أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شوقي إبراهيم عثمان - الخدعة















المزيد.....


الخدعة


شوقي إبراهيم عثمان
(Shawgi Ibrahim Osman )


الحوار المتمدن-العدد: 6175 - 2019 / 3 / 17 - 16:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ليس من المفترض أن نكتب كل صغيرة وكبيرة حتي لا يفقد القاريء، أو الباحث الخيط. ولقد وقفت مليا في كيفية عرض هذه المقالة، ورأيت أن التبسيط أبلغ من الحشو والإطناب.

كبداية، نجزم أن كلا من حسن الترابي والصادق المهدي لعبا معا بشكل عام، أو كل على حدة في تدمير السودان، والأخطر إذا أتفقا كما في الفترة الأخيرة. ومعنى ذلك أن الصادق المهدي إلى اليوم يتآمر علي الشعب السوداني، إذ صار هو الوارث الحقيقي للراحل حسن الترابي بإتفاق حقيقي مباشر بينهما، ويحمل الصادق المهدي الآن ما يسمى “وديعة رابين!!“ كمصطلح سياسي. ومعنى ذلك، أن الصادق المهدي اصبح “الممثل المسرحي” وأنجاله على الشعب السوداني، ويتماهي معه النظام القائم بحذر، كي يمرر الصادق المهدي أجندة خفية لبقاء وديمومة النظام القائم ولكن بقناع جديد، بعمل مسرحي إحترافي أكثر دقة وحصافة من مسرحية المفاصلة 3 ديسيمبر 1999م.

بغض النظر عن الخدعة الأولى التي تسمى المفاصلة 12 ديسيمبر 1999م، وهي حركة (خدعة) مسرحية للإنحناء مع الريح لإمتصاص شدتها التي هبت من قبل دول الخليج والإتحاد الأوروبي والولايات المتدة الأمريكية، لإسقاط “دولة الإنقاذ”، عندها استخدم حسن الترابي القانون رقم 31 من قوانين فن استخدام القوة الذي يقول:

The best deceptions are the ones that seem to give the other person a choice: Your victims feel they are in control, but are actually your puppets. Give people options that come out in your favor whichever one they choose. Force them to make choices between the lesser of two evils, both of which serve your purpose. Put them on the horns of a dilemma: They are gored wherever they turn.

وترجمته:
أنجع الخدع هي التي تبدو وكأنك تعطي الآخر خيار: ضحاياك سيشعرون أنهم يمتلكون قرارهم، ولكن في الحقيقة هم دُمَى في يدك. أعطي الناس الخيارات التي تنتهي لصالحك سيان أي خيار يختارون. أجبرههم ليختاروا الأقل شرا ما بين شرين، كلاهما يخدم غرضك. ضعهم (الناس) على قرني معضلة (قرني ثور)، أينما أتجهوا يمكنك نطحهم.

لا نرغب أن نطيل هنا، الكل يعرف “المنشية” و “القصر”. فأيهما أخترت، أو أينما رغبت الجلوس أو الإتجاه، ينطحك حسن الترابي، تصبح دُمَية في يد حسن الترابي. هذه الخدعة ليست فقط طبقت على الشعب السوداني، بل أيضا على دول الخليج، ولكن بينما أنخدعت دول الخليج وأختارت “القصر”، لم تنخدع الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، عصلجوا، لم تمر عليهم الخدعة.

نفس هذا القانون رقم 31، الخدعة، أستخدمه حسن الترابي للمرة الثانية، حين جلس وأستمع لـ “خطاب الوثبة“، في 27 يناير 2014م. هذا الخطاب كتبه حسن الترابي، وعجز عمر البشير في قراءته. هذه الخدعة الثانية هي بعنوان: “النظام الخالف”.

كيف؟ بكلمات بسيطة: “حسن الترابي يرغب أن يكون كافة النظام السياسي السوداني محصورا في حزبين فقط”. على طريقة وسُنَّة الولايات المتحدة الأمريكية.

لنشرح أولا القانون 31 كيف يعمل في الولايات المتحدة الأمريكية ذات نظام الحزبين:

القوة اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية تقسم نفسها بشكل مصطنع إلى نصفين، كل نصف يدعم حزبا من الحزبين الجمهوري والديموقراطي. كل نصف يرشح في كل من الحزبين ويصعد “رئيس متصهين”، وهكذا الشعب الأمريكي مجبور على أن يختار الأقل شرا، وأيهما يختار يخدم غرض الصهيونية اليهودية. وهكذا يتخيل “الضحايا” الأمريكيون أو يشعرون إنهم يمتلكون قرارهم.

ماذا يرمي حسن الترابي عندما طرح “النظام الخالف” في السودان مع خطاب الوثبة في 27 يناير 2014م؟

أولا أن يجمع “كتلة الإسلاميين” في سلة واحدة أي في حزب واحد. الترابيين، وحزب الأمة، والإتحاديين، والأخوان المسلمين، والسروريين، والسلفيين الوهابيين (سيان، دواعش، أو قاعدة الخ)، والصوفيين وكافة الطرق الصوفية، وكل من يتعاطف مع أيديولوجية الإسلام السياسي (ما عد الخط الشيعي، الذي أثبت أنه رقم صعب لذا أغلق حسن الترابي المراكز الشيعية).

ثانيا، كل من لا ينخرط أفرادا أو أحزابا أو جماعات في “كتلة الإسلاميين” اعلاه، سيشكلون جميعهم إستقطابا وكتلة تحالفية مقابلة، غالبا “العلمانيين”، اليسار، والقوميين، والديموقراطيين، وغير المؤيدين لأطروحة الدولة الإسلامية.

بتعبير آخر، رغب حسن الترابي “بالنظام الخالف” بعقل بارد أن يعمق قسمة المجتمع إلى “إسلامي” مقابل “علماني”، تنتهي هذه القسمة إلى كتلتين متضادتين، ثم إلى حزبين، بعد جيل أو جيلين.

لذا شمرت الجامعات السودانية مبكرا في رسم الخريطة الدينية السوسيولوجية في السودان وإعادة تركيبها، فمر علينا ما يسمى بـ “توحيد أهل القبلة”، وكذلك “دمج التعليم الحديث في التعليم الأصيل”، والكثير من منظمات مشابهة، والتركيز بشكل خاص على قيادات الطرق الصوفية، إغوائهم بالمناصب، والأموال، والحج المجاني الخ وهذا التركيز على القيادات الصوفية أو كما يسميها دكتور علي علوان بـ “الكابينيت cabinet” ليس مصادفة، فمن منظور علم النفس الإجتماعي، إذا استطعت تغيير قيم القائد أو القيادة الروحية يمكنك تفكيك بنية الطريقة الصوفية كما تفك حبات السبحة. وكذلك بإجلاسهم مع الوهابيين التكفيريين، وتأليفهم. ونقول، هذه المناحي من الأنشطة السابقة تعانق الخاتمة: النظام الخالف، تدلل أن حسن الترابي هو الذي يدير من الخلف، وأن “مفاصلة 1999م” مسرحية كذوبة، عرجاء.

أين يكون موقع حزب الأمة في “النظام الخالف”؟

كما قلت في إحدى مقالاتي، أن أطروحة “الصحوة الإسلامية” للصادق المهدي 1965م هي كرت مزايدة لما أحترب في الساحة السياسية فجأة نحو غنائم الملك فيصل، فمن جانب الراحل الهادي عبد الرحمن المهدي ورئيس وزرائه محمد أحمد محجوب نالوا حظوة الملك فيصل ومكرماته، ومن الجانب الآخر الشاب السوربوني حسن الترابي أقربهم إلى قلب الملك فيصل وعطفه وكرمه حتى غدا مستشاره في شؤوون حكم المملكة، فكيف ينافس الصادق المهدي المتنافسين؟ فَسَلَّ الرجل سيف “الصحوة الإسلامية”.

كما تشير الدراسة، الآنية، وتحتاج إلى المزيد من مشاركة المشاركين، يكون موقع الصادق المهدي في الكتلة الثانية في النظام الخالف، كتلة “العلمانيين“. حيث له القدرة في التخندق في المنطقة الرمادية، ما بين الإسلاموية والعلمانوية، في مقابل الكتلة الأولى “الإسلاموية الصرفة”، طبقا للنظام الخالف أو القانون 31. وهكذا يمكن لحزب الأمة أن يلعب دورا رئيسيا، بقيادة الصادق المهدي في ديمومة “الدولة الإسلامية” وهو السياسي الذي من ثوابته: “لن نقبل بنصيب الفار في عليقه الفيل"، و “نحن ما بنتردف”. وعليه، حول الصادق المهدي سيتحلق ما يسمى بالعلمانيين، ويجرهم جرا، لمنطق المنظومة التي رسمها حسن الترابي في “دولته الإسلامية” في إطار النظام الخالف.

وقبل أن نسترسل أود القول، إنني أفرق ما بين الصادق المهدي، وجماهير حزب الأمة. فهذه الجماهير ضاقا هي نفسها ذرعا من الصادق المهدي، عليك تأمل خطاب الصادق المهدي في يوم 20 ديسيمبر، في اليوم الثاني من وصوله. كان خطابه ضعيفا مما دفع جماهير حزب الأمة إلى الإحتجاج في حضرته والتزمر وربما خرج من عضوية الحزب الكثير من جمهور الأنصار، الذي يريدها “تسقط بس”.

ومن أطروحاته التي تثبت الخدعة قوله بلسانه في ذلك الخطاب الهام “ضبط معادلة الدين والدولة”، ويعني أن الصادق المهدي ليس مع الدولة التي تسمى علمانية بصريح العبارة (من المهم أن يعرف القاريء الكريم أن الإسلام علماني، وإنه من الخطل أن يتصارع المجتمع السوداني حول مقولة ومتقابلة زائفة “إسلامي/علماني”. ومن الطريف أن حسن الترابي قبض لسانه في شاهد على العصر (ج#14) حين ذكر بعبارة صغيرة أن المسلمين علموا الغرب الإنتخاب بمعنى „البيعة“، ثم لم يزد فيها إستدراكا، وانتقل لنقطة أخرى بخفة شديدة). هذا فضلا إنه في الديموقراطية الثالثة حين كان الصادق المهدي رئيسا للوزراء نجده لم يلغ قوانين سبتمبر، وهنا ذهب بعض المحللين، بحسبه متواطئا مع حسن الترابي في إنقلاب يونيو 1989م. وكذلك في خطبته الأخيرة 20 ديسيمبر لم يستطع الصادق المهدي أن ينطق لفظة “إسقاط النظام”، وأخذ يكرر ألفاظ مثل الشعب يريد “نظام جديد”، والكثير من العموميات.

ولكن يمكننا الجزم، أنه في كل حركاته وسكناته خارج السودان وإتفاقياته مع الحركات المسلحة السودانية في كامبالا، أو أديس أبابا أو باريس، تجنب الصادق المهدي مقولات بعينها، وضغط بثقل شديد على الحركات المسلحة بأن تسقط مقولات بعينها مثل “إسقاط النظام”، و تجنبه الإجابة على السؤال كيف يحكم السودان، بدولة إسلامية أم علمانية، وأخيرا رفضه القاطع محاسبة عمر البشير وجلاوزته في ذبح السودانيين كافة وأهل دارفور خاصة.

ولكي لا نشتت ذهن القاريء الكريم، الصادق المهدي نسق مع حسن الترابي، أو بالأحرى حسن الترابي جلس مع الصادق المهدي جلسة مطولة ليس بكونه “مردوفا”، بل بإعتباره مكونا أساسيا في “نظامه الخالف“. هذه الجلسة أملتها سقوط مرسي في 3 يوليو 2013م الذي كان سقوطه صدمة عنيفة لحسن الترابي وعمر البشير، وجلاوزة النظام. إذ كان مقررا أن يعلن محمد مرسي “الدولة الإسلامية” في 5 يوليو 2013م. وبل كان معدا سلفا أن يزور عمر البشير مصر في 3 يوليو 2013م، لسخرية الأقدار. بينما صرح حسن الترابي في الدوحة في 14 يونيو 2013م إنه يقترح وحدة ما بين مصر والسودان وليبيا. وهكذا أتضح شيئان أولا، أن المفاصلة مسرحية كاذبة، ولا عداء بين الرجلين، وثانيا الإستنتاج أن دولة محمد مرسي الإسلامية التي كان مقررا إعلانها هي من ثلاث دول مصر والسودان وليبيا، طبقا لإقتراح حسن الترابي.

كثيرا ما كتبت في السنوات الماضية أن حزب المؤتمر الشعبي ليس حزبا، بل شيء مؤقت، عارض، لافتة ربما يتخبى تحتها التنظيم الخاص، مهما تكن التسمية، فحزب المؤتمر الشعبي هو نتاج قسمة المفاصلة المصطنعة في 12 ديسيمبر 1999م، طبقا للقانون 31. وبعد سقوط مرسي في 3 يوليو 2013م، قرر الترابي أن يلم شمل شعثهم، أي إلغاء المفاصلة، وإنطلاقا من خطاب الوثبة 27 يناير 2014م قرر الترابي جمع المؤتمرين وتذويبهم في „النظام الخالف“ وجر كل الأسلامويين تحت سقفه. بيد أفادت المفاصلة حسن الترابي كثيرا داخليا حين يتبرأ من “لصوصية الإسلامويين” بحسبهم محسوبين على المؤتمر الوطني، وليس على الشعبي، بينما في الأصل لم تكن المفاصلة إلا خدعة لدول الخارج لحماية النظام.

وطبقا لتحليلي الإستقرائي، إن الصادق المهدي قد أنطلق في لعب دوره المرسوم في إطار تطبيق “النظام الخالف” بدءا من تصريحاته الفجة (شيء غريب مو من طبائعه!!) ضد “قوات التدخل السريع” وسجنه ما يقارب الشهر ثم إطلاق سراحه في 15 يونيو 2014م. هذا الحدث في تقديري حدث مسرحي لكسب ثقة الحركات المسلحة، ونقصد الموقعين لتحالف قوى نداء السودان. ثم قبل ذلك بكثير حين أخذت كريماته المبادرات الشعبية، وخاصة الدكتورة مريم، وتوقيعها مع الموقعين “وثيقة الفجر الجديد” في السادس من يناير2013م. وبل كُسٍرت يدها في ود نوباوي، فهل فعلا كُسِرت يدها؟ ثم حين رجوعها في 18 نوفمبر 2018م أمتطت مع شقيقها السيارة الرئاسية من مطار الخرطوم؟! ومن الألغاز، غادر الصادق المهدي السودان في شهر أغسطس 2014م، لباريس، ولكن كل محاولاتي فشلت في تحديد اليوم الذي غادر فيه الصادق المهدي مطار الخرطوم، كل الصفحات الإسفيرية تشير إلى أغسطس دون ذكر اليوم، فهل غادر سرا؟

تسخر الأقدار من كل من الصادق المهدي وعمر البشير ، وأيضا من كمال عمر عبد السلام عراب “النظام الخالف”، حين يصل الصادق المهدي في اليوم الذي انطلقت فيه شرارة ثورة ديسيمبر، مما اسقط في يده، وأخذته الحيرة واللجلجة من تلابيبه كي يخرم على البيئة وزرع مليار شجرة في السودان، وهشاشة العالم العربي، وحرب اليمن، وتكتيف إيران وتركيا بمعاهدة، ونضاله مع الاتحاد الأفريقي، ومساهماته الفكرية بأن يضع الإتحاد الأفريقي خارطة طريق كيفية تكون المسائل الإجرائية في عمل الإنتخابات في أفريقيا (ربما كان تفكيره أن يركب قطار تحالف 2020!!)، وكسبه من ست محاضرات استراتيجية، وثلاث مؤتمرات في الأردن ودول المالديف، ونادي مدريد، و “سودانيون بلا حدود” ومدخراتهم تزيد عن ستين مليار دولارا، ثم “بوصلة صداقة السودان”.. وهي دروس للمجموعة الدولية كيف تتعامل مع السودان!! هل هي جهوزية أو هي مقدمات أن يصبح الصادق المهدي رئيس وزراء النظام القادم طبقا للنظام الخالف (استحداث منصب رئيس الوزراء في 27 ديسيمبر 2016م)؟ ونترك للقاريء الكريم حرية البحث وقراءة تفاصيل “الخناقة” ما بين كمال عمر وعلي الحاج، ثم صار الرجلان عسل على لبن. هذا “الكمال” أيضا عكليد مثل الصادق المهدي، ما بيحب “يتردف”، فصار أحد حراس “وديعة رابين” ومن القلائل الذين يعلمون “سر المعبد”، ليس كله، بل بعضه.

ومن القرائن على تآمر الصادق المهدي وتواطئه هو تعيين إبنه مستشارا لرئيس الجمهورية في يونيو 2015م. ولكن كيف؟ فقد أعيا تفسير هذا التعيين جميع المحللين السياسيين، وحتى خبراء التكتيك والإستراتيجيا. ببساطة نقول، أن عبد الرحمن الصادق المهدي ليس سوى “سلك الإتصال” بين رئاسة الجمهورية ووالده. وهكذا يضمن شركاء النظام الخالف التآمري السرية المطلقة، إذ لا يمكنهم التواصل المباشر، ثم لا ضمان مع طرف غريب ثالث بأن يلعب دور “البوسطجي”.

نكرر، ثورة ديسيمبر كانت مفاجئة غير سارة للصادق المهدي ولمن جندوه لصالح النظام الخالف، وبالرجوع للقانون 31، يفترض هذا القانون وجود حزبين فقط لا ثالث معهما، لذا فكل مؤسسات النظام الأمنية، والسياسية، والتعليمية والإعلامية والإستراتيجية لعبت وستلعب متضامنة لبلورة الواقع السياسي السوداني في إتجاه صب الشعب والتاريخ السوداني في قالبين فقط، متضادين متقابلين على مقولة إسلامي/علماني. وهذه جريمة أخرى في حق الشعب السوداني، بل في حق العقل البشري. وليس هنالك أدعى للسخرية من عمر البشير الذي يوهم الشعب قوله سيكون على مسافة واحدة من الجميع، ولا يعني هذا حلمه في بقاء النظام بدغدغة عواطف الجماهير الهادرة فحسب، بل أيضا صَنَعَ من نفسه نقطة القياس.

وعليه نضع بإختصار أهداف تحركات الصادق المهدي التي هي بمعزل عن قيادة حزب الأمة القومي، من منظور القانون 31:

1. جر الحركات المسلحة إلى النضال السلمي، بدلا من رفع السلاح، وإلى المنطقة الرمادية “علمانوية إسلاموية”. وشعارها حريات وسلام وعدالة بلحاظ “دولة إسلامية”، لا بلحاظ “دولة علمانية“.
2. أن يلعب حزب الأمة القومي “دورا رئيسيا” بصفته الكرت الإسلامي الثاني (الأقل شرا) بجانب الكرت الأول الإسلامي “الصرف“. المؤتمر الوطني سيتم تغيير اسمه، كذلك سيختفي حزب المؤتمر الشعبي، أي كلاهما سيتم تذويبهما في الكرت الأول (كرت السلطة القائمة وحلفائه السلفيين والصوفيين). وطبقا لذلك، أي النظام الخالف، وفي إعتقاد حسن الترابي، أيما كرت من الكرتين يختاره المواطن السوداني سيتم “نطحه“. هذه هي الخدعة الجديدة.
3. ألا تطالب الحركات المسلحة، أو غيره من ال 52 متهما، بمحاسبتهم والبشير عبر المحكمة الجنائية.
4. لن يتم التنازل عن مقولات بعينها “دستور إسلامي”، “تطبيق الشريعة”، “دولة إسلامية”، وهذه هي عقدة النجار.

قديما قال المتكلم الكبير هشام بن الحكم (ت 179 هـ): “ أول شغب الرجل تعلقه بالألفاظ”. هذه النقطة (الدولة الإسلامية!؟) ستكون الصخرة التي سيتمزق عليها السودانيون عند محاولتهم كتابة دستور جديد للبلاد، لذا يجب على “تجمع المهنيين” أن يركز على تفسيرها في الدستور الإنتقالي الذي سيحكم الفترة الإنتقالية ذات الأربع سنوات، وحبذا تفسير المتقابلة antithesis إسلامي/علماني في الدستور الإنتقالي، والتمسك بأن “الإسلام علماني”، وأن “العلمانية” لا تعني سوى “البيعة” أو الإنتخاب. وأول ما ظهر مصطلح علماني secular في “العقد الاجتماعي” لجان جاك روسو، تلميذ الفيلسوف العربي المسلم فيرمين أبوزيت firmin abauzit، الذي علم الفلاسفة الفرنسيين ومنهم جان جاك روسو، أن الحاكمية تستمد مشروعيتها من “بيعة الشعب” وليست من “مباركة البابا الإلهية” not divine but secular، أي صناديق الإنتخاب، راجع هنا https://en.wikipedia.org/wiki/Firmin_Abauzit

3. كنت من أوائل من كتب في هذا الموضوع كصدى لمقالة قرأتها في عام 1992م لمحمد معروف الدواليبي بصحيفة الشرق الأوسط، أي استحضرتها من الذاكرة بعد تسعة عشرة عاما، وكان مقالي، وتجده هنا https://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-9846.htm الذي كتبته في 7 يونيو 2011م ولكن مع الأسف لم يهتم به لا الإسلامويون ولا من يحسبون من قبيلة اليسار والتنويريين. كلاهما تهرب منه، ولكل عذره. فالأوائل ارتعبوا أن تنسف لهم مقولة زائفة عمرها ثمانون عاما أطلقها بنو سعود والإخوان المسلمين أن “العلمانية” تعني فصل الدين عن الدولة، أو الدنيوية الإلحادية. ويعزى هذا التحريف إلى ثورة الشعوب الأوروبية على الكنيسة الكاثولوكية وإلى لجوئهم إلى صناديق الإنتخابات بدءا من الثورة الفرنسية. فبريطانيا وبنو سعود لن يسمحوا لسكان الجزيرة العربية أن يربطوا مصير الثروة البترولية بوريقات توضع في الصناديق. لذا حرفوا مدلول “العلمانية” بتفسير أخرق وغير عقلاني “فصل الدين عن الدولة” مبررا لرفض “الإنتخاب” كنتاج للدولة الأوروبية الملحدة. ولمن نسي، الوهابية وأتباعها في الدول العربية، وإلى اليوم، يحرمون بل يكفرون الإنتخابات ويعتبرون البرلمانات رجس من عمل الشيطان!!

أما قبيلة اليسار والتنويريين، فخوفم من مقولة “الإسلام علماني” يُعزى إلى الشك في أن تكون في المقولة خدعة مبطنة. لم يدركوا أن المصطلح تم تحوير وتزييف مدلوله، ولم يدركوا أن العلمانية secularism لا تعني سوى البيعة، أو الإنتخاب بالمعنى الحديث. وليس فقط الإنتخاب، بل تعني العلمانية أيضا إن الشعب هو من يضع دستوره، بعملية صحيحة لا لبس فيها ولا تدليس ولا خج.

الفارق ما بيننا والدول الغربية هو الوعاء الثقافي. فليس من مهام الدولة في الدول التي تدين بدين الإسلام أن تراقب ضمائر الناس، وماذا يقرأوون، يصلون أو لا يصلون، تلهب ظهور الناس بالكرابيج الخ، فخذ مثلا دولة مثل المملكة السعودية التي تدعي إنها دولة إسلامية، تحكم بكتاب الله كما تدعي، بلغ فيها الفساد الأخلاقي والمالي والظلم مبلغا لا تجده حتى في الدول الغربية. الشذوذ الجنسي بين الصبيان بلغ في مدارسها وجامعاتها 90%، خاصة القصيم، وتفشي المثلية بين الفتيات فاق ال 50%، فتعبير “بوية” (من boy) من المشهورات في المملكة، وتعني الفتاة تلعب دور الرجل وتختار لها صبية جميلة تلعب دور المرأة في الحراك الجنسي المثلي، وأترك جانبا أكثر من 50% من الشعب السعودي يعيشون في بيوت من صفيح وتحت خط الفقر. ونهب المال العام في الشريحة العليا سنة “حميدة” قائمة، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق شيء إعتيادي (وما قتل خاشوقجي بالمنشار إلا رأس جبل الجليد!!). وكذلك أخذت دولة الترابي الإسلامية خطى بني سعود الحجل بالحجل والنعل بالنعل.

لذا نقول للقابضين راتبا شهريا من السفارة السعودية في الخرطوم أمثال عصام أحمد البشير من تخدعون؟

وفي إطار مفهوم الإسلام علماني، نقول، وظيفة الدولة تتمثل في توفير معينات ومعززات العفة، والتنوير، والتطور والصلاح فقط. أي تعزيز السلوكيات النبيلة والجميلة دون أن تتأله الدولة، ودون أن تتدخل مطلقا في سرائر الناس والحد من حرياتهم وشؤونهم الخاصة. يقول نبينا (ص): “أمرت أن أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر”، وكذلك قوله (ص): “إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس، ولا أشق بطونهم”. ففضلا عن فصل السلطات الثلاثة، وتقوية الإقتصاد، وتكافؤ فرص العمل، وتوفير معينات طباعة الكتب من أجل نهضة علمية وثقافية، وتطبيق القانون على الجميع، وتوفير العدل لكافة المواطنين الخ، فمن مهام الدولة دستوريا أيضا العدل دون (تأله). ولقد تعجبت من خطلات وخزعبلات وتنطع حسن الترابي يصف فهمه للإسلام مع أحمد منصور إذ يرغب في تنزيل الدين على الجميع فردا فردا، ومعنى ذلك بلغة بسيطة “أن على كل سوداني في دولة الترابي في كل حركاته وسكناته أن يذكر الله في سريرته في صحوه ومنامه وعمله وقيامه ..الخ!!“. هذا التفكير العبيط (على الطريقة المطوعين الوهابيين) أنعكس على سلوك دولته تجاه المجتمع السوداني فباءت دولته بالفشل. فهذا التنطع بالتدخل في “مقدار” إيمان المسلم بالله لم يمارسه حتى نبينا الكريم (ص). ولم يمارس الإكراه والخديعة وفقه الحسبة (أن تكذب على المجتمع لصالح التدين وتعتقد أنك مثاب!!)، وكان الصدوق (ص) حتى مزاحه صدق، وحتى المنافقين لم يمسهم بسوء.

رمية أخيرة:
شاهدت أربعة حلقات للصادق المهدي في شاهد على العصر، مع أحمد منصور، وكاد الرجل أن يفتنني، ولكن أحمد الله أن بصرني إنه يخادع في بعض النقاط الهامة. وأترك جانبا في هذه الحلقات كان الصادق المهدي يشقشق بطلاقة البلابل، وسبحان الله في 20 ديسمبر، أخذ يتلعثم وتتعثر الألفاظ على شفتيه أمام جماهير الأنصار. وحين بلغت الحلقة الرابعة، كاد الصادق المهدي أن يأخذ بتلابيبي مصدقا روايته عن براءة حزب الأمة من إنقلاب 1958م، وكانت مرافعته ممتازة. ولكني أستدركت وقررت اختبار بعض نقاط السرد التي مر عليها الصادق المهدي مرور الكرام، فكان حظي خيط بكري الصايغ في الذكري التاسعة والأربعين علي انقلاب عبدالرحيم شنان - 2 مارس 1959.وخفاياها..وأسرارها! الذي كتبه في 16 مارس 2008م، وأقتنعت أن الإمام الصادق لا يقول كل الحقائق. ونصيحتي لبكري الصائغ أن يضع كل مقالاته في كتاب كي لا تضيع مثلما ضاعت أهم مقالاتي في الأنترنيت، بعض المقالات تم حجبها، كيف؟ لا أدري.

فمثلا لعل الصادق المهدي يجيب على سؤالين بعد قراءتي لخيط بكري الصائغ:

1. في هذا الظرف العصيب الذي عاشه الراحل والده الصديق المهدي في أكتوبر/نوفمبر 1958م، والسودان سياسيا يغلي كالمرجل، وبل انطلقت إشاعات وتكهنات بقيام انقلاب عسكري، لم أختار الراحل والده، وهو ورئيس حزب الأمة وقتها، السفر إلى إيطاليا؟ كيف نفسر هذه السفرة؟ إنه مشارك في وموافق على الإنقلاب وفضل السفر كـ alibi لرفع العتب؟
2.كيف نفسر إغراق السودان بالمعونات الأمريكية، قبل وبعد إنقلاب إبراهيم عبود؟ رغم تفاهتها، بضعة بصات ركاب، وبناء شارع المعونة ببحري، لكن معناها أكبر من ذلك بكثير، حين نتفحص حدة المعركة التي كان يديرها جمال عبد الناصر ضد واشنطون. ألا يعني أن حزب الأمة ممثلا في عبد الله خليل مارس لعبة “عدو عدوي صديقي”؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,364,062,227





- شفيق الزمان.. خطاط المسجد النبوي الذي فاجأ السعوديين بجنسيته ...
- قلق إسرائيلي حيال أمن اليهود في ألمانيا
- وزير خارجية ألمانيا: ليس على اليهود إخفاء هويتهم لا في بلدنا ...
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية ضد المسجد الأقصى
- نجمة داود ولماذا قدمها اليهود؟ – عباس مالية
- السديس يطالب المسلمين بتخفيف الزحام على المسجد الحرام لإنجاح ...
- قائد -مداهمة بن لادن- يكشف لـCNN ما قاله للجنود قبل العملية ...
- سفير السعودية في الإمارات يغرد عن -التشيع الصفوي- وكيف بات ا ...
- وكالة: مقتل 25 جنديا وعدد من المدنيين على أيدي -بوكو حرام- ب ...
- -فتوى دستورية- لتأجيل موعد الانتخابات الرئاسية في الجزائر


المزيد.....

- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - شوقي إبراهيم عثمان - الخدعة