أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هشام بن الشاوي - الطيور تهاجر لكي لا تموت.. والكتابة من أجل شيء















المزيد.....


الطيور تهاجر لكي لا تموت.. والكتابة من أجل شيء


هشام بن الشاوي

الحوار المتمدن-العدد: 6179 - 2019 / 3 / 21 - 14:08
المحور: الادب والفن
    


قراءة نقدية بقلم خليفة بباهواري


أثارني موضوع قصة "الطيور تهاجر لكي لا تموت" للصديق هشام بن الشاوي حيث عزفت على الوتر الذي مزقته شخصيا بكثرة العزف عليه، والذي مزقه الصديق بن الشاوي في قصته بنقط الحذف. دفعني إعجابي بالقصة إلى البحث في الأرشيف الذي شكلته من صفحة "الشباب" عن كتابات أخرى لهشام بن الشاوي، فوجدت أوراقه (الميثاق 3-2-99) وعلى هامشها "رجاء افتحوا أبواب قلوبكم على مصراعيها، وأنتم تقرؤون هذه الهلوسات...ومعذرة إن "صدمتكم" صراحتي لأن ما في قلبي على لساني !!!".

ولأن "ما في قلبه على طرف لسانه" فإني أعتبر قصته ذات البعد السياسي، الذي قليلا ما نجده صريحا في ممارستنا الأدبية، عبارة عن موقف لم يعد السكوت عنه ممكنا مع المتغيرات المحلية والدولية. لذلك فهذه القصة بعدما اقتربت منها كقارئ عادي اقتربت مني كقارئ متفحص أو تقني مما دفعني إلى مقاربتها نقديا من أجل تفكيك مدلولاتها وإبراز محتوياتها العميقة.



1- العنوان:

يحيل عنوان القصة "الطيور تهاجر لكي لا تموت" على عنوان الرواية الشهيرة" الطيور تختبئ لكي تموت"( للكاتبة الأسترالية "كولين ماك كولوغ"). فهل ستخبرنا القصة عن حب تجاوز المسموح به وارتفع فوق الأعراف المفروضة؟ وهل ستكون القصة قصة حب؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن يحب من؟

وإذا كان التناص انطلاقا من نص أولي في اتجاه مغاير، فإن العنوان حقق اتجاهه الخاص منذ الوهلة الأولى وبكل عنف، حيث أن العنوان الذي اختاره الصديق ينفي عنوان الرواية على مستويين: مستوى معجمي، إذ تقابل لفظة "تهاجر" لفظة "تختبئ" وإن كانت كلتاهما تدخل في الحقل الدلالي للهروب فإن الأولى تحتفظ ب"سيمة" (Sème) إيجابية تتمثل في الحركة وتغيير المكان من أجل تغيير الوضع (الهجرة تاريخيا، والهجرة جغرافيا من الجنوب إلى الشمال). ومستوى نحوي حيث تنفي "لا" النافية فعل الموت فيصير سبب الهجرة إيجابي (بعدما تنفي سلبية الموت) وهو البحث عن الحياة.

ولأن الجملة/العنوان تامة، فإننا نتساءل لماذا نقط الحذف؟ هل هي تأكيد لاستمرارية الحياة كما أشرنا سابقا؟ أم أن أسباب الهجرة تتعدى الفرار من الموت؟ أم أن الموت المنفي هنا ليس موتا بيولوجيا، أي موت من نوع آخر؟



2- الإهداء:

"إلى أسامة أنور عكاشة... لعله يتأكد أنه في المهجة !!" إهداء يثير الانتباه، فقد جاء بين مزدوجتين ربما إشارة إلى تفرده أو اعتباره كاملا منقولا مثلما ينقل الخطاب المباشر في القصة والرواية. وعندما نقول التفرد فإننا لن نتساءل: هل سيقرأ أسامة أنور عكاشة هذا الإهداء، وهذه القصة؟ لأننا نعتقد أن هذا الإهداء يضع القصة في سياق كتابي محدد. فيكفي أن نشير إلى شخصية "طه السماحي" في "ليالي الحلمية" والذي مات في سبيل وطنه، أو إلى موت المراهق "شفيق" (شقشق) في "أرابيسك" دون أن يعرف لماذا، والسبب كان السياسة بتراكماتها في مصر. يكفي أن نشير إلى هذين النصين (المسلسلين) لأسامة أنور عكاشة لنجد أن الرابط بين المُهدي والمُهدى له هو تسييس الكتابة القصصية، ليس التسييس الأطروحاتي المسيطر في الساحة العربية (والذي يميل إليه عكاشة بعض الشيء)، ولكنه التسييس الأدبي الذي لا يمكنه أن يزيح عن النص صبغته الأدبية، وهو ما سنبرزه فيما سيأتي.



3- القصة:

يعود بطل القصة، الذي لا يحمل اسما إلى بلاده، موطنه ومسقط رأسه. ورغم كونه مطلوبا "حيا أو ميتا" ومعروفا لدى أجهزة الاستخبارات العالمية فإنه عاد يحمل حنينا مزدوجا يمتد بين لقاء أهله خصوصا أخته وبين "انتشال "تاريخه" من القمامة". وكانت عودته مناسبة للوقوف على أسباب هجرته التي تختلف عن هجرة الباحثين عن الهدايا أو عن وطن جديد. كانت هجرته مرتبطة بمواقفه السياسية وبعمله ككاتب يبحث عن حرية أكثر كي لا يرى "بنات أفكاره يغتالها الصمت وصمت الصمت".

وبعد عودته ظلت محنته مستمرة إذ ظل مرفوضا من إخوته ومن أشباه الكُتَّاب الذين ظلوا يهاجمونه وحتى من أخته التي كان يعتبرها أمه الحقيقية والتي اعتبرته مسؤولا عن وفاة أمهما. والأدهى من ذلك أن بنت أخته لم تعرفه، وتستمر حياته القاسية بجوعها وحرمانها ليلقى المصير الذي طالما فر منه، إذ قتل على الرصيف على شاكلة الاغتيالات السياسية.

مات البطل، الكاتب، المرفوض، المناضل وآخر عمله قبل الموت كان قراءة جريدة. وكان يدرك جيدا أن موته سيكون اغتيالا لأنه أراد أن يكتب بحرية.



4- مستويات الحكي:



أ- السارد:

يعتقد القارئ لقصة "الطيور تهاجر لكي لا تموت" عند بداية القراءة أن السارد سيتعامل مع الشخصية المحورية كمخاطب. لكن وبعد ثلاثة أفعال بضمير المخاطب، يرتفع السارد فوق الشخصية ليستعمل ضمير الغائب. وبعد نهاية الفقرة الثانية من القصة وبداية الفقرة الثالثة تحمل الشخصية مسؤولية السرد. ويستمر ذلك إلى نهاية الجزء الأول من القصة ليعود السارد الفوقي مرة أخرى ليتمم سرد الحكاية إلى نهايتها.

لماذا إذن هذا الانتقال من سارد لآخر؟

يستوقفنا السارد أمام الباب والبيت وكأن القاص يستوقفنا أمام قصته ويبدأ في تشكيل الأحاسيس التي يجب أن تنتابنا ونحن نقرأ قصته. ثم يعطي القاص الكلمة للسارد، حتى نتمكن من معرفة ماهية الشخصية من خلال مظهرها الخارجي وعلاقاتها "الصراعية" مع محيطها ثم يطير بنا إلى نفسية الشخصية عندما يكلفها بالسرد. ونتعرف من خلال ذلك على مواقفها الخاصة وعلى أسباب هجرتها وعودتها.



ب- الشخصيات:

* الشخصيات الفعلية: نقصد بالفعلية الشخصيات التي تساهم بالفعل في بلورة المحكي الذي تقدمه القصة، وهي شخصيات كائنة داخل الزمن الحقيقي للقصة المرتبط بتحركات البطل. وهذه الشخصيات هي البطل ( أو الشخصية المحورية) والأخت وبنتها، والمرأة الحامل والفتاة.

- الشخصية المحورية: لا يحمل البطل اسما، وكأنه يموت جنديا مجهولا دافع عن قضاياه دون أن يبحث عن مقابل، دون أن يدرك اسما ولو للذكرى. ويقدم القاص ما يمكن تسميته بسيرة البطل بطريقة مختزلة مرت عبر مراحل عمرية معينة. فيظهره لنا طفلا صغيرا تأخر في النطق مما جعله يفوز بألسن كل أضحيات دوار جدته. وكأننا هنا نراه استبدل لسانه بألسن الضحايا لينطق فيما بعد باسمهم. ثم يظهر لنا مراهقا مختلفا عن أقرانه باعتباره كان مغرما بكتابة الشتائم على الجدران بدل اسم الحبيبة. وفي هذه المرحلة سترتبط الكتابة عنده بالموقف وكنتيجة لذلك بالعقاب. ويظهره لنا القاص على مشارف الرجولة، ومرة أخرى دون أن يستطيع الكلام للبوح بما يكنه في صدره من حب لبنت الجيران وكأنه محكوم عليه بالصمت إلى الأبد. ويظهره لنا أخيرا وهو رجل ناضج قد اقترب من الأربعين وهي في ثقافتنا سن النضج التام، وسن النبوة وبداية الرسالة والتبليغ.

وفي هذه السن بالضبط، والتي من المفروض أن ينطلق فيها عمله الإصلاحي من خلال الكتابة يختطفه الموت ليستمر صمته إلى الأبد. موت مع البداية. إجهاض لنوايا الإصلاح. وربما نجد هنا الموقف الخاص لهشام بن الشاوي الكاتب/الإنسان والذي يمرره من خلال القاص والسارد.

وكباقي شخصيات القصة، فإن الشخصية المحورية في "الطيور تهاجر لكي لا تموت" ذات تركيب بسيط وغير معقد. فكما لاحظنا ذلك فإن تسلسل مراحل حياتها عادي. وكذلك الشأن بالنسبة لعلاقاتها التي تتخذ أربعة أبعاد.

البعد الأول، في علاقتها مع الحكم. فهي شخصية مزعجة للاستقرار "الأمني" مما جعل أجهزة الاستخبارات العالمية- ويجب التأكيد على هذه الكلمة لأن مواجهة البطل لم تبق في حدود وطنه- تخصص مكافأة مالية كبيرة فقط "لمن يدل على مكانه" وكأنه مجرم حرب ولأنه "مجرم قلم".

البعد الثاني، في علاقتها مع "أشباه الكتاب" الذين يحسدونه على عالميته دون أن يكون له لقب من ألقابهم الأكاديمية والجامعية، حسد يدفعهم إلى اتهامه بشكل غير مباشر بالخيانة ونلتمس هنا موقفا آخر لهشام بن الشاوي أمام الوضعية الثقافية المحلية التي تعترف أكثر بالشهادات منها بالإبداع والخلق.

البعد الثالث، في علاقته بأقاربه وجيرانه فالأولون تنكروا له خوفا على أنفسهم من ممارسته للسياسة التي يمكن أن تجعلهم هم أيضا في مواجهة السلطات. بالإضافة إلى قساوتهم عليه بالضرب "المبرح كالحمير المتعبة" وتشكل أخته الاستثناء في المرحلة الأولى ثم تعود إلى صده بدورها كما فعل ببقية إخوته. والجيران لم يكونوا سوى متفرجين عليه بدافع الفضول في حين كان يبادلهم بالشتائم المكتوبة على الجدران.

البعد الرابع، في علاقته مع النساء. فلم يعرف الحب إلا مرة واحدة، وكان حبا من جانب واحد حين "تعذب في صمت" وهو "متيم ببنت الجيران". أما باقي النسوة فلم يكن للقلب مكان في علاقته بهن.

ويبدو من خلال علاقاته هاته بأنه لم يكن يحب الكلام، ويمكن أن نقول بأن بطل القصة ولد فقط ليكتب، خصوصا أشياء تثير حفيظة الآخرين.

- الأخت: كان ارتباطها به قويا جدا قبل اعتقاله وقبل سفره لدرجة أنه كان يحسبها أمه الحقيقية. لكنها تموقفت منه فيما بعد خصوصا وأنها "تعتقد أنه السبب في موت أمهما، من شدة بكائها عليه، وهو في المعتقل". هذه الأخت التي صارت الملاذ الأخير تغيرت بدورها لدرجة أن البطل عندما رآها شبهها في مخيلته بإوزة، وهذه إشارة قبلية لما ستؤول إليه علاقتهما. هذا التشبيه انطلق من وضعية الأخت ذات البطن المنتفخ ربما لكثرة أكل البطاطس (كما تقول المستملحة التي رددناها صغارا: الطحبوز باش مريض)، وربما تكون إحالة أخرى فنعتبر أنها حامل لتكون هي المرأة التي ستظهر في آخر القصة بعد اغتيال البطل.

- بنت الأخت: تتميز هذه الشخصية بشيئين، الأول كونها تشبه أمها عندما كانت هذه الأخيرة في نفس عمر ابنتها والثاني كونها الشخصية الوحيدة التي تتكلم بصفة مباشرة في القصة. وهكذا يمكن اعتبارها كجيل للامتداد (الشبه) ولكن بصيغة أخرى (الكلام عوض الصمت). وإذا اعتبرنا الأم/الأخت هي المرأة الحامل فلن تكون الفتاة إلا ابنتها. وشهادتهما لمقتل القريب يمكن أن تبعث في النفس الشعور بالرغبة في الانتقام.

* الشخصيات المحكية: رغم عدم ظهورها على ساحة الأحداث خلال السرد فإن دورها فعال نظرا لتأثيراتها المختلفة على الشخصية المحورية، فعلاقة البطل بها علاقة صراع محضة. فضول الجارات لا مثيل له وحسد "أشباه الكتاب" والرد عليهم يحتلان فقرة كاملة في قلب القصة أما الأبوين فتختلط صورتهما بمنطق العصا والضرب، في حين أنه لم يلق من إخوته سوى النكران. ويمكن أيضا تأويل ضحك الخال كنوع من التهكم. وتجدر الإشارة إلى أن أخطر علاقة هي التي تأتي مع أجهزة المخابرات العالمية فهي تريد رأسه بأي ثمن.

* الشخصية المتخفية: شخصية "رد فعلية" إذ كينونتها مرتبطة بمواقف الشخصية المحورية. وهي شخصية قمعية إلى درجة الاغتيال. وتبدو دائما غير معرفة: "لم أكن ولم أخش أن يغتالوني" و "شيئا يلمع خلف الزجاج". شخصية معنوية يمكنها أن تلبس أي ذات لدرجة أنها تمتزج بالأشياء التي تستعملها والتي تظل غير معرفة أو غير واضحة. فهل استعملت مسدسا بكاتم للصوت (الشيء الذي يؤكد تخفيها) لاغتيال البطل؟



ج- الفضاء:

تنتقل الشخصية المحورية بين مجموعة من الفضاءات.

* المنفى: اختياري بالطبع لأنه في اتجاه الشمال، ويشفع لهذا الاختيار البحث عن حرية أكثر من أجل الكتابة. وتشكله عواصم أوروبا باعتبارها فضاء للحرية ( ?!) لكن هذه الحرية ليست مكتملة إذ تنقصها كرامة الإنسان/ الكاتب. فما معنى أن يكتب وأن ينام في الحدائق العمومية.

* الوطن: يفقد معناه الحقيقي كفضاء للحرية والانطلاق من أجل المساهمة في البناء: فقد "أصبحت الأوطان سجونا والسجون أوطانا ؟ !؟" ويشكل الوطن في القصة "عالما سفليا" حيث تتسلطن "القاذورات وسط باحة الحي" وتصير الجدران مبولات أو جداريات للشتائم و"رسم الأشياء القبيحة" وينتقل البطل من المدينة إلى الدوار ثم يعود إلى المدينة.

* الباب: يشكل الباب حاجزا صعبا لا يسمح باختراق الفضاء الذي يليه. ففي بداية القصة نجد البطل يقف أمام الباب طارقا وبعدها نقطتي حذف تحيلان على هامش من الانتظار وعلى السؤال: هل سيفتح الباب في وجهه؟ يلي ذلك وقوف أمام الباب و"على عتبات البيوت" من طرف الجارات. وتختلف وجهة النظر لأنهن يتركن بيوتهن خلفهن ليهتمن في إطار من الفضول بمشاكل الآخرين ونجد هنا إشارة إلى السلبية في التعامل مع الواقع ومشاكله، فلو "نشر كل واحد غسيله القذر" لما اضطر "الكاتب" ليهب نفسه لمغتاليه من أجل قضايا مجتمعه. ويحكم على البطل أن يبقى دائما "خلف الباب" وأن لا يرى ما يجري بالداخل إلا إذا تعلق الأمر بضربه بالعصا كما كانت تفعل أمه كل مساء. وآخر خسارة في حياته وهي فقدانه لأخته تحققت بعدما "صفقت الباب في وجهه" ليتأكد أن كل الأبواب موصودة أمامه ولا نصيب له في ما يوجد بالداخل وكأننا هنا نحس بالبطل يقتلع من جذوره وأن واقع الحال يقول: لا مكان لك في وطنك وهو ما يجعل موته مسألة حتمية ولا رجعة فيها.



د- الزمن:

تنقسم مقاربة الزمن في القصة إلى قسمين، في الجزء الأول يتوافق زمن الحكي مع زمن القصة. حيث تمتد مسافة الحكي عبر زمن موجز يمكن أن يكون أقل من ساعة. فبين طرق الباب والاغتيال تبنى القصة حركيا عبر أربعة مراحل: فتح الباب من طرف الصبية، وقدوم الأم، وغلق الباب، والوقوف أمام كشك الجرائد. وهذا البناء يحترم آليات كتابة القصة القصيرة (العدد المحدود للشخصيات والأحداث، وضبط المكان والزمان) وقصر هذا الزمن يوازي قصر حياة البطل الذي سيموت و"لم يتجاوز عمره الأربعين".

أما الجزء الثاني، فيفوق فيه زمن القصة زمن الحكي حيث نتعرف على المراحل الماضية من حياة الشخصية المحورية، منذ صباه إلى أن أصبح كاتبا كبيرا وخطيرا و"مطلوبا حيا أو ميتا" لدى أجهزة الاستخبارات العالمية وحياته في أوروبا وعودته منها، بشكل موجز. وإذا قمنا بمقابلة لهذا الجزء مع الجزء الأول فإننا نستنتج أن حياته الماضية كلها في كفة ويومه الأخير في كفة أخرى. وبمعنى آخر فإن هذا اليوم يساوي كل حياته الماضية ففي هذا اليوم استرجع كل ماضيه. ووقف أمام مواجهاته وفقد آخر صلة له بالحياة وبالأقارب بعدما صدته أخته التي كانت آخر من يحب.

وموازاة مع هذين الجزأين فالقصة تضم مقاطع لا يحتويها أي من الزمنين (زمن الحكي وزمن القصة) وهي مقاطع يعلق فيها البطل على تجاربه وآلامه: "الناس يعودون من مطارح الغربة..."، "لم أرحل بحثا عن وطن جديد..."، "لا أدري لماذا يهاجمني أشباه الكتاب...".



5- التيمات الرئيسية:

أربع تيمات تتقاسم مساحة الحكي في قصة "الطيور تهاجر لكي لا تموت..."، وهي السياسة والكتابة والغربة والموت، فلأنه "عاش يلعن الفقر والجهل والتخلف ويمقت العالم السفلي، والموت مدى الحياة. العيش على حافة الحياة... !!" فقد تعاطى للسياسة ومن ثم بدأ يكتب "لنشر غسيلنا القذر". وليكتب بحرية ولكي لا يرى "بنات أفكاره يغتالها الصمت وصمت الصمت" فقد "اختار المنفى الاختياري"، وهو الغربة التي أراد أن يكسرها بعودته إلى بلاده حيث كان الموت ينتظره.



أ- السياسة:

هي التيمة المحورية في القصة. وهي ابتلاء كما يشير القاص. ويستوقفنا تقديمها بشكل "ممزق" حيث تناثرت حروفها بين نقط الحذف. هذا التناثر يضيف إلى كون الممارسة السياسية ابتلاء وليست رغبة. فالبطل منذ صغره وهو يتموقف من الناس والأشياء بينما الآخرون يهربون إلى الفضول أو إلى الحب. ونعود هنا إلى الإهداء: ففرق كبير بين المسلسل ذي البعد السياسي والمسلسلات العاطفية التي تعطل الأحاسيس وعمل العقل عند التفرج عليها. وترتبط السياسة بالرفض والمواجهة، رفض للواقع المفروض حيث تنعدم كرامة الإنسان (قاذورات متسلطة، الفقر والجهل والتخلف، اللعب بالبول، جيوش الذباب، الفضول المجاني/السلبي)، ومواجهة من طرف الأقارب أولا (التنكر) ومن طرف أجهزة الاستخبارات التي تبحث عن تحقيق نتائجها بكل الوسائل (الموت).



ب- الكتابة:

ارتبطت الكتابة بالبطل منذ صغره حيث كان "مغرما بكتابة الشتائم على جدران البيوت"، وظلت الكتابة مرتبطة بمواقفه من الآخرين، وأسهمت في بلورة كيانه السياسي إذ صنف ك "مجرم قلم" وتبقى الكتابة هي الأداة التي يستطيع البطل التعبير بها عن آلامه وآماله وعن مواقفه، عوض الكلام ("اللغة" في القصة) الذي وجد "للتواصل مع أصدقائي ووالدي وأقاربي...فقط !!". وكانت الكتابة سببا في قيام عداوة بين البطل و "أشباه الكتاب". ونتلمس هنا موقفا خاصا لهشام بن الشاوي- موقفا يتقاسمه معه العديد من الأدباء والكتاب "الشباب" في مواجهة الكتاب "الرسميين" أو "الأكاديميين". وترتبط الكتابة بالحقيقة فدور الكاتب هو تقديم الحقيقة للناس. والكاتب الكبير الذي يجد مكانا له في "كبريات المطبوعات الثقافية عالميا" هو الذي يقدم الحقائق ولو كانت الغسيل القذر الذي يسدل عليه الستار وتحاول الجهات الرسمية التستر عليه. وترتبط الكتابة كذلك بالحرية ولان الأوطان أصبحت سجونا والسجون أوطانا فقد اختار البطل الكاتب المنفى الاختياري لأن "الطيور تهاجر لكي لا تموت".



ج- الغربة:

بحثا عن الحرية في الكتابة، فضل البطل الهجرة والمنفى الاختياري، وبذلك وجد نفسه في الغربة. غربة ذاق خلالها الصعاب وعاش "متصعلكا في عواصم أوروبا، يكتب في الحانات، وينام في الحدائق العمومية". وإذا كانت ديار الغربة بالنسبة للآخرين مكانا للكسب والعيش الأفضل، فلم تكن بالنسبة للبطل كذلك، فيقول: "الناس يعودون من مطارح الغربة مثقلين بالهدايا، وأنا عدت مثقلا بجراح الروح والجسد، ولا أحمل إلا حقيبة تحوي آلامي، و رفاتا تشهد على كرم ضيافة الجلادين".

وقد عاش البطل في غربة من نوع آخر، غربة داخل بلده بين أهله وجيرانه. وارتبطت بغرابته بالنسبة لهم. فلم يكن كأقرانه ولم يكن كإخوته الذين تنكروا له، غربة استمرت حتى الموت، فعند موته لم يكن سوى "الرجل الذي كان يتصفح الجريدة".



د- الموت:

ارتبطت فكرة الموت في القصة بالاغتيال. فالموت ليس شيئا عاديا يأتي بقدر، ولكنه حل يلجأ إليه الخصوم لإسكات صوت الحقيقة الموجود في كتابات الشخصية المحورية. وقد تكرر ذكر الموت في القصة ثلاث عشرة مرة بطرق مختلفة. وارتبط الموت بالسياسة فقبل أن يموت البطل بسبب أفكاره ومواقفه السياسية ماتت أمه "من شدة بكائها عليه وهو في المعتقل".

وكموقف ثابت من البطل في هذه القصة فقد اختار المواجهة والموت على الفرار: فعاد إلى موطنه وهو متأكد من متابعته قصد اغتياله، وإذا قبل بموته رفض أن تغتال "بنات أفكاره، علما بأن قاتلها هو "الصمت وصمت الصمت" وهو موت من نوع آخر وسماه القاص "الموت مدى الحياة".



استطاع الصديق هشام بن الشاوي إذن من خلال قصته "الطيور تهاجر لكي لا تموت.." أن يجمع بين الكتابة الإبداعية في فن القصة القصيرة وبين التعبير عن موقف كان مزدوجا شطر منه يهم الممارسة السياسية في الوطن وتأثيرها وتأثرها بالسلطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والشطر الثاني يتعلق بالعلاقة مع الكتابة ومع الكتاب وأشباه الكتاب. ولذلك وصفنا هذا العمل القصصي لهشام بن الشاوي بالكتابة من أجل شيء".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,356,295,859
- شعرية الاحتجاج عند أسامة أنور عكاشة
- المغاربة
- كتاب رقمي لهشام بن الشاوي نكاية في الجغرافيا
- رسالة لن تصل إلى وزير الاعلام الكويتي
- رسالة مفتوحة إلى وزير الإعلام الكويتي
- حي المطار بالجديدة.. حيل حْديدان -الحْرامي- ونفايات الصين
- إصدار جديد للكاتب المغربي هشام بن الشاوي
- في عددها الجديد... المجلة العربية تحتفي بثقافة بلاد الرافدين ...
- المبدعون المغاربة والنقد... أية علاقة؟
- فصلان من رواية: -قيلولة أحد خريفي- لهشام بن الشاوي
- يحدث في سورية الآن
- لماذا تركتُ القصيدة وحيدة؟
- جمالية المتقابلات السردية في -رقصة العنكبوت-
- كصبي ممتلئ بحب الحياة وحب السرد
- قراءة في رواية -كائنات من غبار- بقلم محمد عطية محمود
- في عددها الثلاثين.. مجلة -الجوبة- تحاور وديع سعادة وتحتفي بر ...
- القدس بعيون كويتية
- كتابة الإخفاق في -وخز الاماني- لمحمد عطية محمود
- أدبي تبوك يصدر حسمى 2
- -عائشة القديسة- و-أحلام النوارس- جديد مصطفى لغتيري


المزيد.....




- نوال الزغبي تكشف عن موعد اعتزالها الغناء
- كوميدي سعودي -يسيء لرجال الحد الجنوبي-.. الحكومة والنيابة تر ...
- هولندا تفوز بمسابقة -يوروفيجن- المقامة في إسرائيل
- نجوم هوليوود في إعلان لجريدة روسية (صور)
- يوروفيجن 2019 : هولندا تفوز بالمسابقة في نسختها الرابعة والس ...
- نسف اجتماع اللجنة التحضيرية للبام
- شرطي مغربي يضرب فنانا -على المباشر-
- إلهام شاهين: أنا أجرأ فنانة في مصر... وأفسدت خطبة شقيقتي من ...
- البام يطالب بمهمة استطلاعية حول تعثر أشغال مستشفيات عمومية
- الدراما السورية والعربية.. مع الفنان غسان مسعود


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هشام بن الشاوي - الطيور تهاجر لكي لا تموت.. والكتابة من أجل شيء