أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمد قعدان - نقد علاقات الحزب والحراك الشعبي (الشبابي) بالداخل: يوم الأرض وبرافر















المزيد.....


نقد علاقات الحزب والحراك الشعبي (الشبابي) بالداخل: يوم الأرض وبرافر


محمد قعدان

الحوار المتمدن-العدد: 6145 - 2019 / 2 / 14 - 20:53
المحور: القضية الفلسطينية
    


تمهيد

في هذهِ الورقة سأعالج الحراك الشبابي* بالداخل الفلسطيني من خلال رصدِ جذورهِ السوسيولوجيّة، ومُحاولة كشف عائق الإستمراريّة ومُراكمةِ نضال نوعي مُرتبط ببرنامج مُتكامل ليكون المُضاد البنيوي للكولنياليّة(نمط علاقات إنتاج وسياسات). وأيضاً عرض الحراك الشبابي بالداخل الفلسطيني تاريخيّا في مجالهِ النضالي أي إشتباكهِ مع المُحتل الكولنيالي، ونقد أثر علاقتهِ الشائكة بالحزب. من خلال قراءة دور الحراكات (شبابيّة) في مراحل يوم الأرض وبرافر، ولكن ضمن إستيعاب مُجريات هيمنة الحزب سياسيّا في المرحلة المحددة، مما يخلق هذا العائق، وينفصل بذلك عن تمثيل إحتياجات الشعب الحقيقيّة في سياقها الكولنيالي.
الورقة ستُناقش الحراك الشبابي في الفترةِ التاريخيّة المحددة، المُبادرة والتشكّل وتسييس الشارع الفلسطيني بالداخل في سياق القمع الكولنيالي ونهبِ الأراضي، في يوم الأرض وعلاقة تشكّل الحراك الشعبي وإنخراطهِ بالنضال وتحديده بالمشروع السياسي للحزب(الحزب الشيوعي الإسرائيل الذي يطمح بأن يكون الفلسطينين مواطنيين متساويين في إسرائيل غير صهيونيّة، ويخفي بذلك علاقات القمع والكولنياليّة في البُنية السياسيّة لدولة إسرائيل (راجع مقالتي عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي) وأيضاً حراك برافر وإرتباطهِ بالأحزاب البرلمانيّة. إشكاليّة الإرتباط بين الحزب والحراك، بما أن الحزب يُناضل في ساحةِ الكنيست مما يُمكّن قبولِ التعريفات القانونيّة والسياسيّة للدولةِ وأجهزتها، سأحاول فهمِ هذهِ العلاقة من خلال مُصطلحِ جرامشي "الكوربراتيّة" ويُعطينا بذلك كلمةٍ نظريّة لكشف هذهِ العلاقات، بين الدولةِ، الحزب والحراك.

كلمة نظريّة

في البدايةِ ماذا تعني "الكوربراتيّة" عند جرامشي، وكيف نستطيع من خلال مفاهيم جرامشي الإجتماعيّة والسياسيّة، تحديد ماهيّة العلاقات بين الحراك والحزب بالداخل الفلسطيني. من خلال فهم علاقات الحزب مع المؤسسة الكولنياليّة(الكنيست)، وعلاقات الإنتاج الثقافيّة للحزب بالداخل، وهكذا نمط علاقة الحزب مع المؤسسة ينعكس في علاقاتهِ مع الحراك(الأفراد) التي تبني حدود البرنامج والطموحات السياسيّة. وتتخذ بذلك سقف أدنى (حددته مُسبقاً المؤسسة الكولنياليّة ومُرتبط بحاجات إستمراريّتها) لنضال وإشتباك الحراك مع المؤسسة من خلال المُظاهرات والإضرابات والخ.
مفهوم "الكوربراتيّة" يتبلور عند جرامشي من خلال صياغتهِ لعلاقات السيطرة السياسيّة بين القادةِ والمقودين، بمعنى ما هي الأنشطة العمليّة والنظريّة التي تستطيع بها الطبقةِ البرجوازيّة (الكولنياليّة الصهيونيّة حالتِنا) المُحافظة على سيطرتها وتكسب قبول مُعين من المقودين(1). تنظيم هذهِ العلاقات هو المشروع الذي يضمن إستمراريّة هذهِ الطبقة المُسيطرة. المشروع عند جرامشي يتكوّن من عُنصرين: الأول هو مبدأ التمثيل والأحزاب (وهو ما يهم سؤال الورقة) والثاني الكفاءة التقنيّة والبيروقراطيّة(2).
في ظلّ الصراعات الحقيقيّة الإجتماعيّة يتطلب من القادة أي الطبقة المُسيطرة الحفاظ على توازن مع المقودين دون المساس بالجوهر الذي يقوم عليهِ النظام. وهكذا تخلق الدولة (أي التجسيد المُجرد لعلاقات الهيمنة)، درجات مُتفاوتة من القهر إتجاه المقودين، بشكلٍ نسبيّ يتلائم مع الظروف، الصراعات الإجتماعيّة القائمة :
"ليست هُناك دولة دون سيطرة سياسيّة، دون سيطرة سياسيّة، أو بدون حلول وسطى compromise. وتتحدد درجات القهر coercion المُختلفة وأنواعه بناء على الأشكال العمليّة للسيطرةِ السياسيّة. والتوسع في السيطرةِ السياسيّة، الذي يُتيح للطبقةِ الأسياسيّة تحقيق أهدافها التاريخيّة بتجاوز المصالح الإقتصاديّة الضيقة، يربط الأشكال العمليّة التي تتخذها بالنوع الخاص من التسوية أو الحل الوسط المتوطد بين الحُكام والمحكومين. ولا يمكن التضحية بمصالحها الإقتصاديّة الخاصّة، وهو ما لا بدّ من أن تقوم بهِ الطبقة المُهيمنة لتأكيد وضعيّتها كطبقة قائدة أو مُسيطرة سياسيّا، أن يتمّ تعويضها عن طريق الإحتيال السياسي والتلاعب الأيديولوجي بالمحكومين."(3)
في هذهِ الكلمات تتضح النظريّة الإجتماعيّة، لفهمِ العلاقات القائمة بين القادةِ المقودين، وكيف تتمّ الأنشطة والعمليّات التي تُثبت علاقات الهيمنة وتحديد درجات القهر بين الفئات الإجتماعيّة والإثنيّة المُختلفة لضمان إستمراريّة الطبقة المُسيطرة(لاحظ درجات القهر المتفاوتة بين الفلسطينيين، بالداخل، بالضفةِ الغربيّة وغزة، والشتات). التمثيل في هذهِ الحالة يفقد معناه الإجتماعي، ويبقى آليّة فارغة مضامينها مُجردة عن الواقع، والحزب لا يستطيع أن يخلق علاقات إجتماعيّة جديدة على أسس العدالة والمُساوة عبر المُحددات السياسيّة والقانونيّة للبرجوازيّة، وتنفصل عن مصالح الطبقات المسحوقة في هذهِ الحالة، طالما الدوران يكون في فلكِ توازنات الطبقةِ المُسيطرة.
مفهوم "الكوربراتيّة" هو القبول ضمناً بتعريف البرجوازيّة الرسمي القانوني، لحالاتٍ سياسيّة إجتماعيّة، بمعنى المُوافقة على مُحددات التوازن في خضمّ الصراعات القائمة مما يُعيق الإمكانيّة لتحقيق وتشكيل كتلة إجتماعيّة جديدة(4). بقاء الحزب الشيوعي والحزب المُعارض للبنيةِ والطبقةِ المُسيطرة، في ظلّ الشرعيّة البرجوازيّة، هي تُعيد إنتاج العلاقات الإجتماعيّة في البُنيةِ الرأسماليّة. ويكون نضالها على أساس التوازن والسقفِ الأدنى الذي حددتهُ البرجوازيّة بدون تفكيك المواقع المادّية والقانونيّة التي ترتكز عليها البرجوازيّة. المُمارسة السياسيّة "الغير كوربراتيّة" للبنيةِ القائمة، بإمكانها تحريك المُجتمع في إتجاه التحرر من نير الإستغلال الرأسمالي والتقدم نحو الإشتراكيّة.

عن يوم الأرض

"كانت الجبهة هي الموجه لمشاعر الجزع والغضب الشديدة التي شعر بها ألوف من أهل الجليل من الفلسطينيين الذين سُلبت أراضيهم وبيوتهم منهم بالقوّة."
-إيلان بابيه، الفلسطينيون المنسيون
المُقدمة النظريّة، مهمة لفهمِ العلاقات بين المُثلث الفاعل بالداخل الفلسطيني، الحراك الشعبي(الشبابي)، الحزب والدولةِ الكولنياليّة. من خلال كلمةِ جرامشي النظريّة نستطيع أن نعي أكثر مُجريات يوم الأرض، وأن نناقش كلمات البروفيسور أمل جمال، حول عدم إستثمار يوم الأرض ليكون يوم تاريخي وتعبوي، وتمكين الحراك آليات إستمرار نضال الفلسطينيين بالداخل على أسس العدالة والمُساوة الحقيقيّة(5).
يوم الأرض هو يُعبّر عن نضج التناقضات الموضوعيّة مع الإحتلال، من سلبِ أراضي الفلسطينيين من خلال القوانين الكولنياليّة التي نُفذت(أخص قانون أملاك الغائبين 1950 وقانون دائرة اراضي إسرائيل1960) وأيضاً هدمِ البيوت ومُمارسات الإقتلاع والطرد. ولكن التناقض الموضوعي لا يكفي لوحدهِ، لذلك أيضاً التناقضات الذاتيّة كانت قد نضجت أيضاً وفيها تنبع إشكاليّة المُمارسة. في كلمات إيلان بابيه تظهر لنا العلاقة بين الحزب والحراك، أي صياغة الوعي الذاتي عند الجماهير الفلسطينيّة بالداخل، أي تأطير هذا الوعي في في فلكِ "المدنيّة الإسرائيليّة".
التناقضات الموضوعيّة التي مكّنت لقدوم يوم الأرض، بدأت منذ عام 1972 مع تعديل قانون ضربية الأملاك- دفعُ 2.5% من قيمةِ الأرض سنويّا(وهذا يعني أنه خلال أربعين عام سيدفع صاحب الأرض ثمن الأرض مُجددا)، مما دفع الملاكين الفلسطينيين نحو بيع أراضيهم، وهذا القانون لا يسري على اليهود لأنهم يعملون لأراضي تملكها رسميّا الدولة. وهكذا من خلال القانون تمّ التضييق على الفلسطيني للبيع(6). وفي عام 1974 رسمت الوكالة اليهوديّة خطط الإستيطان في الجليل والتغلغل إلى الأراضي الفلسطينية والمُدن والقرى في الجليل وتقويض كلّ إمكانيّة توسع للجغرافيا الفلسطينيّة، وفي عام 1975 إتخذت الحكومة برئاسة إسحاق رابين، سلسلة من المُصادرات وإغلاق مناطق، وإتباعها بمستوطنات يهوديّة. في بدايةِ عام 1976 صدر المشروع الذي نصّ على مُصادرة أكثر من 30 ألف دونم، في منطقةِ الناصرة وضواحيها، ومنطقة الشاغور، وفي جوار قريةِ المكر(7). المشروع يُهدد بالأساس مُستقبل الفلسطيني في الجليل، ولكن الكلّ الفلسطيني بالداخل هو من صاغ النضال ضد يوم الأرض، هُنا تكمن أهميّة صياغة التناقضات الذاتيّة مع الكولنياليّة، من خلال الواقع الموضوعي لكلّ فلسطيني بالداخل.
في يوم الإضراب الوطني، كان إلتزام كامل بالداخل الفلسطيني، والمُظاهرات والإشتباكات الدمويّة مع رجال الشُرطة، من رشق حجارة وضرب بقنابل المولتوف، في عرابة وسخين خاصّة. وأيضاً إنطلاق المُظاهرات في المُثلث، والناشط أحمد مصاروة من قرية عرعرة كان يقول بأن المُظاهرات إنطلقت بدون توجيه من أحد، تجمعوا الناس وأعددنا المناشير وقاموا بتشكيل الحراك وطرق أبواب بيوت القرية للإشتراك بالإضراب والغضب. الإضراب في يوم الأرض كان لهُ أثر واضح شديد على كلّ مُوظف لدى اليهود(إحتماليّة طردهِ من العمل). ولكن التناقضات الذاتيّة مع الكولنياليّة كما قال أحمد، بأن المواطنين في قرى المثلث لم يضربوا فقط إحتجاج على سياسة سلبِ الأراضي، بل لعدم إستطاعتهم تحمل كلفة الأقساط في المدارس(الأهليّة) والجامعات ودفع الفواتير الصحيّة، ورواتب العمل الزهيدة التي لا تكفي للإحتياجات المعيشيّة(8). الحراك في يوم الأرض كان يُعبّر عن تناقض حقيقي مادّي بين الفلسطينيين والكولنياليّة والأهم بأنهم كانوا على وعي تامّ بذلك، أي أن مشروع "تهويد الجليل" ليس بذاتهِ الموضوع الأساسي للتحرّك، بل البُنية التي تقوم على المشاريع التهويديّة والنهب والإستغلال والطرد والقتل، وهُنا تكمن الإشكاليّة الذاتيّة عند الحزب التي تفرض حدود للمجال النضالي(أي تضييقه) من خلال العلاقة القانونيّة مع الكولنياليّة.
لكي نصل إلى فهم عائق إستمرار الحراك في مجالهِ النضالي، يجب تحديد مقولتهِ السياسيّة المُعتمدة على العلاقات بين المُثلث الفاعل في تلك الفترة. تبلورت مقولة الحراك السياسيّة من خلال توجيه الحزب لهُ. الحزب الشيوعي لديهِ مقولة رئيسيّة تأتي في سياق الردّ على مقولةِ الكولنياليّة السياسيّة الفلسطينيين يجب أن يكونوا "عرب إسرائيل" لكي يستطيعوا أن ينضموا إلى "المدنيّة الإسرائيليّة". والمقولةِ السياسيّة(الردّ) للحزب الشيوعي الإسرائيلي، الفلسطينيين يجب أن يبقوا فلسطينيين وهذا لا يُعارض كونهم جزء من "المدنيّة الإسرائيليّة". ولكن المُعضلة العلميّة التي تنتج عن ذلك بأن إسرائيل هي لا ترى بوجود الفلسطيني المادّي الإقتصادي الأيديولوجي والسياسي، وهُنا تأتي مُمارسات وسياسيات المحو، محو الجُغرافيا الفلسطينيّة وتحويلها ليهوديّة إسرائيليّة، وهذا الإستهداف لكونهم جماعة قوميّة. بمعنى آخر، الكولنياليّة والإستيطان يعي أهميّة القضاء على الجماعة القوميّة الفلسطينيّة المُتعلقة بأرضها كونها عائق أمام إستمراريّته وشرعيّته وتراكم رأسمالهِ، لذلك لن يجد للفلسطينيين مكان كجماعةٍ قوميّة داخل "المدنيّة الإسرائيليّة".
التوجه الذي صاغهُ الحزب الشيوعي الإسرائيلي يُعبّر عن المفهوم السلبي للحقوق والمطالب، "نحن ضد التمييز"، "نحنُ ضد مشروع التهويد الجليل" والخ(9)، وهكذا يفقد الحزب برنامج المُبادرة والتفاعل مع الواقع الفلسطيني بالداخل من منظور علمي، تقدمي(علمي بمعنى، فهم الواقع الكولنيالي في فلسطين التاريخيّة كجزء من مشروع الإمبرياليّة. تقدمي بمعنى يطرح برنامج للتقدم في التاريخ من خلال تدمير كلّ البنى الكولنياليّة في فلسطين التاريخيّة). فُقدان البرنامج، ينبع من القبول بالشرعيّة القانونيّة للبرجوازيّة الكولنياليّة، أي كما تحدث جرامشي عن "الكوربراتيّة" التي تُعيق بناء «البرنامج» كونها تقبل ضمناً تعريفات قانونيّة عن "عرب إسرائيل"، بذلك تمتّ إعاقة إستثمار كلّ عمل شعبي حقيقي مثل يوم الأرض، وكما سنرى حراك برافر. طموحات الفلسطينيين بالداخل في يوم الأرض، من ملكيّة الأرض بشكل عادل، وبدون عائق أمام البناء والزراعة، إلى العمل العادل وشروط الأجور، والتعليم، والتوزيع للموارد، كلّ هذهِ الطموحات ومعانيها هي تفرض مسار التغيير البنيوي نحو كتلة إجتماعيّة مُضادة للكولنياليّة وعلاقتها الإجتماعيّة القمعيّة التي تنتجها وتثبتها مادّيا من خلال فائض الربح للطبقةِ الأشكنازيّة المُسيطرة في تلك الفترة.
في يومِ الأرض من أهم تعبيرات الصحافة والإعلام الإسرائيلي وأخص (هآرتس)- كونها تعبّر عن الأشكنازيّة الصهيونيّة الليبراليّة بشكلٍ جليّ- بأن الفلسطينيين وإضرابهم ومُظاهراتهم وإشتباكهم هو عمل تخريبي مُقلق، ويجب التصدي لهُ(10). بالضبط هذهِ الطموحات التي تُقلق المُجتمع الصهيوني القائم على الإستغلال وفائض الربح من أرضنا وقوّة عملِنا وتخلفنا العلمي، لم يتمكّن الحزب أن يفهم طبيعة هذهِ المطالب، من خلال هيمنتهِ على الحراك(لأسباب إجتماعيّة وتاريخيّة ونفسيّة)، أطر المطالب في مُصطلحات "المدنيّة الإسرائيليّة" التي تُعبر عن التعريفات القانونيّة للكولنياليّة.

عن برافر

"سقط قانون برافر لأننا خُضنا التحدّي بشراسة، نزلنا إلى الشوارع وتصدّينا بشجاعة وتفاني لقمع الشرطة وبطش السلطات الإسرائيليّة. مظاهرات 15 تمّوز، أوّل آب و 30 تشرين الثاني، وضّحت للعالم بأسره أن لا إمكانيّة لتطبيق مخطط برافر وتمرير القانون، وأن شعبنا سيمنع تهجير أهلنا في النقب وهدم قراهم مهما بلغ الثمن."
- من بيان الحراك الشبابي-شعبنا أسقط برافر
السؤال السوسيولوجي الذي نجدهُ في خفايا الإقتباس، هو العائق أمام الإستمراريّة، والعلاقات التي تتشكل بين الحزب البرلماني والحراك الشبابي، وأيضاً علاقة الهيمنة التي تفرضها الكولنياليّة. النضال وإسقاط برافر هو حدث مهمّ وإنجاز ولكن لا يكفي لتحقيق المطالب الحقيقيّة للفلسطينيين بالداخل. وهُنا البحث عن، لماذا لم يتمكن حراك الشبابي(برافر) من تأسيس حالةٍ سياسيّة بالداخل؟
في ظلّ هيمنة التعريفات البرجوازيّة القانونيّة، على الحزب البرلماني. ينبع نضال من أجل الحفاظ على السقف الأدنى، وهُنا الإشكاليّة في نضال الحراك بالداخل، كونه يتبع للحزب وقياداتهِ البرلمانيّة، علاقات الحراك الشبابي بالداخل هي لم تتبلور بشكلٍ مُستقل، كوادر ونُشطاء الحراك(وئام بلعوم، سهير أسعد، نيفين رحمون) هم يتبعون إلى الأحزاب وهذهِ ليست مُشكلة بحدّ ذاتها ولكن الأثر على إستمراريّة الحراك هو المُشكلة. كون الحزب سواء التجمع الوطني الديمقراطي أو الحزب الشيوعي الإسرائيلي، لا يستطيع أن يؤسس لكتلةٍ إجتماعيّة جديدة طالما المُمارسة مُرتبطة بالتعريفات البرجوازيّة الصهيونيّة. الفارق في حراك برافر عن يوم الأرض، هو وجود التيّار البرلماني في صيغةٍ قوميّة وطنيّة(حزب التجمع الوطني الديمقراطي)، وهُنا إشكاليّة الهويّة(المثاليّة) المُنفصلة عن المُمارسة. القصد هو الإشكاليّة عند حزب التجمع الوطني الديمقراطي، طرحهُ هويّة قوميّة في التعريف ولكن في المُمارسة مواطنة كاملة، أي القبول بالتعريف القانوني البرجوازي الكولنيالي. لكي نفهم جذور المُمارسة في ظلّ هذهِ التعريفات القانونيّة الكولنياليّة، علينا أن ندخل إلى عُمق المُحفزات الموضوعيّة لحراك برافر.
مُخطط برافر هو جزء من مُحاولات إسرائيليّة مُبكرة للإستيلاء ونهب الأرض، ففي بداية سبعينيات القرن طالبت إسرائيل الفلسطينيين في النقب بتسجيل ملكيّة أراضيهم في النقب، فقدموا مُقترح للإعتراف بأكثر من مليون دونم من النقب من أراضي البالغة ما يزيد عن ال12 مليون دونم فلم توافق إسرائيل إلا على 6% من أراضي النقب(11) إسرائيل شرعت في التخطيط وإعداد خطط من أجل الإستيلاء على أراضي النقب، منها سياسة التركيز(السياج) التي تقضي بتركيز أهالي النقب في قرى مُغلقة بين مُدن المُثلث ديمونا وبئر السبع وعراد (وهي مُدن يهوديّة أقيمت على الطرد والتهجير) تحت حصار عسكري حتى عام 1970 وبعد ذلك إسكانهم في بلدان غير بلداتهم مُحاولة لقطع علاقتهم في الأرض(12)، لتمكين نهبِ الأراضي بدون مُقاومة الفلسطينيين.
مُخطط برافر يقضي بمصادرة نحو 700 ألف دونم، بما يعني أن يتم حصر العرب الذين يشكلون 30% من سكان النقب في 1% فقط من أراضي النقب. المُخطط تم وضعهُ في عام 2011، تم المُوافقة عليه في حزيران 2013. في البدايةِ عقدت "لجنة المُتابعة العُليا" للمواطنين إجتماعاً تأسيسيّا للنضال في رهط، وإنبثقت "لجنة التوجيه العُليا لعرب النقب" بعد بأسبوع من صدور مخطط برافر، ومن هُنا بدأ نضال الفلسطينيين لإسقاط برافر، هذهِ الخطور التي نتجت عن قيادات الأحزاب البرلمانيّة هي فعل نضالي ولكن في إطار السقف الأدني والتعريفات البرجوازيّة القانونيّة، من خلال موضوعين نستطيع أن نرصد هذا الإطار. الموضوع الأول، الفاعليّة بالمفهوم السلبي، أي إعادة إنتاج الفعل النضالي في يومِ الأرض "نحن ضدّ برافر"، ننتظر تصعيد الكولنياليّة إتجاهنا، للتحرّك والنضال وعدم صياغة برنامج على أسس مطالب وإحتياجات الفلسطينيين بالداخل. الموضوع الثاني، ماهيّة هذا الفعل النضالي، كما يروي الناشط الشبابي وئام بلعوم عن الفعل النضالي الحقيقي:
"لقد بدأ الحراك قبل اضراب 15 تموز، وكانت أهدافه الأساسية هي رفع سقف النضال في مواجهة مخطط برافر، ورفع الوعي للمخطط وربط المثلث والجليل بقضية النقب عموماً وموضوع برافر خاصة. الذي دعى للتحرك هو الجمود والخمول الذي بثته لجنة المتابعة، بحيث انها اعلنت الإضراب ولم تتخذ خطوات فعلية لتنفيذه على الأرض....اعتقد ان قضية بحجم برافر ليس فقط انها تستحق -اخلاقياً- ان نصعد النضال وان نقدم التضحيات من اجلها.  بل انه لا يمكن ان نتحدث عن اسقاط المخطط بدون الاستعداد للتضحية والوقوف امام جرافة الهدم. ولا حاجة طبعاً ان نذكر ان شعبنا قدم تضحيات عظيمة لمواجهة مخططات اكثر خطورة واكثر تهديداً لأرضنا ووجودنا. كل ذلك مع التأكيد ان أي تصعيد يكون مدروس ومتناغم مع نبض الشارع ومع القدرة على التنظّيم والحشد.
وأيضا عن يروي عن مدى جدوى الفعاليّات التقليدية: "وتابع لكن هذا لا ينسينا المهمّة الأساس، وهي إسقاط المخطط. أعتقد اننا كجماهير عربية، أحزاب وحركات شبابية وجمعيات اهلية جادون في ذلك. نعتقد انّه لا يمكن إسقاط المخطط فقط بمجرد تنظيم الفعاليات التقليدية. هذا لا يعني اننا ضد تنظيمها، بالعكس، هي مهمة جداً لأنها تساعد في رفع الوعي وتحشد للفعاليات الكبرى."(13)
وئام بلعوم هو أيضاً أحد كوادر في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، في إطار الحراك الشبابي تبلورت أدوات نضاليّة جديدة، بمعنى خارجة عن الإطار التقليدي للحزب كونها خاصيّة العمل الشعبي "نزلنا إلى الشوارع" ولم ننتظر العمل البرلماني والقانوني البرجوازي ليحكم مصيرنا بالداخل في هذهِ الفترة الحرجة، ولكن السؤال الحقيقي هل فعلاً برافر كان فترة حرجة وأخلاقيّة فارقة؟ ولماذا لم يستمر؟
ما يقارب 40 قرية في صحراء النقب غير مُعترف فيها. هي الأراضي التي يملكها الفلسطينيين تاريخيّا ولكن لا يملكها وفق القانون الكولنيالي منذ عام 1948، ولم يُعترف لهُ فيها. لذلك تبرز حدّة الآلة الكولنياليّة في التعامل مع هذهِ الأرض من خلال الجرف والهدم وقطع الكهرباء والماء كونهم تعدّوا على التعريفات القانونيّة، وهذهِ الحدّة المُستمرة في مُجريات أم الحيران والعراقيب الأخيرة. مُخطط برافر كان يرمي إلى طردِ الفلسطينيين في القرى وتجميعهم في نقاط تركيز. إنتهى الفعل النضال الحقيقي مع تجميد مُخطط برافر، ما هي العلاقات التي تُكبّل إستمراريّة الحراك الشعبي من أجل مطالب واضحة، الإعتراف بجميع القرى في النقب، الإعتراف كونهم يملكون أراضي النقب، من خلال لجنة قوميّة فلسطينيّة مسؤولة عن أراضي النقب، عدم الإستمرار هو نابع من أزمةِ الحزب التمثيليّة وبالتالي ضعف الحراك في بلورة البرنامج وتحقيق مُراكمات نوعيّة، منذ يوم الأرض لم يستطيع الحراك إلا أن يُعيد إنتاج ذاتهِ في المُمارسةِ والنظريّة. وتبرز مُناقشتي المركزيّة، بأن الحراك يتكوّن فقط في المفهوم السلبي للحقوق! ولا يتمكّن من الإستمرار للكسب.
في المُقابل المُخططات الكولنياليّة في النقب يتمّ إعادة إنتاجها في صياغات وتمظهرات أخرى، تجهيز مستوطنات ومُحاولة التوسع وتوغل المستوطنين بمئات الألاف على حساب الأرض الفلسطينيّة(14). الديناميكيّة البرجوازيّة هي لا تتوقف في إيجاد طُرق وإلتفافات لتُحقق مكاسبها وتُراكم رأسمالها في النقب من خلال نهب الأرض وشركات البناء والإسكان. الحراك إستطاع أن يقف في وجه آلةِ النهب ومشروعها(برافر)، ولكن حقيقةِ الإنجاز هي نضال من أجل مشروعٍ يضمن تغيير العلاقات الإجتماعيّة.

----

ورقة بحثيّة قُدمت في إطار مؤتمر المُنتدى الشبابي الثاني- مركز دراسات التنمية في جامعة بيرزيت.

الهوامش
*(تحفظي على كلمة شبابي كونها كلمة فضفاضة إجتماعيّا، بمعنى إشكاليّة الطبقيّة التي تقف عائق أمام مصطلح الشبابي، الذي يستطيع أن يكون في طبقات إجتماعيّة مختلفة مما يجعل مصالح الشباب مختلفة، طالما إعتبرنا الحراك الشبابي يعبر عن مصالح طبقة اجتماعيّة مضطهدة ومسحوقة وهو يكون المُبادر للتحرك والنضال ).
المراجع
1-جرامشي. دفاتر السجن.ص244. طبعة لندن 1971 باللغة الإنجليزية
2-آن شوستاك ساسون. مداخل إلى جرامشي- السيطرة السياسيّة، الثورة، الدولة. ص97
3-المصدر نفسه. ص70
4-جرامشي. كتابات سياسيّة 1910-1920. ص104-105 وأيضاً ص110-111. طبعة لندن باللغة الإنجليزية
5-مقدمة كتاب- يوم الأرض ما بين القومي والمدني للمؤلف نبيه بشير. مدى الكرمل
6-نبيه بشير. يوم الأرض ما بين القومي والمدني. ص61. مدى الكرمل
7-المصدر نفسه. ص72
8-إيلان بابيه. الفلسطينيون المنسيّون- تاريخ فلسطينيي 1948. ص208-209
9-نبيه بشير. يوم الأرض ما بين القومي والمدني. ص104. مدى الكرمل
10-المصدر نفسه. ص116-120
11-ثابت أبو راس. مقالة بعنوان: فلسطينيو النقب في مواجهة مُخطط "برافر". مجلة الدراسات الفلسطينيّة
12-المصدر نفسه
13-مُقابلة مع نُشطاء من الحراك الشبابي. مقالة بعنوان: الحراك الشبابي: مستمرّون في نضالنا حتى إسقاط مخطط "برافر"
14-مُخطط "زيادة سكان النقب بمليون شخص". مقالة على موقع (ynet)





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,629,302
- ديناميكيات المُقدس في الدين والرأسماليّة-مُراجعات في فكر الد ...
- ديناميكيات المُقدس في الدين والرأسماليّة-مُراجعات في فكر الد ...
- رسالة: عن النساء، الرأسماليّة والقتل
- ضرورةِ النفي: مُلاحظات عن مُقاطعة الكنيست بالداخل الفلسطيني
- سؤال الحزب بالداخل الفلسطيني(4): حركة أبناء البلد وإشكاليّة ...
- سؤال الحزب بالداخل الفلسطيني(3): عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي
- في تناقضات الأطراف: العدوان على سوريا
- سؤال الحزب بالداخل الفلسطيني(2): عن الفقر والجريمة
- سؤال الحزب بالداخل الفلسطيني(1): صفقة القرن وقانون القوميّة


المزيد.....




- الطيب صالح يسأل: من أين جاء هؤلاء الكيزان؟
- ارتفاع قتلى انهيار أرضي في كولومبيا إلى 28 شخصا
- المحكمة العليا في ميانمار ترفض الطعن الأخير من صحفيي رويترز ...
- مصدر لـ -سبوتنيك-: من المتوقع وصول قطار زعيم كوريا الشمالية ...
- اكتشاف فيروس سبب شللا غامضا لمئات الأطفال
- الأمريكيون خانوا الأكراد
- فتى يطالب آبل بمليار دولار تعويضا عن ضرر
- رذاذ لإنقاذ متعاطي الجرعات الزائدة من الأفيون
- 32 جزائريا ترشحوا لانتخابات الرئاسة
- جلسة أدبية تعيد احتدام صراع الهوية في الجزائر


المزيد.....

- حركة حماس والكيانية الفلسطينية المستقلة / فهد سليمان
- في راهنية الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية.. / فهد سليمان
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمودفنون
- مخيم شاتيلا - الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمود فنون
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1) / محمود الصباغ
- قطاع غزة.. التغيرات الاجتماعية الاقتصادية / غازي الصوراني
- الفاتيكان و الحركة الصهيونية: الصراع على فلسطين / محمود الصباغ
- حزب الشعب الفلسطيني 100 عام: محطات على الطريق / ماهر الشريف
- الحركات الدينية الرافضة للصهيونية داخل إسرائيل / محمد عمارة تقي الدين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمد قعدان - نقد علاقات الحزب والحراك الشعبي (الشبابي) بالداخل: يوم الأرض وبرافر