يرسل سجعات على نحو ما تنزل الآيات فصدقه قومه وآمنوا به

مسيلمة يستغوي الرجال والنساء
وفد رجل يسمى (نهار الرجال بن عنفوة) مع قومه إلى النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ فقرأ القرآن وتعلم السنن - وكان يأتي أبي بن كعب، وهو من أشهر القراء للقرآن الكريم _ فبعثه النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ إلى اليمامة سفيرا ليعلم أهلها أحكام الإسلام ويبصرهم بفرائضه، فما لبث مسيلمة الكذاب أن استغواه بخبثه ولؤمه حتى شهد له أنه يوحى إليه، وأنه قد سمع رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ يقول: إنه قد أشرك معه في نبوته مسيلمة، وشهد له بالنبوة
ولذلك كان (نهار الرجال) يسوق الناس إلى طريق الغواية بعد أن أضله مسيلمة واستغواه
وقد استغوى كذلك سجاح بنت الحارث التميمية، ورهطها أخوالها من بني تغلب _ التي ادعت النبوة _ عندما قدمت إليه بحيش لتغزوه، فأغراها مسيلمة وقال لها: هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب ؟ وأقامت عنده ثلاثا وتزوجته وتبعته، ووضع مسيلمة عن قومها صلاة الفجر والعشاء وسخر منها عطارد بن حاجب فقال:
أمست نبيتنا أنثى نطوف بها وأصبحت أنبياء الله ذكرانا
وهكذا نرى أن مسيلمة قد استغوى سجاح، فشهدت له بنبوته وتزوجته، وتوقى شرها، ومن ورائها قومها من بني تغلب

حرب الردة ونهاية مسيلمة الكذاب:
بعث أبو بكر رضي الله عنه بخالد بن الوليد ليقود الحرب ضد مسيلمة الكذاب، الذي شاق الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وشاق دعوته، فاندفعت بنو حنيفة تقاتل في ضراوة، ووثبت وثبة عاجلة، ونالت من المسلمين، وقتلت مجموعة كبيرة من حملة القرآن وحفظته
أمام هذا الموقف العسير رأى خالد أن ينظم جيشه جماعات جماعات كل جماعة تعرف أفرادها، وميز بذلك المهاجرين، وميز الأنصار، وميز الأعراب، وكان من نتيجة ذلك أن قتل زيد بن الخطاب نهار الرجال بن عنفوة، وصاح ثابت بن قيس في جماعاته، وعباد بن بشر في جماعاته، وأبو حذيفة في جماعاته، وأمام هذه الصيحات أقبل المسلمون على الموت والاستشهاد، فوهبت لهم الحياة، ووهبت لهم الغلبة والانتصار
فهرول مسيلمة ينجو بنفسه هو وقومه إلى حديقة مسورة، وأغلقوا عليهم بابها، وقفز البراء بن مالك وعالج الباب، ودخل المسلمون واتجه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى الساعد الأيمن لمسيلمة وهو محكم بن طفيل فرماه بسهم فقتله، فاضطرب بنو حنيفة فسألوا مسيلمة: أين ماكنت تعدنا ؟ فأجابهم: قاتلوا عن أحسابكم
وتساقط آلاف القتلى من أصحاب مسيلمة الكذاب، وقام وحشي بن حرب وضرب مسيلمة بحربته فمات الكذاب، وألقاه خالد في البئر التي كان يشرب منها
وهكذا، مهما امتد سلطان الباطل وطال به الأمد، فهو إلى نهاية مروعة وإلى مصير مرعب، ومهما علت راية الشرك على وادي الموتورين المخدوعين، فلابد أن تسقط في ساحة الحق

خوارج عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
بدء الردة واختلاف الشعارات بين المرتدين:-
لما انتقل الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ إلى الرفيق الأعلى نجم النفاق، وارتد بعض المارقين، وبدأت دسائس اليهود والنصارى، وصار المسلمون في فزع كبير لفقد نبيهم﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾
وافترقت العرب في ردتها إلى فرق كثيرة، فقالت فرقة منها: لو كان نبيا ما مات، وقالت فرقة ثانية: انقضت النبوة بموته فلا نطيع أحدا بعده وفي ذلك قال قائلهم
أطعنا رسول الله ما عاش بيننا
أيورثنا بكرا إذ مات بعده فيا لعباد الله ما لأبي بكر
فتلك وبيت الله قاصمة الظهر
وقال فريق ثالث: نؤمن بالله ونشهد أن محمدا رسول الله ونصلي، ولكن لا نعطي أموالنا، وفريق رابع واقف ينتظر ماذا تكون النتجة بين أعداء الإسلام ورجاله، يقدم هذا الفريق رجلا ويؤخر أخرى
فنزل بأبي بكر رضي الله عنه أمام هذه الفتن، ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، ولكن الله وهب الصديق رضي الله عنه ثباتًا نافذا أمام هذا الخطر لأنه خلق غواثا للإسلام، ولا أدل على ذلك ما أصاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه -عند انتقال رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ - من الفزع والجزع رغم ما هو معروف عن عمر بن الخطاب من الصلابة والبأس، حتى أقر ابن الخطاب أن أبا بكر كان ممتازا فريدا لامثيل له، قد أعد للأحداث كفاءها، فوقف رضي الله عنه صامدا أمام قبائل الأسد وغطفان وبني تميم، وطوائف من بني سليم وأهل اليمامة وأهل البحرين وبكر بن وائل، وأهل دبا من عمان وفذارة وكنده وحضرموت واليمن

أنماط من الذين خرجوا على أبي بكر الصديق رضي الله عنه
النمط الأول: الأسود بن عنترة العنسي
كان الأسود بن عنترة العنسى كاهنا يقيم بحنوب اليمن ومشعبذا يصطنع فنونا من الحيل، ويستهوي الجماهير بعباراته، ولقد تنبأ ولقب نفسه رحمان اليمن، كما لقب مسيلمة الكذاب نفسه رحمان اليمامة، ودانت للأسود العنسي سواحل اليمن إلى عدن، كما دانت له الجبال والبوادي من صنعاء إلى الطائف
واستعمل الأسود على جنده قيس بن عبد يغوث، وجعل وزيريه فيروز وداذريه الفارسيين بعد أن تزوج « آراد » امرأة شهر بن نبران، وكانت ابنة عم فيروز ولما استغلظ أمره وأثخن في الأرض استخف بقيس بن عبد يغوث وبفيروز وداذريه، فرأى هؤلاء أخذه غيلة، ودلتهم زوجته على حجرة نومه فقتلوه، وقد شجعت فتنة الأسود العنسي باليمن فتنة طليحة ومسيلمة، وذلك عندما اجترأ الأسود على رفع لواء العصيان امتدت عدوى الجرأة منهم إلى طليحة وإلى مسيلمة

النمط الثاني: خارجة بن حذيفة
لما كان من العرب ما كان من التوائهم عن الدين، ومنع من منع الزكاة، جد سيدنا أبو بكر رضي الله عنه في قتالهم، وأراه الله رشده فيهم، فعزم على الخروج بنفسه إليهم، وأمر الناس بالجهاد، وخرج في مائة من المهاجرين والأنصار، وتلاحق الناس من خلفه يريدون خارجة بن حصن وأصحابه، فول هاربا منهزما هو وأصحابه

النمط الثالث: طليحة بن خويلد الأسدي
ادعى طليحة أنه يشهد أن لا إله الا الله، وأنه نبي مرسل يأتيه ذو النون، كما كان جبريل يأتي سيدنا محمد﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾، فجهز أبوبكر رضي الله عنه جيشا بقيادة خالد لقتاله ومن ارتد معه، فلما ازداد وطيد الحرب وانصرف قوم طليحة يولون الأدبار، فر طليحة هاربا وهو يقول: من استطاع أن يفعل منكم مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل، ثم هرب حتى قدم الشام، وكانت هذه خاتمة نبوته، وعاد إلى الإسلام حين بلغه أن القبائل التي تبعته قد عادت إلى الدين القيم

النمط الرابع: مالك بن نويرة
بعث النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ مالك بن نويرة إلى قومه بني حنظلة - وكان سيدهم - فجمع صدقاتهم، ولكنه لما بلغه انتقال النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ إلى الرفيق الأعلى رد هذه الصدقات من حيث جاءت، فتسارع عليه جمهور قومه وفرحوا بذلك، ولما بلغ ذلك أبا بكر رضي الله عنه جهز له جيشا بقيادة خالد بن الوليد، فأتى به أسيرا في نفر من قومه فأمر خالد بن الوليد بقتله، ولقد أثار قتل مالك بن نويرة ثاثرة ظلت زمنا طويلا
ولم تكن حروب الردة غزوات اشتبك فيها بعض مئات من جيش أبي بكر، بل كانت بعضها طاحنة اشترك فيها عشرات الألوف، ولو أن أبا بكر رضي الله عنه نزل على رأى من لم يريدوا هذه الحروب لساد الاضطراب بلاد العرب، ولما فتحت بلاد الروم وبلاد الفرس، ولما قامت الإمبراطورية الإسلامية على أنقاضهما

وجهة نظر في الزعم بردة مالك بن نويرة:
لما انتقل رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ إلى الرفيق الأعلى، وقد إستتب الأمر لأبي بكر الصديق بعث بخالد بن الوليد لقبيلة بنى سليم التي امتنعت عن دفع الزكاة بحجة التريث حتى يتبينوا أمر الخلافة خاصة بعد مخالفة سيد الأنصار سعد بن عبادة وخروجة على بيعة أبي بكر، فقتل خالد بن الوليد أبناء قبيلة بني سليم وانتهك حرماتهم وسبى نساءهم وذريتهم وقتل مالك بن نويرة الصحابي الذي، ولاه ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ على صدقات قومه ولم يكتف خالد بن الوليد بذلك بل دخل بزوجته في ليلة قتل زوجها
أما الزعم أن قبيلة بنى سليم ارتدت عن الإسلام فوجب قتلهم فهذا غير صحيح لأن أبا بكر رضي الله عنه دفع دية مالك بن نويرة من بيت مال المسلمين واعتذر عن قتله والمرتد لا يعتذر عن قتله ولا تدفع ديته من بيت المال
والبخاري نفسه لايعتقد بردة مالك بن نويرة وقومه، لكن جعل لهذا الأمر بابًا بعنوان « من أبي قبول الفرائض » وما نسبه إلى الردة
وكان يتعين أخذ الزكاة بالقوة من مانعها لأنها حق المال بدون قتله وسفك دمه كما فعل رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بثعلبة الذي، إمتنع عن دفع الزكاة له ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ ولم يقتله

خوارج عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
فكر الخوارج روع التاريخ الإسلامي بالجرائم والاغتيالات:
عرف التاريخ الإسلامي حركات هدامة، وجماعات إرهابية، كانت ترفع شعارات الدين لتخفى خلفها أغراضها الخبيثة وأهدافها المدمرة، وتصنع رموزا غامضة مثيرة، وطقوسا وشعاثر يلفها الضباب، كانت هذه الجماعات تعمل في الخفاء، وأحيانا تظهر على سطح الأحداث ولم يروع التاريخ كما روع التاريخ الإسلامي بالجرائم والاغتيالات التي قامت بها هذه الجماعات الآثمة

مؤامرات قومية وصهيونية وصليبية ضد الإسلام:
طوع الإسلام لجنوده غزو هرقل بالشام وطرده إلى بيزنطية والاستيلاء على بيت المقدس مهد النصرانية، ومستقر هيكل سليمان مهد الصهيونية، وقضى الإسلام وجنوده على قوات الفرس، بعد نكبتهم في نهاوند التي أصابت صميم ملك كسرى، فلم يكن لهم ولا لبنى وطنهم إلا الإذعان والنزول على حكم المسلمين
وقد بلغ من تبرم هؤلاء بفتح المسلمين بلادهم، أن ثارت نفوس طائفة منهم بعمر بن الخطاب، الذي حطم نعرة التعصب للقوميات الإقليمية أو الدينية، وأذابها في دولة الإسلام، لذلك بلغ الاستياء والسخط بالموتورين من المتمسكين بالقومية الفارسية، أمثال الهرمزان وهو سيد من سادات الفرس فقد سلطانه ومكانته، وأصبح يعيش بين عامة الناس بعد فقد الأمل من استرجاع نفوذه
كما كان يقف وراء التعصب للنصرانية جفينة - الذي كان نصرانيا من أهل الحيرة يعلم الكتابة لأهل المدينة - وكان ثالث الأثافي كعب الأحبار -أحد أحبار اليهود المتعصب للصهيونية، الذي أنذر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إعلم أنك ميت في ثلاثة أيام وكان يتردد عليهم مظهرا الميل للإسلام، ولم يعر رضي الله عنه هذا الإنذار عناية خاصة
لقد أذل الإسلام الفرس واليهود والنصارى، وشتت شملهم، وغنم أموالهم، فلماذا لا يدفع الحقد هؤلاء جميعا أن ينتقموا من الإسلام ؟ وأن يختاروا لثأرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه باعتباره أعظم رجل فيهم، ومظهر سيادتهم، ومحركهم الأول نحو القضاء على هاتين الإمبراطوريتين أليس عمر هو فاتح الفرس، وفاتح الشام، وفاتح العراق، وفاتح مصر، ومعز الإسلام، ومذل هؤلاء جميعا !!
المخطط الثلاثي الذي جمع بين موتور القومية الفارسية الهرمزان، وحاقد الصليبية جفينة، ومتآمر الصهيونية كعب الأحبار ؛ حرض هذا الثلاثي غلاما فارسيا من سبى نهاوند - فيروز الشهير بأبي لؤلؤة - على قتل الخليفة الثانى عمر بن الخطاب
وكان هذا الغلام يعمل في المدينة عدة صناعات، فهو نقاش وبحار وحداد وصانع للأرحية، وكانت هذه الصناعات تدر عليه أموالا كثيرة، ومع ذلك كان يشكو من كثرة الضريبة التي كان يدفعها لمولاه المغيرة بن شعبة، ولذلك استجاب للمؤامرة التي دبرها موتور القومية الفارسية، وحاقد الصليبية، ومتآمر الصهيونية، وظل يتمرن في الخفاء ويتربص بعمر بن الخطاب رضي الله عنه

مخطط فكر الخوارج لاغتيال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من منزله قبل مطلع الشمس من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين يؤم الناس لصلاة الفجر، فلما بدأ ينوي الصلاة ويكبر إذا بفيروز غلام المغيرة يطعنه بخنجره ست طعنات، فالتفت رضي الله عنه إلى المصلين باسطا يديه يقول: " أدركوا الكلب فقد قتلني "، واندفع أبو لؤلؤة يريد الفرار نجاة بنفسه، فأقبل كثير من المصلين على هذا الكلب يريدون القبض عليه والتنكيل به، ولم يدعهم هذا الكلب يأخذون بتلابيبه، بل جعل يطعن الصحابة يمنة ويسرة حتى طعن اثنى عشر، مات منهم تسعة، ثم إن رجلا أتاه من ورائه فألقى عليه رداءه وطرحه أرضا، وأيقن فيروز أنه مقتول لا محالة مكانه، فانتحر بالخنجر الذي ضرب به الخليفة الثانى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
وهكذا كان اغتيال عمر بن الخطاب رضي الله عنه تدبير مؤامرة دبرها أعداء الإسلام، استغرق إعدادها زمنا طويلا قبل الحادث من اليهودية والصليبية والقومية الفارسية
عمر بن الخطاب أول شهيد لمؤامرة فكر الخوارج:
ظل اسم عمر بن الخطاب رصي الله عنه وسيظل أبد الدهر، علما في التاريخ على العدل والنزاهة، والحزم وحسن الرأي، وصدق الإرادة والتجرد لله ولدين الله، تجردا أعز الله به الإسلام، ومد لواءه في الخافقين، ولقد حزن الصحابة على استشهاده حتى كأنهم لم تصبهم مصيبة إلا يؤمئذ، وكيف لا يحزنون وقد كانوا فقراء فأغناهم الله، وكانوا يخشون الفرس والروم فأصبحوا سادة الفرس والروم، وكانوا في زاوية من الأرض لا يكاد يذكرها العالم، فأصبحوا بفضل الله ملء السمع والبصر في دنيا الناس، كل ذلك وعمر هو هو لم يتغير مظهره، ولم تتغير حياته، وبذلك أعز الله به الإسلام

وجهة نظر في الزعم بردة مالك بن نويرة:
لما انتقل رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ إلى الرفيق الأعلى، وقد إستتب الأمر لأبي بكر الصديق بعث بخالد بن الوليد لقبيلة بني سليم التي امتنعت عن دفع الزكاة بحجة التريث حتي يتبينوا أمر الخلافة خاصة بعد مخالفة سيد الأنصار سعد بن عبادة وخروجه على بيعة أبي بكر، فقتل خالد بن الوليد أبناء قبيلة بني سليم وإنتهك حرماتهم وسبى نساءهم وذريتهم وقتل مالك بن نويرة الصحابي الذي ولاه ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ على صدقات قومه ولم يكتف خالد بن الوليد بذلك بل دخل بزوجته في ليلة قتل زوجها
أما الزعم أن قبيلة بني سليم ارتدت عن الإسلام فوجب قتلهم فهذا غير صحيح لأن أبا بكر رضي الله عنه دفع دية مالك بن نويرة من بيت مال المسلمين واعتذر عن قتله والمرتد لا يعتذر عن قتله ولا تدفع ديته من بيت المال
والبخاري نفسه لا يعتقد بردة مالك بن نويرة وقومه ولكن جعل لهذا الأمر بابا بعنوان ((من أبي قبول الفرائض)) وما نسبه إلى الردة
وكان يتعين أخذ الزكاة بالقوة من مانعها لأنها حق المال بدون قتله وسفك دمه كما فعل رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بثعلبة الذي إمتنع عن دفع الزكاة له ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ ولم يقتله



خوارج عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه
عثمان بن عفان وصفاته:
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، ولد بعد ميلاد سيدنا رسول الله
﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بخمس سنين، ودخل الإسلام على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
وكان رضي الله عنه تقيا ورعا، يصوم الدهر، ويحج بيت الله كل عام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين انتقل النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وهو عنهم راض
كان رضي الله عنه طيب النفس نقي السريرة حليما متواضعا جوادًا كريما، جهز جيش العسرة من ماله الخاص، واشترى بئر رومة، وزاد في مسجد رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ وعوض الناس عن أرضهم التي أدخلها في المسجد من ماله الخاص، وكانت الخصلة التي ميزه بها النبي ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾: الحياء

عثمان يقضي على التمرد والثورات التي قامت في أول عهده:
بعد موت سيدنا عمر رضي الله عنه تمردت بعض الولايات على الحكم الإسلامى، وقامت بهذا التمرد عناصر توالي عهد ما قبل الفتح، أو قامت بها قوى الاحتلال التي كان لها السلطان قبل الزحف الإسلامي
وبرزت أهم الانتفاضات في خراسان والإسكندرية، وقد استطاع رضي الله عنه أن يقضى على الثورتين

الفتوحات في عهده رضي الله عنه:
شمل التوسع الإسلامي كل الميادين التي كانت الجيوش الإسلامية قد وصلت إليها في عهد عمر رضي الله عنه، وزاد التوسع من الناحية البحرية، إذ أصبح للمسلمين بحرية في عهده، وعلى ذلك فقد انضم إلى الدولة الإسلامية برقة وطرابلس في غرب مصر، وانضم لها جزء من بلاد النوبة في الجنوب، وانضمت لها بلاد أرمينية وأجزاء من طبرستان - وهي المنطقة الجبلية جنوبي قزوين - وتخطت بجيوش المسلمين نهر سيجون ودخلت بلاد ما وراء النهر في الدولة الإسلامية، فاستولى المسلمون على بلخ وهوراة وكابول وغزنة من بلاد الأتراك
وعن طريق البحرية الإسلامية دخلت قبرص إطار الدولة الإسلامية

بنو أمية يعملون لتولي الخلافة:
كان بنو أمية في مطلع الإسلام أعداء هذا الدين، وهم الذين قادوا الجيوش عدة مرات للقضاء عليه، ثم استسلم بنو أمية ودخلوا الإسلام عند فتح مكة، ولما انتقل الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ إلى الرفيق الأعلى لم يطمع بنو أمية في الخلافة لقرب عهدهم بالإسلام، ولموقفهم العدائي منه مدة طويلة ولكن الأحداث التي مر بها الإسلام خلال خلافة أبي بكر وعمر أتاحت الفرصة لبني أمية ليعوضوا ما فاتهم، فاشتركوا في حروب الردة، والمتنبئين، وفي الحروب ضد الفرس والروم، وبها استعادوا مكانتهم، وبالتالي طمعوا في الخلافة وعندما استشهد عمر رضي الله عنه كانت هناك أسرتان كبيرتان تطمعان في الخلافة، هما أسرة بني هاشم وأسرة بني أمية وكان بنو هاشم أحق بالخلافة من بني أمية، فقد كان الإمام علي يراها عقب انتقال الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ ولكن المسلمون لم يستجيبوا له حين ذاك، إذ رأت أغلبيتهم أن الخلافة لو أسندت إلى هاشمي لأصبح من المتعذر إخراجها من بني هاشم
وانتهت المشورة بعد استشهاد عمر رضي الله عنه إلى واحد من اثنين: عثمان بن عفان والإمام علي بن أبي طالب، أو بعبارة أخرى: إلى بني أمية أو بني هاشم، وهناك أوشكت أن ترجح كفة بني هاشم، ولكن عاملين كبيرين ظهرا فرجحا كفة بني أمية وهما
أولا: أن الأمل في إمكان إخراج الخلافة من بني أمية كان أقوى من الأمل في إخراجها من بن هاشم
ثانيًا: شدة عمر وصرامته، جعلت الناس يرغبون عن الإمام علي حتى لا تمتد الشدة والصرامة، ومالوا إلى عثمان حيث الدعة واليسر والتسامح

أسباب الفتنة في عهد عثمان:
كان الناس في عهد عثمان رضي الله عنه فريقين، أحدهما لا يرضى عن عثمان ولا يزكيه، والآخر يؤيده - لا تقديرا له، بل طمعا فيه - ومن هنا يبدو الوضع الحرج الذي وضع فيه سيدنا عثمان من أول الأمر، وتخلص أسباب الفتنة إلى العوامل الآتية:
1- جاء عثمان بعد عمر رضي الله عنهما، أو قل: جاء اليسر بعد العسر والحلم بعد الحزم فانفلت المكبوت، وانطلق السجين، وأقدم الخائف
2- كان اجتهاد عمر رضي الله عنه أنه منع كبار الصحابة من مغادرة المدينة المنورة إلا بإذن وبأجل محدود، ولكن عثمان رضي الله عنه لم ير ما رآه عمر فقد ضعف عن تنفيذه، فخرج الصحابة وكان خروجهم مطلع تشتت قد أدركه عمر ببصيرته النافذة، فإن كل واحد من كبار الصحابة سافر إلى جهة واتخذ مستقرا فيها، وراح يتحدث عن مواقفه مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه وجهاده من أجل الإسلام فالتف حوله معجبون كما التف حوله أيضا الطامعون، وتفرقت الأمة، وأصبح كل واحد من هؤلاء يمثل ملكا له مظاهر العظمة ؟ وكثير من الأتباع
3- أدت حاجة عثمان رضي الله عنه - بعد كبر سنه - إلى من يركن إليهم، فرأى من يعتمد عليه من الولاة من أقاربه منهم موضع ثقته، وهم أحرص الناس على إعانته، والإخلاص له، ولذلك ولاهم واستكثرمنهم فالكوفة كانت للمغيرة بن شعبة فنقل ولايتها إلى سعيد بن العاص، وكانت حمص إلى عمر بن سعد فضمها إلى معاوية، ومصر كانت لعمرو بن العاص فنقلت إلى عبد الله بن أبي السرح -أخو عثمان من الرضاعة-
4- لم يحمل عثمان رضي الله عنه ولاته على التقشف، والبعد عن مواطن النعمة والريبة كما فعل عمر رضي الله عنه، إذ يأخذ على الوالى عهدًا أن لا يلبس رقيقا ولا يأكل رغيدًا ولا يتخذ دون حاجات الناس حجابا واتخذ عثمان رضي الله عنه غير سياسة عمر في الاستفسار عن الولاة من الوفود، وسؤال الرعية عن أمرائها، غير أن ذلك أدى إلى عكس ما كان يرجو، إذ كثر الدس علي هؤلاء الولاة، كما كان بعض الولاة يدس إلى الخليفة من يمدحونه عنده
5 – بدأت ثورات الخوارج همسًا، ثم ارتفع الهمس، وأحس الخليفة أن فتنة الخوارج بدأت تظهر، ولكنه رضي الله عنه أصر على أن لا يقسو على الخوارج واتسع لهم حلمه وحياؤه وفي ظل ذلك نمت فتنة الخوارج غير خائفة من بطش الخليفة أو من انتقامه، وكان رضي الله عنه يثور أحيانًا ويقول لهم: « لم أكن لأخلع سربالًا سربلنيه الله » ولكنها ثورة الشفوق لا تلبث أن تموت
6- كان سيدنا الإمام على كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان رضي الله عنه، أرسل ابنه سيدنا الحسن إليه، فلما أكثر الإمام عليّ عليه قال عثمان لسيدنا الحسن بن على: « إن أباك يرى أن أحدأ لا يعلم ما يعلم، ونحن أعلم بما نفعل فكف عنا » فلم يبعث الإمام علىّ ابنه الحسن في شيء بعد ذلك

الخوارج هم الذين قادوا الثورة على الخليفة وقتلوه:
واشتعلت ثورة الخوارج ضد الخليفة عثمان رضي الله عنه، وبدأ منظموها من خوارج الكوفة والبصرة ومصر، يعلنون ما كانوا يضمرون، وزحفوا إلى المدينة المنورة، والتقت جموعهم في شهر رجب سنة خمسة وثلاثين هجرية، وأظهروا أنهم يريدون أن يسألوا الخليفة عن أشياء، فأرسل رضي الله عنه رجلين ليقفا على سبب مجيئهم إلى المدينة فلما التقى الرجلان بهم، قالوا لهما:نريد أن نذكر لعثمان أشياء قد ذرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنؤكد لهم ما سبق أن ذرعناه، فلم يخرج منها ولم يثب، ثم نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنحلفه فإن أبي قتلناه
ثم عاد الرجلان إلى عثمان، وأخبراه بما سمعاه من هؤلاء القوم، وضحك رضي الله عنه وقال: "اللهم سلم هؤلاء، فأنك إن لم تسلم شقوا " ودعا الخليفة إلى صلاة جامعة فأقبلوا جميعا إلى مسجد رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ فوقف رضي الله عنه خطيبا وأخبر الناس خبر الخوارج، واستمع المسلمون الذين شهدوا هذا الاجتماع إلى دفاع عثمان عن سياسته، ورأى المسلمون أن يقتل عثمان كل من رفع لواء العصيان والخروج عليه استنادا إلى قول الرسول ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾:
« من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فاقتلوه » فرد عثمان رضي الله عنه على ذلك وقال: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا ولا نحاد أحدا حتى يركب حدا أو يبدى كفرا
عاد خوارج مصر إلى بلدهم، ولكنهم ما لبثوا أن أقبلوا إلى المدينة في شوال من هذه السنة، وخرج في نفس الوقت جموع من خوارج الكوفة والبصرة، وأظهروا أنهم يريدون الحج حتى لا يتعرض أحد لهم فلما جاءوا إلى المدينة رأوا عليا وطلحة والزبير
فعرض خوارج مصر على الإمام أن يبايعوه، فأبى، وأمرهم بالانصراف عنه، وقدم خوارج البصرة على طلحة فصدهم عنه، فعادوا يجرون أذيال الخيبة، وقدم خوارج الكوفة على الزبير فخيب ظنهم، تظاهر الخوارج بالعودة إلى بلادهم حتى يفترق أهل المدينة من حولهم لكنهم ما لبثوا أن كروا راجعين وفوجيء أهل المدينة بهؤلاء الخوارج مكبرين في أرجاء بلدهم وضربوا حصارًا حول دار عثمان وأعلنوا أن من كف يده عن نصرة الخليفة فهو آمن، فلزم الناس بيوتهم، ولكن الإمام عليًا توجه إليهم، وشرح لهم أن أي اعتداء على الخليفة هو إضعاف للإسلام وتفرقة للمسلمين
وعلى الرغم من نصيحة سيدنا على فقد حالوا بين الخليفة وبين الخروج إلى المسجد للصلاة، وعهدوا بالصلاة إلى زعيمهم الغافقى بن حرب العكى الذي أعلن خوارج مصر والكوفة والبصرة طاعتهم له، فدعا عليهم سيدنا عثمان وقال: « اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدًا » طال حصار الخوارج لدار الخليفة عثمان رضي الله عنه، وحالوا دون وصول الماء إليه، فأقبل الإمام علي وقال لهم: إن الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، لا تقطعوا عن خليفة رسول الله الماء، فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقى فيما تستحلون محاصرته وقتله، فقال الخوارج: لا نتركه يأكل ويشرب
فتحركت شهامة الكثير دفاعا عن الخليفة، وكانت هناك جنود قد بدأت تزحف للمدينة لإرغام المحاصرين على فك الحصار، ووقف الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير يحرسونه ويذودون عن الدار
فأدرك الخوارج أن الفرصة أوشكت أن تفلت من أيديهم فتسور بضعة منهم الدار إلى الخليفة وهو يقرأ القرآن، وضربه الغافقي بن حرب العكي بمدية كانت في يده، وضربه آخر بالسيف، ولما حاولت زوجته أن تدافع عنه قطعت أصابعها وهي تتلقي عنه الضربات، فخر رضي الله عنه شهيدًا في يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين هجرية ثم هجم الخوارج على الدار فنهبوها كما نهبوا بيت المال
ولنا أن نسأل: لِم لمَ يسارع معاوية لنجدة الخليفة ومعه أهل الشام ؟ نترك الإجابة عن ذلك لمعاوية حينما سأله الصحابي عامر بن واله ذلك السؤال فأجاب معاوية: أليس طلبي بدمه نصرة له ؟ فضحك عامر وقال: أنت وعثمان كما قال الشاعر:
لا ألفينك بعد الموت تندبني * وفي حياتي مازودتني زادًا
ومثل ذلك ما قاله الصحابي أبو داود الأنصاري لمعاوية: إن الذي تربص لعثمان وثبط أهل الشام عن نصرته لأنت
لم يسمح الخوارج بدفن جثمان عثمان فظل ثلاثة أيام دون دفن، وتوسط سيدنا علي لدى الخوارج ليسمحوا بمواراة جثمانه التراب، فأذنوا بدفنه، ولم يشهد جنازته سوى مروان بن الحكم وأربعة معه وزوجتي عثمان، وحاول الخوارج قذف جنازة عثمان بالحجارة فنهرهم الإمام علي، وهرع القوم بالجثمان ليواروه متخذين من الظلام ستارًا يحميهم عن عيون الخوارج
وهكذا كانت نهاية الشهيد الثاني من خلفاء رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ بيد الخوارج، الذين لم يقتلوا ملوك الفرس والروم، ولكنهم قتلوا أئمة المسلمين.

إسلام الصوفية هو الحل لا إسلام الخوارج
السيد عز الدين أبو العزائم





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,412,641
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ...
- الفكر السلفي امتداد لفكر بني أمية
- الدين والإلحاد وجهاً لوجه [14]
- (قتلة مفسدون أم شهداء مصلحون) السيد محمد علاء أبو العزائم [2 ...
- كلمة إلى دعاة التنوير الزائف المعارضون للحدود الشرعية في الإ ...
- ذكر الله.. بين المفهوم القرآني والجمود الفقهي
- (قتلة مفسدون أم شهداء مصلحون) السيد محمد علاء أبو العزائم [1 ...
- رسل الله لا ينقطعون إلى يوم القيامة، والصواب مع شخص واحد هو ...
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث ...
- نقد الفكر السلفي المتطرف وبيان خروجه عن الإسلام وتعاليم الأد ...
- الرد على سامي الذيب وبيان جهل القائلين ب( الأخطاء النحوية وا ...
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث ...
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث ...
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث ...
- فضل النبي الأعظم ص على البشرية وأثره في رقيّ الحضارة الإنسان ...
- الحركات الإستقلالية للبلاد العربية
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثالث ...
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الثاني ...
- محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الأول]
- جان بول سارتر: لا دين لي، لكن لو خُيّرتُ، لأخترت دين (علي شر ...


المزيد.....




- رأي.. سناء أبوشقرا يكتب عن كسر الطائفية في وعي اللبنانيين: ع ...
- الأرشمندريت ميلاتيوس بصل: التهجير المسيحي في فلسطين قمعي وال ...
- سناء أبوشقرا يكتب عن كسر الطائفية في وعي اللبنانيين: عودة وط ...
- كتاب جديد يكشف الإدارة -الكارثية- لأموال الفاتيكان
- لبنان: رؤساء الكنائس يؤكدون أن الإصلاحات خطوة مهمة ولكنها تت ...
- رسالة من الإعلامي المصري باسم يوسف إلى اللبنانيين: مهمتكم صع ...
- بومبيو: المغرب يعد شريكا ثابتا ومشيعا للأمن على المستوى الإق ...
- الولايات المتحدة والمغرب يؤكدان على -الخطر الذي تمثله إيران- ...
- بعد ردود فعل غاضبة.. بلدية تركية تزيل ملصقات -معادية لليهود ...
- كاردينال قريب من البابا يكشف حقيقة إفلاس الفاتيكان


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إسلام بحيري - ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض و نقد - 2