أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - محمد عبد الشفيع عيسى - أنهار العسل والحليب لا تتدفق دائما مع الاستثمار الأجنبي..!















المزيد.....

أنهار العسل والحليب لا تتدفق دائما مع الاستثمار الأجنبي..!


محمد عبد الشفيع عيسى

الحوار المتمدن-العدد: 6165 - 2019 / 3 / 6 - 23:52
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    



فلنبدأ هذا المقال بسؤال افتتاحي مهم: ماهي العوامل الرئيسية المفسرة لتدفق الاستثمار من الدول و الشركات الأجنبية إلى البلاد المضيفة لهذا الاستثمار..؟
رغم ما يبدو من بساطة السؤال إلا أن الإجابة عليه عسيرة نوعا ما. و فيما يلي نشير إلى بعض من تلك العوامل في عجالة:1- انطباع صورة معينة عن البلد من وجهة نظر الحكومات والمستثمرين الأجانب. ومن هذه الزاوية قد تكون الصورة الانطباعية التي يكوّنها الآخرون أهمّ من الواقع نفسه أحيانا. وتلعب عدة عوامل فرعية أدوارا أساسية في ذلك، مثل مدى الاستقرار الأمني والسياسي، و كفاءة و فاعلية جهاز الدولة، ووضع الحريات الأساسية للمواطنين و الأجانب. 2-مدى وضوح و استقرار وفاعلية الإطار التشريعي اللازم لجذب التدفقات من الخارج وتوجيهها إلى القطاعات ذات الأولوية، ومن ثم زيادة المنافع و تقليل الخسائر المحتملة؛ و كذلك آلية إنفاذ القانون والتقاضي، و درجة الفساد الإداري والاقتصادي. 3- مدى توفر عوامل الإنتاج وخاصة من حيث قوة العمل الماهر، و الوفرة النسبية للموارد الطبيعيةرمن المواد الأولية ومصادر الطاقة، مع ملاحظة أن توفر بعضها قد يشجع على اتباع ما يسمى بمسلك "التماس الريع"، أي الاكتفاء بما تدرّه من عائد مالي لفترات زمنية معينة دون التطلع إلى بناء قواعد إنتاجية طويلة الأمد. 4- "القدرة على استيعاب رأس المال" في المشاريع الإنتاجية، وخاصة من حيث مرافق البنية الأساسية، وكفاءة الجهاز المصرفي و أسواق المال. 5-مدى وجود قطاع محلي للأعمال قادر على استقطاب رأس المال الأجنبي والمشاركة معه في القطاعات ذات الأولوية. 6-مدى توفر رؤية استراتيجية مفصلة ذات أولويات محددة مع القدرة على التنفيذ في مدى زمني معين. 7-الاعتبار الاستراتيجي المتعلق بموقع الدولة نفسها من النظامين الإقليمي والدولي، وكلما كانت الدولة قادرة على بناء دور فعال وتأسيس نفوذ معين في إقليمها والعالم، وعلى تأمين هذا الدور والنفوذ، كلما ارتفعت قابليتها لاجتذاب رأس المال الأجنبي. كما أنه كلما ارتفعت درجة التهديد التي تمثلها الدولة لتوازنات القوى السائدة كلما زادت درجة تعرضها للخطر.
هذا فيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي عموما، أما فيما يتعلق بصيحة العصر الراهن، أي الاستثمار في المجال الرقمي – مجال المعلومات والاتصالات – داخل البلدان المضيفة أو المرشحة لاستضافة ذلك الاستثمار، مثل مصر، فإن الأمر يتطلب ضرورة إدراك الخلفيات الكامنة وراء اتخاذ الشركات العملاقة لقرارها الاستراتيجي بالاستثمار خارج الحدود، في بلد معين، وذلك من النواحي التالية:
ا- توفر البنية الرقمية الفعالة داخل البلد المضيف للاستثمار، وذلك بالمعني الشامل والعميق للبنية الرقمية، وليس بالمعنى الضيق لدى العديد من حكومات البلاد النامية، بما فيها مصر أيضا، و الذي يتمثل غالبا في مجرد توفير النطاق العريض والسرعة العالية لنقل البيانات عبر الإنترنت علي امتداد المساحة الجغرافية للبلاد . و تشمل البنية الرقمية الفعالة بالخصوص، توافر الكادر البشري القادر على التعامل مع الآليات الرقمية، من حيث بناء نظم المعلومات ، وقواعد البيانات ، وأعمال التخزين والسحب والاسترجاع ، والمعالجة المنطقية والرياضية المعقدة ، وتحاليل البيانات الكبيرة big data analytics . كما تشمل البنية المطلوبة أيضا إدماج الأنشطة "الإنترنتّية" في الاقتصاد القومي ككل، من خلال ادخال المشروعات الصغرى والصغيرة في القطاع المنظم العريض للاقتصاد الوطني ، بما فيها الأعمال الريادية ذات الطابع الفردى والنسوي والعائلي.
2- توفر الأنشطة المحلية للبحث والتطوير R&D و الابتكارات التي تمثل بيئة داعمة لأعمال الشركات العالمية الكبرى. وعموما ينبغي توفر "قطاع أعمال" محلي قادر علي تحقيق علاقات الربط مع سائر مكونات الاقتصاد الوطني.
وليكن معلوما في هذا المجال أن الشركات الكبرى إنما تُقبِل على العمل في البلدان ذات مستويات الدخل المرتفعة نسبيا، حتى تضمن مستوى عالياً من المبيعات، بناء علي توافر طلب فعلي، أي "رغبة مدعومة بالقدرة الشرائية"، لفئات عريضة من السكان. و يشمل هذا الطلب الفعلي على سبيل المثال: وسائل الترفيه، و معدات الاستهلاك المنزلي والعائلي، و كذا الطلب علي استخدام وسائط التعامل المباشر مع موردى السلع ومزودى الخدمات من سلاسل متاجر الجملة والتجزئة ذات الامتداد الكوكبي ( مثل "علي بابا" الصينية، و"أمازون" الأمريكية ) .
كما أن الشركات الدولية الكبرى تفضل التعامل مع شركاء محليين قادرين على الدخول في مجالات عديدة من خلال تفعيل الاختراعات بما فيها تلك التي انتهت مدة حمايتها قانونا، أي التى دخلت حيز "المِلْك العام"، بالإضافة إلى المشاركة في أعمال التصميم الهندسي بواسطة الحاسوب، و في تقنيات متطورة من قبيل |"لطباعة ثلاثية الأبعاد" و ما يسمّى "إنترنت الأشياء" القادر على الربط من بعيد أو قريب بين المستخدِم و مختلف الأجهزة والمعدات في المنازل و الأماكن العامة و وحدات الإنتاج.

غير أنه من المهم أن نشير أيضا إلى أن التعامل بين الأطراف المحلية و الشركاء الأجانب له مخاطره المحتملة على الاقتصاد الوطني، الذي قد يفقد تماسكه الداخلي لحساب الأطراف الخارجية القوية والتي تتحكم في عمليات الإنتاج الموزعة عبر أركان المعمورة، وهذا ما يسمى بسلاسل القيمة العالمية.
وبقدر ما أن مؤسسات الأعمال المحلية المشاركة في سلاسل القيمة العالمية للشركات عابرة الجنسيات، يمكنها الاستفادة من الفرص التى يتيحها الوجود الحقيقي أو الافتراضي للشركات العملاقة، فإنها ستواجه تحديات قوية متعددة. ولذلك ينبغي الأخذ في الاعتبار الأثر الايجابي والسلبي للمشاركة ضمن السلاسل العالمية، أو الفرص و التحديات. وتنبع الفرص من طبيعة تجزئة سلاسل الإنتاج الدولية للسلعة أو الخدمة الواحدة في العالم المعاصر، بحيث يمكن الاستفادة من التكنولوجيات المنقولة من أجل بناء "سلسلة محلية للقيمة" بحيث تقوم الشركات المحلية بالإنتاج وتصدر منتجاتها ذات المستويات المتوسطة إلى الأسواق الخارجية الراغبة في استقبال هذه المستويات وفق المعدلات السعرية السائدة في الأسواق الدولية.
ومن الممكن على هذا النحو أن تعزز مكاسب التصدير من القدرة المالية والتكنولوجية للمنشآت المحلية، مما قد يمكّن –في حال الربط مع سائر مكونات وقطاعات الاقتصاد الوطني- من تقوية القدرات الإنتاجية وتسريع عملية التنمية المتمحورة نسبيا حول الذات، سواء على الصعيد المحلّي أو داخل المحيط الإقليي الوسع، مثل الوطن العربي و القارة الإفريقية في الحالة المصرية.
أما التحديات فتنشأ عن تحول البلد المعني، الصغير نسبيا في الغالب، إلي "ملحق" للمنتجين الكبار في الخارج، وهذه حالة بلدان ومناطق مثل سنغافورة وهونج كونج و "ماكاو الصينية"، أو تنشأ عن تكوّن جيوب داخل البلاد، ملحقة بمراكز الشركات و مقراتها الرئيسية، وهذه هي الحالة في أغلب الدول المضيفة للاستثمارات الأجنبية والتي تتوسع في الأعمال المكمّلة لسلاسل القيمة الخارجية من خلال "تعاقدات الباطن" في مجال السلع، و أنشطة "التعهيد"-أي "التشغيل لحساب الغير"- في مجال الخدمات.
وفي حالة البلاد النامية – مثل مصر – التى جعلتها الظروف في موقع صعب تاريخياً، حيث لم تتمكن، لزمن طويل نسبيا، و لسبب أو لآخر، من بناء قواعد انتاجية قوية مترابطة في المجالين التصنيعي والمعرفي، فإنه من المحتمل إلي حد كبير أن تؤدى أنشطة الشركات الدولية داخل البلاد، الي إعادة بناء نموذج " الاقتصاد المزدوج " الذي كان سائدا في عصور الاستعمار القديم، حيث يوجد قطاعان : قطاع أكثر تطوراً ومرتبط مباشرة بسلسلة القيمة الأجنبية، و قطاع أقل تطوراً موجّه لسدّ الاحتياجات المحلية .
ويمكن للبلاد النامية – مثل مصر – أن تتحوط لذلك عن طريق الاستفادة من التكنولوجيات الرقمية لتنمية القطاعات والأنشطة التقليدية في الريف والحضر؛ و بعبارة أخرى: مواجهة الازدواجية " الضارة " المحتمل نشوؤها من جرّاء الاستثمار الأجنبي، بازدواجية "حميدة" تخلق علاقات الترابط الشبكي المتين عبر الزمن من خلال "التنمية الشاملة و المشتمِلة" Comprehensive and Inclusive Development.
ولمزيد من توضيح هذه الحقيقة، نشير إلي أنه ليس من الضروري أن يتم تركيز الاستثمار الأجنبي علي أنشطة القطاع الرقمي فقط– الأمر الذي قد يصعب تطبيقه - وإنما قد يفضل استخدام المتاح من الآليات الرقمية المطوّرة في الخارج، من خلال صيغة " المشروعات المشتركة " Joint ventures مع إسناد جانبي من شركات محلية مخصصة لدرء المخاطر Risk capital، مع العمل على استيعاب التكنولوجيا الرقمية محلياً من خلال الشركات الناشئة Start-ups ووحدات البحث والتطوير وأعمال الابتكارات المحلية والتصميمات الهندسية. ولا بأس من مسايرة الاتجاه العام في عديد الدول النامية المضيفة للاستثمارات عن طريق إقرار حزمة من الحوافز التفاضلية الإيجابية والسلبية ، التي يكون من شأنها التوسع في الاستثمار الأجنبي في المجالات المرغوبة، وفق أولويات تنموية محددة بدقة، في افطار الرقمي و بما يخدم عملية التنمية، لفترات انتقالية معينة ، وذلك حتى يتم "استيعاب التكنولوجيا" محلياً، و من ثم يتم الانتقال فيما بعد إلى التوسع في الاستثمار المحلّي في القطاعات غير الرقمية.
وإنْ شئنا أن نعبر عن خلاصة الأمر باللغة البلاغية، فلنا أن نقول: إن من غير المتوقع أن تنهمر المزايا على شكل "العطايا" بمجرد دخول الاستثمارات الأجنبية إلى بلدٍ ما، إذْ لن تتدفق الاستثمارات على طريقة "أنهار العسل والحليب" المجّانية، ولكن من خلال الرؤية التنموية الفعالة والحساب الدقيق.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,391,138,247
- تأملات فكرية وملاحظات تطبيقية حول -التنمية البشرية- و الفقر
- المحرومون من جنّة الاقتصاد العالمي.. وما العمل؟
- اقتصاديات ترامب الدولية، و..أمريكا التي لا تزال قوية!
- العولمة في الفكر العربي التقدمي المعاصر: سمير أمين نموذجا
- حول الاختراق الأجنبي للوطن العربي: مقارنة مع شرق آسيا، وما ا ...
- أين موقع مصر الآن من الجغرافيا السياسية لمناطق النفوذ الإقلي ...
- البيانات-المعلومات-المعرفة : خطوتان إلى الأمام، خطوة إلى الخ ...
- شذراتٌ عن الهُويّة: سؤال -من نحن؟- وإجاباته المُراوِغة
- المسار اللولبي (الحلزوني) للإمبريالية الأمريكية: دورةٌ للتهد ...
- حول التكامل العربي: الاقتصاد ضحية السياسة، ولكن السياسة هي ا ...
- الثورة الصناعية الرابعة في بلدان غير صناعية: الوطن العربي في ...
- و نحن نتذكر وعد بلفور : ماذا نفعل بقناة السويس..؟
- أفكار اقتصادية من أجل اليسار، ودعوة إلى الحوار
- منظمة التجارة العالمية: مخاطر محدقة وطريق وحيد
- طه حسين والفكر العربي المعاصر: الأدب والتغير الاجتماعي
- الإيديولوجيا حين تصطنع الهوية وتفارق الحقيقة: الصهيونية كمثا ...
- التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية: أضواء نظرية من ال ...
- عطفا على ثورة يوليو والقطاع العام: الوظيفة الاجتماعية للدولة ...
- القطاع العام في مصر في ظل ثورة 23 يوليو 1952 وتحت قيادة جمال ...
- ثورة أكتوبر الاشتراكية وحركة التحرر الوطني : الوطن العربي وم ...


المزيد.....




- هل تنجح مبادرة السراج في إعادة السلام لليبيا؟
- إسقاط طائرة أميركية.. رسائل من طهران تعيد التوتر للمنطقة
- التحالف العربي يعلن ضرب أهدافا للحوثيين في الحديدة تتضمن قوا ...
- البنتاغون يصدر صورة لمسار رحلة الطائرة المسيرة قبل أن تسقطها ...
- التحالف العربي يعلن قصفه أهدافا عسكرية للحوثيين شمال الحديدة ...
- المعارضة السودانية تتسلم مبادرة من إثيوبيا لحل الخلاف على ال ...
- دفعة مالية قطرية لـ 60 ألف عائلة في غزة
- السعودية.. حراك في واشنطن ولندن
- وسائل إعلام: إسرائيل متوجسة من عدم رد واشنطن على إيران
- إصابة مراسل -رابتلي- برصاصة مطاطية أثناء تغطيته الاحتجاجات ف ...


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - محمد عبد الشفيع عيسى - أنهار العسل والحليب لا تتدفق دائما مع الاستثمار الأجنبي..!