أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري يوسف - [37]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب حول تجربتها الأدبيّة والنّقديّة والتّرجمة والتَّشكيل الفنّي















المزيد.....

[37]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب حول تجربتها الأدبيّة والنّقديّة والتّرجمة والتَّشكيل الفنّي


صبري يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 6118 - 2019 / 1 / 18 - 21:12
المحور: الادب والفن
    


صبري يوسف

37. ما هي أهم محاور مواضيع كتابك النّقدي: "ميثم السّعدي وثنائيّة العرض المسرحي"؟

د. أسماء غريب

مسرحية (مدارات على كوكب شمسيّ)، كانت هي البوصلة الَّتي قادتني إلى مسرح ميثم السَّعدي، ولم أزل أتذكَّر لليوم اللَّحظة الّتي توصّلت فيها بنصّ هذه المسرحيّة، والّذي كتبه صاحبه منذ أزيد من ربع قرن ؛ كنتُ آنذاك (شباط 2014) أعمل على ترجمة ديوان شعري يتحدَّث عن قضيّة الدّمار الّذي أصابَ العراق منذ حرب الخليج إلى اليوم، فقلت في نفسي ما أشبه هذا الدِّيوان بنصّ ميثم، لم أكن أعني طبعاً التَّشابه من حيث المضمون، أو طريقة السَّرد، ولكن من حيث استخدام كلا الكاتبين لتقنيّة مسرحة الحياة، فالحربُ في الدِّيوان الشِّعري كانت هي المسرح العظيم الّذي اختارته كاتبته لتحريك شخصيّاتها المتنوّعة، والحرب هي أيضاً في نصّ ميثم السَّعدي المحرّك الأساس الّذي دفعه إلى كتابة هذه المسرحيّة، كي يعالج فيها، لا قضية الحرب بشكل مباشر، وإنّما تداعيات هذه الحرب ونتائجها الوخيمة على المجتمع العراقي. وإذ كنت بصدد التَّأمُّل في هذا الاستنتاج، تبادر إلى ذهني سؤال غريب: ما علاقة الكواكب ومداراتها بنص هذا الكاتب المسرحي، خاصَّة وأنّني حينما قرأته، لم أجد أثراً يذكر لا للشمس ولا للقمر، ولا لنجوم اللَّيل، ولا حتّى لهذا الكوكب الشَّمسي الَّذي خصّه بالذّكر ميثم السّعدي في عنوان مسرحيّته. فما الّذي كان يعنيه أو يريد الوصول إليه من خلال عنوانه هذا؟ لا أعتقد أنَّ هناك فجوة سيميائيّة بين العنوان ونصّه، وإذا كان الحبلُ الَّذي من المفترض أنْ يوجدَ كيْ يربط بين النَّص وعنوانه غائباً (على الأقل ظاهريّاً)، فلا شكّ أنّه حاضر في ذهن كاتبه، ولا بُدّ لي أن أجدهُ. كيف ذلك؟ سأباشر بترجمة النّصّ، ثمّ من التّرجمة إلى التَّحليل والتَّفكيك ومنهما إلى الرّكض وراء المعاني المتخفِّية أو المتقنِّعة بألف قناع وقناع بين الأسطر والحروف.
إنّ للترجمة مفعول السّحر، إنّها حقَّاً مفتاح من مفاتيح التَّأويل العجيبة، لأنّها تساعد أولاً في التّركيز بشكل دقيق على معاني النّص بغرض نقلها إلى لغة أخرى، ثمَّ ثانياً على الغوص بشكلٍ أكثر عمقاً في معانيه بلغته الأمّ. وإذ أنا أقوم بهذا العمل تركيزاً وغوصاً في حروف ميثم السَّعدي، اكتشفت أنّ الجواب وارد في عنوان المسرحيّة ذاتها وبالذّات في حرف الجرّ (على) [مدارات (على) كوكب شمسي]. وهو هنا، أيْ حرف الجرّ يقوم مقام ظرف المكان (فوق)، ومن المعلوم أنَّ المدار يكون حول، لا على، ولا حتّى فوق، وكون كلمة (مدار) جاءت في العنوان بصيغة الجمع ومرتبطة بكوكب شمسي، فهذا يعني أنَّ الأمر فيه حديث بلغة أهل الفلك عن مدارات كوكبيّة، وأن الكوكب الشَّمسي المعني بالأمر هنا قد يكون كوكب الأرض، باعتباره واحداً من أهم كواكب المجموعة الشَّمسيّة. فالكوكب الأرضي تدور فوقه (أو عليه)، كواكب أخرى. ومادام صاحب النّص هو مخرج وكاتب مسرحي، فما من شك، أنّه يقصد بكوكب الأرض هنا صورة المسرح مجازاً، وعليه تصبح الكواكب الأخرى هي الشَّخصيّات الّتي تدور فوق أرض المسرح. فحياة النّاس ــ الّذين هم هؤلاء الكواكب ــ، هي مسرحيّة كبيرة، إذ تراهم فوق الخشبة الأرضيّة منهمكين بكلِّ عمق في أداء أدوارهم، كل حسب تركيبته الشَّخصيّة. وما من عبث قال المخرج والمسرحي الكوميدي الشَّهير شارلي شابلن: "الحياة عمل مسرحي عفوي، لا تسبقه تدريبات تحضيرية، لذا، فما عليك أيّها الإنسان سوى أن ترقص، وتغنِّي وتحبَّ حياتك وتعيش بعمق كل لحظة فيها، قبل أن تسدل السِّتارة، وتنتهي المسرحيّة بدون تصفيق".
وفي مقولة شارلي شابلن نداء مُلحّ للعودة إلى نصّ ميثم السَّعدي وتصفّح الطَّريقة الّتي نسَّق بها كمخرج حركة الشَّخصيّات فوق خشبة المسرح، ويا للمفاجأة الّتي تمّ اكتشافها: فعدد الشَّخصيّات الّتي أدرجها ميثم في أوَّل صفحة تقديميّة لنص المسرحيّة هو اثنتا عشرة شخصيّة، عَشرٌ منها تدخل في الحبكة العامّة للنص واثنتان تجسِّدان وتلخِّصان التَّركيب العام للشخصيّات الثّانويّة، وللجمهور أيضاً. فماذا يعني هذا العدد؟ ألا يذكّرنا بعض الشَّيء بأجرام المجموعة الشمسيّة كاملة؟!
نعم الأمر فيه تشبيه بالشَّمس وكواكبها التّسعة، لكن ماذا عن الكوكبين الآخرين اللَّذين هُما هنا مجازاً الشَّخصيّات الثَّانويّة، ثمّ الجمهور. هل كان ميثم السَّعدي يعرف أنّ عدد أجرام المجموعة الشَّمسيّة سيرتفع من تسعة أجرام ليصبح اثني عشر جرماً، ومِن هذا العدد أستلهم بالتَّالي عدد شخصيّات مسرحيّته (مدارات على كوكب شمسي)؟
إلى حدود سنة 1988، وهي سنة كتابة نصّ ميثم كان عدد أجرام المجموعة الشَّمسية المعروف آنذاك لدى كلّ علماء الفلك، تسعة فقط، أيْ تسعة كواكب تدور حول الشَّمس، وآلاف الأجرام المنتشرة في حزام محدَّد يقع بين كوكبي المريخ والمشتري يطلق عليها اسم الكويكبات، وعددٍ لا يحصى من الشُّهب والنَّيازك، وكمِّيات كبيرة من الغازات والغبار الكوني المنتشر بين الكواكب. إلَّا أنّه ما بين سنتي 2003 و2012 اكتشف العلماء أن كواكب هذه المجموعة قد ارتفعت وأصبح عددها اثني عشر كوكباً، بما فيها ((نيبيرو)) الجديد وكذلك كوكب ((سِيدنا)).
لكن مهلاً، ثمّة نقطة أخرى يجب عدم إهمالها وأنا بصدد الحديث عن مقاربة الكاتب لقضيّة المسرح عبر علوم الفلك: ميثم السَّعدي عراقي، وهذا يعني الكثير بالنّسبة له كأديب مسرحي، أيْ أنّه لا شك متأثّر بعلوم حضارة بلاد الرَّافدين القديمة وأساطيرها الخالدة، وأخصُّ بالذّكر الحضارة السُّومريّة، أجل، فمن غيرهم السُّومريون كانوا أكثر دراية بالنّجوم والكواكب؟! السُّومريون هُمُ الّذين قالوا منذ أكثر من 4500 سنة، أي قبل علماء اليوم ونظريّاتهم وأبحاثهم الجديدة بأنّ النّظام الشّمسي يتكوَّن من اثني عشر كوكباً، وهو أمر تؤكِّده الرُّسوم والكتابات المسماريّة المحفوظة في متحف برلين، هذا يعني أنّ ميثم السَّعدي كان على دراية تامّة بكلِّ الحيثيّات الّتي نبع منها عنوان نصّه المسرحي (مدارات على كوكب شمسي)، وأنّه لم يكن لينتظر حتّى يكتشف علماء الفلك اليوم أنّ عدد أجرام المجموعة الشَّمسيّة هو اثنا عشر أو أكثر أو أقلّ.
من هذه الصُّورة الاستعاريّة الَّتي جمع فيها ميثم بين المفهوم الفلكي والأدبي الإبداعي لفنِّ المسرح، يصبح السُّؤال الَّذي يجب طرحه الآن هو الآتي: مادام قد تمّ تحديد الشَّخصيّات الرَّئيسة والثّانويّة في نصّ المسرحيّة باعتبارها كواكب تدور في فلك المجموعة الشَّمسيّة، فمن تكون الشَّمس الّتي تدور حولها هذه الكواكب داخل نص ميثم؟!
ما من شك في أنّها ستكون الشَّخصيّة الأهمّ بين كل شخصيّات المسرحيّة، أي تلك الّتي تحرِّك كلّ الكواكب، وتجعلها تدور حولها في كلا يوميها الفلكي والشَّمسي، أيْ في كلا لحظتَي الإضاءة والإظلام على خشبة المسرح. ومن غيرهُ يا ترى سوى المُخرج! ولا أدلّ على ذلك من هذه العبارات الّتي وردت في نصّ المسرحيّة بالمشهد الثّاني:
"المُخرج: الحقيقة أنا الرَّجل الوحيد الَّذي لم يبَلّغ بالحضور إلى المحكمة .... أوه لقد نسيتُ أنّني قد هيّأت كلّ شيء ولا أحتاج لأيّة دعوة
الجميع: أنت قد هيَّأت كلَّ شيء؟ فمن أنت إذن؟
المخرج: أنا سيّدكم ... أنا المُخرج".
أصبحت الصُّورة واضحة؛ فالمُخرج في هذه المسرحيّة هو الشَّمس، والشَّخصيّات الأخرى هي الكواكب الّتي تدور حوله، والمسرح الّذي تجرى فوقه الأحداث لحظة الإضاءة (اليوم الشَّمسي) والإظلام (اليوم الفلكي) هي الحياة (الدُّنيا). هو مسرح الحياة الَّذي غالباً ما يلبس فيه النَّاس أقنعة معيَّنة يؤدّون عَبْرَها أدوارهم كُلَّ يومٍ، كُلٌّ حسب كفاءته وقدرته على التَّمثيل، وهو المفهوم ذاته الّذي عبّر عنه المخرج والكاتب المسرحي ميثم السَّعدي في نصّه (مدارات على كوكب شمسي) عبر استخدامه لتقنيّة مسرحة المسرح وازدواجيّة الأقنعة.
وبعد مسرحيّة (مدارات على كوكب شمسيّ) حدث أنِ استلمتُ في يومه 04 أيار 2014 ورقة ميثم السَّعدي الخاصّة بمشروعه "ثنائيّة العرض المسرحي" بغرض ترجمتها إلى اللُّغة الإيطاليّة. لم أكُ بعدُ قد استوعبت بشكل كامل حقيقة هذه التَّجربة في المسرح العربي والعالمي كافّة على الرُّغم من قراءتي المتعمّقة لورقته الَّتي شرح فيها بشكل موجز كيفية تصوره ومقاربته لمشروعه وكيف ينوي تطبيقه على خشبة المسرح. ووجدت نفسي أتساءل باستمرار عن معنى وجدوى إقدام ميثم على هذه الخطوة وإصراره على تطبيقها بحماس منقطع النَّظير، أيْ ما معنى أنْ يقسّم الرّكح إلى جزْأين ويعرض فوقهما مسرحيَّتَين وفي وقت واحد؟ وهل سيكونُ هناكَ حاجز بين ممثِّلي نصيّ المسرحيّة الأوَّل والثَّاني، وما أثر كلّ هذا على جودة التَّمثيل وقوّة تأثيره في الجمهور، وعلى توزيع الوقت بين الممثِّلين، بل كيف سيختمان معاً عرضهما، هل في وقت واحد، أمْ هل سيختم كل واحد منهما عرضه بغض النَّظر عن الوقت المخصّص لكلاهما؟ ثمَّ ما مدى ثأثير كل هذه العناصر على الجمهور، هل سيتمكّنُ يا ترى من التَّركيز ومتابعة كلا العرضين وبالتَّالي تذكّر أحداث كلتا المسرحيَّتين؟ وهي كلّها أسئلة مشروعة كانت تزيد من حيرتي، ذلك أنّني كنتُ على علم أنّها هي وحدها التَّجربة كفيلة بإجلاء كلّ الأمور. عندئذ قرَّرتُ أن أكتفي بترجمة الورقة وجعل الأفكار تختمر لوحدها في ذهني، وانتظار تطوُّرات الأحداث خاصَّة وأنّني كنتُ على علم بأنَّ المشروع لن يظلَّ مجرّد حبر على ورق، لأنّ ميثم كان يفكر في شدّ الرّحال إلى الجزائر بهدف التَّطبيق الفعليّ والحيّ لتجربته هناك. لكنّ الَّذي حدث هو أنّني في يومه 02 أيلول 2014، وبينما كنتُ منهمكة في تحرير بعض الأوراق الخاصّة بكتابي الجديد باللُّغة الإيطاليّة عن ((الملائكة بين النّصِّ القرآني والنّصّ الأدبي))، إذا به تصلني من ميثم رسالة يشرحُ لي فيها آليات تقسيم الرّكح إلى جزْأَين وما إلى ذلك من التّفاصيل ذات الطّبيعة الرّياضيّة المحضة، فكان عليّ أن أحوّل انتباهي من أوراق كتابي، وأتوجه بعين التَّركيز والقراءة إلى فحوى نصّ الرّسالة، وإذ أنا أقوم بهذه العمليّة في أقلّ جزء من الثَّانية إذا بجرس الباب والهاتف يرنّان معاً في الوقت نفسه، فكان لزاما عليّ في تلك اللّحظة أن أقوم بأكثر من حركة وأعطي لكلّ وقته الخاصّ به؛ أيْ أن أفتح الباب وأردّ على الهاتف وأجيب ميثم، ثمَّ أعود بعد ذلك إلى كتابي. وكان كلّ هذا لحظة فارقة وعلامة مهمّة في يوميّاتي الخاصة بمشروع ميثم السّعدي المسرحي: ألمْ أكنْ أبحث عن تطبيق فِعْلي لما شرحه ميثم عن مشروعه، أعني تطبيقاً عملِّيا يُمكّنني من فهم حيثيات التَّجربة من الدَّاخل ومقاربة سرّها وأسرارها المكينة رغماً عن المسافات بين إيطاليا وأمريكا، وبينهما معاً والجزائر حيث كان المسرح والجمهور ينتظران ميثم كي يحمل لهما بين يديه أفكاره الجديدة؟! وحدها هي هذه اللّحظة الّتي قمت فيها بأكثر من عمل كانت كفيلة بأن تعطيني الجواب الشّافي وتدفعني إلى التّفكير في تحرير كتاب كامل عن الفكر المسرحي الميْثمي، لأنّني حينما دخلتُ كهف الفكرة توضّح لي بشكلٍ كامل المنطق الَّذي يحكم مشروع ميثم والنَّسق الفكري الّذي هو بصدد إنشائه: إنّه نسق يخاطب العقل أكثر من العاطفة، بل خطاب يرمي إلى تحفيز قدرات العقل البشري الّذي أصابه السّكون والخمول، وتشجيعه على أخذ زمام الفعل الحضاري من جديد، وهو الأمر الّذي شرحه وإن بإيجاز في هذا المقطع المقتطف من ورقة المشروع:
"....الذّهن واسع كالأفق ويمكنه أن يستوعب أي شيء وانظر إلى العلماء كيف اخترعوا التّلفاز والرّاديو ومحرّك السّيارة والطّائرة والكهرباء والبطاريّة والكاميرا والسِّينما. وفعلاً صرت أتمرَّن على كتابة أشياء كثيرة باللّغة العربيّة ومن اليسار إلى اليمين.... إذن الموضوع هو التّركيز.
قلت لنفسي؛ الأطفال يتابعون أكثر من مسلسل في اليوم نفسه ويتذكَّرون أحداث كل مسلسل، وحتّى العوائل استطاعت أن تتابع في اليوم الواحد أكثر من أربعة مسلسلات متباينة الأحداث فتعرف أين وصلت الأحداث في كلِّ حلقة. ممّا ذكرت استنتجت أنّه بإمكاني أن أقدِّم مسرحيَّتين مونودراما على ركح واحد وبوقت واحد وكل موضوع منفصل عن الآخر وبالتّجربة سأقدّم مونودراما بطولة ممثّل، ومونودراما بطولة ممثّلة وكل نص مسرحي يتحدّث عن موضوع مستقل عن الموضوع الآخر وبالوقت نفسه سأحتاج إلى مديري مسرح فلكلّ مسرحيّة تفاصيلها المتنوّعة من أزياء واكسسوارات وحركة وإضاءة ومؤثّرات وموسيقى تصويريّة وديكور وسينوغرافيا. قد أجد استياء من بعض النّقاد أو المنظِّرين وكذلك سأجد ترحيباً لما ابتكرته في هذه النّظريّة الّتي أعتقد أنّ اسمها سيكون ((ثنائيّة العرض المونودرامي المزدوج))".
الذّهن كما سرد ميثم هنا على لسان قائد الكتيبة واسع كالأفق ويمكنه أن يستوعب ويقوم بأشياء كثيرة في وقت واحد، يكفي فقط تدريبه على ذلك، وهي عبارة اختزلت فلسفة الكون كلّها، واختزلتْ أيضا الكيفيّة الّتي ينظر بها ميثم إلى المسرح، الّذي هو بالنّسبة له أولاً وقبل كل شيء مسرح تجريبيّ يدعو من خلاله إلى التَّغيير والتَّجديد سواء فيما يتعلّق بمفردات العمل المسرحيّ أو بطريقة تنفيذه فوق الخشبة. إنّها رحلة استكشافيّة يسعى من ورائها إلى إيجاد ساحات فكريّة وإبداعيّة لم يطأها أحد قبله وذلك انطلاقاً من إيمانه العميق بقدرة الإنسان الخلّاقة على صنع المستقبل واستشراف آفاقه وعوالمه الجديدة مع الحرص الدّائم على تحقيق ذاك التّوازن الخفي بينه هو كمبدع وبين حركة التّغيير وآلياتها الهادفة إلى إيجاد البديل عن واقع راهن متآكل، مع الابتعاد ما أمكن عن كلِّ ما له علاقة بالتّكرار والجمود الفكريّ والثّقافيّ. لذا فإنَّ مسرحه ليس لعرض الأفكار والآراء الجاهزة ولكن لهدم أركان ما سبق من فكر أكل عليه الدّهر وشرب، لأنّه فكر إيديولوجيّ أنتجته ظروف الحرب القاسية الّتي مرّ ويمرُّ بها العراق منذ الحرب الإيرانيّة إلى اليوم، والّتي بموجبها أصبح المسرح الميثمي صرخة موجّهة ضدّ الفساد الَّذي أصاب العالم في ظلِّ بورجوازيَّات الحروب والأسلحة ومافيات العقائد والشَّرائع الدِّينيّة على اختلاف مذاهبها ومشاربها، والّتي سحقتِ النّاس بفساد الخُلق وتضخّم الأنا والجشع الرّهيب الّذي حوّلها من كائنات آدمية إلى وحوش بشريّة، وهي صورة قريبة جدَّاً من تلك الَّتي كثيراً ما حاربها ألفريد جارّي عبر نزعته الباتافيزيقيّة وفلسفة العبث اللّامتفلسف، وما رفضُ الفساد والتّمرد عليه سوى حالة إنسانيّة يجب إبرازها عبر الفنّ دون اللّجوء أبداً إلى أسلوب الموعظة والحكمة، وهي الفكرة ذاتها الَّتي تشبّث بها ميثم مع الحرص الشَّديد على أن تكون خشبة المسرح مكاناً خاصاً فقط بتقديم صور مختلفة وعميقة عن عزلة الإنسان وعذابه وقهره النَّفسي، دون أنْ تتحوّل أبداً إلى مكان للمعارك السِّياسيّة الطَّاحنة. فالهدف في نصوصه هو السُّلوك البشري ونقل خصوصيّة الشَّخصيّة المسرحيّة إلى عموميّة الإنسان بدءاً من حركة الممثّل وفعله وصولاً إلى مفردات العرض المسرحي، وهذا أمر دفع بميثم السَّعدي إلى الانتباه هنا إلى ما للممثل من أهمِّية قصوى في إيصال فكره الإبداعي ممّا جعله يركز كثيراً على المهارات الَّتي يتمتَّع بها كلّ ممثّل على حدة، وهذا أمر لا يمكن حدوثه سوى في المسرح التّجريبيّ، لأن ميثم لم يعتمد فيه فقط على نصه المكتوب، ولا على ما فيه من حوارات تنطق بها الشَّخصيّات لإظهار السّلوك الإنساني ولكن أيضاً على الممثل نفسه وانفعالاته المستقلّة وحركته ومدى انسجامه مع الجمهور ومع أجواء خشبة المسرح ذاتها.
وكون ميثم السَّعدي قد تأثَّر كثيراً بتجارب عمالقة المسرح التَّجريبي العالمي أمثال ستانيسلافسكي وبيتر بروك وصمويل بيكيت، فإنَّ هذا لا يعني أبداً أن فكره المسرحي منقول عن المسرح الأجنبي، بل على العكس من هذا تماماً، لأنّ الَّذي حدث هو أن ميثم أفاد من مناهج الغرب في المسرح باعتبارها ثارت وتمرَّدت على تقليديّة المسرح ثمّ وظَّفها في تأسيس منهج مسرحي مستقل تماماً عن تجارب من سبقه، يعتمد على تقنيّة التَّأصيل وبلورة قواعد المسرح العالمي في أشكال وأساليب مختلفة لبناء الشَّخصيّة وتطوير أشكال التَّصاعد الدرامي وإتقان الحبكة، فأصبح مسرحه عربيَّاً خالصاً ناتجاً عن حالة الإحباط والدَّمار الّتي مُنيت بها الشُّعوب العربيّة بسبب الحروب المستمرّة والنّزاعات السِّياسيّة العقيمة والثَّورات الفاشلة، وما مسرح ميثم سوى ابن لهذه الظُّروف ومرآة تعكس هذه الحالة المريعة من الانهيار النّفسي الَّتي جعلت من العرب شعوباً تتشبَّث بالبقاء أكثر ممَّا تسعى نحو التَّغيير والتَّطوُّر والتَّقدُّم، ولعلّه هو نفسه هذا المسرح التَّجريبي الميثميّ الَّذي ينظر إليه الجمهور اليوم بعين الاستغراب والرِّيبة سيكون هو وغيره من التَّجارب المسرحيّة المعاصرة المادّةَ الخام لنهضة مسرحيّة شاملة تكون أكثر أصالةً ممَّا سبقها وكفيلة بتحقيق التَّغيير المطلوب والسّير قُدُماً نحو مستقبل أكثر إشراقاً وأكثر وعياً بأهمِّيّة الإنسان وفكره الخلّاق.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,283,875,820
- [36]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [35]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- 34. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ح ...
- [33]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [32. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [31]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [30]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [29]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [28]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [27]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [26]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [25]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [24]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [23]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [22]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [21]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [20]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- [19]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...
- 18. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ح ...
- [18]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب ...


المزيد.....




- مهرجان? ?تطوان? ?لسينما? ?البحر? ?الأبيض? ?المتوسط? ?يحتفي? ...
- وزير? ?الثقافة? ?المغربي?: ?قانون? ?الصناعة? ?السينمائية? ?ف ...
- شيرين عبد الوهاب تخرج عن -صمتها الإلكتروني-
- بنشماس من مكناس: - نخشى معاول الهدم من الداخل و على الحزب أن ...
- ندوة شعرية عن ديوان -حضن الريح- للشاعر الكبير محمد السخاوي
- باريس: احتفالية كبيرة بمناسبة مشاركة سلطنة عُمان كضيف خاص في ...
- غدا الأحد ، ندوة لمناقشة المجموعة القصصية (وكأنه هو) للكاتب ...
- شاهد.. من قصر لصدام في البصرة إلى متحف للحضارات
- بالكرم والضيافة.. الكشف عن تفاصيل تصميم متاجر متحف قطر الوطن ...
- لم يعرضوا من قبل في الخليج... 8 أفلام لأول مرة بالسعودية


المزيد.....

- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر
- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري يوسف - [37]. رحلة المئة سؤال وجواب، حوار صبري يوسف مع د. أسماء غريب حول تجربتها الأدبيّة والنّقديّة والتّرجمة والتَّشكيل الفنّي