أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - السنون عبدالفتاح - العنف كاثارسيزم المحتجين الفرنسيين ...















المزيد.....

العنف كاثارسيزم المحتجين الفرنسيين ...


السنون عبدالفتاح

الحوار المتمدن-العدد: 6109 - 2019 / 1 / 9 - 05:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


طالما تم النظر، في الفكر النظري، الى العنف وكأنه أداة تدمير يجب دوما التبرؤ منها.. الفكر مسالم..بل هو دعوة الى السلام والعقل والهدوء..لكن الى أي حد يمكن التأكيد على مشروعية هذا القول؟ وأليس أن هذا الموقف موقف مجرد ومفارق، إنه محاولة غير بريئة للالتفاف على مطالب الفئات المسحوقة..محاولة للتأكيد على أن المطالب يتم تحقيقها بالحوار البورجوازي الهادئ ..!!! لكن هيهات ثم هيهات...العنف هو بلسم جراح المسحوقين والمقموعين والمشرّدين والمجهّلين والمفقّرين...ألم يقل سارتر انه أداة لإعادة خلق الانسان لنفسه، إنه "ما يجعل الانسان يستعيد انسانيته التى استلبت منه بالعنف"...ولذلك ليس أمامه الا أن يستعيدها بالعنف ذاته الذي به سلب حقه. ألم يقل روسو أنه إذا كان الإنسان يرزح تحت نير العبودية وهو غير قادر على مواجهتها فخير له ان يطيع لكن ما أن تتاح له الفرصة يهوي على سيده بكل قوته من اجل التحرر من قيوده ؟؟!!
ومن هنا يتحول العنف ( catharsisme)الى أداة تَطَهُّر..الى كاتارسيزم ...عبادة تخلص الانسان من دنس الاستيلاب والاغتراب..تعيد له ذاته..كرامته..حقيقته..انسانيته...العنف ليس فقط أداة سلب، كما نظَرت له الفلسفة البورجوازية التي تعود جذورها الى أفلاطون، بيد أنه أداة بناء أيضا... وسيلة للتحرر من نير العبودية..ألم يقل فرويد أنه" أداة لإقامة الحق"
ها نحن نرى الفرنسيين يدمرون ويكسرون كل شيء وجد أمامهم من أجل الاعلان أن السيل قد بلغ الزبى..وأن الامور لم تعد تطاق..إنهم يطبقون وصية سارتر، هذا الأخير الذي قالت عنه الفيلسوفة اليهودية أرندت في كتابها:" في العنف" أنه أول من تحدث عن العنف. بيد أن تصوره للعنف لا يخلو من تأثره بماركس وانجلز..لكن هذان النبيان ظلا مجرد قنطرة للعبور الى مجتمع أو نظام سياسي جديد..العنف حسبهما اقتصادي بالأساس.. لأن العنف في التصور الماركسي ليس هو العامل الحاسم حركة التاريخ، اي ليس هو ما يعمل على تغيير البنى الاجتماعية ويولِّد مجتمع جديد بل الاقتصاد هو الكفيل بذلك. لذلك فإن ماركس يشبه الثورة التي لا تعمل الا على تسريع وثيرة الانتقال من بنية اجتماعية قديمة الى اخرى جديد، أما العامل الحاسم في ذلك فهو التناقض الاقتصادي الذي يعتمل في البنى الاقتصادية والاجتماعية المادية..التناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج هو ما يحسم في أمر الانتقال، اما الثورة فهي نتيجة فقط وليس سبب كما يوضح ذلك انجلز في كتابه:" ضد دوهرينغ" مقدما على ذلك مثال "فرايداي" اي "جمعة" الذي هو اسم بطل رواية " كروزوه" لأن العنف الذي يمارسه الرجل الأبيض على فرايداي، الرجل الافريقي الأسود، ليس غاية في ذاته بقدر ما أنه مجرد وسيلة للانتفاع الاقتصادي. أي أن العنف اقتصادي بالأساس وليس سياسي قمعي مادي..
لكن سارتر انطلق من عصره، عصر الامبريالية الغربية التي عملت على استعمار العالم الثالث اعتمادا على العنف المادي؛ ذلك أن تفوقها السياسي والاقتصادي والتقني... هو ما جعل الدول الضعيفة فريسة سهلة امام الدولة المتطورة، ولذلك فإنه انطلق في موقفه الملتزم من العنف في معناه المادي المرعب. لأن العنف، في نظره، هو ما يطهر الانسان من دنس الاستعباد والخنوع والوصاية، بل إنه ما يمكن الانسان من إعادة خلق ذاته. لذلك فإنه قد عمل، في تقديمه لكتاب فرانس فانون:"معذبون في الأرض"، على دفع المقدمات التي انطلق منها فانون الى أقصى مدى ممكن، لأن ما اغتصب بالعنف يجب أن يستعاد بالعنف. وبينما ان بعض المنظرين كجورج سوريل الذي استند في مواقفه الى بعض الافكار الماركسية، وكان ينظر الى أن أقصى ما يمكن أن تصل اليه ممارسة العنف هو المناداة بالاضراب العام مع اعتماد بعض الاكاذيب والاحابيل الايديولوجية التي تساهم في انجاح هذا الاضراب العام ، من قبيل الحديث تجييش الجمهور عن طريق عده بالاتحاد العمالي العالمي ونقابة عمالية عالمية وما الى ذلك. غير أن سارتر لم يتوقف عند هذا الحد بل تجاوزه الى المناداة باعتماد العنف المادي من أجل التحرر، وبذلك جسد موقفا فلسفيا يطبعه الالتزام بقضايا الانسان المقهور في العالم من طرف الامبريالية الغربية..العنف المادي هو البلسم الذي بإمكانه أن يشفي المُستعمَرين والمسحوفين من استبداد الرجل الابيض، هذا الأخير لم يحتل الجزائر وغيرها من الدول الافريقية بواسطة الحوار ولا بإعمال إيتيقا المناقشة او بالاستناد الى اخلاقيات العقل الكوني وإنما تم استعمارها بالعنف، ولذلك فإن العنف هو أداة شفائهم من أمراضهم وكسورهم وانجراحاتهم... وبهذا يكون المحتجون الفرنسيون حينما يقومون بأفعال شغب وعنف أمام قصر الإيليزيه لا يعملون الا على تطبيق وصية سارتر، هذا الاخير الذي طالما وقف بجانب الجماهير وشارك في الاحتجاجات والمظاهرات المطالبة بتحرير الشعوب.



الشعب الفرنسي الآن يعي جيدا أن العنف هو أداتهم الحاسمة التي بمقدورها أن تخلصهم من الهيمنة الرأسمالية المعاصرة..هذه الهيمنة التي لم تكترث لوجود الدول أو عدمها بل هي الدول. لقد أضحت سلطتها تتجاوز سلطة الدول، فهي التي تؤسس الدول والأنظمة وهي التي تسقطها؛ فبعدما كان للدول هامشا من السيطرة على هذه الرأسمالية المتوحشة التي كانت قديما تتخذ بعدا وطنيا، أي أنها كانت في ملكية الدولة-الأمة، فإنها أصبحت اليوم عابرة للقارات...إنها تتجاوز الدولة، وأصبحت رغبتها في التهام مقدرات الشعب المادية والاقتصادية غير قابلة للإشباع.. وهكذا لم تعد الدول، كما يؤكد على ذلك الفيلسوف الفرنسي آلان باديو، إلا جهازا يضطلع بوظيفة التسيير والإدارة. مما يعني أنه لم يعد لها سلطة على الرأسمال المعولم. اتخذ رأس المال صبغة مؤسسات تأمر وتنهي وليس في مقدور الدولة إلا إدارة الأزمات !!! أليس هذا ما اضطلعت به، يقول باديو، الدول الأوربية إبان الأزمة المالية لسنة 2008 ؟؟!!
الفرنسيون يعون إذن بقدرهم المأساوي..يعرفون أن الدولة مجرد جهاز ذا وظيفة تدبيرية، وجدت من أجل حماية الرأسمالية وليس من أجل المواطنين..لكنهم يعون أيضا أن العنف عدو الرأسمالية رغم أن الرأسمالية تحب العنف، لكن تحبه حينما تكون هي التي تديره..أي حينما تكون تتحكم في قوانينه وليس حينما يوجه ضدها..هكذا تتخذ الاحتجاجات في ظل تشابك المصالح طابعا عنيفا.. لكن دون أن يصل الى العنف المدمر، أي دون أن يفقد طابعه الاحتجاجي ويتحول إلى تمرد ثائر لأن الثورة لن تهديهم الورود منزوعة الأشواك...والكل يراهن أن يخرج من المعركة رابحا...
هكذا يكون العنف إذن أداة لإعادة ولادة الانسان..لكنه الإنسان الغربي هذه المرة لا الجزائري ولا الإفريقي عامة..إنه الانسان الأبيض الذي أصبح تحت رحمة الرأسمالية العالمية التي لا ترى في الإنسان إلا أداة إنتاج واستهلاك..لكن الذي يخرج من هذه الثنائية، هو في منظورها، في حكم العدم، لأنه لا ينضبط الى قوانينها التي توهمنا أنها كونية والتي ما فتئ كتابها أن بينوا لنا ذلك..ولذلك ليس بالضرورة أن يكون العنف أداة سلبية..مدمرة..ومصاحبة للشر بل قد تكون أيضا أداة إيجابية..وسيلة لاستعادة الحق المغصوب بعين الأداة التي تم بواسطتها اغتصابه كما يبين ذلك المحلل النفسي فرويد في مقاله حول "الحرب"...





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,761,612
- هل يؤدي إعدام قتلة سائحتي شمهروش إلى تحقيق العدالة ؟َ
- الأوليغارشية في ثوب الديمقراطية
- في ذكرى الراحل محمد عابد الجابري...حفريات في الخطاب الاسلامي


المزيد.....




- المصريون يصوتون في استفتاء على تعديلات دستورية تمدد ولاية ال ...
- السعوديتان الهاربتان في جورجيا مها ووفاء السبيعي تتحدثان لـC ...
- أهم ما يجب أن تعرفه عن تعديل الدستور في مصر
- التعديلات الدستورية في مصر: الناخبون يدلون بأصواتهم في الاست ...
- أهم ما يجب أن تعرفه عن تعديل الدستور في مصر
- إصابة العشرات بعد خروج قطار عن مساره في الهند
- مقاتلات روسيا.. الخيار الأفضل لتركيا
- وفاة قائد القوة الأممية في الجولان المحتل
- نعم، نعم، نعم لعالم نووي
- ترامب يهاتف حفتر ويخالف موقف خارجية أمريكا المُعلن حول ليبيا ...


المزيد.....

- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد
- 2019: عام جديد، أزمة جديدة / آلان وودز
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ... / محمود الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - السنون عبدالفتاح - العنف كاثارسيزم المحتجين الفرنسيين ...